أوروبا والصراع الأوكراني. قراءة في منطق القوة وحدود الإرادة
دراسة تحليلية في الجغرافيا السياسية والاقتصاد الأمني
مقدمة: الحرب التي أعادت تشكيل أوروبا
عندما تنظر أوروبا إلى أوكرانيا في 2026، فهي لا تنظر إلى صراع يدور على تخومها فحسب، بل تنظر في مرآة تعكس أزماتها الداخلية العميقة: هشاشة بنيتها الأمنية، تناقضات اقتصادها السياسي، وحدود وحدتها الطوعية. لم تعد الحرب في أوكرانيا حدثاً جغرافياً بعيداً؛ بل أصبحت جزءاً من النسيج اليومي الأوروبي، متجلية في فواتير الكهرباء المرتفعة في برلين، وجدل الميزانيات الدفاعية في باريس، وقلق الأمن القومي الوجودي في وارسو، وصراع الإرادات السياسية في بروكسل. هي اليوم اختبار وجودي لقدرة الاتحاد الأوروبي على التصرف كفاعل جيوسياسي موحد، وليس مجرد سوق مشتركة.
تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية في منطق الفعل الأوروبي تجاه الصراع الأوكراني مع حلول عام 2026. كيف تتصرف أوروبا عندما تواجه صراعاً لا يمكنها الفوز فيه بسرعة حاسمة، ولا تستطيع الخروج منه دون خسارة فادحة لمصداقيتها؟ كيف توازن بين الالتزام الأخلاقي والحساب السياسي البارد، وبين الوحدة المعلنة والانقسامات الكامنة؟ تنطلق الورقة من افتراض مركزي مفاده أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من “إدارة الصراع” بدلاً من “السعي لإنهائه“، مع إعادة تعريف شاملة لمفاهيم الأمن والاستقلالية الاستراتيجية والقوة.
أولاً: الإطار النظري والمنهجي للدراسة
- الإشكالية المركزية: معادلة الصمود والاستنزاف وإعادة تعريف القوة
تواجه أوروبا في 2026 معضلة استراتيجية معقدة: كيف تبقي أوكرانيا واقفة وقادرة على الصمود، دون أن تسقط هي نفسها في فخ الاستنزاف الداخلي؟ لم يعد السؤال مركزياً حول ما إذا كانت أوروبا تدعم أوكرانيا، فهذا القرار اتخذ منذ زمن وأصبح جزءاً من هويتها السياسية. بل السؤال الجوهري هو: إلى أي مدى يمكن لهذا الدعم أن يستمر، وبأي كثافة، قبل أن تبدأ التكاليف التراكمية – الاقتصادية والاجتماعية والسياسية – في تهديد التماسك الأوروبي من الداخل؟
تكمن المفارقة الاستراتيجية في أن أوروبا تدرك تماماً أن انهيار أوكرانيا يعني انهيار مصداقيتها الأمنية ودورها كفاعل دولي، لكنها تعرف أيضاً أن استنزافاً مطولاً قد يؤدي إلى تصدعات داخلية لا تقل خطورة. لهذا، لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرد صراع على الأرض الأوكرانية، بل أصبحت اختباراً حاسماً لقدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود السياسي والاقتصادي في مواجهة أزمة طويلة الأمد متعددة الأبعاد، ولقدرته على تحويل القوة الاقتصادية إلى نفوذ جيوسياسي حقيقي.
- الأسئلة الاستراتيجية الثلاثة
تسعى هذه الورقة للإجابة على ثلاثة أسئلة مترابطة تشكل جوهر التحليل:
أولاً: في ضوء المتغيرات الدولية والأوروبية، هل هناك فرصة حقيقية لتقدم دبلوماسي في 2026، أم أن الحديث عن التسوية هو مجرد خطاب سياسي يخفي استعداداً لحرب استنزاف طويلة الأمد؟
ثانياً: كيف ستؤثر عوامل متداخلة مثل أمن الطاقة وتحولاته، وتقلبات الرأي العام، ودور الاتحاد الأوروبي كفاعل أمني ناشئ، على مسار الصراع ونتائجه المحتملة؟
ثالثاً: ما هي الديناميكيات الداخلية الأوروبية – السياسية والاقتصادية والاجتماعية – التي قد تحدد قدرة القارة على الاستمرار في دعم أوكرانيا، وتشكل ملامح “القوة الأوروبية” في عالم ما بعد الحرب؟
ثانياً: منطق الدعم الأوروبي: لماذا لا تستطيع أوروبا التراجع؟
- التمويل كبيان سياسي: قراءة في القرض الأوروبي
في يناير 2026، قدمت المفوضية الأوروبية مقترحاً طموحاً بقرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا لعامي 2026-2027. وفي 4 فبراير 2026، وافق مجلس الاتحاد الأوروبي على الإطار القانوني لهذا القرض، الذي سيتم تمويله من خلال الاقتراض من أسواق رأس المال الدولية بضمان ميزانية الاتحاد الأوروبي، عبر آلية “التعاون المعزز” التي شاركت فيها 24 دولة عضواً، باستثناء التشيك والمجر وسلوفاكيا.
هذا القرض، بتفاصيله وآلية تمريره، يتجاوز كونه مجرد رقم في ميزانية، ليتحول إلى بيان استراتيجي بامتياز. إنه رسالة أوروبية مفادها أن أوكرانيا لن تُسمح لها بالانهيار بسبب نقص التمويل. فمن إجمالي الـ90 مليار يورو، خصص 60 مليار يورو للدعم العسكري والدفاعي، بينما يذهب 30 مليار يورو لدعم الميزانية العامة وتغطية العجز. الرسالة الضمنية واضحة: أوروبا تعمل على تحصين أوكرانيا ضد أي إملاءات روسية قد تفرضها عليها ضغوط مالية، وضمان عدم اضطرار كييف لقبول تسوية سياسية مجحفة من موقع ضعف.
- الطبيعة المركبة للدعم: المال، السلاح، العقوبات، والطاقة
لكن الدعم الأوروبي، في شموليته، لا يقتصر على البعد المالي. هناك ثلاثة أبعاد أخرى مترابطة تكشف عن عمق وعي أوروبا بالطبيعة المركبة للصراع:
البعد العسكري وبناء القدرات: حتى مطلع 2026، نجحت بعثة المساعدة العسكرية الأوروبية (EUMAM Ukraine) في تدريب أكثر من 86,000 جندي أوكراني، بمشاركة مدربين من دول الاتحاد الأوروبي ودول شريكة. وفي نوفمبر 2024، مدد مجلس الاتحاد الأوروبي تفويض البعثة لعامين إضافيين حتى نوفمبر 2026، بميزانية تقارب 409 مليون يورو. يكشف هذا البعد عن استراتيجية أوروبية تتجاوز الإرسال الآني للسلاح، لتستثمر في بناء قدرة قتالية أوكرانية مستدامة، وتؤسس لشراكة أمنية طويلة الأمد.
البعد الاقتصادي وآليات الضغط: في ديسمبر 2025، جدد مجلس الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية على روسيا حتى 31 يوليو 2026. هذا التمديد، الذي قد يبدو إجرائياً، يحمل دلالة استراتيجية عميقة، فهو يشير إلى أن أوروبا تخطط لاستمرار أدوات الضغط الاقتصادي طيلة معظم عام 2026. ولم يقتصر الأمر على التمديد، ففي فبراير 2026، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن حزمة عقوبات جديدة هي “الحزمة العشرون”، ستُعتمد قبل 24 فبراير 2026، وتستهدف لأول مرة بشكل منهجي قطاع الطاقة الروسي، والبنوك في دول ثالثة تتستر على المعاملات الروسية، ومنصات العملات المشفرة التي تستخدم للالتفاف على العقوبات.
