تمهيد:
لم تعد الثقافة في العلاقات العربية الأوروبية بندًا تجميليًا يُضاف إلى ملفات الأمن والطاقة والهجرة؛ لقد غدت مقياسًا مباشرًا لجدية الشراكة نفسها، ولمدى استعداد أوروبا للاعتراف بأن الدول العربية شريكٌ في إنتاج المجال المشترك، لا موضوعٌ يُدار داخله.
من السهل، عند الكتابة عن الدبلوماسية الثقافية، الوقوع في لغة مطمئنة أكثر مما ينبغي. فالمصطلح نفسه يوحي بشيء من الليونة، وكأن الثقافة حقلٌ يقف خارج الصراعات والمصالح واختلالات القوة. غير أن التجربة العربية الأوروبية تقول غير ذلك. فالثقافة، في هذا الفضاء تحديدًا، ليست هامشًا خارج السياسة؛ إنها أحد أكثر ميادينها حساسية، لأنها تمس صورة الشريك، وحدود الاعتراف به، وحقه في السرد، وموقعه في تعريف الأولويات. ومن هنا، لا تبدو الدبلوماسية الثقافية اليوم بندًا ثانويًا في العلاقة بين العرب وأوروبا، بل تبدو اختبارًا صريحًا: هل تريد أوروبا فعلًا علاقة أكثر توازنًا مع الدول العربية، أم أنها تبحث عن أدوات أكثر نعومة لتلطيف اختلالات قديمة لم تقرر معالجتها من جذورها؟
هذا السؤال ليس بلاغيًا. فمنذ وثيقة الاتحاد الأوروبي بشأن العلاقات الثقافية الدولية عام 2016، وصولًا إلى المسار الذي قاد إلى «ميثاق المتوسط» في 2025 وما تلاه من دفع نحو خطة تنفيذية في 2026، يتقدم الخطاب الأوروبي بمفردات مثل «الشراكة الحقيقية» و«التواصل بين الناس» و«التعاون المتكافئ». وهذا التحول ليس تفصيلًا؛ إذ يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن العلاقة مع الجوار الجنوبي لا يمكن أن تبقى محصورة في إدارة الحدود والمخاطر، وأن الاستقرار لا يُبنى بالأمن الصلب وحده، بل يحتاج أيضًا إلى رصيد من الثقة الاجتماعية والثقافية والمعرفية. لكن اللغة الجديدة لا تكفي بذاتها. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: خطاب يريد أن يبدو جديدًا، وأدوات لم تتحرر تمامًا من منطق قديم.
حين تعجز السياسة، تُستدعى الثقافة
تكمن أهمية الورقة الأصلية في أنها التقطت لحظة التحول في هذا الملف، لكن ما يحتاج إلى تشديد أكبر هو أن أوروبا لم تُعد اكتشاف قيمة الثقافة من فراغ، بل من حدود المقاربات التقليدية نفسها. لقد أثبتت السنوات الماضية أن اختزال العلاقة في الطاقة والهجرة ومراقبة الحدود ومكافحة التطرف لا ينتج شراكة، بل يمدد عمر الأزمة. وحين يُنظر إلى الجنوب العربي بوصفه فضاءً للمشكلات التي ينبغي احتواؤها، لا فضاءً لشركاء يملكون مبادرة ورؤية وموارد، فإن خطاب «الحوار» يفقد مضمونه سريعًا، ويتحول إلى لغة دبلوماسية مهذبة لا أكثر.
من هذه الزاوية، لا تبدو الدبلوماسية الثقافية ترفًا مؤسسيًا، ولا مجرد إضافة اختيارية إلى أدوات السياسة الخارجية. إنها، في جوهرها، محاولة لتعويض قصور سياسي أعمق. غير أن هذا التعويض لا ينجح ما لم يخرج من وظيفة التجميل إلى وظيفة إعادة تعريف المصالح نفسها. وهنا تظهر الحاجة إلى قراءة عربية أكثر وضوحًا: الثقافة ليست ورقة علاقات عامة، ولا مجرد أداة لتحسين الصورة، بل ميدان تفاوض على المكانة، وعلى السردية، وعلى شروط الاعتراف المتبادل.
