- جسور مضطربة: من تاريخٍ ثقيل إلى تعاونٍ اقتصادي ملح
العلاقات العربية الأوروبية بين إرثٍ ثقيل وحاجةٍ متبادلة إلى المستقبل
تمهيد وإشكالية الورقة
يصعب فهم العلاقات العربية الأوروبية بوصفها علاقة “شركاء” بالمعنى الكلاسيكي، لأن ما يحكمها قبل أي شيء هو الجغرافيا: جوارٌ متلاصق، وحدودٌ بحرية مشتركة، وتشابك مصالح لا يسمح لأي طرف بأن يتعامل مع الطرف الآخر كمسألة خارجية ثانوية. ومع ذلك، ظلّت هذه العلاقات لعقود محكومةً بمزيجٍ من البراغماتية الاقتصادية والشكوك السياسية وتفاوت التوقعات، بحيث بدا الطرفان كأنهما يملكان أسباب التعاون نفسها وأسباب التعثر نفسها في الوقت عينه.
الإشكالية التي تنطلق منها هذه الورقة هي التالية: لماذا تُنتج المصالح المشتركة الكبيرة تعاوناً محدوداً ومتذبذباً، بدل أن تُنتج شراكة استراتيجية مستقرة؟ والفرضية التفسيرية الأساسية هنا أن “سوء الفهم” ليس حادثاً ظرفياً، بل بنيةٌ متراكمة تتغذّى من الذاكرة التاريخية، ومن عدم التكافؤ الاقتصادي، ومن تناقض الخطاب القيمي مع الممارسة السياسية، ومن ميل العلاقة إلى التحوّل عند الأزمات إلى مقاربة أمنية ضيقة على حساب المقاربة التنموية الواسعة.
المسار التاريخي والمؤسسي للعلاقة
من المفيد التمييز بين “تاريخ طويل” يصنع المزاج العام والذاكرة، و”تاريخ مؤسسي حديث” يصنع آليات العمل اليومي بين الطرفين.
في التاريخ الطويل، تتداخل طبقاتٌ متعارضة: لحظات تبادلٍ معرفي وثقافي في المتوسط، ثم حقبة استعمارية تركت أثراً نفسياً وسياسياً بالغاً، ثم مرحلة استقلال وصعود دولة وطنية عربية ظلّت علاقتها بأوروبا محكومةً بفكرة إعادة التوازن والاعتراف المتبادل. هذه الطبقات لا تعمل كخلفية سردية فحسب، بل تتسرّب إلى طريقة تفسير كل طرف لنيات الطرف الآخر، وإلى حساسية اللغة المستخدمة في قضايا مثل السيادة والإصلاح وحقوق الإنسان.
أما التاريخ المؤسسي الحديث، فيبدأ عملياً من محاولات بناء أطر منظمة للتعاون عبر المتوسط، ثم يتبلور في صيغ متعددة الأطراف هدفها إنشاء فضاء تعاون اقتصادي وسياسي واجتماعي. ويُعد “إطار الاتحاد من أجل المتوسط” واحداً من أبرز هذه البنى التي سعت إلى تحويل الجوار إلى مشاريع وبرامج قابلة للإدارة والتمويل والتنفيذ عبر دول الضفتين. [3])
التجارة والاقتصاد
حين يُنظر إلى العلاقات العربية الأوروبية من زاوية التجارة، يبدو المشهد للوهلة الأولى واضحاً: أوروبا سوقٌ رئيسية لجزء معتبر من صادرات الطاقة والمواد الأولية العربية، والعالم العربي سوقٌ كبير للسلع الصناعية الأوروبية، من المعدات إلى الأدوية إلى الخدمات ذات الكثافة التقنية. غير أن “الوضوح” هنا قد يكون مضللاً، لأن البنية العميقة للتبادل لا تزال تميل إلى نمط قيمة مضافة غير متوازن: تصدير عربي لسلع أقل تعقيداً وتصنيعاً، واستيراد عربي لمنتجات أكثر تعقيداً وكلفة، وهو ما يخلق حساسية مزمنة تجاه مفهوم “الشراكة المتكافئة” ويجعلها عرضةً للتشكيك داخل النخب الاقتصادية العربية.
التجربة المؤسسية الأشهر في هذا السياق كانت الرهان على تحويل التعاون إلى منطقة تجارة أوسع عبر المتوسط، ثم توسع ذلك الرهان لاحقاً إلى مشاريع قطاعية في البنية التحتية والتعليم والبيئة والمياه. إلا أن الفجوة بين الطموحات المعلنة والنتائج المتحققة ظلّت قائمة، لأسباب تتصل ببطء الإصلاحات الاقتصادية في عدد من الدول العربية من جهة، وبميل السياسات الأوروبية إلى تقديم اعتبارات الحماية والمعايير التنظيمية الصارمة على حساب المرونة التنموية من جهة أخرى، إضافةً إلى أن الأزمات السياسية المتكررة كانت تقطع مسارات التعاون قبل أن تنضج.
