نهاية الصبر الاستراتيجي
تصنيف الحرس الثوري الإيراني إرهاباً وانهيار المقاربة الأوروبية نحو طهران
الملخص التنفيذي
في التاسع عشر من فبراير 2026، أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي قراره رقم CFSP 2026/421، مُدرِجاً الحرس الثوري الإسلامي الإيراني رسمياً على قائمة المنظمات الإرهابية للاتحاد. لم تكن هذه الخطوة مجرد قرار تقني يُضاف إلى سجل العقوبات الأوروبية، بل كانت إعلاناً صريحاً بنهاية منهج استراتيجي عمره يزيد على ثلاثة عقود قام على فرضية واحدة: أن الانخراط المتواصل مع طهران هو الطريق الوحيد للتأثير في سلوكها. تُحلّل هذه الورقة الجذور التاريخية لهذه المقاربة الأوروبية وأسباب صمودها طويلاً رغم تراكم الأدلة على عقمها، ثم تُشرّح المشهد الذي جعل التصنيف حتماً لا خياراً في مطلع عام 2026. كما تتناول الورقة التداعيات المتشعّبة لهذا القرار على ثلاثة مستويات متمايزة: المستوى الأمني التطبيقي، والمستوى الاقتصادي، والمستوى الجيوسياسي الأكثر عمقاً المتعلق بمكانة أوروبا في ملف إيران في المرحلة القادمة. وتنتهي الورقة إلى أن التصنيف، بينما يُمثّل لحظة وضوح أخلاقي ومعياري، يُبشّر في آنٍ واحد بتهميش أوروبي متسارع عن صياغة أي تسوية دبلوماسية للأزمة الإيرانية في لحظتها الأكثر إلحاحاً منذ عقود.
أولاً: ثلاثة عقود من الانخراط المشروط وسراب «المرونة الإيرانية»
ثمة مفارقة عميقة في طريقة احتفاء بعض المحللين بما أسموه «السياسة الأوروبية البراغماتية» تجاه إيران. فالبراغماتية في القاموس الاستراتيجي تعني التكيّف مع المعطيات المتغيرة وتعديل الأدوات بحسب النتائج. لكن المقاربة الأوروبية تجاه طهران على مدى أكثر من ثلاثة عقود كانت تفعل الشيء ذاته بتعريف مقلوب: فعلى الرغم من تراكم الأدلة على أن الانخراط المتواصل لم يُنتج التعديل السلوكي الموعود، استمرت السياسة الأوروبية في تبرير ذاتها بالأمل في ما سيأتي، لا بدليل على ما كان.
بدأت هذه الاستراتيجية في مطلع التسعينيات حين صاغت أوروبا ما عُرف بـ «الحوار النقدي» مع طهران، وهو إطار يقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة حتى في أشد لحظات التوتر حدةً. واستند هذا الإطار إلى حجة استراتيجية ظاهرية التماسك: العزلة الكاملة لإيران ستدفعها نحو التطرف وتُقطع أي خيوط نفوذ غربية محتملة، في حين أن الانخراط المشروط يُبقي باب التأثير موارباً. وحين اندلعت أزمة البرنامج النووي الإيراني في أواخر عام 2002، وجد الأوروبيون أنفسهم في موقع التفاوض الذي آمنوا أن استراتيجية الانخراط الطويل أتاحه لهم.
الأطر التفاوضية وأوهام الفاعلية
جاء اتفاق 5+1 الموقّع عام 2015، والمعروف بالاتفاق النووي الشامل أو «خطة العمل الشاملة المشتركة»، ليُقدَّم بوصفه تتويجاً لثلاثة عقود من الصبر الدبلوماسي الأوروبي. وقد تبنّت الترويكا الأوروبية المكوّنة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة دوراً محورياً في المسار التفاوضي الذي أفضى إليه. غير أن هذه المرحلة التي بدت بمثابة برهان على نجاعة المقاربة الأوروبية كانت في الوقت ذاته تنطوي على بذور التشكيك فيها، إذ ظل الاتفاق رهيناً بشروط تقنية يمكن لإيران التملّص منها أو إعادة التفاوض عليها.
