ملخص تنفيذي
تُقدّم هذه الورقة قراءةً نقديةً معمّقةً لخطاب دونالد ترامب المصاحب لإطلاق «مجلس السلام»، بوصفه خطاباً سياسياً يُعيد تعريف مفهومَي الفعالية والشرعية في إدارة النزاعات الدولية وفق منطق يُؤثر الصفقةَ على الإجراء، ويُقدّم الإنجاز الآني على حساب العدالة الدائمة.
تنطوي القراءة الأولية للخطاب على انطباع مفاده أن المجلس مجرد إطار تنسيقي يُعنى بإعادة إعمار غزة. غير أن التحليل المعمّق للبنية اللغوية، وهيكل العضوية، وآليات التمويل، ونمط اتخاذ القرار يكشف عن مشروع أوسع طموحاً وأعمق إشكاليةً. فالمجلس لا يُقدّم نفسه إضافةً مؤسسيةً للنظام الدولي القائم، بل منصةً بديلةً تتجاوز الآليات الأممية حين تتعذّر فاعليتها؛ وهذا التجاوز يحمل في طياته إعادةَ هيكلةٍ لمفهوم الشرعية الدولية ذاته، إذ تنتقل من الشرعية الإجرائية المؤسسية القائمة على التمثيل والقاعدة القانونية، إلى شرعية الإنجاز كما يُحدّدها الراعي السياسي وفق معاييره هو.
تفترض الورقة أن هذا الخطاب يقوم على ثلاث ركائز عميقة متشابكة: الأولى استبدال منطق المؤسسة بمنطق الصفقة، والثانية شخصنة الفعالية وربطها بقيادة فردية كاريزمية، والثالثة تحويل التمويل والعضوية إلى أدوات ولاء استراتيجي. وتُختبر هذه الفرضية عبر تحليل دقيق للبنى اللغوية المتكررة في خطاب ترامب، ومقارنتها بالمكونات المؤسسية المُعلنة منذ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦ حتى اجتماع المجلس الافتتاحي في شباط/فبراير ٢٠٢٦، فضلاً عن رصد المستجدات الميدانية والدبلوماسية حتى نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
تخلص الورقة إلى أن القيمة الحقيقية للمجلس في صيغته الخطابية الراهنة تتجاوز إعادةَ إعمار غزة، لتطال إعادةَ ترتيب سؤال أعمق: مَن يملك حق تسمية «السلام» وتعريف شروطه ومساراته؟ وتعرض مساراتٍ محتملةً لتطور المجلس على المديين القريب والمتوسط، مع توصيات للتعامل العربي والفلسطيني البراغماتي الذي يصون المرجعيات الدولية والحقوق الجوهرية دون الوقوع في فخ الرفض المطلق الذي يُفضي عملياً إلى ترك الساحة مفتوحةً أمام هيمنة أحادية غير مُقيَّدة.
الإشكالية البحثية وفرضية الدراسة
يجد الباحث في الشأن الدولي نفسه أمام ظاهرة غير مألوفة: مشروع مؤسسي تأسّس بأدوات الخطاب قبل أن يتشكّل بأدوات القانون، واستمدّ شرعيته من شخص قبل أن يستمدّها من إجراء. «مجلس السلام» بوصفه تجربةً سياسيةً راهنةً يُمثّل حالةً نموذجيةً لاستيعاب هذه الظاهرة وتشريحها تحليلياً، إذ يُتيح فحصَ الكيفية التي يُعاد بها إنتاج الشرعية الدولية في ظل موازين قوة متحوّلة وأزمات حوكمة متراكمة.
تستمد هذه الإشكالية أهميتها من كونها لا تخص الحالة الغزاوية وحدها، بل تمس بنيةَ النظام الدولي في مجمله. فإذا نجح نموذج «مجلس السلام» في إرساء سابقةٍ يُقبَل بموجبها تجاوز الآليات الأممية كلما ادّعى طرف أقوى أنه «أكثر فاعلية»، أصبح النظام الدولي بأسره مُعرَّضاً لعملية تفكيك ممنهجة تتآكل فيها مبادئ المساواة السيادية والتمثيل الجماعي والقاعدة القانونية لصالح توازنات القوة العارية.