تحول الوزن العربي: من المشاركة إلى صياغة الأولويات
الأهم في السنوات الأخيرة أن الدول العربية لم تعد تتحرك داخل هذا المجال من موقع الاستجابة وحدها. ثمّة تحول واضح في الوزن الثقافي العربي، وبصورة خاصة في الحضور المتنامي لدول الخليج العربي، سواء من حيث الاستثمار في البنية الثقافية، أو تطوير الصناعات الإبداعية، أو بناء المؤسسات والمتاحف والمنصات والمهرجانات، أو من حيث الربط بين الثقافة والتحول الحضري والتعليم والسياحة والهوية الوطنية. ما يجري هنا ليس واجهة رمزية، بل إعادة توزيع حقيقية للفعل الثقافي في الإقليم. فالرؤية الثقافية في المملكة العربية السعودية، والاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية في دولة الإمارات، والدور المؤسسي الذي تؤديه قطر في التراث والحوار الثقافي، جميعها تؤشر إلى أن الوزن الثقافي الخليجي لم يعد ملحقًا بالمشهد، بل صار جزءًا من معادلة الإنتاج والتأثير وتعريف الأولويات.
وهذا هو التحول الذي ينبغي أن يبدأ منه أي تعليق بحثي جاد على العلاقات العربية الأوروبية. فالمسألة لم تعد أن أوروبا «تمد يدها» ثقافيًا إلى الجنوب، بل إن الدول العربية نفسها باتت تدخل هذا المجال من موقع المبادرة. وهذا فرق جوهري. لأن الشراكة الثقافية تفقد معناها فورًا إذا بقيت مبنية على تصور ضمني يقول إن أوروبا تضع الإطار، وتحدد اللغة، وتضبط المسار، ثم يُدعى العرب إلى الاندراج فيه. هذه الصيغة استُنفدت سياسيًا، وسقطت واقعيًا. وحين تنمو البنى الثقافية العربية، وتتوسع الصناعات الإبداعية، ويصبح لدول الخليج العربي حضور متصاعد في الاستثمار الثقافي، وإدارة المتاحف، ودعم الفنون، والعمل على التراث والاقتصاد الإبداعي، فإن أي علاقة ثقافية جادة مع أوروبا ينبغي أن تبدأ من الاعتراف بهذا التحول، لا من تجاوزه داخل لغة عامة عن «الحوار» و«التبادل».
التناقض الأوروبي: لغة تتقدم وأدوات تتأخر
مع ذلك، لا محل للمبالغة في التفاؤل. فالعقدة الأساسية لا تزال قائمة: اللغة الأوروبية تتقدم أسرع من الأدوات. فما تزال مسائل التنقل، والتمويل المستدام، والوصول العادل إلى المنصات والأسواق والشبكات، تكشف أن العلاقة الثقافية لم تتحرر بعد من اختلالات القوة الأوسع. بعبارة أوضح: أوروبا تتحدث عن شراكة ثقافية، لكنها لم تحسم بعد ما إذا كانت تقبل ما تقتضيه هذه الشراكة من إعادة توزيع في الاعتراف والموارد والمبادرة.