وحين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 في عهد إدارة ترامب الأولى، وجدت أوروبا نفسها في مأزق بنيوي: كيف تُحافظ على بنية اتفاق يفقد قيمته الاقتصادية لإيران فعلياً مع غياب الطرف الأمريكي؟ وعلى الرغم من الابتكار الذي أظهرته الدول الأوروبية بإنشاء آلية «إنستكس» لتسهيل التعاملات مع إيران بعيداً عن النظام المالي الدولي الخاضع للنفوذ الأمريكي، بقيت هذه الآلية أقرب إلى الرمزية منها إلى الفاعلية العملية. وفي منتصف عام 2023، وصلت محاولات إحياء الاتفاق النووي إلى طريق مسدود حين رفضت طهران المسودة التفاوضية الأخيرة المتفق عليها، مُزيلةً بذلك آخر الأطر المنظّمة للتعاون الثنائي.
ثلاثة متغيرات كسرت خزّان الصبر الأوروبي.
حين تُقرأ الأحداث المتسلسلة بين عامي 2022 و2026، يتضح أن ثلاثة متغيرات كبرى تضافرت لاستنزاف ما تبقّى من رصيد استراتيجية الانخراط الأوروبي. المتغير الأول هو الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وما كشفه من أن إيران لم تكن محايدة بل كانت مُوردّاً فاعلاً للآلة العسكرية الروسية. فتزويد طهران موسكو بمئات الطائرات المسيّرة من طراز «شاهد 136»، والتي وُظِّفت في استهداف البنية التحتية الأوكرانية، كان يعني في الترجمة الاستراتيجية الأوروبية أن إيران تُساهم مباشرة في إلحاق الأذى بمصالح أوروبية كبرى. لم يكن هذا خلافاً نووياً أو ملفاً للشرق الأوسط يمكن إدارته من بعيد، بل كان تضارباً مباشراً على الأرض الأوروبية.
والمتغير الثاني هو وفاة مهسا أميني في سبتمبر 2022 وما أعقبها من موجة قمع عنيفة. فما جعل هذه الحادثة مختلفة عن سابقاتها من دورات الاحتجاج والقمع الإيراني لم يكن حجمها فحسب، بل طبيعة الردّ الرسمي الإيراني الذي رفض الاعتراف بأي مساحة للرأي المعارض وتعامل مع المطالبة بالحقوق الأساسية باعتبارها تهديداً وجودياً للنظام. وقد طُرحت صور القمع أمام الرأي العام الأوروبي في حين كانت دبلوماسية الانخراط تسعى إلى إحياء الاتفاق النووي في الوقت ذاته، مما أوجد توتراً أخلاقياً متزايداً بين مسار السياسة والحقائق المرئية على الأرض.
أما المتغير الثالث والأكثر فاصليةً، فهو موجة الانتفاضات الداخلية التي اندلعت في مطلع عام 2026 وكانت أشد عنفاً مما سبقها. فبحسب بيانات منظمة حقوق الإنسان الإيرانية الناشطة الصادرة عام 2026، تجاوز عدد القتلى في صفوف المتظاهرين عتبة 6,373 شخصاً، في حين أقرّت الأجهزة الإيرانية الرسمية بمقتل 3,117 شخصاً من المدنيين وعناصر قوات الأمن على حدٍّ سواء. وما لم يكن قابلاً للإنكار هذه المرة أن عمليات القمع جاءت متّسقة ومُوحَّدة الأداء عبر مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها الأصوات التي طالما صُوِّرت في الخطاب الأوروبي باعتبارها «إصلاحية» أو «براغماتية».
ثانياً: تشريح قرار التصنيف ولحظة الصدور التاريخية
وصف الحرس الثوري الإيراني
لفهم دلالة التصنيف كاملةً، لا بدّ من استحضار الطبيعة البنيوية للكيان الذي وقع عليه. تأسّس الحرس الثوري الإسلامي في أعقاب ثورة 1979 ليعمل بمعزل عن الجيش النظامي الإيراني، مُرتبطاً مباشرةً بالمرشد الأعلى ومُنفصلاً عن خط القيادة العسكرية التقليدية. ويُقدَّر قوامه البشري في مجمله بما بين 150,000 و190,000 عنصر نظامي، يُضاف إليهم نحو 450,000 عضو في ميليشيا الباسيج الشعبية وفق تقديرات معهد دراسة الحرب الأمريكي. ويمتلك الحرس قوات برية وبحرية وجوية مستقلة، فضلاً عن أجهزة استخباراتية خاصة.