السؤال المركزي والأسئلة الفرعية
تتمحور الإشكالية البحثية حول سؤال رئيسي مزدوج: كيف يوظّف ترامب اللغة لإعادة تعريف «الشرعية» و«الفعالية» في إدارة النزاعات الدولية عبر «مجلس السلام»؟ وما الذي تكشفه هذه اللغة عن تصوّر أمريكي متجدّد لدور الأمم المتحدة ومرجعيات القانون الدولي في عالم تتنازع فيه الأقطاب الكبرى؟
يتفرّع من هذا السؤال المركزي أربعة أسئلة بحثية؛ يتعلق الأول بالبنية اللغوية: ما هي الأنماط اللفظية المتكررة في الخطاب، وكيف تعكس تحوّلاً في مفهوم الشرعية من الإجرائي إلى الإنجازي؟ ويرتبط الثاني بالبنية المؤسسية: كيف تترجم اللغة إلى آليات عملية في تصميم العضوية وهندسة القرار وشروط التمويل؟ ويتناول الثالث البُعد الاستراتيجي: ما الرسائل الضمنية التي يبثّها الخطاب للفاعلين الإقليميين والدوليين حول موقع الأمم المتحدة في النظام الدولي؟ ويُركّز الرابع على التطبيق: كيف يمكن للفاعلين العرب والفلسطينيين التعامل مع هذا المشروع دون الوقوع في ثنائية القبول المطلق أو الرفض المطلق؟
فرضية الدراسة الأساسية
تنطلق الدراسة من فرضية مركّبة مفادها أن خطاب ترامب حول مجلس السلام لا يمثّل بلاغةً سياسيةً عابرة، بل يُشكّل محاولةً منهجيةً لإنتاج نموذج بديل للشرعية الدولية يقوم على ثلاث ركائز متداخلة:
تُختبر هذه الفرضية عبر تحليل نصي دقيق للخطابات والبيانات الرسمية، وربطها بالبيانات المتاحة حول العضوية والتمويل، والمقارنة مع نماذج مؤسسية دولية سابقة، واستشراف السيناريوهات المحتملة بناءً على المعطيات الراهنة.
منهجية البحث والأدوات التحليلية
لا يكفي في تحليل ظاهرة «مجلس السلام» الاعتمادُ على أسلوب واحد؛ فالظاهرة مُركَّبة تتشابك فيها أبعاد لغوية ومؤسسية وسوسيولوجية وسياسية. لذا تعتمد الورقة إطاراً منهجياً متعدد المستويات يُمكّن من استيعاب هذا التعقيد وتحليله بصورة منتظمة.
الإطار المنهجي العام
تعتمد هذه الورقة منهجَ تحليل الخطاب السياسي النقدي بوصفه نظاماً متكاملاً لدراسة إنتاج المعنى والشرعية، لا مجرد وسيلة لنقل المعلومات أو التعبير عن المواقف. في هذا الإطار المنهجي، الخطاب ليس شفافاً ولا محايداً، بل أداةٌ فاعلة لبناء الواقع السياسي وتشكيل التصوّرات وإنتاج علاقات القوة.
يعمل الخطاب السياسي على مستويات متعددة في آنٍ واحد؛ فعلى المستوى السطحي ينقل معلومات محددة كالإعلان عن مجلس، وتعهدات مالية، وقائمة أعضاء. أما على المستوى الأعمق فيُحدّد مَن يملك حق الكلام، ومَن يُعطى الشرعية، وما الخيارات المتاحة وما البدائل المستبعدة. وفي عمقه الجوهري يؤسس لأنظمة قيمية ومعرفية تُحدّد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما هو ممكن وما هو خارج نطاق التصوّر.