ومع ذلك، لا يصح اختزال الاقتصاد في التجارة فقط. فهناك طبقة أكثر تأثيراً اليوم تتمثل في الاستثمار والتمويل وسلاسل القيمة. إذ باتت الاستثمارات العربية، ولا سيما الخليجية، حاضرةً في قطاعات أوروبية متعددة، بينما تنشط الشركات الأوروبية في مشاريع عربية كبرى في البنية التحتية والطاقة والنقل. هذه الطبقة الاستثمارية تمثل “شبكة مصالح” أكثر قدرة على مقاومة الصدمات من التجارة التقليدية، لكنها تظل حساسة للتقلبات السياسية ولصورة الاستقرار القانوني والتنظيمي في بيئات الاستثمار.
التحول الطاقوي والمناخ
يُعد التحول الطاقوي أحد أكبر المتغيرات البنيوية التي ستعيد تعريف العلاقة خلال العقد القادم. فالنموذج القديم القائم على “أمن الطاقة مقابل الأسواق” لم يعد كافياً وحده لتفسير المستقبل، لأن أوروبا تمضي في مسار خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري وتوسيع الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك، بينما تسعى دول عربية عديدة إلى تنويع اقتصاداتها والانتقال من الريع إلى التصنيع والخدمات والاقتصاد الرقمي.
هذا التحول يفتح باباً جديداً للشراكة إذا استُثمر بصورة صحيحة: مشاريع الربط الكهربائي عبر المتوسط، سلاسل توريد للهيدروجين منخفض الكربون، تصنيع مشترك لمكونات الطاقة المتجددة، وتعاون في معايير السوق والتنظيم لتسهيل انتقال الطاقة دون تحويله إلى صراع مصالح صفري. وهو أيضاً مجالٌ يمكنه أن ينقل العلاقة من تبادل “سلع” إلى تبادل “قدرات” ومعرفة ومواصفات، وهو ما يقترب أكثر من معنى الشراكة الاستراتيجية الفعلية.
الأمن والهجرة وإدارة الأزمات
في المجال الأمني تظهر مفارقة دائمة: كلما اتسعت التهديدات المشتركة، زادت الحاجة إلى التعاون، لكن طريقة إدارة التعاون غالباً ما تنكمش إلى ملفات قصيرة النفس، وعلى رأسها الهجرة غير النظامية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ملف الهجرة تحديداً يُعد كاشفاً لبنية العلاقة أكثر مما هو ملفٌ منفصل عنها. فجزء من المقاربة الأوروبية يقوم على “إدارة التدفقات” عبر ترتيبات مع دول العبور ودول المنشأ، بما يشمل الدعم الفني لحرس الحدود وبرامج إعادة القبول والمساعدات المشروطة. بينما ترى أطراف عربية عديدة أن المشكلة لا تُحل بمجرد الإجراءات الأمنية، بل تُحل أيضاً عبر مقاربة تنموية أعمق تعالج أسباب الهجرة في الاقتصاد والتعليم والاستقرار السياسي. ومع تصاعد الاستقطاب السياسي الداخلي في أوروبا حول الهجرة، يتزايد ميل الحكومات الأوروبية إلى تغليب الحلول السريعة، وهو ما يراكم بدوره شعوراً عربياً بأن أوروبا تتعامل مع الجنوب بوصفه “حاجزاً” أكثر مما تتعامل معه بوصفه شريكاً.
أما في مكافحة الإرهاب والتطرف، فالصورة أكثر تعقيداً من الخطاب الإعلامي. فهناك تعاونٌ استخباراتي وتنسيقٌ عملياتي يحدث أحياناً بعيداً عن الأضواء، لأن أمن أوروبا الداخلي يتأثر مباشرةً بتطورات جنوب المتوسط، ولأن عدداً من الدول العربية راكم خبرات كبيرة في تفكيك الشبكات المتطرفة وتجفيف مصادر تمويلها. غير أن هذا التعاون، لكي يصبح أكثر استدامةً وأقل حساسية سياسياً، يحتاج إلى مظلة قانونية ومؤسسية أوضح، وإلى دمجه في مسار تعاون أشمل لا يُختزل في “الأمن” وحده.
