إعادة معايرة الانخراط الأوروبي في الخليج
من التفاوض الكتلي المتعثر إلى الشراكات متعددة المسارات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملخّص
لم تعد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الخليج تُفهم، كما كان شائعًا في مراحل سابقة، بوصفها علاقة مجمّدة في إطارٍ مؤسسي قديم، ولا بوصفها مجرد ملحق اقتصادي لروابط الطاقة والتجارة. ما يتشكل منذ إطلاق «الشراكة الاستراتيجية مع الخليج» عام 2022، ثم تبلوره في القمة الأولى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في بروكسل في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024، وأخيرًا انتقاله إلى مسارات تفاوضية ثنائية في التجارة والشراكات الاستراتيجية خلال 2025، هو نمط مختلف من الانخراط: أقل تصلبًا في الأداة، وأكثر براغماتية في الترتيب، وأوضح في الاعتراف بتفاوت الجاهزية بين الدول الخليجية نفسها [1][2][3][4].
تجادل هذه الدراسة بأن الاتحاد الأوروبي لم يتخل عن الإطار الجماعي مع مجلس التعاون الخليجي، لكنه تخلى، عمليًا، عن افتراض أن كل تقدم حقيقي يجب أن يمر عبره حصراً. وبدلًا من ذلك، بدأ يبني مقاربة هجينة تجمع بين مستويين: مستوى إقليمي ضروري للتنسيق السياسي والأمني وبعض ملفات الاستقرار، ومستوى ثنائي يسمح بالتحرك الأسرع في ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والتقنيات الجديدة. وليس هذا التحول تفصيلًا تقنيًا؛ بل هو استجابة لتبدلات أوسع في البيئة الدولية والإقليمية، من بينها تراجع اليقين في المظلة الأميركية التقليدية، وتصاعد الثقل الآسيوي في الاقتصاد الخليجي، وعودة الجغرافيا السياسية إلى قلب التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة [1][2][5].
وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن العلاقات الأوروبية الخليجية دخلت طور «الانخراط المُعايَر»: أي الشراكة التي لا تنطلق من حلم التماثل الكامل بين الطرفين، ولا من وهم الانتقال السريع إلى تحالف صلب، بل من إدارة الاختلافات بما يسمح بتحقيق تراكم عملي في المجالات التي تتلاقى فيها المصالح بالفعل. وعلى هذا الأساس، تبحث الدراسة في ثمانية محاور مترابطة: الإطار المفاهيمي للتحول، والاقتصاد السياسي للعلاقة، والتقارب الأمني وحدوده، والعمل المشترك في أزمات الجوار، والتعاون في الطاقة والذكاء الاصطناعي، وحلقة التعليم والبحث، ثم القيود البنيوية والسيناريوهات المرجحة. وتنتهي إلى أن نجاح الشراكة لن يُقاس بعدد القمم والبيانات، بل بقدرتها على تحويل المرونة المؤسسية إلى نتائج قابلة للقياس، وعلى إنتاج ثقة استراتيجية متبادلة في بيئة عالمية شديدة التقلب [2][5][6].
الكلمات المفتاحية: الاتحاد الأوروبي؛ مجلس التعاون الخليجي؛ الشراكة الاستراتيجية؛ التجارة الحرة؛ الأمن البحري؛ التحول الأخضر؛ الذكاء الاصطناعي؛ التعليم العالي؛ الحوكمة الرقمية؛ التعددية المرنة.
مقدمة
لوقت طويل، بدت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي وكأنها تعرف لماذا ينبغي أن تتقدم، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك. كان هناك ما يكفي من المصالح لمنع الركود الكامل، وما يكفي من التفاوت في التصورات لإحباط أي قفزة نوعية. فمنذ اتفاق التعاون لعام 1988، ظل الإطار القانوني والسياسي قائمًا، غير أن القدرة على تحويله إلى شراكة كاملة بقيت محدودة. تعثرت مفاوضات اتفاق التجارة الحرة الجماعي، وتكاثرت الحوارات القطاعية والبيانات السياسية، لكن الحصيلة العملية ظلت أدنى بكثير من الوزن الاقتصادي والمالي والسياسي للطرفين [1][3][6].
هذا التفاوت بين الإمكان والإنجاز لم يكن ناتجًا عن نقص موضوعي في المصالح، بل عن اختلال في طريقة بناء العلاقة. فالاتحاد الأوروبي كان يميل، بحكم تكوينه المؤسسي، إلى مقاربات شاملة وثقيلة التنظيم، تُدخل السياسة والتجارة والمعايير في سلة تفاوضية واحدة. أما دول الخليج، وإن اختلفت في ما بينها، فكانت تميل إلى براغماتية أسرع، وإلى اختبار الجدوى في ملفات بعينها قبل الانخراط في هياكل أشمل. ومع الوقت، صار هذا الاختلاف في الإيقاع وفي تعريف «الشراكة» نفسها أحد أسباب العطب المزمن في العلاقة [1][5][22].
لكن البيئة الدولية تغيّرت على نحو جعل استمرار المقاربة القديمة مكلفًا للطرفين. الحرب في أوكرانيا، وضغوط الطاقة، وعودة التنافس بين القوى الكبرى، والاضطراب المتكرر في البحر الأحمر، وتنامي النزعة الحمائية في الاقتصاد الدولي، كلها عوامل رفعت من القيمة الاستراتيجية لمنطقة الخليج في الحسابات الأوروبية. وفي الاتجاه المقابل، أدركت دول الخليج، خصوصًا بعد هجمات 2019 على البنية التحتية السعودية والإماراتية وما تبعها من تساؤلات حول طبيعة الردع الأميركي وحدوده، أن تنويع الشراكات لم يعد مجرد خيار لتحسين العائد، بل شرطًا لزيادة هامش القرار والسيادة العملية [10][13][21].
من هنا، لا يمكن قراءة الوثيقة الأوروبية الخاصة بـ«الشراكة الاستراتيجية مع الخليج» الصادرة في أيار/مايو 2022 بوصفها بيان نيات عاديًا. فالوثيقة مثّلت، في لغة بروكسل نفسها، اعترافًا متأخرًا بأن الخليج ليس فقط مورّدًا للطاقة أو ساحة أزمات، بل فضاءً يصل أوروبا بآسيا وأفريقيا، ويحتضن واحدًا من أكثر الاقتصادات الإقليمية ديناميكية، ويشكّل عقدة لوجستية ومالية وتقنية متنامية الأهمية [1]. ومع ذلك، بقيت الوثيقة بحاجة إلى ترجمة سياسية وعملية؛ لأن صياغة الأجندة ليست هي إنجاز الأجندة.
جاءت الترجمة الأوضح في القمة الأولى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في تشرين الأول/أكتوبر 2024. لأول مرة، اجتمع قادة الطرفين في قمة خاصة تُعلن صراحةً أن المطلوب هو شراكة للسلام والازدهار، وتربط بين التجارة والاستثمار من جهة، والأمن البحري، والطاقة، والاتصال، والاستقرار الإقليمي من جهة أخرى [2]. ثم جاء عام 2025 ليحمل ما هو أهم من اللغة السياسية: الانتقال من التمسك الصارم بالمسار الجماعي إلى فتح مسارات ثنائية، بدءًا بمفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات، ثم تفويض المفوضية والممثل الأعلى التفاوض على اتفاقات شراكة استراتيجية مع الدول الخليجية الست، كل على حدة [3][4][5].
تسأل هذه الدراسة، إذن:
ما الذي يعنيه هذا التحول في بنية العلاقة؟ وهل نحن أمام انتقال عابر فرضته الظروف، أم أمام إعادة تعريف طويلة الأمد لكيفية تعامل أوروبا مع الخليج؟ وتفترض الدراسة أن ما يجري ليس استبدالًا للتعددية بالثنائية، بل إعادة توزيع للوظائف بينهما. فالإطار الجماعي يبقى مفيدًا في الأمن الإقليمي، والتنسيق السياسي، وبناء الأطر العامة. أما القنوات الثنائية، فتصير الأداة الأجدى عندما يتعلق الأمر بتصميم اتفاقات تجارية، أو شراكات تقنية، أو ترتيبات استثمارية وطاقة تراعي الفروق بين الدول الخليجية نفسها [2][5].
وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا تفسيريًا يجمع بين قراءة الوثائق الرسمية الأوروبية والخليجية، ومتابعة البيانات التجارية والاستثمارية المتاحة، وربط ذلك بالسياق الجيوسياسي الأوسع. وهي لا تسعى إلى إثبات أن شراكة مكتملة وُلدت بالفعل، بل إلى تفكيك نمط التغير الجاري، وتحديد حدوده، واستخلاص ما يكشفه عن طبيعة الدور الأوروبي في الخليج، وطبيعة الحاجات الخليجية من أوروبا. فالغاية هنا ليست الترويج لفكرة الشراكة ولا نفيها، بل فهم نوع الشراكة الجاري تشكّله، وما إذا كان قابلًا للاستدامة أو معرضًا للتبدد مع أول اهتزاز كبير.
إطار مفاهيمي: ماذا نعني بـ«الانخراط المُعايَر»؟
الحديث عن «إعادة معايرة» الانخراط الأوروبي في الخليج ليس مجرد استعارة لغوية أنيقة. فالمفهوم يشير، في جوهره، إلى ثلاثة تحولات مترابطة. التحول الأول هو التخلي عن فكرة الأداة الواحدة. لم يعد الاتحاد الأوروبي يفترض أن المسار الإقليمي الجماعي هو الطريق الحصري إلى التقدم، كما لم تعد دول الخليج مستعدة لتعليق مصالحها العملية على بطء التوافقات الكبرى. ومن ثم باتت الثنائية، في بعض الملفات، وسيلة لتصحيح عجز التعددية، لا إعلانًا عن نهايتها [3][5].
التحول الثاني هو إعادة ترتيب العلاقة بين المبدأ والمرونة. لقد اعتادت أوروبا، بفعل تكوينها المؤسسي وشرعيتها القانونية، أن تربط الشراكات الخارجية بأطر تنظيمية ومعيارية كثيفة. لكن الخبرة الخليجية الطويلة مع بروكسل بيّنت أن كثرة الأطر لا تعني بالضرورة كثرة النتائج. ومن هنا بدأت المقاربة الجديدة تميل إلى الإبقاء على الأفق المعياري الأوروبي، ولكن من خلال أدوات تفاوضية أكثر تخصيصًا، وأقل ميلًا إلى رهن كل ملف بكل الملفات الأخرى. هذا تطور مهم؛ لأن قيمة المرونة هنا لا تكمن في تخفيف الطموح، بل في جعل الطموح قابلًا للتطبيق [1][5].