لذا تُقرأ العبارات المفتاحية في خطاب ترامب ليس كمعلومات واقعية فحسب، بل كإشارات دالة على بنية قرار وسياسة أعمق: مَن يقود، مَن يموّل، مَن يُدعى، مَن يُستبعد، مَن يُكافأ، مَن يُعاقب. كل اختيار لفظي وكل تكرار وكل صمت يحمل دلالةً سياسيةً قابلةً للتفكيك والتحليل.
الأدوات التحليلية المستخدمة
تستخدم الورقة مجموعةً من الأدوات التحليلية المتكاملة؛ أولها التحليل اللغوي الدقيق للعبارات والأنماط المتكررة مع التركيز على الاستعارات المركزية كالحرب بوصفها صفقةً، والسلام بوصفه إنجازاً، والمؤسسة بوصفها عائقاً. وثانيها التحليل البنيوي للمكونات المؤسسية المُعلنة شاملاً هيكل العضوية وآليات القرار ونظام التمويل وعلاقة المجلس بالأمم المتحدة. وثالثها التحليل المقارن مع نماذج مؤسسية مشابهة أو بديلة في تاريخ العلاقات الدولية. ورابعها التحليل السياقي الذي يضع الخطاب في سياقه التاريخي الأوسع من حيث الموقف الأمريكي من التعددية وتطور السياسة الخارجية الترامبية والتحولات البنيوية في النظام الدولي.
تدمج الورقة أيضاً مقاربةً سوسيولوجيةً سياسيةً تسأل عن المصالح والقوى الفاعلة خلف الخطاب: مَن يستفيد من هذا النموذج؟ مَن يُهمَّش؟ ما شبكات المصالح المتقاطعة؟ كيف يُعيد المجلس توزيع القوة والنفوذ بين الفاعلين الإقليميين والدوليين؟
حدود البحث واعتباراته المنهجية
يُركّز هذا البحث على التحليل النقدي للخطاب والبنية المؤسسية المُعلنة، دون التقييم الميداني للأداء الفعلي للمجلس، إذ يظل في مراحله الأولى. والتقييم الميداني الدقيق يتطلب وقتاً كافياً ومتابعةً مستمرةً لن تتوفر بياناتها إلا بعد أشهر أو سنوات من التشغيل الفعلي.
تعتمد الورقة على المصادر العلنية المتاحة: البيانات الرسمية، التغطيات الإعلامية الموثقة، تحليلات المراكز البحثية المعتبرة، وثائق الأمم المتحدة. والمعلومات غير الرسمية أو التفاصيل الدبلوماسية الداخلية غير متاحة بطبيعتها، وهو ما قد يحجب بعض جوانب عملية صنع القرار الفعلية.
يُضاف إلى ذلك تحفظٌ منهجي جوهري: الدراسة تحليلٌ نقدي لا حكمٌ قيمي قاطع. فالهدف فحص بنية الخطاب وما يُنتجه من آليات شرعية، لا إصدار حكمٍ مسبق على نية المشروع أو نتائجه قبل أن تكتمل عناصر الصورة الميدانية.
من خطاب الأمم المتحدة إلى مجلس السلام: الجذور الخطابية للمشروع
لا يبدأ «مجلس السلام» من لحظة الإعلان عنه بوصفه إطاراً لإدارة غزة وإعادة إعمارها، بل من البنية الخطابية التي سبقته. في خطاب ترامب أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث والعشرين من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥، ظهرت المقدمات الفكرية والسياسية للمشروع قبل أن تتخذ شكلها المؤسسي: نقد فعالية الأمم المتحدة، تقديم القيادة الفردية بوصفها بديلاً عن المسار الجماعي، اختزال النزاعات في صفقات قابلة للحسم، وربط السلام بأولويات الداخل الأمريكي أكثر من ربطه بالعدالة الدولية.