الحوار السياسي وبنية الخلاف
تجربة الحوار السياسي العربي الأوروبي تكشف أن المشكلة ليست غياب اللقاءات، بل غياب القدرة على إنتاج “لغة مشتركة” تتجاوز البيانات العامة. فالأطراف تتفق بسهولة على عناوين واسعة، لكنها تتعثر عند التفاصيل التي تمس مفهوم السيادة، أو تعريف الاستقرار، أو ترتيب الأولويات بين الأمن والإصلاح والتنمية.
ومن أهم نقاط الضعف هنا أن الاتحاد الأوروبي نفسه ليس كتلة واحدة في القضايا الحساسة؛ فاختلافات الدول الأعضاء تضعف القدرة على بلورة سياسة موحدة تجاه ملفات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلى الجانب العربي، تتنوع أولويات الدول العربية بحسب الموقع الجغرافي وطبيعة الاقتصاد والتهديدات الأمنية الداخلية والإقليمية. والنتيجة أن الحوار غالباً ما يتحول إلى “تفاوض على الحد الأدنى” بدل أن يكون تخطيطاً للمشترك الممكن.
مع ذلك، فإن وجود قنوات منظمة بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية يمثل رصيداً مؤسسياً مهماً، لأنه يوفر إطاراً للتشاور السياسي وتبادل الرؤى، ولصياغة أجندات عمل مشتركة عند توفر الإرادة السياسية. 4)
قمة القادة العربية الأوروبية وما بعدها
جاء انعقاد قمة القادة العربية الأوروبية كإشارة سياسية إلى الرغبة في رفع مستوى العلاقة من مستوى الإدارات والوزارات إلى مستوى القرار الاستراتيجي، والتأكيد على أن القضايا المشتركة تتطلب حواراً مباشراً بين أعلى مستويات القيادة. وقد اتسعت أجندة هذا المسار لتشمل الأمن والهجرة والتنمية والاستثمار والتعليم والقضايا الإقليمية والدولية. (5)
غير أن قيمة القمم لا تُقاس فقط ببياناتها الختامية، بل بما ينتج عنها من آليات متابعة ومشاريع قابلة للقياس. وهنا تحديداً تظهر المعضلة: إذا لم تتحول القمة إلى “سلسلة سياسات” تتابعها فرق عمل ومؤشرات أداء وتمويل مستقر، فإنها تتحول إلى محطة رمزية يعلو فيها الخطاب ثم تعود العلاقات إلى نمطها الاعتيادي.
القيم وشرطية الشراكة
الجانب الأكثر حساسية في العلاقة يتمثل في ما يمكن تسميته “سياسة القيم”. الاتحاد الأوروبي يقدم نفسه بوصفه فاعلاً معيارياً يضع حقوق الإنسان وسيادة القانون في صلب شراكاته. والاعتراض العربي التقليدي ليس على القيم ذاتها، بل على انتقائية تطبيقها وارتباطها أحياناً بأدوات ضغط تفاوضي تُستخدم بمرونة حسب المصالح، وهو ما يُنتج انطباعاً بأن القيم تتحول من معيارٍ أخلاقي إلى أداة قوة ناعمة أو حتى إلى وصاية سياسية.
هذه المعضلة لا يمكن حلها بخطابٍ إنشائي، بل بإعادة تصميم أدوات الشراكة بحيث تصبح “الإصلاحات” نتاجاً لاحتياجات داخلية وخطط وطنية مدعومة، لا مجرد شروط خارجية متغيرة. كما أن الاتساق في تطبيق مبادئ القانون الدولي في القضايا الكبرى يظل شرطاً ضرورياً لبناء الثقة، لأن الذاكرة السياسية العربية تقيس صدقية الخطاب الأوروبي بقدر مطابقته لممارساته عند الملفات الأكثر حساسية.
المجتمع والإنسان بوصفهما رافعة مفقودة
هناك ميلٌ رسمي إلى النظر للعلاقة من منظور الدول والمؤسسات، بينما يتوسع على الأرض فضاء اجتماعي وإنساني عابر للحدود: جاليات عربية كبيرة في دول أوروبية، وروابط تعليمية وأكاديمية وبحثية، وشبكات أعمال وتكنولوجيا ناشئة، وتفاعل ثقافي وإعلامي كثيف. هذا الفضاء، إذا أُحسن استثماره، يمكن أن يخفف من أثر التوترات السياسية، لأنه يخلق “مصالح يومية” وروافع تواصل تتجاوز الدولة.