أما التحول الثالث فهو الاعتراف الصريح بتفاوت الجاهزية داخل الخليج نفسه.
فالتعامل مع مجلس التعاون بوصفه كتلة متجانسة في الاقتصاد والطاقة والرقمنة والاستثمار لم يعد دقيقًا، وربما لم يكن دقيقًا أصلًا. دول الخليج تشترك في جغرافيا ومؤسسات ومصالح عامة، لكنها تختلف في نماذجها الاقتصادية، وفي سرعة التحول، وفي نوع الشراكات التي تفضلها، وفي تعريفها للمخاطر والفرص. والمقاربة الأوروبية الجديدة، حين فتحت الباب أمام اتفاقات ثنائية مصممة بحسب الحاجة، أقرت ضمنًا بهذه الحقيقة [5][21].
ومن الناحية التحليلية، يفيد مفهوم «الانخراط المُعايَر» في تجنب خطأين شائعين. الخطأ الأول هو تصور أن العلاقة الأوروبية الخليجية ينبغي أن تتطور حتمًا إلى تحالف استراتيجي صلب إذا ما توفرت النوايا الحسنة. والخطأ الثاني هو الجزم بأن ما يحدث ليس سوى تحسين لغوي في خطاب أوروبي تقليدي لن يغيّر شيئًا على الأرض. ما بين هذين التبسيطين، يوجد واقع أكثر دقة: شراكة انتقائية، متعددة السرعات، تتقدم في بعض المسارات أسرع من غيرها، وقد لا تبلغ أبدًا مستوى التحالف، لكنها قد تتجاوز بوضوح مستوى الحوار البروتوكولي الذي طبع مراحل سابقة [2][5][22].
هذا الفهم يساعد أيضًا في تفسير ما يبدو، للوهلة الأولى، تناقضًا في السلوك الأوروبي. فمن جهة، لا تزال بروكسل تتمسك بخطاب متعدد الأطراف، وبأهمية العمل مع مجلس التعاون كإطار إقليمي. ومن جهة أخرى، هي تتجه نحو تفاوض ثنائي في ملفات مفصلية. ليس في هذا تناقض حقيقي، بل توزيع جديد للوظائف: التعددية للإطار والرسائل الكبرى وبعض ملفات الاستقرار، والثنائية للتفصيلات التنفيذية والملفات التي لا تتحمل انتظار التوافق الشامل [2][5].
كما يفيد هذا المفهوم في قراءة السلوك الخليجي نفسه. فالدول الخليجية لا تتعامل مع أوروبا بوصفها بديلًا عن واشنطن، ولا بوصفها خصمًا لبكين، بل بوصفها شريكًا يُستفاد منه على نحو مختلف. وهي لا تسعى إلى استبدال شبكة شراكاتها القائمة، بل إلى توسيعها وتحسين شروطها. وبذلك، فإن «الانخراط المُعايَر» ليس فقط وصفًا للتطور الأوروبي، بل أيضًا وصف للطريقة التي يستقبل بها الخليج أوروبا: انفتاح انتقائي، لا اندماج كامل؛ وتعاون محسوب، لا ارتهان جديد.
أولًا: خلفية التحول من الجمود المؤسسي إلى المرونة المحسوبة
ليست إعادة المعايرة الأوروبية حيال الخليج وليدة لحظة واحدة، بل ثمرة تراكم طويل من الإحباط والتعلم. فالمحادثات المتعلقة باتفاق تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون بدأت في التسعينيات، ثم توقفت في عام 2008 بعد أن اصطدمت بخلافات عميقة في مستوى الطموح وشكل الالتزامات. ولم يكن الفشل هنا نتيجة انعدام المصلحة الاقتصادية، بل نتيجة عدم قدرة الصيغة التفاوضية القديمة على استيعاب التباين في حسابات الطرفين. فقد أراد الاتحاد، كما هي عادته، إطارًا شاملاً ومترابطًا قانونيًا؛ بينما فضّل الجانب الخليجي، بدرجات متفاوتة، ترتيبات أقل تقييدًا، وأكثر مرونة، وأسرع في إنتاج العائد [3][6].
غير أن توقف المسار التفاوضي لم يعنِ انقطاع العلاقة الاقتصادية. فقد استمرت الحوارات في مجالات التجارة والاستثمار والتنويع الاقتصادي، كما ظل الاتحاد الأوروبي من كبار الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون، مع حفاظه على فائض تجاري مع المنطقة [6][7]. لكن استمرار التبادل التجاري لم يحلّ المشكلة الأعمق، وهي أن العلاقة بقيت تتقدّم تلقائيًا بحكم السوق، لا بحكم رؤية استراتيجية مكتملة. بعبارة أخرى، كان الاقتصاد يعمل، بينما بقيت السياسة الأوسع أقل من مستوى المصالح الفعلية.
هذا القصور أصبح أكثر وضوحًا مع صعود الصين وتعاظم دورها التجاري في عدد من الاقتصادات الخليجية، ومع تزايد قدرة دول الخليج نفسها على المناورة بين الشركاء، وعدم استعدادها لمنح أي طرف خارجي موقعًا احتكاريًا في تجارتها أو أمنها أو تقنياتها. فالمسألة لم تعد أن أوروبا فقدت الخليج؛ بل إن الخليج نفسه لم يعد قابلًا لأن يُفهم من خلال ثنائية «شريك أول وشريك ثانٍ» بالمعنى القديم. لقد صار الفضاء الخليجي يتصرف بمنطق التنويع، لا الارتهان، وبمنطق تعظيم الفرص، لا تكرار التبعيات [8][21][22].
في هذا السياق، جاءت وثيقة 2022 الأوروبية لتعلن أمرين معًا: أولًا، أن الاتحاد الأوروبي يريد علاقة أوسع مع الخليج؛ وثانيًا، أن هذه العلاقة لن تُبنى فقط على الطاقة الهيدروكربونية والأمن البحري، بل أيضًا على المناخ، والرقمنة، والبحث، والاتصال البشري [1]. أهمية الوثيقة أنها نقلت الخليج من خانة «الملف القطاعي» إلى خانة «الشريك الإقليمي المركب». لكنها، في الوقت نفسه، كشفت محدودية أوروبا التقليدية: فهي وثيقة غنية بالأهداف، لكنها لا تحل بمفردها معضلة التنفيذ.
القمة الأولى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي عام 2024 مثّلت لحظة انتقال من الإطار التصوري إلى الإطار السياسي. ففي البيان المشترك، لم يكتف الطرفان بالتأكيد على أهمية الشراكة، بل حددا مجالات التعاون ذات الأولوية، من بينها التجارة والاستثمار، والاتصال، وأمن الطاقة، والعمل المناخي، والتعاون الإنساني، والاستقرار الإقليمي [2]. كما جاء في البيان اعتراف ضمني بضرورة المرونة، عبر الإشارة إلى إمكانات اتفاقات تجارة واستثمار «مصممة بحسب الحاجة». وهذه الصياغة مهمة للغاية؛ لأنها تعني أن القمة أقرت، ولو بلغة دبلوماسية، بأن المسار الموحد لم يعد وحده أداة التقدم.
ثم حسم عام 2025 هذا الاتجاه بصورة مؤسسية. فحين أعلن الاتحاد الأوروبي والإمارات في 10 نيسان/أبريل 2025 الاتفاق على إطلاق محادثات تجارة حرة، ثم انطلقت المحادثات رسميًا في 27 أيار/مايو، كان ذلك إيذانًا بانتقال حقيقي من الجمود الجماعي إلى التجريب الثنائي [3][4]. وبعدها، حين اعتمد المجلس الأوروبي في 18 تموز/يوليو 2025 تفويضًا للتفاوض على اتفاقات شراكة استراتيجية مع الدول الخليجية الست كل على حدة، لم يعد الأمر مجرد اختبار مع الإمارات، بل صار سياسة معتمدة [5].
هذا لا يعني أن أوروبا تخلت عن مجلس التعاون بوصفه شريكًا إقليميًا. على العكس؛ فالإطار الجماعي ما يزال مهمًا لعدة أسباب. أولها أن مجلس التعاون، رغم اختلاف أعضائه، يوفر منصة للحوار السياسي الإقليمي، وللتفاهم حول قضايا الاستقرار والبحر الأحمر والطاقة وبعض الملفات الاقتصادية. وثانيها أن الاتحاد الأوروبي، بحكم تكوينه، يحتاج عادة إلى مخاطب إقليمي معترف به حين يتعلق الأمر بالأطر الأوسع. وثالثها أن بعض الملفات، كالتأهب للكوارث أو معايير النقل أو الحوار الأمني، تكسب منطقًا إضافيًا حين تُدار جماعيًا [2][10][12].
لكن القيمة الجديدة للمقاربة الأوروبية أنها لم تعد تفترض التعارض بين المستويين. فالثنائية لم تعد تُفهم كتهديد للمسار الإقليمي، بل كأداة لتجاوز عجزه. وهذه نقطة مركزية في فهم «الانخراط المُعايَر». فالفكرة ليست أن أوروبا استبدلت التعددية بالثنائية، بل أنها وزعت الوظائف بينهما بطريقة أقرب إلى طبيعة الخليج الفعلية: إقليم واحد، لكن بدرجات متفاوتة من الطموح والانفتاح والقدرة على الحركة.
ثانيًا: الاقتصاد السياسي للعلاقة… من تبادل السلع إلى بناء الاعتماد المتبادل
على المستوى الاقتصادي، تبدو مبررات التقارب الأوروبي الخليجي أكثر رسوخًا من غيرها. فبحسب المفوضية الأوروبية، بلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الخليج في 2024 نحو 161.7 مليار يورو، منها نحو 99.8 مليار يورو صادرات أوروبية، مقابل 61.9 مليار يورو واردات، بما يعكس فائضًا تجاريًا أوروبيًا واضحًا [6]. كما يؤكد مجلس الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد هو الشريك التجاري الثاني لدول مجلس التعاون الخليجي [7]. هذه الأرقام لا تكشف فقط عن اتساع التبادل؛ بل تدحض أيضًا فكرة أن العلاقات الاقتصادية كانت ضعيفة أصلًا. المشكلة، كما سبقت الإشارة، لم تكن في السوق، بل في البنية السياسية والتنظيمية التي يُفترض فيها ترجمة هذه السوق إلى شراكة أعمق.