بهذا المعنى، لم يكن المجلس لاحقاً قطيعة مع الخطاب، بل امتداداً له. فالمنبر الأممي استُخدم أولاً لتقويض الثقة بالبطء المؤسسي، ثم جاء «مجلس السلام» ليقترح لنفسه وظيفةً تنفيذيةً بديلة باسم السرعة والفاعلية. هنا تتضح الحلقة الحاسمة: ما عُرض في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥ بوصفه نقداً للأمم المتحدة، ظهر في عام ٢٠٢٦ بوصفه محاولة لإنتاج منصة موازية تُدار بمنطق الدعوة والتمويل والانتقاء.
تسمح هذه الخلفية بقراءة المجلس لا كأداة تقنية لإدارة إعادة الإعمار فقط، بل كمحاولة لإعادة تعريف من يملك حق المبادرة في النظام الدولي. فإذا كانت الأمم المتحدة تمنح الشرعية عبر التمثيل الواسع والإجراءات المشتركة، فإن النموذج الترامبي يمنح الشرعية لمن يملك القدرة على جمع المال، واستدعاء الحلفاء، وإعلان الإنجاز قبل اكتمال شروطه الميدانية.
تتضح خطورة هذا المسار في أنه لا يهاجم النظام الدولي صراحة، بل يعيد ترتيب وظائفه من الداخل: تبقى الأمم المتحدة في الخلفية بوصفها مرجعاً شكلياً، بينما تنتقل السلطة العملية إلى منصة انتقائية تقودها واشنطن وتمنح المشاركين فيها موقعاً بقدر ما يلتزمون سياسياً ومالياً.
تحديث سياقي موجز حتى نيسان/أبريل ٢٠٢٦
تُظهر المعطيات اللاحقة أن المجلس انتقل من طور الإعلان السياسي إلى طور اختبار التنفيذ الفعلي، في ظل مفاوضات صعبة تتناول نزع السلاح وترتيبات الحوكمة والانسحاب الإسرائيلي، وسعيٍ دؤوب إلى تعزيز حركة الأفراد والبضائع عبر معبر رفح، مع استمرار الفجوة الواسعة بين التعهدات المالية المُعلنة والقدرة التشغيلية الفعلية على الأرض.
وقد برز مسارٌ لوجستي جديد يتجلّى في مباحثات مع «موانئ دبي العالمية» بشأن إدارة سلاسل الإمداد ومشاريع البنية التحتية الرئيسية. وهذا المسار يعزّز بصورة مباشرة فرضيةَ هذه الورقة: أن الإعمار آخذٌ في التحوّل من ملف إنساني تقوده اعتبارات الإغاثة، إلى حقل حوكمة وسيطرة تتشابك فيه المصالح التجارية والسياسية والأمنية في منظومة واحدة.
ويزيد التعقيدَ عمقاً أن ديناميكيات نزع السلاح لا تزال مثار خلاف جوهري بين الأطراف المعنية، وأن الفجوة بين لغة «الإنجاز الإنساني» في الخطاب الرسمي وبطء التقدم الميداني الفعلي باتت مثار تساؤل متزايد لدى عدد من الأعضاء الأوروبيين.
الجزء الأول: الوقائع المُعلنة وما تكشفه الصياغة
الإطار الرسمي: من الإعلان إلى التشغيل
في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦، أعلن الرئيس ترامب عبر منصة «تروث سوشال» تشكيلَ مجلس السلام بعبارة ذات دلالة واضحة: «إنه لشرف عظيم لي أن أُعلن تشكيل مجلس السلام. سيُعلَن عن أعضاء المجلس قريباً، لكن يمكنني القول بيقين أنه أعظم وأكثر مجلس هيبةً تم تشكيله في أي وقت، في أي مكان.»
تحمل هذه الصياغة في حد ذاتها إشارات دالة متعددة؛ إذ يُرسّخ التأكيد على الذات «لشرف عظيم لي» الارتباطَ الوثيق بين المشروع والشخص لا بين المشروع والمؤسسة. وتستخدم صيغة التفضيل المطلق «أعظم، أكثر هيبة» دون معايير موضوعية أو مقارنات محددة، ما يضع المجلس في موقع التفوق الافتراضي المسبق. ويأتي الطابع الإعلاني الاحتفالي ليُذكّر بإطلاق مشروع تجاري ناجح أكثر مما يُشبه إنشاء مؤسسة دبلوماسية مستقلة قائمة على ضوابط تمثيلية وشفافية إجرائية.