البعد الطاقي وإعادة تعريف الأمن القومي: في هذا البعد تتجلى أهم رسالة استراتيجية. في يناير 2026، صادق مجلس الاتحاد الأوروبي رسمياً على قانون يحظر تدريجياً وبشكل ملزم قانونياً واردات الغاز الروسي. بموجب هذا القانون، تُحظر واردات الغاز الطبيعي المسال (LNG) من روسيا بدءاً من 25 أبريل 2026 للعقود قصيرة الأجل، ومن 1 يناير 2027 للعقود طويلة الأجل، بينما تُحظر واردات الغاز عبر الأنابيب بدءاً من 17 يونيو 2026 للعقود قصيرة الأجل، ومن 30 سبتمبر 2027 للعقود طويلة الأجل. والأكثر دلالة على التحول الجذري هو إلزام القانون جميع الدول الأعضاء بتقديم خطط تنويع وطنية بحلول 1 مارس 2026، تحدد آليات استبدال الغاز الروسي بمصادر أخرى. هذه الخطوة تكشف عن منطق أوروبي جديد: إدراك أن الطاقة كانت سلاحاً روسياً للضغط السياسي، وبالتالي كان لابد من إغلاق هذا “المفتاح” بشكل قانوني وسياسي لا رجعة فيه، حتى لو كانت التكلفة الاقتصادية مرتفعة على المدى القصير.
- منطق “الاستثمار في القدرة” مقابل “الرهان على النهاية السريعة“
عند النظر إلى هذه المؤشرات معاً – التمويل الممتد، العقوبات متجددة الصلاحية، التدريب المستدام، والحظر القانوني للغاز – يبرز نمط استراتيجي واضح: أوروبا لا تتصرف كمن ينتظر نهاية سريعة للحرب، بل تبني بنية تحتية للصمود الطويل الأمد. كل هذه القرارات تشير إلى استعداد أوروبي لسيناريو “حرب الاستنزاف المُدارة” كأكثر السيناريوهات ترجيحاً، على حساب سيناريو “التسوية السريعة”. هذا لا يعني أن أوروبا لا ترغب في تسوية دبلوماسية، بل يعني أنها تريد تسوية من موقع قوة، وليس من موقع ضعف. فالدعم المستمر والمستقر لأوكرانيا هو الاستراتيجية الأوروبية لمنع لحظة “الانقطاع المالي” أو “الإرهاق السياسي” التي قد تجبر كييف على قبول تسوية مجحفة تحت الضغط.
ثالثاً: الطاقة كميدان معركة حاسم: إعادة تشكيل الأمن الأوروبي
- من الاعتماد التبعي إلى الاستقلالية الاستراتيجية: قصة تحول
في عام 2021، كانت روسيا تمد أوروبا بنحو 45% من وارداتها من الغاز. وبحلول عام 2025، انخفضت هذه النسبة بشكل كبير إلى حوالي 12-13%. لكن وراء هذا الرقم، تبقى حقيقة استراتيجية مزعجة: أوروبا لا تزال تدفع نحو 15 مليار يورو سنوياً لروسيا مقابل الغاز المتبقي، وهي أموال تساهم بشكل مباشر في تمويل آلة الحرب الروسية.
لذلك، فإن قرار حظر الغاز الروسي بشكل تدريجي وملزم قانونياً هو أكثر من مجرد خطوة اقتصادية تهدف لتنويع المصادر؛ إنه إعادة تعريف جذرية لمفهوم الأمن الوطني الأوروبي. السؤال الذي طرحته الحرب بقوة لم يعد “كيف نحصل على الطاقة بأرخص سعر؟” بل تحول إلى “كيف نضمن ألا تُستخدم احتياجاتنا الطاقوية لابتزازنا سياسياً وتهديد أمننا القومي؟“
- الجغرافيا الجديدة للطاقة الأوروبية: فرص وتبعيات جديدة
مع انقطاع الغاز الروسي، تعيد أوروبا رسم خريطة مصادر طاقتها. تبرز دول مثل اليونان كلاعب رئيسي، حيث تضع نفسها كبوابة لدخول الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا عبر ما يُسمى بـ”الممر العمودي”. هذا الممر يربط محطة الإسالة في الإسكندرية المصرية ببلغاريا ورومانيا، مع إمكانية الوصول إلى أوكرانيا والمجر وسلوفاكيا ومولدوفا. وتشير التقديرات إلى أن هذا الممر يمكن أن يوفر نحو 35 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً بحلول 2030، وهو الحجم الذي تحتاجه أوروبا الوسطى والشرقية تقريباً لتعويض الفجوة التي سيخلفها الغاز الروسي.
لكن هذا التنويع، الذي يخلق فرصاً للتعاون الإقليمي، يفرض في الوقت نفسه تبعية جديدة على أوروبا، وهي الاعتماد المتزايد على الولايات المتحدة كمورد رئيسي للغاز الطبيعي المسال. هناك تحذيرات متزايدة من أن الولايات المتحدة قد توفر نحو 80% من واردات الغاز الطبيعي المسال الأوروبية بحلول 2030. هذا يطرح سؤالاً استراتيجياً حيوياً على صناع القرار الأوروبي: هل تتخلص أوروبا من تبعية لروسيا لتقع في تبعية أخرى للولايات المتحدة؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين تنويع المصادر وبناء استقلالية استراتيجية حقيقية؟
- الشتاء الأوروبي: اختبار سنوي للإرادة السياسية
منذ عام 2022، أصبح كل شتاء أوروبي بمثابة امتحان سياسي صارم لتماسك الإجماع الداخلي حول دعم أوكرانيا. إذا ارتفعت أسعار التدفئة بشكل حاد، أو حدث نقص في الإمدادات، فإن الضغط الشعبي على الحكومات سيزداد حتماً، وستبدأ أصوات سياسية بالارتفاع تطالب بإعادة النظر في سياسة العقوبات أو تقليص الدعم لأوكرانيا. لذلك، يمكن القول إن “أمن الطاقة” في أوروبا عام 2026 لم يعد مجرد مسألة فنية أو اقتصادية هامشية، بل أصبح عنصراً محورياً ومحدداً لقدرة أوروبا على الاستمرار في دعم أوكرانيا سياسياً وشعبياً. إذا عبرت أوروبا شتاء 2026-2027 دون صدمة طاقة كبرى، فإنها تكون قد أغلقت واحداً من أهم وأقصر طرق الضغط الروسي عليها، وعززت من قدرتها على الصمود الاستراتيجي.
رابعاً: الرأي العام الأوروبي: بين التضامن المتأصل والإرهاق المتنامي
- التحول من “التعاطف الإنساني” إلى “الدعم المشروط“
في الأشهر الأولى للحرب، كان الدعم الأوروبي لأوكرانيا مدفوعاً بموجة تعاطف إنساني واسعة وغير مسبوقة. لكن مع مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحرب، بدأت ملامح “الإرهاق” تظهر بوضوح. هذا الإرهاق لا يعني بالضرورة رفضاً شعبياً لدعم أوكرانيا، بل يعني أن هذا الدعم أصبح “مشروطاً” بشكل متزايد بقدرة الحكومات على إدارة التكاليف الداخلية للحرب والتخفيف من آثارها الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين.
استطلاعات الرأي الأوروبية (Eurobarometer) ترسم صورة معقدة ومتعددة الأبعاد لهذا المشهد. فحوالي 72% من الأوروبيين يعبرون عن قلق كبير من الحروب النشطة بالقرب من حدود الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، هناك مخاوف متصاعدة من التهديدات الهجينة، حيث يبدي 69% قلقهم من التضليل الإعلامي، و67% من الإرهاب، و66% من الكوارث الطبيعية والهجمات السيبرانية. لكن الأكثر دلالة على التحول في الوعي الجمعي الأوروبي، أن 89% من الأوروبيين يعتقدون أن دول أوروبا يجب أن تكون أكثر وحدة لمواجهة التحديات العالمية، و86% يريدون أن يكون للاتحاد الأوروبي صوت أقوى على الساحة الدولية. هذا يشير إلى إدراك متزايد لأهمية الدور الأوروبي المستقل، ولكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية كبيرة على عاتق القادة لترجمة هذا الإدراك إلى سياسات فعالة.