لذلك، يصبح الحديث عن «القيمة المتجددة» للدبلوماسية الثقافية حديثًا ناقصًا ما لم يُربط بالقدرة على تعديل بنية العلاقة العربية الأوروبية نفسها. فالثقافة لا تكتسب وزنها لأنها أكثر أناقة من السياسة، بل لأنها تدخل إلى المساحات التي فشلت فيها السياسة أو تصلبت. وهي، من هذه الناحية، ليست بديلًا من المصالح، بل وسيلة لإعادة ترتيبها على نحو أكثر استدامة. وحين تتسع مجالات الإنتاج المشترك، ويتحسن النفاذ المتبادل إلى الفضاءات التعليمية والبحثية والثقافية، وتُبنى شبكات مهنية وفنية ومعرفية بين الضفتين، فإن ما يتشكل ليس فقط رصيدًا رمزيًا، بل نسيج مصالح يصعب تبديده مع كل أزمة طارئة.
الضغوط التي لا يجوز تجاهلها
لكن هذا المنظور يبقى ناقصًا ما لم يسمِّ ما يعطله. فالعلاقات العربية الأوروبية لا تجري في فراغ، بل في بيئة إقليمية مثقلة بالصراع والتدخل واختلال موازين القوة. ومن المضلل فصل النقاش الثقافي عن أثر الهيمنة الإسرائيلية في تقويض أي حديث متوازن عن الفضاء المتوسطي أو العربي الأوروبي. فحين توثق اليونسكو، حتى 24 آذار/مارس 2026، تضرر 164 موقعًا ثقافيًا وتراثيًا في غزة، وتتحدث عن تعبئة طارئة لحماية التراث والتعليم والإعلام في مواجهة دمار واسع، فإن المسألة لا تعود مجرد خلفية إنسانية للحرب. إنها تمس صلب أي حديث عن الثقافة والقيم والتماسك الإقليمي. فالفضاء الثقافي لا يعيش خارج الركام، وهو يتشظى حين تُدمر المدارس، وتُهدد الذاكرة، ويُضرب التراث بوصفه جزءًا من استهداف المجال العام ذاته. لذلك، فإن أي خطاب عربي عن الدبلوماسية الثقافية يبقى قاصرًا إذا لم يضع المسألة الفلسطينية في قلبه، لا بوصفها تضامنًا أخلاقيًا فقط، بل بوصفها اختبارًا لمصداقية الخطاب الأوروبي عن القيم المشتركة.
والضغط الثاني يتمثل في التدخلات الإيرانية التي عمقت، في أكثر من ساحة عربية، الاستقطاب وعدم الاستقرار، وأضعفت إمكان قيام فضاء عربي متوازن وقادر على التفاعل الحر مع شركائه. لا يتعلق الأمر هنا بخلاف سياسي عابر، بل ببيئة إقليمية تجعل بناء الثقة الثقافية أشد تعقيدًا. وحين تتغذى المنطقة على شبكات التوتر والانقسام، تصبح الحاجة إلى مساحات عربية أوروبية أوسع للتواصل الثقافي أشد إلحاحًا، لا أقل. ومن هذه الزاوية، تكتسب الدبلوماسية الثقافية وظيفة إضافية: إنها جزء من بناء المناعة المدنية والاجتماعية للمجتمعات العربية في مواجهة مشاريع الهيمنة والتدخل، لا مجرد صورة ناعمة توضع إلى جوار السياسات الصلبة.
ولهذا، فإن الدفاع عن دور إيجابي للدول العربية، ودول الخليج العربي بخاصة، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجاملة سياسية، بل بوصفه دفاعًا عن فكرة الاستقرار التعاوني في مواجهة الهيمنة الإسرائيلية والتدخلات الإيرانية، وعن حق الفضاء العربي في أن يكون شريكًا متكافئًا لا ساحة تنازع مفتوحة.
البعد العربي الإيجابي: من الحضور إلى القدرة المؤسسية
من هنا يمكن فهم البعد العربي الإيجابي في الدبلوماسية الثقافية فهمًا أدق. فالمطلوب ليس زيادة الحضور العربي في الفعاليات الأوروبية، ولا مضاعفة الأنشطة ذات الطابع الرمزي، بل بناء قدرة عربية مؤسسية على توجيه هذا المسار وإعادة تعريف شروطه. وهذا يمر عبر ثلاثة مسارات مترابطة.