جاء الإعلان الرسمي التفصيلي خلال الاجتماع الافتتاحي الذي عُقد على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في الأسبوع الثالث من كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦، وضمّ المجلس التنفيذي شخصيات من دوائر متنوعة: وزير الخارجية ماركو روبيو، وصهر ترامب جاريد كوشنر، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ونائب مستشار الأمن القومي روبرت غابرييل، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، والرئيس التنفيذي لشركة «أبولو» لإدارة الأصول مارك روان.
يكشف هذا الجمع بين السياسيين والتكنوقراط والمستثمرين المؤسسيين عن طبيعة المشروع ذاته: فهو يُريد أن يكون في آنٍ واحد إطاراً دبلوماسياً وآليةَ تمويل وأداةَ تنفيذ، وهو الجمع الطموح الذي تعذّر على هياكل الأمم المتحدة التقليدية تحقيقه لأسباب بنيوية معروفة تتعلق بتعارض الصلاحيات وحساسيات السيادة وتعقيدات التمثيل.
خريطة العضوية: الأرقام والدلالات
وفق التقارير الصحفية الموثقة، تلقّت اثنتان وستون دولةً دعوةً للانضمام إلى مجلس السلام. وحتى الاجتماع الافتتاحي في واشنطن بتاريخ التاسع عشر من شباط/فبراير ٢٠٢٦، وقّعت سبع وعشرون دولةً رسمياً على ميثاق المجلس، فيما حضر ممثلون عن نحو خمسين دولةً بين موقّع على الميثاق ومراقب ومهتم.
تكشف قائمة المشاركين عن تنوع جغرافي وسياسي مثير للاهتمام؛ فمن الدول العربية والإسلامية انضمت مصر والأردن والإمارات والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والبحرين والمغرب وتركيا وإندونيسيا وباكستان وأوزبكستان وأذربيجان وكازاخستان وعُمان. ومن الدول الأوروبية شاركت ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والنمسا وكرواتيا وقبرص وجمهورية التشيك وفنلندا واليونان وهولندا والنرويج وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا وسويسرا، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي بوصفه عضواً مستقلاً. ومن سائر دول العالم برزت الأرجنتين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك وتايلاند وفيتنام وغيرها، إلى جانب إسرائيل التي انضمت في مطلع شباط/فبراير ٢٠٢٦ وفق ما أفادت به التقارير.
تلفت الانتباهَ في هذه القائمة أربع ملاحظات جوهرية؛ أولاها غياب السلطة الفلسطينية رغم أن غزة هي موضوع المشروع الأول للمجلس. وهذا الغياب ليس محايداً، بل يعكس اختياراً سياسياً صريحاً: بناء إطار لإدارة القضية الفلسطينية دون مشاركة فلسطينية فعلية في صنع قراراتها الاستراتيجية، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية التزام الشعب الفلسطيني بنتائج مجلس ليس طرفاً فاعلاً في مساراته.
وثانيتها الحضور الإسرائيلي في مجلس يُفترض أنه يُشرف على إعادة إعمار غزة وإدارتها المؤقتة، وهو تناقض بنيوي في قلب المشروع يُضعف حياديته ويُلقي بظلاله على قدرته أن يكون وسيطاً نزيهاً بين أطراف متعارضة المصالح. وثالثتها التمثيل الواسع للدول الإسلامية الذي يمكن قراءته على وجهين: محاولة لإضفاء شرعية إسلامية على المشروع، أو رغبة في توزيع المسؤولية توزيعاً واسعاً يُصعّب على أي طرف إقليمي الانسحاب دون تكلفة سياسية باهظة. وإندونيسيا على سبيل المثال أكبر الديمقراطيات الإسلامية سكاناً أعلنت استعدادها لنشر ثمانية آلاف جندي ضمن قوة الاستقرار الدولية، وهو عدد يعكس التزاماً سياسياً ذا حجم وثقل. ورابعتها مشاركة دول أوروبية رغم تحفظاتها المُعلنة؛ فقد وصفت ألمانيا المجلس بأنه «مسودة مضادة» للأمم المتحدة وأعربت عن قلقها من أنه يُؤسّس لمنظمة دولية دائمة تتخطى منظومة الأمم المتحدة القائمة.