- الانقسامات الجغرافية والسياسية: ليست أوروبا كتلة واحدة
لكن هذا الإجماع العام النسبي يخفي انقسامات جغرافية وثقافية وسياسية عميقة. فالدول الحدودية مع روسيا (دول البلطيق، بولندا، رومانيا) لديها إدراك وجودي وحاد للتهديد الأمني، وتميل إلى دعم سياسات أكثر صرامة تجاه موسكو، وأكثر استعداداً لتحمل أعباء الدفاع. في المقابل، تتبنى بعض دول أوروبا الوسطى (المجر، سلوفاكيا) مواقف أكثر تحفظاً وتسووية، وذلك جزئياً بسبب اعتبارات اقتصادية تتعلق بالاعتماد التاريخي على الطاقة الروسية، وجزئياً بسبب اعتبارات سياسية داخلية حيث تتبنى بعض الحكومات خطاباً شعبوياً مناهضاً لـ “بروكسل البيروقراطية“.
في ألمانيا، على سبيل المثال، هناك شكوك متزايدة حول حجم الدعم المالي، حيث يعتبر 41% من المشاركين في الاستطلاعات أن الدعم الألماني “مفرط” ولا يتناسب مع القدرات الاقتصادية للبلاد، بينما يعرب 80% عن شكوكهم في قدرة الاتحاد الأوروبي على تعويض أي تقليص محتمل في الدعم الأمريكي لأوكرانيا. في إيطاليا، يظهر الانقسام بوضوح، حيث 40% فقط يدعمون أوكرانيا بشكل واضح، بينما يفضل 51% تبني موقف محايد أو أقل انخراطاً، نظراً لتعقيدات الصراع وتأثيراته الاقتصادية على إيطاليا.
- المعضلة السياسية: كيف تحافظ على الدعم دون تفريط في الاستقرار الداخلي؟
هذا الوضع يضع الحكومات الأوروبية أمام معضلة سياسية شديدة الحساسية: كيف يمكنها الاستمرار في دعم أوكرانيا بقوة وفعالية، دون أن تفقد دعم شعوبها المتعب اقتصادياً؟ الإجابة الأوروبية على هذه المعضلة تتضمن عنصرين أساسيين:
الأول: ربط دعم أوكرانيا بشكل واضح ومباشر بالأمن الأوروبي القومي. أي تقديم الدعم لأوكرانيا ليس كعمل خيري أو تضامني بحت، بل كاستثمار استراتيجي في أمن أوروبا نفسها. الرسالة التوعوية التي توجهها الحكومات لشعوبها هي: إذا سقطت أوكرانيا، فإن التهديد العسكري والسياسي والهجين سينتقل إلى حدود أوروبا مباشرة، وستكون التكلفة أكبر بكثير.
الثاني: تصميم وتنفيذ سياسات حماية اجتماعية فعالة للفئات الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة والتضخم. هذا يعني أن “إدارة الفاتورة الداخلية” للحرب لم تعد ترفاً أو سياسة اجتماعية ثانوية، بل أصبحت شرطاً أساسياً لاستمرار الإجماع السياسي والشعبي على الدعم الخارجي.
خامساً: الاتحاد الأوروبي كفاعل أمني: تحول جذري من “السوق المشتركة” إلى “القوة الجيوسياسية“
- المادة 42.7: من نص نظري إلى أداة جيوسياسية حية
في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2026، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى “إحياء” المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وهي بند الدفاع المتبادل الذي ينص على أنه إذا تعرضت دولة عضو لعدوان مسلح على أراضيها، فإن الدول الأخرى ملزمة بتقديم المساعدة بكل الوسائل المتاحة. هذه المادة موجودة في المعاهدة منذ توقيع معاهدة لشبونة عام 2009، لكنها ظلت لعقد كامل مجرد نص نظري لم يُفعل.
الدعوة إلى “إحياء” هذا البند في خضم الحرب الأوكرانية ليست مجرد خطاب سياسي، بل تشير إلى تحول استراتيجي عميق: الاتحاد الأوروبي يريد أن يصبح فاعلاً أمنياً حقيقياً، لا مجرد ممول أو منسق للسياسات الأمنية التي تقررها دول الناتو أو الدول الأعضاء بشكل فردي. إنها محاولة لبناء ركيزة أمنية أوروبية خالصة، وإن كانت ضمن الإطار الأطلسي الأوسع.
- نقاش الردع النووي الأوروبي: من الطموح إلى إمكانية الواقع؟
في السياق نفسه، برز نقاش غير مسبوق في الأوساط السياسية والأكاديمية الأوروبية حول فكرة “الردع النووي الأوروبي”. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، أشار المستشار الألماني المنتخب فريدريش ميرتس إلى أنه تجري مشاورات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول إمكانية تطوير آلية ردع نووي أوروبية مشتركة، وذلك في ظل حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن مستقبل “المظلة النووية الأمريكية” وأولويات واشنطن الاستراتيجية.
هذا النقاش، الذي كان من المحرمات السياسية قبل بضع سنوات، يكشف عن قلق أوروبي وجودي عميق: ماذا لو تراجعت الولايات المتحدة عن ضماناتها الأمنية التاريخية لأوروبا؟ فرنسا هي الدولة النووية الوحيدة المتبقية في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، وقد طرح ماكرون مراراً فكرة “أوروبا ذات سيادة استراتيجية”. لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع ملموس يواجه عقبات سياسية وقانونية ومالية هائلة، تتطلب إجماعاً أوروبياً غير مسبوق وقدرات تقنية وتصنيعية ضخمة. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذا النقاش بشكل علني في مؤتمر دولي رفيع المستوى يعكس تحولاً نفسياً واستراتيجياً في أوروبا: القبول الراسخ بأن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة لم يعد خياراً آمناً أو مستداماً على المدى الطويل.
- التوازن الدقيق بين “الاستقلالية الأوروبية” و”الشراكة الأطلسية“
لكن هذا التحول نحو بناء قدرات أوروبية ذاتية يثير سؤالاً حساساً: هل تسعى أوروبا إلى بناء “ركيزة دفاعية مستقلة” تنافس الناتو وتضعف التكامل الأطلسي، أم تريد تقوية نفسها داخل الإطار الأطلسي لتصبح شريكاً أكثر فاعلية وندية؟ الإجابة الأوروبية الرسمية واضحة وحذرة في آن: تقوية الركيزة الأوروبية داخل الناتو، لا خارجه. ففي ميونيخ 2026، أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن هناك “وحدة كاملة في الرؤية” بين أوروبا والولايات المتحدة، وأن هناك “تحولاً كبيراً في العقلية داخل الناتو” حيث “يتحمل الأوروبيون مسؤولية أكبر عن دفاعهم“.
لكن في الممارسة العملية، وفي ظل الغموض الاستراتيجي الأمريكي، تبني أوروبا أدوات يصعب التراجع عنها أو تفكيكها: تشريعات وقوانين ملزمة على مستوى الاتحاد، آليات تمويل مشتركة طويلة الأجل (كقرض الـ90 مليار يورو)، بعثات تدريب عسكري أوروبية مستقلة (EUMAM)، وخطط طموحة للإنفاق الدفاعي المشترك (مثل برنامج ReArm Europe). هذه الأدوات، حتى لو بقيت رسمياً ضمن الإطار الأطلسي، تمنح أوروبا استقلالية متزايدة في اتخاذ القرارات الأمنية وبناء القدرات، وتجعل منها شريكاً أكثر استعداداً وقوة داخل الحلف.