غير أن ما يُميّز الحرس الثوري ميزةً جوهرية عن سائر المؤسسات العسكرية هو امتداده في الحياة الاقتصادية الإيرانية وخارجها. فمن خلال شبكة معقدة من الشركات والمقاولات والمؤسسات المالية، يُسيطر الحرس على حصة كبيرة من الاقتصاد الإيراني تشمل قطاعات البناء والنفط والاتصالات. أما وحدة فيلق القدس بوصفها الذراع الخارجي للحرس، فتتولى تنسيق شبكة الوكلاء الإقليميين بدءاً من حزب الله اللبناني والفصائل العراقية المسلحة والحوثيين في اليمن وصولاً إلى فصائل فلسطينية مختلفة، وهي شبكة تمتلك قدراً هائلاً من الاستقلالية التشغيلية تحت المظلة الاستراتيجية الإيرانية.
لماذا تأخّر القرار عقوداً ثم جاء في هذا التوقيت تحديداً؟
الاتحاد الأوروبي ليس الأوّل في مسار التصنيف الدولي للحرس الثوري. فقد سبقته الولايات المتحدة إلى هذه الخطوة في أبريل 2019 حين صنّفت إدارة ترامب الأولى الحرس مُنظَّمة إرهابية أجنبية، فيما لحقت بها كندا في يونيو 2024. أما على صعيد المنطقة، فسبق للسعودية والبحرين أن أصدرتا تصنيفاً مماثلاً في وقت أبكر. وكان الرفض المتكرر لهذه الخطوة على المستوى الأوروبي يقوم على حجة أساسية واحدة: إن تصنيف كيان بهذا الحجم والتغلغل في بنية الدولة الإيرانية سيعني بحكم الأمر تجريم أي تعامل مع الدولة الإيرانية برمّتها، مما يُسقط إطار الانخراط الدبلوماسي كلياً.
وتكشف تقارير صحفية موثّقة نشرت في مطلع عام 2026 أن الاعتراض الأوروبي المتأخر لم يكن دبلوماسياً فحسب، بل نشأ في بعض الأحيان تحت وطأة ضغوط مباشرة. فقد ذهبت تقارير استندت إلى مصادر سياسية إلى أن فيلق القدس أبلغ بعض الحكومات الأوروبية المتردّدة بأن التصنيف سيترتب عليه «عواقب». وقد أضافت هذه المعطيات طبقةً إضافية من التعقيد على قرار سبق أن كان مُثقلاً بحسابات التوازن الدبلوماسي.
ما الذي غيّر المعادلة في نهاية المطاف؟ تتقاطع الروايات على إجابة واحدة: اختفاء المحاور. فحين صطفّت المؤسسات الإيرانية كلها بمن فيها من كانوا يُوصفون تاريخياً بالإصلاحيين خلف حملة القمع بلغة علنية متطابقة، تهاوت الحجة المركزية لاستراتيجية الانخراط. فلا معنى لبقاء القنوات مفتوحة حين لا يوجد في الطرف الآخر محاور ذو صدقية مُتمايز عن المنظومة القمعية. وفي هذا السياق، جاءت كلمة المفوّضة الأوروبية للشؤون الخارجية كايا كالاس عند إعلان القرار السياسي في التاسع والعشرين من يناير لتُعبّر عن هذه اللحظة بوضوح: «القمع لا يمكن أن يبقى دون ردّ، أي نظام يقتل الآلاف من شعبه يعمل بيديه نحو زواله».
مسار القرار ومراحل اعتماده
تحرّك مسار القرار بخطوتين مُتتاليتين. ففي التاسع والعشرين من يناير 2026، توصّل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم ببروكسل إلى اتفاق سياسي على التصنيف، وكان من اللافت أن دولاً كانت مترددة تاريخياً في دعم هذه الخطوة كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا قد أعلنت دعمها الصريح هذه المرة. وفي التاسع عشر من فبراير 2026، أصدر المجلس قراره رسمياً باعتماد قرار CFSP 2026/421، ليُصبح الحرس الثوري الإيراني الكيان الثالث والعشرين على قائمة المنظمات الإرهابية للاتحاد الأوروبي، وهي قائمة تضمّ حالياً 13 فرداً و23 مجموعة وكياناً.
ثالثاً: ما يُحدثه التصنيف فعلاً وما لا يُحدثه وهماً
من المهم هنا الفصل بين ما يُؤدّيه التصنيف موضوعياً وما يُنسب إليه من تأثيرات مبالغ فيها، لأن الخلط بين الأمرين يُنتج سياسات مبنية على توقعات خاطئة.