وتتضاعف أهمية الخليج بالنسبة إلى أوروبا لسببين إضافيين. الأول أن المنطقة ليست مجرد سوق استهلاكية أو مصدرًا للطاقة؛ بل هي عقدة لوجستية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتملك موانئ ومطارات وشركات نقل وتمويل ذات تأثير يتجاوز حدودها الجغرافية. والثاني أن الاقتصادات الخليجية، وخصوصًا الإمارات والسعودية وقطر، لم تعد تتحرك فقط بوصفها اقتصادات تصدير طاقوي، بل بوصفها اقتصادات تحاول إعادة هندسة موقعها في التجارة العالمية من خلال الخدمات، وسلاسل التوريد، والتصنيع، والتكنولوجيا، والتمويل العابر للحدود [8][21].
في المقابل، يحتاج الخليج إلى أوروبا لأسباب تتجاوز النفاذ التقليدي إلى السوق. فالكتلة الأوروبية ما تزال واحدة من أكبر الأسواق المتماسكة في العالم، كما أنها توفر بيئة قانونية وتنظيمية أكثر استقرارًا من كثير من البيئات الأخرى في زمن يتصاعد فيه التسييس المباشر للتجارة والقيود الحمائية [6]. وفي لحظة دولية يتزايد فيها عدم اليقين بشأن الرسوم، وتدابير الأمن الاقتصادي، وإمكانات تسييس سلاسل الإمداد، تكتسب السوق الأوروبية قيمة خاصة بوصفها فضاءً يمكن التنبؤ بقواعده إلى حدّ بعيد، حتى لو كان التفاوض معه أبطأ من غيره.
هذا ما يفسر جزئيًا لماذا صارت الإمارات بوابة التقدم العملي في العلاقات التجارية الجديدة. فالبيانات الرسمية الإماراتية تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي كان ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات في 2024، بحجم تجارة غير نفطية بلغ 67.6 مليار دولار، أي 8.3% من إجمالي التجارة الإماراتية غير النفطية [8]. وإلى جانب الرقم نفسه، تكمن أهمية الحالة الإماراتية في كونها تكثف، بصورة شبه مثالية، ما تريده أوروبا من الخليج وما يريده الخليج من أوروبا: سوق واستثمار وتقنية، لكن أيضًا لوجستيات، وحوكمة، وتمويل، واتصال عالمي.
ومن هنا لا ينبغي النظر إلى مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات بوصفها مجرد استئناف لمسار تعطل سابقًا. إنها أقرب إلى إعادة تعريف لطبيعة الاتفاق نفسه. فالمفاوضات، بحسب المفوضية الأوروبية، لا تقتصر على السلع، بل تشمل الخدمات، والاستثمار، وتعميق التعاون في الطاقة المتجددة والهيدروجين والمواد الخام الحرجة والذكاء الاصطناعي [3][4]. بعبارة أخرى، لم تعد التجارة هنا منفصلة عن التحول الصناعي والتقني. وهذا ينسجم مع التحول الأوسع في سياسات الاتحاد الأوروبي، حيث صار مفهوم «الأمن الاقتصادي» يربط بين السوق، والتقنية، وسلاسل القيمة، والقدرة الاستراتيجية.
لكن أهمية المسألة لا تقتصر على الشق التجاري المباشر. فالعلاقة الاقتصادية الأوروبية الخليجية تدخل اليوم مرحلة مختلفة عنوانها «الثقة الاستراتيجية». والمقصود بهذه العبارة أن قيمة السوق لم تعد تنبع من حجمها فقط، بل من قدرتها على توفير درجة من الاستقرار واليقين في عالم سريع التقلب. بالنسبة إلى بروكسل، تمثل دول الخليج شركاء يملكون سيولة مالية، ومرونة في الحركة، وقدرة على الاستثمار في لحظة تتعرض فيها أوروبا لضغوط على التنافسية وسلاسل التوريد. وبالنسبة إلى الخليج، تمثل أوروبا فضاءً أقل مزاجية في قراراته التجارية من بعض القوى الأخرى، وأكثر قابلية لبناء ترتيبات طويلة الأجل.
غير أن بناء هذه الثقة لا يتحقق تلقائيًا. فالاتحاد الأوروبي، حين يتحدث عن «القواعد» و«الاستقرار التنظيمي»، يحتاج أيضًا إلى إظهار قدرة أكبر على الحسم وتبسيط المسارات. والدول الخليجية، حين تطلب سرعة في التنفيذ وتكييفًا للاتفاقات بحسب الحاجة، مطالبة كذلك بإبداء استعداد أوضح للانخراط في مواءمات تنظيمية ومعيارية ليست دائمًا سهلة سياسيًا أو إداريًا. بغير ذلك، قد تتحول المرونة إلى عمومية فضفاضة لا تنتج شيئًا، أو قد تتحول القواعد إلى جدار يعيد العلاقة إلى نقطة الانسداد السابقة.
وثمة بعد استثماري بالغ الأهمية في هذا السياق. فصناديق الثروة السيادية الخليجية لم تعد فاعلًا ماليًا ثانويًا، بل صارت أدوات استراتيجية تحمل معها حسابات النفوذ، والتقنية، والعائد طويل المدى. وأوروبا، رغم حذرها المتزايد في بعض القطاعات الحساسة، تحتاج إلى هذا الرأسمال في البنى التحتية، والطاقة، والصناعة، والخدمات المتقدمة. هنا أيضًا، تبدو المقاربة الثنائية أقدر على إنتاج تفاهمات عملية، لأنها تسمح بمواءمة الشروط والتوقعات على نحو أدق من المسار الجماعي الواسع [5][8].
ومن منظور خليجي، لا يتعلق الأمر فقط بجذب أوروبا بوصفها سوقًا، بل أيضًا باستخدام أوروبا بوصفها شريكًا في التموقع العالمي. فالنفاذ إلى أوروبا، أو بناء قواعد شراكة معها، يضفي على المشروعات الخليجية بعدًا معياريًا وتنظيميًا مهمًا، ويساعد في ربط الاقتصادات الخليجية بسلاسل قيمة أكثر تنوعًا من الاعتماد على محور آسيوي واحد أو علاقات ثنائية متقلبة. وهذا مكسب استراتيجي حقيقي، لا مجرد مكسب تجاري.
ثالثًا: الاستثمار بين المنفعة الاقتصادية والوزن الجيوسياسي
تميل المناقشات العامة عن العلاقات الأوروبية الخليجية إلى التركيز على التجارة أكثر من الاستثمار، مع أن الاستثمار قد يكون، في السنوات المقبلة، المجال الأكثر حساسية وتأثيرًا. فالتجارة تعكس تدفق السلع والخدمات، بينما يكشف الاستثمار عن عمق الثقة، وعن نوعية القطاعات التي يختار الطرفان الارتباط عبرها، وعن استعداد كل منهما لتعريض جزء من مستقبله الاقتصادي لشراكة أطول أمدًا.
تشير الوقائع المتاحة إلى أن الإمكانات الاستثمارية بين الجانبين ما تزال أكبر من التدفقات المتحققة فعليًا. صحيح أن هناك صفقات كبيرة واتفاقات تفاهم بارزة، لكن العلاقة لم تتحول بعد إلى شبكة استثمارية كثيفة بالقدر الذي يتناسب مع حجم الفوائض الخليجية والحاجة الأوروبية إلى رأسمال طويل النفس. ويرتبط ذلك بعوامل متعددة: الحذر التنظيمي الأوروبي، والقيود المرتبطة بالقطاعات الحساسة، والتباين في أولويات العائد، والفروق في الثقافة المؤسسية بين مستثمرين سياديين خليجيين وأجهزة أوروبية متعددة المستويات.
مع ذلك، فإن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن الاستثمار لم يعد منفصلًا عن حسابات الأمن الاقتصادي. فالاتحاد الأوروبي، منذ الأعوام الأخيرة، بات أكثر وعيًا بمسألة الاعتماديات الاستراتيجية، وأكثر اهتمامًا بفلترة الاستثمارات الوافدة إلى قطاعات حساسة، من البنية الرقمية إلى الطاقة إلى الموانئ وسلاسل القيمة الصناعية. وهذا الحذر قد يبدو، من منظور أولي، عاملًا معرقلًا للتوسع الاستثماري الخليجي. لكنه قد يتحول، إذا أُحسن تدبيره، إلى عنصر ثقة بدل أن يكون عنصر شك. ذلك أن وجود قواعد واضحة وشفافة، حتى لو كانت أكثر تشددًا، أفضل من بيئة ملتبسة تجعل كل صفقة مرشحة للتسييس المفاجئ.
وبالنسبة إلى الخليج، لا تقتصر قيمة الاستثمار في أوروبا على العائد المالي. فالاستثمار في الأصول الأوروبية يمنح الصناديق الخليجية، والشركات المتوسعة، موضع قدم داخل قطاعات متقدمة تقنيًا وتنظيميًا، ويتيح لها تعلّم المعايير، وفهم البيئة الصناعية الأوروبية، والمشاركة في تحولات كبرى مثل التحول الأخضر، والبنية الرقمية، والمواد المتقدمة. هذا النوع من التموضع لا يُقاس فقط بسعر الأصل أو بعائد السنة المالية، بل بالقدرة على بناء حضور طويل المدى داخل فضاء اقتصادي من أكثر الفضاءات تأثيرًا في وضع القواعد والمعايير عالميًا.
ومن هنا، فإن الشراكة الاستثمارية الأوروبية الخليجية ستنجح بقدر ما تستطيع أن توازن بين مطلبين متعارضين ظاهريًا: مطلب الانفتاح على رؤوس الأموال الخليجية، ومطلب حماية القطاعات الحساسة والمصالح الاستراتيجية الأوروبية. هذه الموازنة ليست سهلة، لكنها ضرورية. وبدونها، إما أن تتحول أوروبا إلى فضاء شديد الانغلاق فيخسر جزءًا من جاذبيته، أو أن تنفتح من دون ضوابط واضحة فتزيد حساسياتها السياسية الداخلية. وفي الحالتين، ستتضرر الشراكة.