سادساً: العلاقة عبر الأطلسية: الغموض الاستراتيجي الأمريكي والتكيف الأوروبي الإجباري
- مؤتمر ميونيخ 2026: خطاب التطمين والشكوك الكامنة
في 14 فبراير 2026، ألقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطاباً في مؤتمر ميونيخ للأمن، حاول من خلاله طمأنة الحلفاء الأوروبيين القلقين. وصف روبيو التحالف بين أوروبا وأمريكا بأنه “أنقذ العالم” من تهديدات سابقة، وأكد أن واشنطن ستواصل السعي لتحقيق صفقة سلام في أوكرانيا، لكنه أضاف عبارة مثيرة للقلق بأن الإدارة الأمريكية “غير متأكدة” مما إذا كانت موسكو تريد حقاً إنهاء القتال.
لكن رغم النبرة التصالحية والخطاب الدبلوماسي، ظل الخطاب الأمريكي غامضاً بشكل متعمد حول الالتزامات الأمريكية المحددة. لم يقدم روبيو أي ضمانات واضحة حول حجم الدعم الأمريكي المستقبلي لأوكرانيا، ولا حول دور واشنطن في أي مفاوضات محتملة. بل إن بعض التقارير الإعلامية الموثوقة أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية أجرت محادثات ثنائية مع روسيا عبر قنوات خلفية، دون إشراك القادة الأوروبيين بشكل كامل، مما أثار استياءً واستنكاراً في العديد من العواصم الأوروبية.
- الدرس الأوروبي القاسي: لا يمكن بناء استراتيجية على “افتراض الثبات“
هذا الغموض الأمريكي المتكرر، والذي يعكس تحولات السياسة الخارجية الأمريكية بين الإدارات المختلفة، علم أوروبا درساً استراتيجياً قاسياً لا يمكن نسيانه: لا يمكن بناء استراتيجية أمنية طويلة الأمد على افتراض أن الدعم الأمريكي سيكون ثابتاً ومضموناً ويمكن التنبؤ به. السياسة الأمريكية تتغير جوهرياً مع تغير الإدارات، والأولويات الاستراتيجية الأمريكية قد تتحول بسرعة نحو آسيا لمواجهة الصين، أو نحو الشرق الأوسط، أو حتى نحو التحديات الداخلية، تاركة أوروبا تواجه مصيرها وحدها.
لهذا، وفي استجابة استراتيجية لهذا الدرس، اتجهت أوروبا إلى بناء “أدوات ذاتية” وقدرات مستقلة تقلل من اعتمادها على واشنطن:
- تمويل طويل النفس: القرض البالغ 90 مليار يورو يضمن أن أوكرانيا لن تعتمد فقط على موافقات الكونغرس الأمريكي المتقلبة للحصول على الدعم المالي.
- تدريب عسكري مستقل: بعثة المساعدة العسكرية الأوروبية (EUMAM) تعمل على تدريب الجنود الأوكرانيين على الأراضي الأوروبية، وفق معايير وعقيدة أوروبية، دون الحاجة إلى تنسيق مباشر مع الناتو (رغم استمرار التعاون التنسيقي).
- عقوبات مستقلة: طورت أوروبا نظام عقوبات خاصاً بها وأصبحت تمدده وتشدد الخناق به بشكل دوري، دون انتظار التنسيق الكامل مع واشنطن، بل وأحياناً تتخذ خطوات أكثر صرامة من الجانب الأمريكي.
- أمن الطاقة: القرار التاريخي بقطع الغاز الروسي بشكل قانوني ملزم هو قرار أوروبي بحت، اتخذ بناءً على تقييم أوروبي خالص للمخاطر والمصالح، وهو أبلغ دليل على تحول العقلية الأوروبية نحو الاستقلالية.
- معادلة التوازن الدقيقة: إرضاء واشنطن وعدم الاعتماد عليها كلياً
تجد أوروبا نفسها مضطرة للحفاظ على توازن دقيق وصعب في علاقتها مع الولايات المتحدة: فهي من جهة تريد أن تبقى واشنطن منخرطة في الأمن الأوروبي ومهتمة به، ومن جهة أخرى لا تريد أن تكون رهينة للتقلبات السياسية الأمريكية أو الأولويات المتغيرة. هذا التوازن صعب للغاية، لأن أي خطوة أوروبية نحو المزيد من الاستقلالية قد تُفسَّر في واشنطن على أنها “تقليل من أهمية الناتو” أو “استغناء عن الشراكة الأمريكية”، مما قد يسرع في الانسحاب الأمريكي.
لكن الواقع الاستراتيجي الجديد يفرض نفسه بقوة: أوروبا لم تعد قادرة على بناء أمنها القومي على افتراض أن أمريكا ستكون دائماً موجودة وداعمة بنفس القوة والحماس. لذا، فإن بناء “الركيزة الأوروبية” لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً استراتيجياً من بين خيارات، بل أصبح ضرورة وجودية لضمان أمن القارة في عالم متعدد الأقطاب وشديد الغموض.
سابعاً: سيناريوهات الصراع المحتملة لعام 2026
بناءً على التحليل السابق للقوى والعوامل المؤثرة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمسار الصراع في عام 2026، مع تقييم احتمالية كل منها:
السيناريو الأول: تقدم دبلوماسي محدود وتسوية مرحلية (احتمال متوسط: 30-35%)
الوصف: في هذا السيناريو، تنجح الجهود الدبلوماسية الدولية في التوصل إلى ترتيبات مرحلية، مثل وقف إطلاق نار مشروط تحت إشراف دولي، أو تجميد للخطوط الأمامية على حالها، مقترنة بضمانات ردع أمنية أوروبية ودولية لأوكرانيا، مع استمرار الدعم المالي والاقتصادي لإعادة الإعمار. لا تكون هذه “تسوية نهائية” بالمعنى السياسي الشامل، بل “هدنة مسلحة” أو “تجميد للنزاع” على غرار النماذج التاريخية، تسمح بإعادة تنظيم الصفوف وتقييم الخيارات للمستقبل.
الشروط اللازمة لتحققه:
- تماسك أوروبي قوي وغير مسبوق في فرض العقوبات وتشديد الخناق على محاولات الالتفاف عليها.
- استمرار التمويل الأوروبي البالغ 90 مليار يورو دون عرقلة سياسية داخلية.
- تقديم ضمانات أمنية جدية وقابلة للتنفيذ لأوكرانيا (ليست مجرد وعود) تقلل من خطر تجدد الحرب بعد التسوية.
- مشاركة أوروبية فعلية ومؤثرة في أي مسار تفاوضي، وليس مجرد قرارات أمريكية-روسية ثنائية تُبلع أوروبا.
المخاطر المصاحبة: - قد تكون أي تسوية مرحلية مجرد “استراحة محارب” تستغلها روسيا لإعادة بناء قدراتها العسكرية واستئناف الحرب بظروف أفضل.
- قد تواجه أوروبا ضغوطاً أمريكية لقبول تسوية “رخيصة” لا تتضمن ضمانات أمنية كافية لأوكرانيا.
- قد يفسر الرأي العام الأوروبي المتعب أي تسوية على أنها “نهاية” الأزمة، مما يقلل بشكل كبير من الاستعداد لدعم أوكرانيا لاحقاً إذا تجدد القتال.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف مُدارة (احتمال مرتفع: 50-55%)
الوصف: هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً والأقرب إلى الواقع على الأرض. تستمر الحرب العسكرية بإيقاع متذبذب: فترات من القتال الشديد والمكاسب التكتيكية المحدودة تتبعها فترات من الهدوء النسبي وإعادة التموضع. تجري محاولات تفاوضية متقطعة دون نتائج حاسمة. تنتقل الحرب بشكل متزايد من الميدان العسكري التقليدي إلى “ميادين غير عسكرية” متعددة: الطاقة، العقوبات الاقتصادية المضادة، حرب الالتفاف على العقوبات، الحرب السيبرانية، والحرب الإعلامية ونشر التضليل.
الشروط اللازمة لاستمراره:
- استمرار الدعم الأوروبي بمستويات كافية لمنع الانهيار العسكري والاقتصادي الأوكراني، لكن دون تصعيد كبير قد يؤدي إلى توسع رقعة الحرب.
- نجاح أوروبي في عبور شتاء 2026-2027 دون صدمة طاقة كبرى تُحدث شرخاً في الجبهة الداخلية.