الأثر الأمني المباشر والأدوات القانونية الجديدة
يُفيد التصنيف بجملة من الأدوات القانونية العملية لم تكن متاحة بالكثافة ذاتها قبله. أولها تجميد أي أصول مرتبطة بالحرس الثوري داخل الدول الأعضاء، وإن كان عملياً قد جرى تجميد الجزء الأكبر منها بموجب حزم العقوبات السابقة. وثانيها تجريم تقديم أي موارد مالية أو اقتصادية للمنظمة، مما يُوسّع نطاق المسؤولية القانونية ليشمل طيفاً أوسع من الوسطاء الخارجيين. وثالثها، وهو الأكثر أهمية تشغيلياً، أن التصنيف يُلزم الدول الأعضاء بتعزيز التعاون الشرطي والقضائي في الملفات المرتبطة بالحرس الثوري، مما يُمهّد لتنسيق أمني جماعي أوروبي لم يكن مُؤطَّراً قانونياً من قبل. وفيما يتعلق بالتحرك الجنائي، يُتيح التصنيف لأي دولة عضو احتجاز أي عنصر من الحرس الثوري يدخل أراضيها، وهو ميكانيزم مختلف نوعياً عن الإجراءات السابقة.
وتُضاف إلى هذه الأدوات المباشرة إمكانية أوروبية جديدة لفرض عقوبات ثانوية على شركات وأفراد من خارج الاتحاد الأوروبي تجمعهم علاقات بالحرس الثوري. وهذا يعني أن التأثير يمتد خارج نطاق التعاملات الأوروبية مباشرةً ليطال شركات من دول ثالثة لها حضور في السوق الأوروبية.
ما لا يستطيع التصنيف فعله: حدود التأثير الفعلي غير أن الإنصاف التحليلي يُلزم بالاعتراف بما لا يستطيعه التصنيف تحقيقه. فالتعامل التجاري الأوروبي مع إيران كان قد انهار أصلاً في أعقاب تفعيل العقوبات الأممية الانتقامية التي قادتها مجموعة دول E3 في سبتمبر 2025. وقد لخّصت الباحثة إلي جيرانمايه من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية هذه الحقيقة بقولها إن القرار «سيكون له أثر اقتصادي هامشي في المرحلة الراهنة، إذ إن إيران تعيش أصلاً تحت وطأة عقوبات واسعة النطاق». وفي السياق نفسه، رأى تريتا برسي من معهد كوينسي للدراسات المسؤولة أن التأثير الفعلي للقرار «سيكون محدوداً للغاية»، إذ إن أوروبا لم تكن على وشك استئناف تعامل تجاري مع إيران ولا استعادة دور الوسيط.
والأهم أن التصنيف لم يُصمَّم أصلاً لتغيير سلوك الحرس الثوري من الداخل. فالمنظمات التي تخضع لتصنيفات مماثلة نادراً ما تُعدّل مساراتها استجابةً لهذه التصنيفات. وقد عبّر برسي عن هذه الحقيقة بقول مُركَّز: «الولايات المتحدة تُدرج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب منذ 2019، وها نحن نقف على شفير الحرب». الأهداف الحقيقية للتصنيف، كما وصفها التحليل الأوروبي، هي الإشارة والردع والوضوح المعياري، وهي أهداف أكثر قيمةً في الفضاء الخطابي والأخلاقي منها في الفضاء التشغيلي.
رابعاً: الردود المتباينة وما تكشفه عن مواضع الخلل الأعمق
الردّ الإيراني ودلالاته المزدوجة
وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي القرار الأوروبي بأنه «خطأ استراتيجي كبير»، مُضيفاً أن أوروبا «مشغولة بإشعال الحرائق» بينما تسعى دول أخرى إلى احتواء توترات المنطقة. وذهب عراقجي إلى القول إن أوروبا ستكون من أكثر المتضررين من أي اندلاع حربي إقليمي، «بما في ذلك التداعيات الارتدادية لارتفاع أسعار الطاقة». وقد وضع الجانب الإيراني قرار التصنيف في سياق ما وصفه بـ «الازدواجية الصارخة»، مُستشهداً بالموقف الأوروبي من الحرب على غزة مُقابل التسرّع في انتقاد طهران تحت مسمّى الدفاع عن حقوق الإنسان.