رابعًا: الأمن والتقارب الوظيفي… ما تستطيع أوروبا أن تقدمه وما لا تستطيع
من السهل، عند الحديث عن الأمن في الخليج، الوقوع في مبالغة مزدوجة: إما تصوير الاتحاد الأوروبي بوصفه فاعلًا هامشيًا لا وزن له، أو تصويره بوصفه بديلًا ممكنًا للدور الأميركي. والحقيقتان معًا غير دقيقتين. فالواقع أن أوروبا لا تملك، ولا تطمح غالبًا، إلى أن تحل محل الولايات المتحدة في وظيفة الردع الصلب وحماية المظلة الأمنية التقليدية. لكنها لم تعد أيضًا مجرد مراقب خارجي أو جهة معنية بالدبلوماسية الإنسانية وحدها. ما يتشكل هو دور أوروبي وظيفي في الأمن الخليجي، يتركز في الملاحة، والتنسيق، والتأهب، وإدارة المخاطر العابرة للحدود، وبعض عناصر الأمن السيبراني وعدم الانتشار [10][11][12][13].
بدأ هذا التحول يأخذ شكله المؤسسي في كانون الثاني/يناير 2024، حين عُقد في الرياض أول حوار أمني إقليمي بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي [10]. ثم تلاه المنتدى الرفيع المستوى حول الأمن والتعاون الإقليمي في لوكسمبورغ في نيسان/أبريل 2024 [11]، ثم الاجتماع الثاني للحوار الأمني في بروكسل في نيسان/أبريل 2025 [12]. وقد تناولت هذه المسارات ملفات لم تعد هامشية في العلاقة، مثل الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والتهديدات السيبرانية والهجينة، والاستجابة للكوارث، وعدم الانتشار. القيمة الحقيقية لهذه اللقاءات لا تكمن في البروتوكول، بل في كونها تنقل الأمن من بند عابر في البيانات إلى مسار مؤسسي متكرر.
هذا التقدم لم يأتِ من فراغ. فمنذ هجمات 2019 على منشآت نفطية سعودية وإماراتية، وما كشفته من ثغرات في تصورات الحماية والتوقعات من الحلفاء، ترسخ لدى عدد من العواصم الخليجية أن تنويع الشركاء الأمنيين بات ضرورة، لا ترفًا [21]. ولا يعني ذلك فك الارتباط بواشنطن؛ بل يعني البحث عن طبقات إضافية من الأمن: حماية الملاحة، والإنذار، والتنسيق، وبناء القدرات، والتعامل مع الكوارث المعقدة. وفي هذه المجالات تحديدًا، يملك الاتحاد الأوروبي ما يعرضه.
تظهر عملية «أسبيدس» بوصفها المثال الأوضح على هذا النوع من الإسهام. فالعملية، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في شباط/فبراير 2024 لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر والمياه المحيطة، مُددت ولايتها حتى شباط/فبراير 2027 [13]. وهي ليست تحالفًا هجوميًا ولا مظلة ردع شاملة، لكنها تعكس أمرين مهمين. الأول أن أوروبا باتت أكثر استعدادًا لتحويل مصالحها التجارية والبحرية إلى ترتيبات أمنية عملية. والثاني أن أمن الملاحة، الذي يمثل أولوية مركزية لدول الخليج، صار مجالًا واضحًا لتقاطع المصالح الأوروبية الخليجية. فحين تُحمى خطوط الشحن من البحر الأحمر إلى خليج عمان، فإن ذلك لا يخدم فقط ناقلات وبضائع أوروبية، بل يخدم أيضًا البنية الاقتصادية والأمنية للدول الخليجية ذاتها [13].
ولا يقتصر الحضور الأوروبي على البعد البحري العسكري. ففي المجال الإنساني واللوجستي، زار الاتحاد الأوروبي في شباط/فبراير 2025 مخزون ReliefEU في دبي، مؤكدًا دور هذا المخزون في تسريع الاستجابة للأزمات الإنسانية والكوارث [14]. كما رحّب البيان المشترك للقمة الأوروبية الخليجية الأولى بتعزيز التعاون بين مركز تنسيق الاستجابة للطوارئ في الاتحاد الأوروبي ومركز إدارة الطوارئ في مجلس التعاون الخليجي [2]. وهذا النوع من التعاون قد يبدو أقل إثارة من الأساطيل والسفن، لكنه في الحقيقة من أكثر أشكال الشراكة رسوخًا؛ لأنه يبني ثقة تشغيلية، ويؤسس لمنطق مؤسساتي يتجدد مع كل أزمة.
غير أن التقارب الأمني يظل محكومًا بقيود واضحة. فالاتحاد الأوروبي، حتى عندما يتحرك موحدًا، لا يملك عادة سرعة القرار نفسها التي تملكها القوى الصلبة في الأزمات الحادة. كما أن الدول الأعضاء لا تتفق دائمًا على مستوى الانخراط المطلوب خارج الجوار الأوروبي المباشر. وفي المقابل، فإن مجلس التعاون، رغم ما أظهره من تماسك أكبر منذ المصالحة الخليجية، ما يزال يتضمن دولًا تختلف في أولوياتها الأمنية، وفي مقدار استعدادها للمواجهة أو للوساطة أو للحياد. هذا التفاوت لا يمنع التعاون؛ لكنه يجعل الشراكة الأمنية أقرب إلى «حزمة وظائف» منها إلى «عقيدة مشتركة».
تبدو هذه الفجوة أوضح حين ننتقل من أمن الملاحة إلى أمن الإقليم السياسي الأوسع. ففي ملفات مثل إيران، أو سوريا، أو اليمن، أو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لا يمتلك الاتحاد الأوروبي دائمًا النفوذ الميداني أو أدوات الضغط الحاسمة التي تمتلكها واشنطن أو بعض القوى الإقليمية. لكنه يملك شيئًا آخر: القدرة على فتح مسارات تخفيف، أو دعم قانوني ومؤسسي، أو تنسيق دولي، أو إسناد إنساني، أو شرعنة سياسية لتحركاتٍ تشترك فيها أطراف خليجية ذات نفوذ مباشر [15][16].
ولهذا، فإن المعيار الأدق لقياس الدور الأمني الأوروبي في الخليج ليس سؤال: هل تحل أوروبا محل أميركا؟ بل سؤال: هل تملك أوروبا قيمة أمنية نوعية لا يوفرها الآخرون بالطريقة نفسها؟ والجواب، حتى الآن، نعم، ولكن ضمن حدود. فقيمة أوروبا تكمن في الأمن البحري المنظم، وفي القدرة على بناء قنوات مؤسسية للحوار والتأهب، وفي الربط بين الأمن والقانون والاستجابة الإنسانية. أما نقطة ضعفها، فتكمن في محدودية القدرة على فرض النتائج السياسية الصلبة حين تتجاوز الأزمة مستوى التنسيق إلى مستوى الردع والحسم. والمطلوب من الطرفين هو أن يتعاملا مع هذا الواقع كما هو، لا كما تتخيله المقارنات الخطابية.
خامسًا: الخليج كفاعل لا كساحة… تصحيح زاوية الرؤية الأوروبية
أحد أوجه القصور التاريخية في المقاربات الأوروبية لمنطقة الخليج أنها كانت تميل إلى النظر إلى الإقليم بوصفه موضوعًا للسياسة، لا شريكًا في صنعها. كان الخليج يُقرأ من زاوية ما يوفره لأوروبا: الطاقة، والتمويل، وبعض الممرات البحرية. أما كونه ينتج سياسات خاصة به، ويطوّر أدوات تأثيره، ويتصرف بوصفه فاعلًا لديه أجندة مستقلة، فلم يدخل دائمًا في صميم المخيلة السياسية الأوروبية. غير أن هذه النظرة لم تعد قابلة للاستمرار.
فخلال العقد الأخير، أظهرت دول الخليج، وخصوصًا الدول الأكثر نشاطًا، أنها لا تتحرك فقط استجابة للضغوط الخارجية، بل تصوغ خياراتها بقدر كبير من المبادرة. وسواء اتفق المراقبون مع كل هذه الخيارات أم اختلفوا، فإن الثابت هو أن الخليج لم يعد مجرد ساحة تنافس بين القوى الكبرى، بل أصبح طرفًا يشارك في تعريف أجندة المنطقة، وفي فتح قنوات التهدئة، وفي استخدام الاستثمار والطاقة والدبلوماسية أداةً لتشكيل البيئة المحيطة به. هذا التحول يفرض على أوروبا تعديلًا معرفيًا قبل أن يكون سياسيًا: التعامل مع الخليج بوصفه شريكًا ذا وكالة كاملة، لا مجرد مستقبل للسياسات الأوروبية.
وتبدو أهمية هذا التعديل جلية في ملفات مثل التوتر مع إيران، أو ترتيبات سوريا، أو القنوات الإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. ففي كثير من هذه المسارات، لا تستطيع أوروبا أن تحقق شيئًا يُذكر إذا تعاملت مع الخليج بوصفه ممولًا محتملًا أو حليفًا تابعًا. النجاح يقتضي الاعتراف بأن بعض الدول الخليجية صارت تملك، فعليًا، قنواتها الخاصة، وحساباتها الخاصة، وقدرتها الخاصة على التأثير، بل وأحيانًا على تيسير ما تعجز عنه العواصم الأوروبية نفسها.
ومن ثم، فإن إعادة المعايرة الأوروبية لا تخص الأدوات فقط، بل تخص اللغة الذهنية التي تُبنى عليها الشراكة. كلما أسرعت أوروبا في تجاوز الصورة القديمة عن الخليج، زادت قدرتها على بناء علاقة ناضجة معه. وكلما تمسكت بهذه الصورة، عادت العلاقة إلى تفاهمات غير متكافئة تُنتج في النهاية كثيرًا من الإحباط وقليلًا من الإنجاز.
سادسًا: أزمات الجوار… حيث يلتقي النفوذ الخليجي بالأداة الأوروبية
تكتسب العلاقة الأوروبية الخليجية معناها الأوسع حين ننظر إليها من زاوية الجوار المشترك. فالمجال الممتد من البحر الأحمر إلى المشرق ليس محيطًا خارجيًا للطرفين، بل فضاءً تتقاطع فيه مصالحهما الأمنية والتجارية والإنسانية. وهو أيضًا المجال الذي تُختبر فيه حدود كل منهما: أوروبا تحتاج شركاء يملكون نفوذًا وتمويلًا ومرونة سياسية في الإقليم؛ والخليج يحتاج شركاء يملكون شرعية دولية، وخبرة مؤسسية، ووزنًا اقتصاديًا وسياسيًا قادرًا على حماية بعض المسارات من الانهيار [2][15][16].