- استقرار نسبي في الرأي العام الأوروبي بحيث لا يضغط بشكل كبير على الحكومات للتراجع عن الدعم.
- استمرار القدرة الأوكرانية على الصمود عسكرياً واقتصادياً، وقدرتها على امتصاص الخسائر.
التحديات والفرص:
التحديات: خطر “تآكل الإرادة” الأوروبية مع مرور الوقت، خاصة إذا واجهت الحكومات انتخابات داخلية صعبة أو أزمات اقتصادية خانقة. كذلك، نجاح روسيا في الالتفاف على العقوبات عبر دول وسيطة (تركيا، دول آسيا الوسطى، الصين، الهند) قد يقلل من فعالية الضغط الاقتصادي. وأخيراً، احتمال تراجع الدعم الأمريكي بشكل حاد، مما يزيد العبء على أوروبا بشكل لا يحتمل.
الفرص: يمنح هذا السيناريو أوروبا وقتاً ثميناً لبناء بنيتها الدفاعية الذاتية وتقليل اعتمادها على واشنطن. كما يسمح بمواصلة الضغط الاقتصادي على روسيا دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وخطيرة. ويحافظ هذا السيناريو على أوكرانيا كدولة قابلة للحياة وقادرة على الدفاع عن نفسها، حتى لو لم يحقق تحريراً كاملاً لكامل الأراضي.
السيناريو الثالث: قفزة تصعيدية أو اتساع نطاق المخاطر (احتمال منخفض إلى متوسط: 15-20%)
الوصف: في هذا السيناريو، يحدث سوء تقدير استراتيجي من أحد الأطراف، أو تغير سياسي حاد في دولة كبرى، مما يؤدي إلى تصعيد كبير وخطير للصراع. قد يشمل ذلك: توسع الحرب جغرافياً لتشمل دولاً أخرى، استخدام أسلحة غير تقليدية (كيميائية أو نووية تكتيكية)، أو انقسام أوروبي حاد يؤدي إلى انهيار الإجماع على دعم أوكرانيا وانسحاب دول مؤثرة.
السيناريوهات الفرعية المحتملة:
أ) التصعيد العسكري الروسي:
- شن هجوم روسي واسع النطاق يحقق اختراقات كبيرة على الجبهة، مما يضغط على أوروبا لزيادة الدعم العسكري بشكل كبير جداً أو حتى للتفكير في التدخل المباشر.
- استخدام روسيا لأسلحة كيميائية أو نووية تكتيكية في أوكرانيا، مما يدفع الناتو إلى إعادة النظر جذرياً في سياسة عدم التدخل وربما الرد.
- شن روسيا هجمات مباشرة على أهداف حيوية داخل دول أوروبية (تخريب بنى تحتية، اغتيالات شخصيات، هجمات سيبرانية كبرى).
ب) الانهيار السياسي الأوروبي: - فوز أحزاب شعبوية يمينية أو يسارية في انتخابات رئيسية في دول كبرى (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا) تتبنى برامج تدعو إلى وقف الدعم لأوكرانيا والانفتاح على روسيا.
- انقسام حاد داخل الاتحاد الأوروبي حول استمرار سياسة العقوبات أو ملف الطاقة، يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار وانهيار الإجماع.
- اندلاع أزمة اقتصادية كبرى في أوروبا (ركود طويل، أزمة ديون سيادية، انهيار بنوك كبرى) تجبر الحكومات على إعادة توجيه الموارد بعيداً عن الدعم الخارجي.
ج) التصدع الاستراتيجي الأطلسي: - قرار أمريكي أحادي بالانسحاب الكامل من دعم أوكرانيا، أو فرض تسوية سياسية من جانب واحد تراعي المصالح الروسية على حساب المصالح الأوروبية والأوكرانية.
- نشوب خلاف حاد بين واشنطن وأوروبا حول قضايا اقتصادية أو تجارية كبرى (مثل سياسات بايدن الاقتصادية أو صفقات الطاقة) ينعكس سلباً على التعاون الأمني في ملف أوكرانيا.
ثامناً: تحليل استراتيجي: نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات (SWOT)
- نقاط القوة
- البنية المؤسسية المتماسكة: طورت أوروبا على مدى ثلاث سنوات مجموعة متنوعة ومتكاملة من الأدوات المؤسسية: تمويل طويل الأجل، نظام عقوبات شامل ومتجدد، تشريعات طاقة ملزمة، وبرنامج تدريب عسكري أوروبي. هذه الأدوات لم تعد مجرد “رد فعل” مؤقت على أزمة، بل تحولت إلى بنية مستدامة يصعب تفكيكها بسرعة.
- التجربة المتراكمة في إدارة الأزمات: خلال السنوات الثلاث الماضية، تعلمت المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية كيف تدير أزمة معقدة متعددة الأبعاد: الطاقة، تدفقات اللاجئين، الدعم العسكري، تنسيق العقوبات. هذه الخبرة المؤسسية تجعل أوروبا أكثر قدرة على التكيف واتخاذ القرار في عام 2026.
- الإجماع النسبي حول طبيعة التهديد: رغم الاختلافات التكتيكية والسياسية، هناك إجماع أوروبي عام وراسخ على أن روسيا، بنظامها الحالي، تشكل تهديداً وجودياً للأمن الأوروبي على المدى الطويل. هذا الإدراك المشترك يسهل اتخاذ قرارات صعبة حتى مع وجود معارضة من بعض الدول.
- القدرة الاقتصادية: لا تزال أوروبا قوة اقتصادية عظمى. قرض بقيمة 90 مليار يورو هو رقم كبير، لكنه في السياق الأوسع يمثل أقل من 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. المشكلة الحقيقية ليست في القدرة المالية المجردة، بل في الإرادة السياسية لتخصيص هذه الموارد في ظل احتياجات داخلية متزايدة.
- نقاط الضعف
- هشاشة التوافق السياسي: الاتحاد الأوروبي، بحكم طبيعته كاتحاد لدول ذات سيادة، يعتمد في قراراته الحساسة على الإجماع أو الأغلبية الموصوفة. هذا يجعله عرضة للشلل أو الابتزاز السياسي إذا عارضت دولة أو اثنتان (مثل المجر) قراراً حاسماً، مما يضطره لاستخدام آليات معقدة مثل “التعاون المعزز” التي قد تضعف التماسك.
- التفاوت الكبير في الحساسيات الوطنية: دول مثل المجر وسلوفاكيا لديها اعتماد تاريخي كبير على الطاقة الروسية، ولديها اعتبارات سياسية داخلية تجعلها أقل حماساً للسياسات الأوروبية الصارمة. هذا التفاوت يخلق نقاط ضعف يمكن لروسيا استغلالها بمهارة لشق الصف الأوروبي.
- الاعتماد المتبقي على الولايات المتحدة: رغم الجهود الحثيثة لبناء استقلالية أوروبية، لا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في المجالات الأمنية الحاسمة: المظلة النووية، القدرات الاستخباراتية المتقدمة، بعض أنظمة الدفاع الجوي والردع الاستراتيجي.
- محدودية القدرات العسكرية الأوروبية: الصناعات الدفاعية الأوروبية، رغم الإعلانات الطموحة، لم تتوسع بالسرعة الكافية لتلبية احتياجات أوكرانيا الضخمة وفي نفس الوقت إعادة تسليح الجيوش الأوروبية. لا يزال هناك نقص حاد في الذخيرة، صواريخ الدفاع الجوي المتطورة، وبعض الأنظمة العسكرية عالية التقنية.
- الفرص
- تحويل الأزمة إلى لحظة تأسيسية: تشكل الحرب في أوكرانيا فرصة تاريخية ونادرة لأوروبا لبناء “هوية أمنية” حقيقية والانتقال من كونها “سوقاً مشتركة” إلى “قوة جيوسياسية” فاعلة على المسرح العالمي.
- تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية: الشكوك المتزايدة حول مستقبل الالتزام الأمريكي تدفع أوروبا إلى بناء قدرات ذاتية في الدفاع، الطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة. هذا قد يجعل أوروبا في المستقبل أقل عرضة للابتزاز الخارجي وأكثر قدرة على تحديد مصيرها بنفسها.
- تطوير شراكات استراتيجية جديدة: الحرب دفعت أوروبا إلى تطوير علاقات أعمق وأكثر تنوعاً مع دول مثل النرويج كمورد بديل للطاقة، وبولندا ودول البلطيق كحلفاء أمنيين رئيسيين على الجبهة الشرقية، وحتى مع دول غير أوروبية مثل اليابان وكوريا الجنوبية في مجالات الأمن والتكنولوجيا.
- إعادة تشكيل سوق الطاقة: قطع الاعتماد على الغاز الروسي بشكل شبه كامل يدفع أوروبا إلى الاستثمار بقوة غير مسبوقة في مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والطاقة النووية من الجيل الجديد. هذا قد يجعل أوروبا أكثر استدامة واستقلالية طاقوية لعقود قادمة.
- التهديدات
- تآكل الإرادة السياسية: يبقى تآكل الإرادة السياسية والشعبية لمواصلة دعم أوكرانيا هو التهديد الأكبر والأكثر واقعية. التضخم المستمر، ارتفاع تكاليف المعيشة، والإرهاق النفسي من “حرب لا تنتهي” قد تؤدي إلى ضغوط سياسية داخلية هائلة تجبر الحكومات على تقليص الدعم أو حتى التراجع عنه.
- نجاح روسيا في الالتفاف على العقوبات: إذا نجحت روسيا في بناء وتوسيع شبكات تجارية ومالية بديلة عبر دول مثل الصين والهند وتركيا ودول آسيا الوسطى بشكل فعال، فإن العقوبات الأوروبية ستفقد جزءاً كبيراً من تأثيرها الاقتصادي، وربما سياسياً أيضاً.
- الانسحاب الأمريكي الجزئي أو الكلي: إذا قررت الولايات المتحدة بشكل أحادي تقليص دعمها لأوكرانيا بشكل كبير (خاصة الدعم العسكري والاستخباراتي)، فإن أوروبا قد لا تستطيع سد الفجوة بالكامل، على الأقل في المدى القصير، مما قد يؤدي إلى انهيار أوكراني.
- أزمة اقتصادية أوروبية شاملة: ركود اقتصادي حاد وطويل، أو أزمة ديون سيادية في دول كبرى، أو انهيار في قطاع مصرفي رئيسي، قد يجبر الحكومات الأوروبية على إعطاء الأولوية القصوى للأزمات الداخلية على حساب أي دعم خارجي مهما كان.
- التصعيد العسكري الروسي الخطير: قيام روسيا باستخدام أسلحة غير تقليدية (كيميائية) أو نووية تكتيكية في أوكرانيا، أو شن هجمات مباشرة على أهداف حيوية في دول أعضاء في الناتو، قد يضع أوروبا أمام خيارات مستحيلة: التدخل المباشر (مع مخاطره الكارثية) أو التراجع (مع ما يعنيه ذلك من انهيار كامل للمصداقية الأمنية).
تاسعاً: توصيات استراتيجية لتعزيز الموقف الأوروبي
- للمؤسسات الأوروبية (المفوضية والمجلس والبرلمان)
- تحويل الدعم المالي إلى آليات “قوية المناعة“: بدلاً من الاعتماد على قرارات سياسية متكررة قد تتعطل بسبب فيتو من دولة واحدة، يجب تحويل دعم 2026-2027 إلى مسارات تنفيذية شبه تلقائية. وذلك من خلال تصميم آليات صرف واضحة ومربوطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وربط إصلاحي واقعي (غير مستحيل)، ورقابة شفافة تطمئن المواطن الأوروبي أن أمواله تُصرف بشكل مسؤول وفعال.
- تعظيم أثر العقوبات عبر “الحرب على الالتفاف“: الاستثمار بقوة غير مسبوقة في تتبع وتفكيك سلاسل الخدمات المالية والتأمين والشحن والطاقة التي تساعد روسيا في التحايل على العقوبات. هذا يتطلب تعاوناً وثيقاً مع شركاء مجموعة السبع وبناء شبكة استخبارات اقتصادية أوروبية قوية.
- الحماية الاجتماعية الاستباقية: تصميم وتنفيذ أدوات حماية اجتماعية مبتكرة للفئات والقطاعات الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة والتضخم الناتج عن الحرب. هذا ليس “ترفاً” سياسياً، بل ضرورة استراتيجية قصوى: إذا لم تُدِر الحكومات “الفاتورة الداخلية” بنجاح، فإن الضغط الشعبي سيؤدي حتماً إلى انهيار الإجماع السياسي على دعم أوكرانيا.
- تسريع وتيرة بناء الصناعة الدفاعية الأوروبية: هناك حاجة ملحة وقصوى لتوسيع الطاقة الإنتاجية للصناعات الدفاعية الأوروبية بشكل كبير. برنامج “إعادة تسليح أوروبا” (ReArm Europe) الذي أعلنت عنه فون دير لاين في مارس 2025 بقيمة 800 مليار دولار يجب أن يُنفَّذ بجدية وإسراع. المشكلة ليست في المال فقط، بل في بطء الإجراءات البيروقراطية وتشتت الجهود بين 27 دولة.
- للدول الأعضاء
- التنفيذ الصارم لخطط تنويع الطاقة: الموعد النهائي لتقديم الخطط الوطنية هو 1 مارس 2026، وهو ليس تاريخاً رمزياً بل موعداً حاسماً. الدول التي تفشل في تقديم خطط واقعية وقابلة للتنفيذ ستكون نقاط ضعف يمكن لروسيا استغلالها. يجب رفع جاهزية التخزين، وتطوير البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، والاستثمار الجاد في الطاقة المتجددة والنووية.
- رفع الإنفاق الدفاعي بشكل فعلي وذكي: الالتزام بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع (معيار الناتو) لم يعد كافياً. دول مثل بولندا تنفق أكثر من 4%، بينما بعض الدول الغنية لا تزال دون الـ2%. والأهم من الكم هو الكيف: يجب أن يكون الإنفاق الدفاعي “ذكياً”، أي موجهاً لبناء قدرات حقيقية، وتطوير صناعات محلية، وتحسين الجاهزية القتالية.
- إدارة الخطاب العام بذكاء وشفافية: يجب ربط دعم أوكرانيا بالأمن الأوروبي المباشر في الخطاب العام، مع شفافية كاملة في شرح التكلفة والخطط الحكومية لتخفيفها على المواطنين. المواطن الأوروبي يحتاج أن يفهم أن هذا الدعم ليس “تبرعاً خيرياً” لكييف، بل هو “استثمار إجباري” في أمن أوروبا نفسها ومستقبلها.
- في العلاقة عبر الأطلسية
- المطالبة بالوضوح الاستراتيجي، لا بالطمأنة الخطابية: على أوروبا أن تطلب من واشنطن وضوحاً أكبر بكثير في تحديد “توزيع الأعباء والضمانات”. خطابات التطمين السنوية في المؤتمرات لم تعد كافية. يجب تحديد الالتزامات الأمريكية المحددة: ما هو حجم الدعم العسكري والمالي؟ ما هو دور واشنطن في أي مفاوضات؟ ما هي الضمانات الأمنية التي ستقدمها أمريكا لأوكرانيا بعد أي تسوية سياسية؟
- تقوية الركيزة الأوروبية داخل الناتو، لا خارجه: يجب على أوروبا بناء قدراتها الدفاعية بحيث تبدو شريكاً قوياً وفاعلاً داخل الحلف، لا عبئاً عليه أو بديلاً عنه. التوازن دقيق لكنه ممكن: أوروبا أقوى عسكرياً وسياسياً تعني ناتو أقوى وأكثر توازناً، شريطة أن تُستخدم هذه القوة بالتنسيق مع الحلف، لا ضده.