هذا الردّ الإيراني يحمل دلالتين متوازيتين. الأولى أنه يصوغ حجة بلاغية تستغل التناقضات الفعلية في السياسة الأوروبية لتقديم التصنيف باعتباره عدوانية انتقائية لا مبدئية. والثانية أن حجم العداء اللفظي الإيراني يُقرّ ضمنياً بأن التصنيف يُصيب هدفاً حساساً في الهوية المؤسسية الإيرانية، إذ يُعامل ما تعدّه طهران جيشها الوطني الشرعي كمنظمة غير شرعية.
مجلس شورى طهران من جهته لم يكن أقل حدةً في الردّ؛ إذ وصف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الحرس الثوري بأنه «من أقوى وأفعل قوى مكافحة الإرهاب في العالم»، محتجّاً بالدور الذي أدّاه الحرس في مواجهة تنظيم داعش في سوريا والعراق. وقد جاء هذا الموقف متسقاً مع الخطاب الثابت الذي يُضفي شرعية وطنية على كيان صنّفه المجتمع الدولي الأوسع منظمةً إرهابية.
الاستقبال الغربي وسؤال الفعالية
على الجانب الآخر، رحّبت الولايات المتحدة بقرار التصنيف، وإن ظلّ الموقف الأمريكي منشغلاً في الوقت ذاته بمسار تفاوضي مع طهران لم يُدعَ إليه أي طرف أوروبي. وقد رحّب رضا بهلوي، ولي العهد الإيراني في المنفى، بالقرار ووصفه بأنه «إشارة واضحة بأن جمهورية إيران الإسلامية تفتقر إلى الشرعية العالمية». كما أشاد رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالخطوة ووصفتها بأنها «تأخّرت طويلاً»، فيما أكدت كالاس أن الاتحاد وضع الحرس الثوري على القائمة ذاتها التي تحتضن تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.
في المقابل، نبّه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في تقييمه إلى أن التصنيف ينبغي أن يكون بداية لحملة أوروبية منهجية ضد شبكات الحرس الثوري لا نهايتها. وأشار المعهد إلى نموذج تحقيق «عملية السيدار» الذي أفضى عام 2018 إلى إدانة الممول الأوروبي لحزب الله محمد نورالدين في محكمة فرنسية بسبع سنوات سجناً، بوصفه نموذجاً يُثبت إمكانية الملاحقة القضائية الأوروبية الفعّالة حين تتوفر الإرادة السياسية والأدوات القانونية معاً.
خامساً: التهميش الأوروبي عن صياغة مستقبل إيران يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً والأبعد أثراً: ماذا يعني التصنيف لموقع أوروبا في الملف الإيراني في المرحلة القادمة؟ والإجابة مُقلقة بمستقلّ عن التقييم الأخلاقي للقرار ذاته.
أوروبا كانت تُقدّم نفسها لعقود باعتبارها الطرف الأكثر توازناً في المعادلة الغربية تجاه إيران، المختلف عن الاندفاع الأمريكي وعن الحساسيات الإقليمية الروسية والصينية. وكانت هذه الصورة تستند بشكل رئيسي إلى الإبقاء على قنوات اتصال مع طهران في مختلف الملفات. ومع التصنيف، تتقلّص هذه الحجة في الخطاب الإيراني إلى حدٍّ يجعلها لا أساس لها.
الغياب الأوروبي عن طاولة التفاوض الإيرانية الأمريكية.
بدت الصورة الأكثر كشفاً لهذا التهميش في المشاورات المباشرة الإيرانية الأمريكية التي كانت مقررة في الوقت ذاته الذي أُعلن فيه قرار التصنيف الأوروبي. فمن بين الأطراف المُحتمل مشاركتها التي رصدتها التقارير الصحفية، لم يكن أيٌّ منها أوروبياً. وبعبارة أخرى، في اللحظة التي اتخذت فيها أوروبا موقفها الأكثر حسماً تجاه طهران، وجدت نفسها مُقصاةً من الحوار الذي سيُحدّد ما إذا كانت الأزمة الإيرانية ستنتهي تفاوضاً أو اشتعالاً.