وفي عصر الاقتصاد الرقمي، تزداد أهمية هذا البعد؛ لأن التعاون لم يعد يحتاج دائماً إلى اتفاقيات حكومية ضخمة لكي يبدأ، بل يمكن أن يبدأ عبر منصات أعمال واستثمار وابتكار ومشاريع مشتركة بين شركات ناشئة وجامعات ومراكز بحث. هذا المسار يوفر فرصة لإعادة بناء الثقة على قاعدة الإنجاز بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات.
سيناريوهات مرجحة في الأمد القريب
إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تصحيح، يمكن تصور ثلاثة مسارات عامة:
مسار إدارة الأزمات
تغليب المقاربة الأمنية والهجرة، وتقدم التعاون عند الضرورة، ثم انكماشه بعد هدوء الأزمات.
مسار الشراكة الوظيفية
حزم مشاريع محددة قابلة للقياس في الطاقة والربط والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي، مع بقاء الخلافات السياسية “مؤجلة” لكنها مضبوطة.
مسار إعادة التأسيس
تحول تدريجي نحو شراكة أكثر تكافؤاً عبر إصلاح آليات التمويل والمتابعة، وتطوير لغة سياسية أكثر اتساقاً مع القانون الدولي، وتوسيع المشاركة المجتمعية والعلمية، بما يخفف من أثر الذاكرة السلبية ويحولها إلى درسٍ سياسي لا إلى عائق دائم.
خلاصة طريق عملي إلى شراكة أقل هشاشة
لكي تتحول العلاقات العربية الأوروبية من “تعاون متقطع” إلى “شراكة مستقرة”، يحتاج الطرفان إلى ثلاثة انتقالات متزامنة:
الانتقال من التجارة إلى الإنتاج المشترك
بناء سلاسل قيمة متوسطية، وتصنيع مشترك، ونقل معرفة، بدل الاكتفاء بتبادل السلع.
الانتقال من الأمن إلى الاستقرار الشامل
دمج الهجرة ومكافحة الإرهاب في مقاربة تنموية وقانونية أوسع، لا تضع الجنوب في موقع الحارس فقط.
الانتقال من الخطاب إلى الحوكمة
آليات متابعة وتمويل ومؤشرات قياس للمشاريع والبرامج، كي لا تبقى القمم والحوارات في إطار الرمزية السياسية.
هذه الانتقالات ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً واقعياً لأن المنطقة المتوسطية تتعرض لضغوط متراكبة: تحولات الطاقة، تغير المناخ، اضطراب سلاسل الإمداد، التنافس الدولي على النفوذ، وتغيرات الداخل الأوروبي والعربي. وكلها تجعل “الحد الأدنى” من التعاون غير كافٍ لضمان استقرار المصالح المشتركة على المدى المتوسط.
المراجع المختارة
مجلس الاتحاد الأوروبي
إعلان قمة الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، شرم الشيخ، 24 و25 فبراير 2019. (5)
البرلمان الأوروبي
النصوص المؤسسة والأطر التنظيمية الخاصة بالاتحاد من أجل المتوسط، بما يتضمن الإحالة إلى إعلان برشلونة 1995 وإطار 2008. ( 3)
الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط
تعريف المنظمة وتاريخ نشأتها وأهدافها ومجالات عملها. (6)
خدمة العمل الخارجي الأوروبي
المسار المؤسسي للحوار والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية واجتماعات المتابعة. (4)
[1]: https://chatgpt.com/c/676780f6-fb50-800b-ab03-d19263e819b9 “فئات دراسات المركز العربي الأوروبي”
[2]: https://chatgpt.com/c/676b0035-7e60-800b-8f04-9d806a3fb25b “مركز الدراسات العربية الأوروبية”
[3]: https://www.suen.gov.tr/en/collaborations/union-for-the-mediterranean-ufm-lrm?utm_source=chatgpt.com “Union for the Mediterranean (UfM)”
[4]: https://home-affairs.ec.europa.eu/news/asylum-applications-decline-according-latest-euaa-report-2025-03-04_en?utm_source=chatgpt.com “Asylum applications on the decline, according to the latest EUAA report – Migration and Home Affairs”
[5]: https://enlargement.ec.europa.eu/joint-communication-renewed-partnership-southern-neighbourhood-new-agenda-mediterranean_en?utm_source=chatgpt.com “Joint Communication: Renewed partnership with the Southern Neighbourhood – A new agenda for the Mediterranean – Enlargement and Eastern Neighbourhood”
[6]: https://www.exteriores.gob.es/en/Comunicacion/Noticias/Paginas/Noticias/20231127_MINISTERIO06.aspx?utm_source=chatgpt.com “8th Regional Forum of the Union for the Mediterranean (UfM)”