التعهدات المالية: بين الإعلان والغموض
في الاجتماع الافتتاحي، أعلن ترامب أن تسعة أعضاء تعهدوا بمبلغ إجمالي قدره سبعة مليارات دولار لدعم جهود الإغاثة في القطاع، وأن الولايات المتحدة ستُسهم بعشرة مليارات دولار، ليبلغ الإجمالي المُعلن سبعة عشر مليار دولار.
بيد أن التفاصيل المتعلقة بكيفية صرف هذه الأموال وجدولها الزمني وآلياتها الرقابية وأولوياتها القطاعية بقيت غائبةً بصورة لافتة. هل تُصرف الأموال مباشرةً أم عبر صندوق استئماني؟ مَن يُشرف على التوزيع؟ ما معايير الشفافية؟ كيف يُمنع توظيف الأموال لأغراض سياسية؟ لم تجد هذه الأسئلة إجاباتٍ واضحةً في البيانات الرسمية الصادرة حتى تاريخ إعداد هذه الورقة. وغياب هذه الإجابات ليس تفصيلاً تقنياً يمكن تأجيله؛ إنه ثغرة حوكمية جوهرية تجعل التمويلَ أشبه بوعد سياسي منه بالتزام مؤسسي قابل للمساءلة.
يُضاف إلى ذلك شرط المليار دولار لتجديد العضوية بعد السنوات الثلاث الأولى. هذا الرقم ليس رمزياً بأي معنى؛ إنه مبلغ ضخم يستبعد عملياً الدول الأقل ثراءً ويُحوّل المجلس إلى نادٍ للأثرياء، وهو ما يُقيّد التمثيل الدولي ويُضيّق قاعدة الشرعية الجماعية ويُرسّخ تراتبيةً ضمنية داخل المجلس بين الأعضاء الكبار القادرين على الدفع والأعضاء الصغار المرتهنين لإرادة الأولين.
العلاقة بالأمم المتحدة: غموض مقصود أم تناقض بنيوي؟
أصدر مجلس الأمن في السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥ قراره رقم «٢٨٠٣» الذي رحّب بإنشاء مجلس السلام وأسبغ عليه تفويضاً محدداً: الإشراف على إعادة إعمار غزة ونشر قوة استقرار دولية لمدة عامين.
لكن الميثاق الذي وُزّع على العواصم بعد شهرين من صدور القرار لم يُشر إلى غزة بشكل صريح، بل قدّم المجلس كمنظمة دولية دائمة للتعامل مع النزاعات العالمية. وركّزت معظم الوثيقة على قواعد داخلية تمنح صلاحيات واسعة للرئيس ترامب باعتباره الشخص الوحيد المذكور بالاسم في الميثاق، شاملةً سلطة الدعوة والإلغاء والتعيين دون قيود إجرائية تذكر.
يطرح هذا التناقض بين التفويض الأممي المحدود والطموح المؤسسي الواسع سؤالاً جوهرياً: هل المجلس أداة مؤقتة لحل أزمة غزة، أم مشروع دائم لإعادة هيكلة النظام الدولي؟ وإذا كان الثاني، فهل يتمتع بالشرعية القانونية الدولية اللازمة لذلك؟ وقد زاد الأمر تعقيداً تصريحات ترامب بأن المجلس «سيُراقب الأمم المتحدة ويضمن عملها بشكل صحيح»، وهي صياغة تُرسّخ علاقةً هرمية مقلوبة يُشرف فيها المجلس الجديد على المنظمة الدولية الأعرق، لا العكس. وهذا الانقلاب في العلاقة الهرمية لم يُبرَّر بإطار قانوني أو سند دستوري في القانون الدولي، وهو ما يجعله تصريحاً سياسياً أكثر منه مقترحاً مؤسسياً قابلاً للتشغيل.