يطرح هذا المشهد معضلة استراتيجية حقيقية: هل أدى التصنيف إلى تقليص النفوذ الأوروبي في الوقت المناسب تحديداً؟ بعض المحللين يرون ذلك، وفي مقدّمتهم من يرى أن موقف أوروبا بات أكثر تناسقاً مع مبادئها على حساب مرونتها التفاوضية. بينما يرى آخرون أن الضرر في التوقيت أقل مما يبدو، إذ أن النفوذ الأوروبي على الملف الإيراني كان يتآكل أصلاً منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، وأن خيار التصنيف لم يُضع فرصة حقيقية بل خاطر يُؤكّد غياباً قائماً أصلاً.
السيناريوهان المحتملان والدور الأوروبي في كل منهما
يُتيح التفكير السيناريوهاتي رسم صورة أوضح للتداعيات المستقبلية. السيناريو الأول هو مسار التسوية الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية. في هذا المسار، من المرجح أن تطالب طهران بالنظر في رفع تصنيف إرهابية الحرس الثوري كجزء من أي حزمة تسوية، وقد سبق لإيران أن جعلت من رفع التصنيف الأمريكي شرطاً في المفاوضات التي سبقت. ومن غير الواضح ما إذا كان التصنيف الأوروبي سيُضاف إلى سلّة المطالب الإيرانية بما يُعقّد المفاوضات أم أنه سيُمثّل ورقة ضغط إضافية لصالح الغرب في التفاوض.
أما السيناريو الثاني، وهو سيناريو التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني، فيكشف عن الهشاشة الاستراتيجية الأوروبية الأكثر خطورة. ففي هذا السيناريو، تتحدث التقارير عن تأثيرات ارتدادية ضخمة على أوروبا تشمل ارتفاع أسعار الطاقة، وتدفق موجات نزوح جديدة، وانعدام الأمن في ممرات الملاحة الدولية المرتبطة بالاقتصاد الأوروبي. وأشار عراقجي نفسه في تعليقاته إلى أن «القارة ستُعاني بشكل حاد من أي حرب إقليمية واسعة». وفي هذا السيناريو، ستجد أوروبا نفسها مُتحمّلةً جزءاً كبيراً من الكلفة دون أن تكون طرفاً فاعلاً في صياغة القرار.
سادساً: ما وراء الحسابات الآنية وإلى أين يذهب التصنيف؟
معهد واشنطن للشرق الأدنى مُحقٌّ في تأكيده أن التصنيف ينبغي أن يكون بداية لا خاتمة. فالأثر الكامل للقرار يتوقف على ما يلحقه من إجراءات. ويقع العبء الأكبر على عاتق الحكومات الأوروبية في بعدين متوازيين.
البُعد الأول هو تعظيم الأثر الأمني التشغيلي للتصنيف. ويعني ذلك توجيه أجهزة الاستخبارات والشرطة بتكثيف رصد شبكات الحرس الثوري وممثليها في القارة، والاستفادة من الإطار القانوني الجديد لملاحقة شبكات التمويل والشراء التي تعتمد على وسطاء بجنسيات مزدوجة. وقد رصدت التقارير أن شبكات الحرس الثوري في أوروبا تستعين بوسطاء من جنسيات أفغانية وباكستانية مرتبطين بمنظمات إجرامية، وهي شبكات لها تاريخ موثّق في استهداف مصالح إسرائيلية في شمال أوروبا وغيرها.
البُعد الثاني هو البحث عن صيغة أوروبية للبقاء طرفاً ذا صلة في أي حوار يخص مستقبل إيران. والحلّ لهذه المعضلة لا يقع في التراجع عن التصنيف أو التلطيف منه، بل في بناء نفوذ بديل عبر قنوات لا تتوقف على الانخراط المباشر مع الحرس الثوري. ويشمل ذلك الدعم الفاعل للمجتمع المدني الإيراني في المهجر، وتنسيق أعمق مع الحلفاء الإقليميين المعنيين بالملف الإيراني، وتأطير الخيارات الأوروبية ضمن استراتيجية تعمل مع واشنطن لا بديلاً عنها.
سؤال التناسق المعياري والعقبة الفلسطينية
لا يمكن إغفال الحجة التي رفعها المسؤولون الإيرانيون وإن جاءت من خصم معنيّ بالتشكيك في قرار التصنيف: الانتقائية الأوروبية في تطبيق مبادئها الحقوقية تُضعف صدقية التصنيف بوصفه موقفاً أخلاقياً صارماً. فأوروبا أعلنت التصنيف رداً على قمع الاحتجاجات الإيرانية، وهو موقف مبرَّر في ذاته، لكن غياب موقف أوروبي ذي ثقل مماثل في مواجهة الانتهاكات في غزة يُوفّر خطاباً مضاداً يُعيق بناء التضامن الدولي حول القرار.