- لصانعي القرار على المستوى الاستراتيجي
- تجنب الوقوع في فخ “الرهان على النهاية السريعة“: التاريخ الحديث يعلمنا أن الحروب الكبرى المعقدة نادراً ما تنتهي بسرعة. على أوروبا أن تبني استراتيجيتها على افتراض “الصراع الطويل الأمد”، مع الاستعداد الدائم لاغتنام أي فرصة دبلوماسية حقيقية إذا ظهرت، دون أوهام.
- بناء “تحالف المرونة” العالمي: التعاون بشكل منهجي مع الدول الشريكة خارج أوروبا (كندا، أستراليا، اليابان، كوريا الجنوبية، النرويج) لتنويع مصادر الدعم العسكري والمالي والسياسي، وتوسيع شبكة العقوبات الدولية على روسيا. هذا يقلل من اعتماد أوروبا على واشنطن فقط، ويزيد من الضغط الدولي على موسكو.
- الاستعداد الجاد لـ”سيناريو التصعيد“: رغم أن احتماله منخفض نسبياً، يجب على أوروبا أن تكون مستعدة تماماً لأسوأ السيناريوهات. ماذا سيكون رد الفعل الأوروبي إذا استخدمت روسيا سلاحاً نووياً تكتيكياً؟ ماذا لو هاجمت روسيا دولة من الناتو بشكل مباشر؟ هذه الأسئلة المصيرية يجب أن تُناقش الآن في غرف العمليات المغلقة، بحيث لا تُفاجأ أوروبا وتُضطر لاتخاذ قرارات متسرعة تحت الضغط.
عاشراً: خلاصة واستنتاجات: أوروبا 2026 بين الصمود الاستراتيجي والاستنزاف الممنهج
- الرسالة المركزية: أوروبا تبني للصمود، لا للنصر السريع
عند النظر إلى مجمل السياسات والقرارات الأوروبية في 2026 – التمويل الطويل الأجل، العقوبات الممتدة الصلاحية، الحظر القانوني الملزم للغاز الروسي، التدريب العسكري المكثف للأوكرانيين – يتضح أن أوروبا لا تتصرف كمن ينتظر “نهاية” وشيكة وقريبة للحرب. بل تتصرف كمن يستعد استعداداً دؤوباً لـ”لا نهاية” طويلة، أو على الأقل لنهاية لن تأتي بسرعة ولن تكون حاسمة. لكن هذا لا يعني أن أوروبا لا تريد السلام. أوروبا تريد سلاماً، ولكن سلاماً “عادلاً وقابلاً للاستمرار”، لا سلاماً “رخيصاً” يخفف العناوين اليوم ليعيد الحرب غداً. التجربة الأوروبية المريرة مع اتفاقات مينسك (2014-2015) علمتها جيداً أن الاتفاقات التي لا تُقيِّد قدرة الطرف المعتدي على العودة للحرب تتحول إلى مجرد “استراحة محارب” كارثية.
- المعضلة الأوروبية الثلاثية: موازنة مستحيلة؟
أوروبا في 2026 تحاول أن توازن ببراعة بين ثلاثة أهداف استراتيجية يصعب بل يستحيل أحياناً التوفيق بينها:
- منع انهيار أوكرانيا: لأن ذلك يعني انهيار المصداقية الأوروبية كفاعل أمني وحليف موثوق.
- تجنب الاستنزاف الداخلي: لأن ذلك يهدد التماسك الاجتماعي والاقتصادي للاتحاد الأوروبي نفسه.
- بناء استقلالية استراتيجية: لأن الاعتماد الكلي على واشنطن لم يعد خياراً آمناً في ظل التحولات الأمريكية.
هذا التوازن الثلاثي صعب للغاية، وأي خلل جسيم في أحد هذه الأهداف قد يؤدي إلى عواقب استراتيجية خطيرة لا يمكن تداركها.
- الطاقة كمفتاح الصمود وإعادة تعريف الأمن
إذا كان هناك درس واحد واضح من تجربة أوروبا مع الحرب الأوكرانية، فهو أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، بل تحولت إلى سلاح جيوسياسي فتاك. روسيا استخدمت الغاز لابتزاز أوروبا سياسياً لعقود، وأوروبا تعلمت الدرس بطريقة قاسية ومؤلمة. القرار التاريخي بحظر الغاز الروسي قانونياً، مع إلزام الدول بتقديم خطط تنويع محددة، هو أهم قرار استراتيجي طويل المدى اتخذته أوروبا في هذا الملف المصيري. إذا نجحت أوروبا في عبور شتاء 2026-2027 دون صدمة طاقة كبرى، فإنها تكون قد أغلقت إلى الأبد واحداً من أهم وأخطر طرق الضغط الروسي عليها.
- الرأي العام: العامل الأكثر تقلباً والأصعب في الإدارة
يبقى التهديد الأكبر لاستمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا ليس عسكرياً ولا اقتصادياً، بل سياسياً-اجتماعياً داخلياً: قدرة المجتمعات الأوروبية على تحمل “حرب طويلة” بتكاليفها الاقتصادية والنفسية المتراكمة. الرأي العام الأوروبي لا يزال يدعم أوكرانيا، لكن هذا الدعم أصبح “مشروطاً” بشكل متزايد: الناس يريدون أن يروا أن حكوماتهم تدير التكاليف الداخلية (الطاقة، التضخم، الخدمات العامة) بفعالية وعدالة. لذلك، فإن “إدارة الفاتورة الداخلية” للحرب ليست مجرد سياسة اقتصادية تقليدية، بل هي شرط أساسي لاستمرار الإجماع السياسي والشعبي على دعم أوكرانيا في السنوات القادمة.
- الاتحاد الأوروبي في لحظة تحول تاريخية
تمثل الحرب في أوكرانيا لحظة تحول وجودي محتملة للاتحاد الأوروبي: الانتقال التدريجي من كونه “سوقاً مشتركة” تنسق السياسات الاقتصادية، إلى “فاعل جيوسياسي” يتخذ قرارات أمنية مصيرية ويبني قدرات دفاعية ذاتية. الدعوة لإحياء المادة 42.7، والنقاش الجاد حول الردع النووي الأوروبي، وإطلاق برنامج “إعادة تسليح أوروبا” – كلها مؤشرات واضحة على هذا التحول الكبير. لكن السؤال المفتوح الذي سيجيب عنه المستقبل: هل سيكون هذا التحول دائماً وهيكلياً، أم مجرد رد فعل مؤقت على أزمة حادة سرعان ما يتراجع عندما تخف حدتها؟ التاريخ يقول إن أوروبا غالباً ما تتحرك بسرعة في الأزمات، لكنها تتراجع عندما تهدأ. هذه المرة قد تكون مختلفة، لأن التهديد الروسي يبدو طويل الأمد وهيكلياً، لكن شيئاً ليس مضموناً في السياسة.
- العلاقة عبر الأطلسية: شراكة مضطرة لإعادة تعريف نفسها
العلاقة التاريخية بين أوروبا والولايات المتحدة تمر اليوم بمرحلة إعادة تعريف قسرية. واشنطن لا تزال الشريك الأمني الأهم لأوروبا، لكنها لم تعد “الضامن الوحيد” الذي يمكن الاعتماد عليه بشكل أعمى ومطلق. الغموض الاستراتيجي الأمريكي حول حجم الالتزام المستقبلي يدفع أوروبا إلى بناء “خطة ب” طموحة: المزيد من الاستقلالية الأوروبية دون قطيعة مع الحليف التاريخي. هذا التوازن صعب ومعقد، لأن أي خطوة أوروبية نحو الاستقلالية قد تُفسَّر في واشنطن على أنها “إضعاف للتحالف”، بينما أي اعتماد كلي على واشنطن يُعرِّض أوروبا لمخاطر جسيمة من تقلبات السياسة الداخلية الأمريكية وأولوياتها المتغيرة.