الرسالة الضمنية في البنية
بالنظر إلى مجمل هذه العناصر يمكن قراءة رسالة ضمنية واضحة: المجلس يُقدَّم كنموذج بديل للشرعية الدولية أكثر «فاعلية» وأسرع «إنجازاً» من البيروقراطية الأممية. هذا البديل قائم على الانتقائية في الدعوة والاستبعاد، والتمويل الضخم بوصفه مدخلاً للعضوية، والمركزية الشديدة في السلطة، والمرونة القصوى في الإجراءات. في هذا النموذج، الشرعية لا تُستمد من الإجراءات أو التمثيل أو القانون، بل من القدرة على «الإنجاز» كما يُعرّفه الراعي السياسي. ومَن يرفض الانضمام لا يُقرأ معترضاً على الهيمنة، بل مُعارضاً للسلام ذاته.
الجزء الثاني: لغة ترامب من «الصفقة» إلى «الشرعية البديلة»
السلام بوصفه امتداداً للداخل الأمريكي
من الأخطاء الشائعة قراءة خطاب ترامب الأممي بوصفه خطاباً خارجياً خالصاً. فاللافت أنه تعامل مع السلام العالمي كما لو كان امتداداً مباشراً لأولويات الداخل الأمريكي: الحدود، الهجرة، الطاقة التقليدية، الرسوم التجارية، والسيادة الاقتصادية. لم تُطرح هذه الملفات بوصفها قضايا داخلية منفصلة، بل بوصفها مفاتيح مزعومة لاستقرار العالم، وكأن النظام الدولي لا يستقيم إلا إذا تبنّى المنطق نفسه الذي يحكم السياسة الداخلية الترامبية.
هذا الربط ليس تفصيلاً خطابياً. إنه يكشف تصوراً للعالم يرى السلام نتيجةً لقوة الدولة وقدرتها على إغلاق حدودها وضبط مواردها وفرض شروطها التجارية، لا نتيجةً لتسويات عادلة أو قواعد مشتركة. ومن هنا يصبح «مجلس السلام» لاحقاً استمراراً لهذه الرؤية: منصة لا تبدأ من الحقوق بل من القدرة التنفيذية، ولا تُعرّف الشرعية بمدى شمول التمثيل بل بمدى سرعة الإنجاز كما يحدده الراعي السياسي.
بذلك يتحول السلام من قيمة قانونية وأخلاقية إلى أداة أمن قومي مُصدَّرة إلى الخارج. وما يبدو في الخطاب دعوةً إلى الاستقرار، يحمل في العمق محاولةً لتعميم النموذج الداخلي الأمريكي على الملفات الدولية: تقليل شأن المؤسسات، تفضيل الصفقات، تقديم القوة على الإجراء، وربط التعاون بالامتثال لشروط الطرف الأقوى.
النموذج اللغوي الترامبي: البساطة والمباشرة استراتيجيةً سياسية
من أبرز خصائص لغة ترامب السياسية تبنّيه أسلوباً تواصلياً يتسم بالبساطة الظاهرية والمباشرة الحادة. هذا الأسلوب ليس عفوياً بل استراتيجية مُحسوبة لتجاوز وسائط التفسير والتحليل والوصول مباشرةً إلى الجمهور العام. في عالم السياسة الخارجية التقليدية تُصاغ المواقف بلغة دبلوماسية معقدة تُراعي الحساسيات وتُبقي مساحات للتأويل. أما ترامب فيقلب هذا النموذج رأساً على عقب.