في القضية الفلسطينية، مثلًا، لا يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي نجح حتى الآن في ترجمة مواقفه المعلنة إلى أثر حاسم. لكنه ظل، رغم التباينات الداخلية، متمسكًا بأن حل الدولتين هو الإطار الوحيد القابل للاستدامة. ومن هنا جاءت أهمية إطلاق «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين» في أيلول/سبتمبر 2024، بالشراكة مع السعودية والنرويج [15]. أهمية هذه المبادرة لا تكمن في النتائج المباشرة، التي ظلت محدودة حتى الآن، بل في أنها كشفت إمكان قيام محور أوروبي عربي خليجي يعمل على إنتاج أفق سياسي بديل من الاكتفاء بإدارة الانهيار.
في هذا الملف تحديدًا، تحتاج أوروبا إلى الخليج بقدر ما يحتاج الخليج إلى أوروبا. فالسعودية، ومعها عدد من الدول العربية والخليجية، تملك موقعًا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة إقليمية واقعية. وأوروبا، رغم ضعفها النسبي في فرض الوقائع، تملك قدرة على الحشد الدبلوماسي، والربط بالمؤسسات الدولية، وتوفير الدعم المالي والإنساني، والدفاع عن مرجعية قانونية ما تزال مهمة في الصراع. ولذلك، حين يلتقي الطرفان حول صيغة عمل مشتركة، فإنهما لا يراكمان مجرد بيانات، بل يعيدان شيئًا من السياسة إلى ملف استهلكته الحرب والجمود.
وفي سوريا، اتخذ الاتحاد الأوروبي خلال 2025 خطوة مهمة حين اعتمد الصكوك القانونية اللازمة لرفع معظم العقوبات الاقتصادية القطاعية، في مسعى معلن لدعم السوريين في إعادة بناء بلد جديد، جامع وسلمي [16]. هذه الخطوة لا تعني انقلابًا كاملًا في المقاربة الأوروبية، لكنها تعني استعدادًا أكبر لاستخدام أدوات التخفيف الاقتصادي في لحظة سياسية متحركة. وفي المقابل، تمتلك دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية وقطر والإمارات بدرجات مختلفة، القدرة على الإسهام المالي والسياسي والإنساني في مسارات الاستقرار وإعادة البناء. من هنا يمكن أن تتشكل، نظريًا، معادلة تكامل: أوروبا تفتح المسار القانوني والتنظيمي وتضفي الشرعية، والخليج يضيف النفوذ والتمويل والمرونة الإقليمية.
أما اليمن والبحر الأحمر، فهما المجال الأكثر مباشرة لالتقاء المصالح. فالتهديدات التي طالت الملاحة الدولية منذ أواخر 2023 لم تُصَب أوروبا بها من باب التضامن النظري، بل من باب الأثر الاقتصادي الفوري على التجارة والإمداد. وفي الوقت نفسه، يشكل أمن البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي جزءًا عضويًا من الأمن الوطني الخليجي. لهذا السبب، لم يكن التعاون الأوروبي الخليجي في هذا المجال اختيارًا تجميليًا، بل ضرورة عملية فرضتها الجغرافيا السياسية للتجارة [13].
وفي التوتر مع إيران، تبدو العلاقة أكثر تعقيدًا. فبعض دول الخليج استثمر، خلال السنوات الأخيرة، في سياسات التهدئة وإعادة فتح القنوات، وهي ترى أن تقليل احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية مصلحة مباشرة لها. أما الاتحاد الأوروبي، فله حسابات إضافية تتصل بالملف النووي، وعدم الانتشار، والعقوبات، والعلاقة مع الولايات المتحدة. لا يوجد هنا تطابق تام في المقاربات، لكن توجد أرضية مشتركة واضحة: منع الانفجار الشامل، وحماية الملاحة، وصون البنية التحتية للطاقة، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى موجة نزاع مفتوح تجرّ الاقتصاد العالمي معها [12][13].
المسألة الأهم أن هذا الجوار المشترك يجعل الشراكة الأوروبية الخليجية أكثر من علاقة بين سوقين أو مؤسستين. إنه يحوّلها إلى علاقة بين فاعلين يتشاركان، بدرجات مختلفة، مسؤولية جزئية عن بيئة إقليمية مضطربة. وهذه المسؤولية لا تعني تماثلًا في القوة أو النفوذ، لكنها تفرض منطقًا مختلفًا: ليس كيف يتعامل كل طرف مع أزمات الإقليم وحده، بل كيف تتكامل أدواتهما حين يصبح الفشل المشترك أعلى كلفة من التباعد المعتاد.
سابعًا: الطاقة والتحول الأخضر… التقاء الهدف واختلاف المسار
من بين كل ملفات العلاقة الأوروبية الخليجية، يبدو ملف الطاقة الأكثر ازدواجًا. فهو، في آن واحد، أساسٌ قديم للارتباط، ومجالٌ جديد للتباين. فالاتحاد الأوروبي ما يزال يحتاج إلى الخليج بوصفه عنصرًا مهمًا في أمن الطاقة التقليدي، لكنّه يريد في الوقت نفسه أن ينقل العلاقة إلى فضاء التحول الأخضر والهيدروجين والتقنيات النظيفة. أما الخليج، فهو يسعى إلى تنويع اقتصاده الطاقوي، لكنه لا يرى مصلحةً في تقديم نفسه بوصفه مجرد مزوّد خارجي للطاقة النظيفة على حساب حساباته السيادية والاقتصادية الخاصة [1][2][24][25].
أوروبا تنظر إلى الخليج اليوم من خلال عدستين مترابطتين. العدسة الأولى قصيرة إلى متوسطة المدى، وتتعلق بأمن الإمدادات واستقرار الأسواق والحد من الصدمات في بيئة دولية متقلبة. أما العدسة الثانية فهي أطول أمدًا، وترتبط بإمكانات التعاون في الهيدروجين منخفض الكربون، والطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والمواد الخام الحرجة، وسلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بإزالة الكربون [3][4][5]. غير أن ربط هاتين العدستين بخط مستقيم وسريع هو موضع الخطأ الأوروبي المتكرر.
ذلك أن دول مجلس التعاون ليست كتلة واحدة في التحول الطاقوي. تختلف في حجم الموارد، وفي سرعة التنويع، وفي جدوى التصدير، وفي طبيعة الطلب المحلي، وفي حدود البنية التحتية. كما أن لكل دولة مزيجًا مختلفًا من الاعتبارات: بعضها يرى في الطاقة المتجددة فرصة لتصدير الهيدروجين ومشتقاته لاحقًا، وبعضها يراها أداة لتحرير مزيد من النفط والغاز للتصدير، وبعضها يوازن بين الأمرين. هذا التفاوت يعني أن الحديث الأوروبي عن الخليج باعتباره «موردًا أخضرًا» واحدًا، قادرًا على سد فجوات القارة سريعًا، هو تبسيط يضعف الرؤية بدل أن يقويها [24][25].
توضح تقارير الوكالة الدولية للطاقة والوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن تجارة الهيدروجين العالمية ما تزال في طور التشكل، وأن تحويلها إلى ركيزة ثابتة للتبادل الدولي يحتاج استثمارات ضخمة في الإنتاج والنقل والتخزين والطلب الصناعي والتسعير [24][25]. وبالنسبة إلى الخليج، قد يكون أكثر منطقية في المدى القريب أن يستخدم التوسع في الطاقة الشمسية والرياح لتقليل الاستهلاك المحلي من النفط والغاز، ومن ثم زيادة الفائض القابل للتصدير، بدل الدخول السريع في سباق تصدير هيدروجين واسع قبل اكتمال البنية التحتية والأسواق.
هنا تظهر فجوة في الإيقاع، لا في الرغبة العامة في التحول. أوروبا تتحرك بمنطق إزالة الكربون وتعديل القواعد السوقية بسرعة نسبية. أما الخليج، فيتحرك بمنطق مزدوج: الاستفادة من العائد الهيدروكربوني ما دام مجديًا، وبناء قواعد تحول تدريجي لا تهدد الاستقرار الاقتصادي. هذا الاختلاف ليس عيبًا أخلاقيًا ولا انحرافًا استراتيجيًا؛ بل هو نتيجة لاختلاف البنية الاقتصادية والموقع في السوق العالمية. المشكلة تبدأ حين يرفض كل طرف الاعتراف بمنطق الآخر.
وينطبق الأمر نفسه على احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه. فالنهج الأوروبي يميل إلى إدراج هذه التقنية ضمن حزمة انتقالية لخفض الانبعاثات، خاصة في القطاعات التي يصعب إزالة كربونها بسرعة. أما في بعض الدول الخليجية، فإن الاهتمام بهذه التقنية يرتبط أيضًا بالاستخلاص المعزز للنفط، أي استخدام ثاني أكسيد الكربون لزيادة إنتاج الحقول. تقنيًا، ثمة تقاطع بين الاستخدامين؛ لكن مناخيًا وسياسيًا ليست النتيجة واحدة. وإذا أرادت أوروبا والخليج بناء شراكة واقعية في هذا المجال، فعليهما أن يناقشا صراحةً حدود التقاطع، بدل الإيحاء بأن المصطلح الواحد يعني السياسة نفسها [24].
مع ذلك، لا ينبغي اختزال الملف في التباين. فهناك مساحات واسعة للتعاون العملي: تطوير البنى التحتية للطاقة النظيفة، وتحسين كفاءة الشبكات، والتبريد المستدام، وتحلية المياه منخفضة الكربون، وتمويل المشروعات الخضراء، وبناء معايير مشتركة لبعض سلاسل القيمة الجديدة. ويملك الاتحاد الأوروبي هنا ميزة معرفية وتنظيمية وصناعية مهمة، فيما تملك دول الخليج قدرة مالية وسرعة تنفيذ ومساحات تجريبية واسعة. وإذا صُممت الشراكات على مستوى ثنائي وقطاعي، بدل البحث عن وصفة خليجية موحدة، فإن فرص النجاح ترتفع كثيرًا [5].