أولًا، الانتقال من منطق المشاركة إلى منطق المساهمة في التصميم والتمويل والتقييم، بحيث لا تكون الدول العربية حاضرة بصفة ضيف أو مستفيد، بل بصفة شريك يملك حق تعريف الأهداف وتقييم النتائج.
ثانيًا، إدخال الأولويات العربية الفعلية إلى قلب الشراكة الثقافية: عدالة التنقل بين الضفتين، وحماية التراث في مناطق النزاع، ودعم الترجمة والنشر والمعرفة المتبادلة، وتمكين الصناعات الإبداعية العربية من الوصول إلى الأسواق والمنصات الأوروبية بشروط أكثر توازنًا، وصياغة أطر أكثر عدلًا للإنتاج الثقافي المشترك.
ثالثًا، ربط الثقافة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية، بحيث لا تبقى شأنًا نخبويًا معزولًا عن التعليم والشباب والمدينة والعمل والابتكار. فالدبلوماسية الثقافية التي لا تلامس حياة الناس اليومية تبقى مشروعًا للنخب يتحدث باسم المجتمعات أكثر مما يعمل داخلها.
دول الخليج العربي: من التمويل إلى هندسة الشراكة
في هذا الإطار، تبدو دول الخليج العربي مؤهلة للقيام بدور يتجاوز التمويل المباشر إلى ما هو أعمق: الإسهام في هندسة شراكة جديدة مع أوروبا. المال هنا مهم، لكنه ليس جوهر المسألة. الجوهر هو: من يضع الإطار، ومن يملك تعريف الأولويات، ومن يصوغ الاستمرار. ومع اتساع الخبرة الخليجية في مجالات إدارة المتاحف، والاقتصاد الإبداعي، وتنظيم الفعاليات الثقافية الكبرى، وربط الثقافة بالتحول الوطني الشامل، يمكن لهذا الدور أن يصبح أحد محركات إعادة التوازن في العلاقة مع أوروبا، لا مجرد إضافة مالية على هيكل قائم.
وليس عابرًا أن يضع مجلس الاتحاد الأوروبي «التواصل بين الناس» والتعليم والثقافة والبحث وتيسير التأشيرات ضمن العناصر المركزية للشراكة الاستراتيجية مع الخليج. فالمعنى الواضح لذلك أن أوروبا نفسها باتت ترى أن العلاقة مع دول الخليج العربي لم تعد أمنية أو اقتصادية فقط، بل تحمل بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا متصاعدًا لا يمكن تجاوزه في أي تصور جدي للشراكة.
خاتمة
المسألة إذن ليست ما إذا كانت الثقافة مهمة في العلاقات العربية الأوروبية؛ فهذا أصبح تحصيل حاصل. المسألة الحقيقية هي: من يملك حق تعريف هذه الأهمية، ولصالح أي شراكة، وفي مواجهة أي اختلال؟
والأرجح أن السؤال في السنوات المقبلة لن يتعلق بقدرة أوروبا على الكلام عن الثقافة، بل بقدرتها على قبول ما يترتب على هذا الكلام.
كما أن السؤال بالنسبة إلى الدول العربية لن يتعلق بإثبات حضورها الثقافي، فهذا الحضور بات قائمًا، بل بقدرتها على تحويله إلى قوة تفاوضية هادئة، واثقة، ومستمرة.
الثقافة لا تزيّن الشراكة العربية الأوروبية؛ إنها تختبرها. فإن قبلت أوروبا ما تقتضيه من اعتراف متبادل، وتمويل أعدل، ومجال حركة أوسع، وإنتاج مشترك قائم على الندية، أمكن الحديث عن تحول حقيقي. وإن بقيت عند حدود اللغة الجميلة، تحولت الدبلوماسية الثقافية إلى اسم أنيق لاختلال لا يريد أصحابه تسميته.