- السيناريو الأرجح: حرب استنزاف مُدارة
بناءً على المعطيات والتحليلات المطروحة، يبقى السيناريو الأرجح لعام 2026 هو “حرب استنزاف مُدارة”: لا نصر حاسم لأي طرف، ولا هزيمة كاملة، بل صراع طويل متذبذب ينتقل بشكل متزايد من الميدان العسكري التقليدي إلى ميادين جديدة: الطاقة، المال، العقوبات والالتفاف عليها، الإعلام والحرب السيبرانية. هذا السيناريو ليس “الأفضل” من منظور إنساني وأخلاقي لاستمرار المعاناة، لكنه قد يكون “الأقل سوءاً” من منظور استراتيجي أوروبي: فهو يمنح أوروبا وقتاً ثميناً لبناء قدراتها الذاتية، ويحافظ على أوكرانيا كدولة قابلة للحياة وقادرة على الدفاع عن نفسها، ويواصل الضغط الاقتصادي على روسيا دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة وكارثية.
- الرسالة النهائية: أوروبا تتعلم أن تكون “قوة”، لا مجرد “سوق“
الحرب في أوكرانيا تعلِّم أوروبا درساً قاسياً لا يمحى: في عالم الجغرافيا السياسية الجديد، القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي لضمان الأمن والمكانة. تحتاج القارة العجوز أيضاً إلى إرادة سياسية موحدة، وقدرة عسكرية رادعة، واستقلالية حقيقية في مجال الطاقة، ومصداقية لا تتزعزع في الالتزام بالتحالفات. أوروبا في 2026 تحاول بجدية أن تُترجم قوتها الاقتصادية الهائلة إلى قوة جيوسياسية فاعلة على المسرح العالمي. النجاح ليس مضموناً، والعقبات الداخلية والخارجية لا تزال هائلة، لكن المحاولة الأوروبية تبدو هذه المرة جادة وأكثر إدراكاً للمخاطر. إذا نجحت أوروبا في هذا المسعى، فإن أوروبا عام 2030 ستكون مختلفة جذرياً عن أوروبا عام 2021: أكثر وحدة مما مضى، أقوى دفاعياً، أكثر استقلالية استراتيجية، وأكثر استعداداً للعب دور قيادي في نظام عالمي متعدد الأقطاب. وإذا فشلت؟ فإن أوروبا قد تجد نفسها في موقع أضعف وأكثر هشاشة مما كانت عليه قبل الحرب، مع فقدان هائل للمصداقية، وانقسامات داخلية أعمق، واعتماد أكبر على قوى خارجية لا ترحم. الخيار بين هذين المسارين المصيريين سيتحدد إلى حد كبير في عام 2026.
ملاحق
ملحق (أ): جدول زمني للقرارات والمحطات الرئيسية (2025-2026)
| التاريخ | الحدث / القرار | الأهمية الاستراتيجية |
| ديسمبر 2025 | المجلس الأوروبي يوافق على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا (2026-2027) | تأمين التمويل الطويل الأجل لمنع الانهيار المالي لأوكرانيا |
| ديسمبر 2025 | تجديد العقوبات الاقتصادية على روسيا حتى 31 يوليو 2026 | استمرار أدوات الضغط الاقتصادي على روسيا لسنة إضافية |
| ديسمبر 2025 | اعتماد قانون حظر الغاز الروسي تدريجياً | قطع سلاح الطاقة الروسي عن أوروبا بشكل ملزم قانونياً |
| يناير 2026 | المفوضية الأوروبية تقدم مقترحات تشريعية لتنفيذ قرض الـ90 مليار يورو | تحويل القرار السياسي إلى إطار قانوني قابل للتنفيذ |
| يناير 2026 | المجلس الأوروبي يصادق رسمياً على قانون حظر الغاز الروسي | دخول القانون حيز التنفيذ رسمياً |
| يناير 2026 | إعلان EEAS عن تدريب أكثر من 86,000 جندي أوكراني عبر EUMAM | إنجاز مهم في بناء قدرة عسكرية أوكرانية مستدامة |
| 4 فبراير 2026 | مجلس الاتحاد يوافق على الإطار القانوني لقرض الـ90 مليار يورو | تسريع الصرف المتوقع في الربع الثاني من 2026 |
| 6 فبراير 2026 | فون دير لاين تعلن حزمة العقوبات العشرين ضد روسيا | توسيع نطاق العقوبات لتشمل البنوك والعملات المشفرة |
| 13-15 فبراير 2026 | مؤتمر ميونيخ للأمن: خطابات فون دير لاين وروبيو وميرتس | إعادة تحديد العلاقة الأطلسية ونقاش الدفاع الأوروبي |
| 24 فبراير 2026 | الموعد المتوقع لاعتماد حزمة العقوبات العشرين | ذكرى مرور 4 سنوات على الحرب |
| 1 مارس 2026 | الموعد النهائي لتقديم الدول الأعضاء خطط التنويع الوطنية للطاقة | اختبار جدي لمدى جدية الدول في قطع الاعتماد على الطاقة الروسية |
| 25 أبريل 2026 | بدء حظر واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي (العقود قصيرة الأجل) | بداية التطبيق الفعلي لقانون حظر الغاز |
| 17 يونيو 2026 | بدء حظر واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب (العقود قصيرة الأجل) | توسيع نطاق الحظر ليشمل الغاز عبر الأنابيب |
| 31 يوليو 2026 | انتهاء صلاحية العقوبات الاقتصادية الحالية (قرار التجديد مطلوب) | لحظة سياسية حاسمة لتقييم الإجماع الأوروبي |
| نوفمبر 2026 | انتهاء تفويض بعثة EUMAM الممتد | قرار حول استمرار أو توسيع التدريب العسكري |
| 1 يناير 2027 | حظر كامل على واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي (العقود طويلة الأجل) | إغلاق نهائي تقريباً لباب الغاز الروسي |
| 30 سبتمبر 2027 | حظر كامل على واردات الغاز الروسي عبر الأنابيب (العقود طويلة الأجل) | نهاية الاعتماد القانوني على الغاز الروسي إلى الأبد |
ملحق (ب): أرقام ومؤشرات رئيسية محدثة
الدعم المالي:
- إجمالي دعم الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء لأوكرانيا (2022-2026): 193.3 مليار يورو.
- قرض 2026-2027: 90 مليار يورو (60 مليار للدعم العسكري، 30 مليار للميزانية العامة).
- المساعدات المالية الكلية للاتحاد الأوروبي (2022-2026): 43.3 مليار يورو.
التدريب العسكري: - عدد الجنود الأوكرانيين المدربين عبر EUMAM (حتى مطلع 2026): أكثر من 86,000 جندي.
- ميزانية EUMAM (نوفمبر 2024 – نوفمبر 2026): 409 مليون يورو.
- إجمالي الدعم العسكري الأوروبي: 69.3 مليار يورو (تقديرات).
الطاقة: - نسبة الغاز الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي (2021): 45%.
- نسبة الغاز الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي (2025): 12-13%.
- قيمة واردات الغاز الروسي السنوية (2025): حوالي 15 مليار يورو.
- الفجوة المتوقعة في احتياجات الغاز لأوروبا الوسطى والشرقية (بحلول 2030): 35 مليار متر مكعب سنوياً.
العقوبات: - عدد حزم العقوبات الأوروبية (حتى فبراير 2026): 20 حزمة.
- قيمة الأصول الروسية المجمدة في الاتحاد الأوروبي: حوالي 210 مليار يورو.
- عدد الأفراد والكيانات المستهدفة بتجميد الأصول: أكثر من 2,700.
الرأي العام (يوروباروميتر): - نسبة الأوروبيين القلقين من الحروب بالقرب من حدود الاتحاد: 72%.
- نسبة من يعتقدون أن دول أوروبا يجب أن تكون أكثر وحدة: 89%.
- نسبة من يريدون صوتاً أقوى للاتحاد الأوروبي دولياً: 86%.