وما يحتاجه الطرفان في هذا الملف ليس خطابًا أكثر تفاؤلًا، بل مفردات أكثر صدقًا. فالعلاقة لن تتحول في المدى المنظور من نفط وغاز إلى هيدروجين فقط. وستظل الطاقة التقليدية، في الأجلين القصير والمتوسط، جزءًا من معادلة التعاون. لكن هذا لا يُبطل إمكان بناء علاقة طاقوية جديدة؛ بل يعني أنها ستنشأ فوق طبقات قديمة لا بإزاحتها دفعة واحدة. ومن يخطئ في فهم هذه الحقيقة، يخطئ في فهم سرعة التحول الممكنة وحدودها في آن معًا.
ثامنًا: الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية… ما تعرضه أوروبا من معيار وثقة
يُعد ملف الذكاء الاصطناعي من أكثر الملفات قدرة على الكشف عن طبيعة القيمة الأوروبية في الخليج اليوم. فالاتحاد الأوروبي لا ينافس الولايات المتحدة في موقعها المركزي داخل النظام العالمي للرقائق المتقدمة والحوسبة الفائقة، ولا ينافس الصين في بعض أنماط التوسع السريع والمرن في التطبيقات والبنية الرقمية. لكنه يملك رصيدًا مختلفًا: القدرة على صياغة إطار حوكمي وقانوني ومعياري متماسك للذكاء الاصطناعي، وعلى ربط هذا الإطار بالسوق والحقوق والتنظيم والثقة المؤسسية [17].
وقد اكتسب هذا الرصيد طابعًا عمليًا بعد دخول قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيّز النفاذ في آب/أغسطس 2024، مع جدول تطبيق متدرج يصل في أجزاء أساسية منه إلى 2026 [17]. ليست أهمية هذا القانون في كونه تشريعًا أوروبيًا داخليًا فقط، بل في كونه مرشحًا لأن يؤثر في سلوك الفاعلين الدوليين الذين يريدون الوصول إلى السوق الأوروبية أو بناء شراكات متصلة بها. وكما فعل الاتحاد الأوروبي سابقًا في مجالات حماية البيانات والمنافسة وبعض المعايير البيئية، يمكن أن يتحول تشريعه في الذكاء الاصطناعي إلى أداة تأثير تتجاوز حدوده الجغرافية.
في المقابل، تتعامل دول الخليج، وخصوصًا الإمارات والسعودية، مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعًا سياديًا وتنمويًا واستثماريًا حاسمًا. وتسعى العاصمتان، كل بطريقتها، إلى بناء مكانة إقليمية وعالمية في البنية الرقمية والبيانات والحوسبة والنماذج والخدمات الذكية. وفي حالة الإمارات، تجلى ذلك بصورة لافتة في إعلان مشروع حرم الذكاء الاصطناعي الضخم في أبوظبي في أيار/مايو 2025، والذي وُصف بأنه الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة [18]. ما يكشفه هذا الحدث هو أن الخليج لا يريد مجرد شراء التكنولوجيا، بل يريد أن يكون منصة لإنتاجها واستضافتها وتوجيه جزء من تدفقاتها.
هنا يبرز سؤال جوهري: ماذا يمكن أن تضيفه أوروبا إلى هذا المشهد؟ الجواب ليس في الرقائق وحدها، ولا في التمويل وحده، بل في شيء أكثر تركيبًا: الحوكمة الموثوقة. فكل توسع كبير في الذكاء الاصطناعي يثير أسئلة عن تدفقات البيانات، والخصوصية، والمساءلة، والتحيز، والاستخدامات الخطرة، والملكية الفكرية، ودور الدولة والمنظمين. وفي هذه المساحة تحديدًا، تستطيع أوروبا أن تقدم للخليج شراكة تتجاوز مجرد البيع والشراء: شراكة في بناء القواعد، وتدريب المنظمين، وإنشاء البيئات التجريبية التنظيمية، وربط الابتكار بالاستدامة.
ويتضاعف معنى هذا العرض حين نربط الذكاء الاصطناعي بالطاقة. فمراكز البيانات والحوسبة الضخمة ليست كيانات افتراضية تحلق في الفراغ؛ إنها منشآت تستهلك كهرباء هائلة وتحتاج بنية تبريد ومياهًا وشبكات موثوقة. وهذا يعني أن مستقبل الذكاء الاصطناعي مرتبط، عمليًا، بأسئلة الطاقة وكلفة الكيلواط والانبعاثات والاستدامة. ومن هنا تنشأ مساحة تقاطع إضافية مع الخليج الذي يملك، في بعض حالاته، ميزة في القدرة على بناء بنى تحتية كبيرة للطاقة والبيانات معًا، فيما تملك أوروبا خبرة في وضع الأطر والمعايير التي تمنع أن يتحول السباق الرقمي إلى فوضى تنظيمية أو بيئية [17][18].
لكن جاذبية المقاربة الأوروبية ليست مضمونة تلقائيًا. فالدول الخليجية تعمل ضمن سوق عالمية متعددة النماذج، وهي تختبر في آن واحد المرونة الأميركية، والعروض الآسيوية، وأطر أوروبا التنظيمية. وإذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يكون حاضرًا بفاعلية، فعليه أن يحول «الذكاء الاصطناعي الموثوق» من شعار عام إلى برامج عملية: مختبرات مشتركة، وتمويل بحثي، وبرامج تدريب قضائي وتنظيمي، وحوارات بشأن تدفقات البيانات، وشراكات في التطبيقات القطاعية كالطاقة والصحة والخدمات العامة. وبدون هذه الجسور التشغيلية، قد يبقى الخطاب الأوروبي متماسكًا أخلاقيًا، لكنه ضعيف الأثر الاستراتيجي.
ما يكشفه هذا الملف، في نهاية المطاف، هو أن أوروبا لا تستطيع أن تكسب السباق في الخليج إذا حاولت تقليد ما يقدمه الآخرون. قيمتها الحقيقية تنشأ حين تقدم ما يميزها هي: السوق المقترنة بالمعيار، والابتكار المقترن بالحماية، والتقنية المقترنة بالقانون، والاستثمار المقترن بالثقة. وهذه، في زمن يتسارع فيه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بلا ضوابط مستقرة، ليست ميزة قليلة.
تاسعًا: التعليم والبحث والاتصال البشري… الحلقة الأضعف في الشراكة
إذا كانت التجارة والأمن والطاقة تمنح العلاقة الأوروبية الخليجية وزنها الظاهر، فإن التعليم والبحث والاتصال البشري يمنحانها، أو يفترضان أن يمنحاها، عمقها الزمني. غير أن هذا هو المجال الذي تبدو فيه العلاقة أقل نضجًا بكثير مما توحي به الخطابات الرسمية. فالشراكات الحكومية يمكن أن تتسارع مع تغير الإدارات والأزمات والحوافز الاقتصادية، أما الشراكات المعرفية والمجتمعية فتحتاج إلى تراكم أبطأ، لكنها أيضًا أكثر ديمومة. ومن دون هذا التراكم، تبقى العلاقة، مهما اتسعت، عُرضة لأن تظل فوقية ومنحصرة في النخب التنفيذية [19][20][21].
تُظهر بيانات المفوضية الأوروبية الخاصة ببرامج التعليم العالي أن حجم الانخراط الخليجي في بعض الأدوات الأوروبية ما يزال محدودًا. فميزانيات إيراسموس+ المخصصة لدول الخليج ضمن الأطر الأوسع تظل متواضعة مقارنة بمناطق أخرى، كما أن عدد المشاركين من هذه الدول في برامج التنقل لا يوازي وزنها الاقتصادي ولا طموحاتها المعلنة في اقتصاد المعرفة [19]. كما أن حضور مؤسسات الخليج في برامج «هورايزن» البحثية ظل متواضعًا قياسًا بمؤسسات من دول أخرى في الجوار، رغم أهلية المشاركة [20][21].
هذه الأرقام ليست تفصيلًا بيروقراطيًا. فهي تكشف أن أحد عناصر الشراكة بعيدة المدى لم يُبنَ بعد. فدول الخليج تتحدث كثيرًا عن التحول الرقمي، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والجامعات العالمية، والمدن المستقبلية. وأوروبا تتحدث كثيرًا عن المعرفة، والمعايير، والبحث، والاتصال بين الشعوب. لكن الترجمة المشتركة لهذا كله ما تزال محدودة. فعدد الباحثين والشبكات والمشروعات المشتركة أقل بكثير مما تسمح به الإمكانات المتاحة للطرفين.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب. أولها أن أوروبا لم تتحول بعد، في الوعي الخليجي العام، إلى الوجهة التعليمية الأولى، على الرغم من جودة جامعاتها، وذلك لأسباب تتعلق باللغة، وبسلاسة المسارات الإدارية، وبجاذبية أنظمة تعليمية منافسة كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وثانيها أن مؤسسات الخليج نفسها، رغم تطورها، لم تندمج بعد بعمق في البنى الأوروبية للبحث والتعاون العلمي. وثالثها أن كثيرًا من البرامج الأوروبية المعروضة على المنطقة لم تُسند حتى الآن بهيكلة نشطة كفاية على الأرض، من حيث نقاط الاتصال، والتعريف، والدعم الإجرائي، والتشبيك المستمر [19][20].
ولا يعني هذا أن المجال فقير بالإمكانات. على العكس، ربما يكون من أكثر المجالات قابلية للتوسع السريع إن توفرت الإرادة الإدارية والسياسية. ففتح نقاط اتصال وطنية لبرنامج «هورايزن يوروب» في جميع الدول الخليجية، وتوسيع الاستفادة من TAIEX، وبناء منح مشتركة في مجالات الطاقة والبيانات والسياسات العامة والصحة، وإدراج مؤسسات خليجية في شبكات أكاديمية أوسع ترتبط بالمتوسط والجنوب العالمي، كلها خطوات يمكن أن تغيّر طبيعة العلاقة خلال سنوات قليلة [19][20].
إن الاستثمار في هذا البعد ليس ترفًا ثقافيًا، بل جزء من معمار القوة الناعمة المتبادلة، بل والقوة الصلبة المؤجلة أيضًا. فمن خلال التعليم والبحث تتشكل النخب، وتُنقل المعايير، وتُبنى الثقة بين الأجهزة والمؤسسات، ويصبح التعاون في الاقتصاد والطاقة والأمن أقل عرضة لسوء الفهم أو للتسييس الفجائي. وباختصار، إذا كان الاقتصاد هو محرك العلاقة، والأمن هو اختبارها، فإن المعرفة هي الضمان الوحيد لاستمرارها حين تتغير الظروف السياسية.