هذه الإشكالية ليست ترفاً فلسفياً؛ فهي ذات أثر تشغيلي مباشر على حدّة وتماسك المنظومة الأوروبية في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان كمحرّك سياسي. فحين تتسع الفجوة بين المبادئ المُعلنة والسياسة المُطبَّقة، يُصبح كل قرار مبدئي جديد عرضةً للتشكيك في نواياه الفعلية، مما يتطلب من أوروبا تكثيف اشتغالها على اتساق منظومتها المعيارية برمّتها لا على التعامل مع كل قضية بمعزل عن غيرها.
الخلاصة : صبر انتهى ونفوذ يُعاد بناؤه
لن يصحّ تقييم قرار تصنيف الحرس الثوري الإيراني بشكل منفصل عن اللحظة التاريخية التي أفرزته. فهو من ناحية إقرار صريح بأن ثلاثة عقود من الانخراط المتواصل لم تُنتج التغيير السلوكي الذي ابتُنيت عليه، وأن القمع الذي بلغ في انتفاضات 2026 مستوى غير مسبوق في وحشيته قد جعل استمرار التجاهل المؤسسي مستحيلاً أخلاقياً. ومن ناحية أخرى، لن يُفضي التصنيف بحدّ ذاته إلى إعادة بناء النفوذ الأوروبي في الملف الإيراني؛ فهذه مهمة أكبر تستلزم إعادة تعريف ما تريد أوروبا تحقيقه وبأي أدوات وفي أي شراكات.
ما يجعل هذه اللحظة بالغة الحساسية أنها تتزامن مع مسار تفاوضي أمريكي إيراني يُحدّد في الغالب الشكل الذي ستأخذه التسوية أو الاشتعال في الملف الإيراني. وأوروبا تقف خارج هذا المسار في الوقت الراهن. والسؤال المُلحّ ليس لماذا غابت بل كيف تستعيد حضوراً ذا قيمة مضافة في لحظة حاسمة يمكن أن تُعيد رسم ملامح المنطقة الممتدة من الخليج إلى المتوسط.
يبقى القرار أوروبياً في مجمله خطوة ضرورية أملتها قراءة موضوعية للواقع الإيراني الراهن، لكنه خطوة نقطة بداية لا محطة وصول. وما سيُقيَّم لاحقاً ليس جرأة الإعلان، بل مدى استثمار هذه الأداة القانونية الجديدة في تحقيق الأهداف التي وُجِدت من أجلها. فالتصنيف يُوفّر العدّة القانونية، لكن الإرادة السياسية المستدامة هي التي تُحوّل هذه العدّة إلى نفوذ حقيقي.
المصادر والمراجع الأساسية
قرار مجلس الاتحاد الأوروبي رقم CFSP 2026/421 الصادر في 19 فبراير 2026 بإدراج الحرس الثوري الإيراني على القائمة الإرهابية للاتحاد، منشورات المجلس الأوروبي الرسمية. تصريح كايا كالاس، منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، بمناسبة الإعلان عن التصنيف في 29 يناير 2026. تقييم معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «أوروبا تصوّب على طهران: تصنيف الحرس الثوري يفتح جبهةً جديدة»، يناير 2026. تقييم إلي جيرانمايه، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: مقابلة مع إذاعة أوروبا الحرة، يناير 2026. تريتا برسي، معهد كوينسي للدراسات المسؤولة، تصريح لقناة CNN، يناير 2026. تقرير منظمة حقوق الإنسان الإيرانية الناشطة HRANA حول ضحايا احتجاجات 2025 و2026. تقديرات معهد دراسة الحرب، واشنطن: عدد عناصر الحرس الثوري ومليشيا الباسيج. تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر منصة إكس، يناير 2026. تقارير صحيفة جيروزاليم بوست عن دوافع الدول الأوروبية المترددة ومسار قرار التصنيف، يناير 2026. إعلان مجلس الاتحاد الأوروبي عن العقوبات على 15 فرداً وست جهات إيرانية لانتهاكات حقوق الإنسان، 29 يناير 2026.
أمن دولي