عاشرًا: القيود البنيوية التي تمنع التحول إلى شراكة مكتملة
على الرغم من الزخم الذي شهدته الأعوام 2022-2025، فإن العلاقة الأوروبية الخليجية ما تزال بعيدة عن التحول إلى شراكة مكتملة الأركان. وليس السبب فقط أن الملفات كثيرة ومعقدة، بل أيضًا أن هناك قيودًا بنيوية تفرض نفسها على الطرفين. أول هذه القيود هو اختلاف تعريف الغاية النهائية من العلاقة. فالاتحاد الأوروبي يميل إلى تصورها كإطار مؤسسي واسع يقوم على القواعد والاتفاقات والحوكمة المتعددة القطاعات. أما دول الخليج فتميل، على الأغلب، إلى تصورها بوصفها مجموعة أدوات مرنة تخدم أهدافًا محددة في الاستثمار والأمن والتقنية والتموضع الدولي. وحين لا يتطابق تعريف الغاية، يصبح سوء الفهم البنيوي شبه محتوم [1][5][22].
القيد الثاني هو تفاوت مركزية العلاقة في سلم الأولويات. بالنسبة إلى أوروبا، الخليج مهم، لكنه ليس دائمًا في قمة الأولويات مقارنة بأوكرانيا، والولايات المتحدة، والصين، والتوسيع، والتنافسية الداخلية. وبالنسبة إلى الخليج، أوروبا شريك مهم، لكنها ليست المرجع الوحيد أو الأول دائمًا، في ظل الحضور الأميركي، والوزن التجاري الصيني، والتوسع الآسيوي، والعلاقات المتشعبة مع قوى دولية أخرى. هذا التفاوت لا يمنع التقدم، لكنه يجعل العلاقة عرضة لأن تتراجع مرتبتها عند أول ضغط خارجي كبير.
القيد الثالث هو الانقسام الداخلي لدى كل طرف. ففي الاتحاد الأوروبي، ما تزال المصالح الوطنية للدول الأعضاء تؤثر في إيقاع العمل الخارجي وفي مستوى الانخراط في قضايا المنطقة. وتبدو هذه المشكلة أكثر وضوحًا حين تنتقل العلاقة من الاقتصاد إلى السياسة والأمن. وفي مجلس التعاون، ورغم ارتفاع منسوب التماسك مقارنة بسنوات الأزمة الخليجية، لا تزال الفروق قائمة في الأولويات الاستراتيجية، وفي نماذج الاقتصاد، وفي نوع الشراكات الدولية المفضلة [2][5][21].
أما القيد الرابع فيتصل بالمعايير والقيم. فالاتحاد الأوروبي لا يستطيع، بحكم تكوينه الذاتي وشرعيته الخطابية، أن يفصل السياسة الخارجية تمامًا عن لغة الحقوق والقانون والمعايير. وفي المقابل، لا تريد الدول الخليجية شراكة يُستخدم فيها هذا البعد بوصفه أداة ضغط انتقائية أو معطلًا مستمرًا للتفاهمات العملية. التحدي هنا ليس في إزالة الخلاف، فهذا غير ممكن على الأرجح، بل في إدارته من دون أن يبتلع بقية العلاقة. وكلما نجح الطرفان في بناء مساحات تعاون ملموسة، صار هذا التوتر أكثر قابلية للاحتواء.
القيد الخامس هو المنافسة الخارجية. فالاتحاد الأوروبي لا يتحرك في فراغ. الصين تقدّم عروضًا تجارية وبنى تحتية وتكنولوجية مختلفة، والولايات المتحدة تبقى مركزية في الأمن وفي بعض حلقات التقنية المتقدمة، والمملكة المتحدة ودول آسيوية أخرى تنافس في التمويل والتعليم والخدمات. وإذا أرادت أوروبا أن تحافظ على موقع مؤثر في الخليج، فعليها ألا تكتفي بالقول إنها «شريك قائم على القواعد»؛ بل ينبغي أن تثبت أن هذه القواعد تنتج منفعة وسرعة ووضوحًا، لا تعقيدًا وتعطيلًا [18][22].
هذه القيود كلها لا تجعل الشراكة مستحيلة، لكنها تمنع تحويلها إلى قصة نجاح سهلة. وهي تذكير بأن ما يجري الآن ليس لحظة حسم نهائي، بل لحظة اختبار. فإذا نجحت المقاربة المرنة الجديدة في تجاوز بعض هذه القيود، فسوف تكون أوروبا قد انتقلت فعلًا من خطاب الشراكة إلى هندستها. وإذا فشلت، فسيكون ذلك دليلًا على أن الاتحاد الأوروبي أدرك المشكلة، لكنه لم يمتلك بعد الأدوات الكافية لحلها.
حادي عشر: سيناريوهات العلاقة حتى عام 2030
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للعلاقة الأوروبية الخليجية خلال النصف الثاني من العقد الحالي. المسار الأول هو «التراكم المنضبط». وفيه تستمر المقاربة الحالية في التوسع تدريجيًا: تتقدم بعض المفاوضات الثنائية، وتترسخ الحوارات الأمنية، وتظهر مشروعات مشتركة في الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتعليم، من دون أن يتحول ذلك إلى تحالف سياسي شامل. قوة هذا السيناريو أنه الأكثر اتساقًا مع طبيعة الطرفين: أوروبا التي تفضل البناء التراكمي، والخليج الذي يختبر الشراكات من بوابة الجدوى والنتائج [2][5].
المسار الثاني هو «الاختراق الانتقائي». وفيه تنجح أوروبا في بناء علاقات أعمق بكثير مع دولتين أو ثلاث من دول الخليج، على الأرجح الإمارات وربما السعودية وقطر بدرجات مختلفة، فيما يبقى الإطار الجماعي مع المجلس قائمًا لكنه أقل وزنًا في الملفات التنفيذية. هذا السيناريو يتوافق مع التفاوت القائم في الجاهزية والطموح، لكنه ينطوي على مخاطرة تتمثل في تآكل البعد الإقليمي الجماعي لصالح خارطة متباينة من الشراكات الثنائية [5][21].
أما المسار الثالث فهو «الزخم المبدد». وفيه تبقى البيانات السياسية أعلى من القدرة التنفيذية، وتتعثر المفاوضات، وتتراجع الأولويات، ويحتفظ الشركاء المنافسون بالمكاسب الرئيسية في التجارة والتقنية والتعليم، فيما تظل أوروبا قوية في اللغة وضعيفة في الأثر. ليس هذا السيناريو مستبعدًا؛ لأن العلاقات الأوروبية الخليجية عرفت سابقًا كيف تنتج أطرًا كثيرة ونتائج قليلة [21][22].
المرجح، في تقديري، هو مزيج من المسارين الأول والثاني: تراكم منضبط في المستوى العام، مع اختراقات انتقائية في الدول الأكثر استعدادًا للمضي قدمًا. فطبيعة الخليج نفسها، وطبيعة الاتحاد الأوروبي نفسه، تجعلان التقدم المتساوي مع الجميع احتمالًا ضعيفًا. وهذا ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا. فربما تكون القدرة على إدارة اللامساواة في التقدم، من دون تفكيك المعنى العام للشراكة، هي الاختبار الحقيقي لنجاح المقاربة الجديدة.
ثاني عشر: خلاصات وتوصيات تنفيذية
تُظهر الدراسة أن التحول الجاري في العلاقات الأوروبية الخليجية ليس تحولًا في الخطاب فحسب، بل في طريقة بناء العلاقة وتوزيع قنواتها. وقد يكون هذا التطور، على تواضعه النسبي حتى الآن، أهم من كثير من البيانات الكبرى؛ لأنه يعترف أخيرًا بأن الشراكة بين طرفين غير متماثلين لا تُبنى بالإصرار على قالب واحد. ما يريده الخليج من أوروبا ليس نسخة أخرى من الشركاء الآخرين، وما تريده أوروبا من الخليج ليس فقط نفطًا واستثمارات. العلاقة تتغير لأن الطرفين اكتشفا، بدرجات مختلفة، أن لكل منهما ما لا يقدمه الآخرون بالطريقة نفسها: أوروبا تقدّم السوق والمعيار والقدرة على بناء الثقة القانونية والمؤسسية، والخليج يقدّم المرونة المالية، والقدرة اللوجستية، والحضور المتزايد في معادلات الطاقة والتقنية والإقليم [1][5][21].
وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تبدو التوصية الأولى واضحة: أن يتعامل مع المرونة لا بوصفها تنازلًا عن هويته، بل شرطًا لتفعيلها. فالمسألة ليست في أن يتخلى عن القواعد أو المعايير، بل في أن يطوّر أدوات قادرة على ترجمتها من دون خنق السياسة تحت ثقل الإجراء. والتوصية الثانية هي أن يركز على عدد محدود من الملفات القابلة للإنجاز السريع نسبيًا، مثل الشراكات القطاعية في الطاقة والذكاء الاصطناعي، وتسهيل الاستثمار، وتوسيع برامج التعليم والبحث، بدل أن يستهلك الزخم في أجندات واسعة غير قابلة للتنفيذ في المدى المنظور. أما التوصية الثالثة فهي أن يثق في القيمة الاستراتيجية التي يملكها، وأن يتوقف عن تقديم نفسه دائمًا من خلال مقارنة ضمنية مع الولايات المتحدة أو الصين. فأوروبا لا تحتاج إلى أن تكون نسخة من أحد كي تكون مؤثرة.
أما دول الخليج، فإن مصلحتها تكمن في استثمار الانفتاح الأوروبي الحالي قبل أن تبتلعه أولويات أخرى. فهذه لحظة مناسبة لربط بعض أجندات التنويع الاقتصادي الوطنية بشراكات أوروبية أكثر عمقًا، لا في التجارة وحدها، بل في الصناعة والمعرفة والبنية التنظيمية. كما أن على الدول الخليجية ألا تختزل قيمة أوروبا في كونها سوقًا أو مصدر تكنولوجيا، بل أن ترى أيضًا قيمتها بوصفها شريكًا في بناء قواعد الحوكمة، وحماية الاستثمارات، وفتح المسارات التعليمية والبحثية. فالشراكة مع أوروبا، إذا أُحسن بناؤها، يمكن أن تضيف إلى الاستقلالية الخليجية بدل أن تنتقص منها.
أما التوصية المشتركة للطرفين فهي التحول من «دبلوماسية المناسبات» إلى «دبلوماسية الإنجاز». فالقمة الأولى، والحوار الأمني، ومفاوضات التجارة الحرة، واتفاقات الشراكة الاستراتيجية المقترحة، كلها عناصر مهمة، لكنها لن تصنع وحدها علاقة جديدة. ما يصنعها فعلًا هو وجود آليات متابعة، ومؤشرات أداء، ومشروعات محددة، ومؤسسات وسيطة قادرة على تحويل النوايا إلى نتائج. وإذا لم يحدث ذلك، فسيبقى التحول الحالي أقل من إمكاناته.
ثالث عشر: بين واشنطن وبكين… أين تتموضع أوروبا في الحسابات الخليجية؟
لا يكتمل فهم التحول الأوروبي في الخليج من دون وضعه داخل مثلث أوسع يضم الولايات المتحدة والصين. فالعلاقة الأوروبية الخليجية لا تتطور في فراغ، بل داخل بيئة تنافسية تُقاس فيها قيمة كل شريك بما يضيفه مقارنةً بالآخرين، لا بما يعلنه عن نفسه فقط. الولايات المتحدة تظل المرجعية الأمنية الأولى، وتظل الأقدر على تقديم مظلة ردع صلبة، كما أنها ما تزال تحتفظ بأفضلية مهمة في بعض حلقات التكنولوجيا المتقدمة. أما الصين، فقد رسخت حضورها التجاري واللوجستي والصناعي، وتقدم نمطًا من الشراكة سريع الإيقاع وأقل انشغالًا بالمعايير السياسية. وبين هذين القطبين، تبدو أوروبا أحيانًا كأنها الطرف الثالث الأقل صخبًا، ولكنها قد تكون، في بعض الملفات، الطرف الأكثر قابلية لبناء ترتيبات مستقرة وطويلة الأمد.
وتكمن المشكلة الأوروبية، تاريخيًا، في أنها كثيرًا ما عرّفت نفسها في الخليج من خلال ما ليست عليه: ليست مظلة أمنية أميركية، وليست شريكًا تجاريًا آسيويًا سريع الحركة، وليست قوةً صلبةً مستعدة للمقامرة. غير أن هذا التعريف السلبي لا يكفي لبناء نفوذ. ما تحتاجه أوروبا هو تعريف إيجابي لوظيفتها: هي الشريك الذي يربط السوق بالمعيار، والاستثمار بالحماية القانونية، والتقنية بالحوكمة، والاتفاق بالاستقرار المؤسسي. وإذا بدا هذا العرض أقل بريقًا في لحظة القرارات السريعة، فإنه أكثر قيمة في لحظة بناء القواعد التي ستنظم التفاعلات لعقد كامل أو أكثر.
ومن زاوية خليجية، لا تُقرأ أوروبا عادة بمنطق البديل الحصري، بل بمنطق المكمّل الضروري. فالعواصم الخليجية لا تريد أن تستبدل اعتمادًا باعتماد، بل أن ترفع قدرتها على التفاوض والمناورة من خلال تنويع الشركاء وتوزيع الوظائف بينهم. ولذلك، فإن نجاح أوروبا لا يتطلب إزاحة الولايات المتحدة أو الصين من مواقعها، بل يتطلب أن تجعل نفسها شريكًا لا يمكن الاستغناء عنه في ملفات بعينها: الحوكمة الرقمية، وتنظيم الأسواق، والاستثمار المؤسسي، وبعض سلاسل القيمة الخضراء، والتعليم والبحث، والتأهب للأزمات. وكلما أصبح هذا الدور أوضح، تحسنت قدرة أوروبا على البقاء في الحسابات الخليجية حتى عندما لا تكون الشريك الأول في ملف آخر.
وهنا تظهر أهمية المرونة الأوروبية الجديدة مرة أخرى. فالقيمة الحقيقية لهذه المرونة أنها تسمح لبروكسل بأن تتحرك بوعي أكبر داخل بيئة تنافسية لا تكافئ البطء ولا تغفر الغموض. فإذا أرادت أوروبا أن تحجز لنفسها مكانًا ثابتًا في الخليج، فعليها أن تتصرف بوصفها شريكًا مكتمل الوعي بميزته النسبية، لا بوصفها قوةً تعتذر مسبقًا عن محدودية دورها. ففي عالم تعددي مضطرب، قد لا يفوز دائمًا من يملك الصوت الأعلى، بل من يثبت أنه الأكثر موثوقية عندما تبدأ الآخرين في إعادة حساباتهم.
خاتمة
ما يتشكل بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الخليج ليس مجرد تحسين في اللهجة الدبلوماسية، ولا مجرد استئناف متأخر لعلاقة اقتصادية قديمة. إنه تحوّل في طريقة فهم الشراكة وصياغة أدواتها. لقد أدرك الاتحاد الأوروبي، أخيرًا، أن الخليج لا يمكن التعامل معه فقط من خلال قوالب متعددة الأطراف الثقيلة، وأن المرونة ليست خروجًا على المبدأ، بل شرطٌ لجعل المبدأ نفسه قابلًا للحياة. وفي المقابل، أدركت دول الخليج أن أوروبا، رغم بطئها وترددها أحيانًا، ما تزال شريكًا يملك شيئًا لا يتوافر بسهولة لدى غيره: سوقًا كبيرة مستقرة، وقوة تنظيمية، وخبرة مؤسسية، وقدرة على بناء الثقة القانونية والعملية على المدى الطويل [1][2][5].
غير أن هذه الشراكة الناشئة لن تُقاس بنواياها، بل بقدرتها على ترجمة المرونة إلى إنجاز. فإذا تحولت الاتفاقات التجارية والاستراتيجية المقترحة إلى أطر عملية، وإذا توسع التعاون الأمني من الحوار إلى التشغيل المنتظم، وإذا وجدت الشراكة الخضراء والرقمية مشروعات ملموسة، وإذا خرجت العلاقة المعرفية والتعليمية من هامشها الحالي، فسيكون بوسع الطرفين القول إنهما بنيا شيئًا جديدًا فعلًا. أما إذا بقيت القمم والخطط أعلى من القدرة على التنفيذ، فإن «إعادة المعايرة» ستظل توصيفًا ذكيًا لتحسن محدود، لا اسمًا لتحول استراتيجي مكتمل.
إن القيمة السياسية الأهم لهذا المسار أنه يعبّر عن انتقال أوسع في العالم نفسه. فالعلاقات الدولية لم تعد تُدار فقط بمنطق التحالفات الجامدة أو الأسواق المفتوحة بلا قيد. صارت تُدار بمنطق المرونة الموجّهة، والاعتمادية الانتقائية، وبناء الثقة في بيئة مضطربة. وفي هذا العالم، قد لا تحتاج أوروبا والخليج إلى أن يصبحا متشابهين كي يتقدما معًا؛ ما يحتاجانه هو أن يفهما اختلافاتهما جيدًا، وأن يحولاها من مصدر تعطيل إلى مادةٍ لتصميم شراكة أكثر صدقًا، وأقل ادعاءً، وأكثر قدرة على البقاء.
المراجع
[1] European External Action Service, Joint Communication to the European Parliament and the Council: “A Strategic Partnership with the Gulf”, 18 May 2022.
[2] Council of the European Union, First European Union–Gulf Cooperation Council Summit, Joint Statement, 16 October 2024.
[3] European Commission, “The EU and the United Arab Emirates agree to launch free trade talks”, 10 April 2025.
[4] European Commission, “European Union and United Arab Emirates launch free trade talks”, 27 May 2025.
[5] European Commission, Directorate-General for the Middle East, North Africa and the Gulf, “Commission welcomes the adoption by the Council of an EU mandate to launch negotiations with the six Gulf Cooperation Council countries on Strategic Partnership Agreements”, 18 July 2025.
[6] European Commission, “EU trade relations with the Gulf region”, trade statistics and factsheets, 2025.
[7] Council of the European Union, “EU–GCC trade”, infographic and background material, 2025.
[8] Ministry of Foreign Affairs of the United Arab Emirates, “UAE and EU deepen trade and investment ties”, 19 March 2025.
[9] Reuters, “EU and UAE agree to launch free trade talks”, 10 April 2025.
[10] European External Action Service, “The first EU-GCC regional security dialogue held in Riyadh”, 24 January 2024.
[11] European External Action Service, “High-level forum on regional security and cooperation between the EU and GCC”, 22 April 2024.
[12] European External Action Service, “Second meeting of the EU-GCC regional security dialogue”, 24 April 2025.
[13] Council of the European Union, “Red Sea: Council extends the mandate of Operation ASPIDES to safeguard freedom of navigation”, 23 February 2026.
[14] European Commission, Directorate-General for European Civil Protection and Humanitarian Aid Operations, “Strengthening humanitarian partnerships: EU visits ReliefEU stockpile in Dubai”, 28 February 2025.
[15] European External Action Service, “Global Alliance for the Implementation of the Two-State Solution”, 2024.
[16] Council of the European Union, “Syria: EU adopts legal acts to lift economic sanctions on Syria”, 28 May 2025.
[17] European Commission, “European approach to artificial intelligence”; and “AI Act enters into force”, 2024.
[18] Reuters, “UAE to build biggest AI campus outside US in Trump deal, bypassing past China worries”, 15 May 2025; U.S. Department of Commerce related statement, May 2025.
[19] European Commission, Directorate-General for the Middle East, North Africa and the Gulf, “Promoting higher education”, 2025; Erasmus+ regional data.
[20] European Commission, “Gulf countries: research and innovation”; CORDIS database; and Horizon Europe association material, 2025.
[21] Katarzyna Sidło, “Calibrated engagement: Evolving relations between the EU and the Gulf region”, EU Institute for Security Studies, 10 July 2025.
[22] Arab Reform Initiative, “EU-GCC relations in 2025: Will actions speak louder than words?”, 27 February 2025.
[23] AGSIW, “First EU-GCC Summit Charts Course for Strategic Partnership”, 2024.
[24] International Energy Agency, Global Hydrogen Review 2025.
[25] International Renewable Energy Agency, Analysis of the potential for green hydrogen and related commodities trade, 2025.