في خطاباته حول مجلس السلام نجد تكراراً لافتاً لعبارات من قبيل: «النظام القديم فشل»، و«الأمم المتحدة تتكلم كثيراً ولا تفعل شيئاً»، و«نحن نأتي بحل عملي وسريع»، و«أنا جمعت القادة»، و«أنا أطلقت المجلس»، و«أنا مَن يدفع العالم نحو السلام». هذه العبارات ليست مجرد أوصاف واقعية؛ هي أدوات فاعلة لبناء الشرعية وهدم الشرعية البديلة في آنٍ معاً. فكل جملة تُؤدي وظيفتين: تُصوّر الذات مُنجِزةً مُبادِرة، وتُصوّر الآخر «المؤسسي» عاجزاً متأخراً.
الاستعارة المركزية: السياسة الدولية كصفقة تجارية
في قلب الخطاب الترامبي تكمن استعارة أساسية: السياسة الدولية كصفقة تجارية. هذه الاستعارة ليست جديدة كلياً في الخطاب السياسي الأمريكي، لكن ترامب يوظّفها بصورة منهجية ومتطرفة. ففي منطق الصفقة تُختزل العلاقات الدولية في معادلة بسيطة: ما الذي تريده؟ وما الذي أريده؟ وكيف نتوصل إلى تبادل يُرضي الطرفين؟
هذا المنطق يتجاوز التعقيدات التاريخية والقانونية والأخلاقية. في هذا الإطار لا يوجد تاريخ طويل من الصراع يجب فهمه، ولا قواعد قانونية دولية يجب احترامها، ولا اعتبارات أخلاقية تُقيّد الخيارات. كل شيء قابل للتفاوض وكل شيء له ثمن وكل شيء يمكن حله إذا توفرت الإرادة والمهارة التفاوضية اللازمة.
في سياق غزة يظهر هذا المنطق بجلاء: المشكلة تُختزل في معادلة مبسّطة تقول إن غزة مدمّرة وتحتاج إعماراً، وإن ثمة أموالاً متاحة، وإن المطلوب آليةٌ سريعة لضخ الأموال وتنفيذ المشاريع. فيما تُقرأ التعقيداتُ السياسية، كالاحتلال والحصار والحقوق الفلسطينية والقدس والمستوطنات واللاجئين، كعوائق تقنية قابلة للتأجيل أو التجاوز في سبيل «الإنجاز العملي». والخطورة هنا أن منطق الصفقة لا يُلغي هذه القضايا بل يُغيّبها مؤقتاً، ويخلق وقائع على الأرض تُصعّب العودة إليها لاحقاً.
شخصنة الفعالية: القائد الكاريزمي ضامناً للنجاح
الركيزة الثانية في الخطاب الترامبي هي المركزية الشديدة للذات السياسية. في كل خطاب تقريباً يظهر ترامب الفاعلَ الوحيدَ الحقيقيَ: «أنا جمعت القادة»، «أنا أطلقت المجلس»، «أنا مَن يدفع العالم نحو السلام». يخدم هذا النمط عدة وظائف في آن واحد: يُعزز صورة ترامب قائداً استثنائياً قادراً على تحقيق ما عجز عنه الآخرون، ويجعل المجلس امتداداً لشخصيته لا مؤسسةً مستقلة، ما يضمن ولاء أعضائه له شخصياً. كما يخلق توقعات مرتفعة يمكن استثمارها سياسياً في الاتجاهين: رفعاً للشعبية عند النجاح، وإلقاءً للمسؤولية على الآخرين عند التعثر.
لكن هذه الشخصنة تحمل مخاطر بنيوية جسيمة؛ فالمؤسسة التي تُبنى حول شخص واحد تصبح بالضرورة هشّة. ماذا يحدث إذا خسر ترامب الانتخابات القادمة؟ وماذا إذا تبدّلت أولوياته السياسية نحو ملفات أخرى أكثر جاذبية انتخابية؟ وماذا إذا دخل في خلاف مع أحد الأعضاء الرئيسيين المموّلين؟ كل هذه الاحتمالات تهدد استمرارية المجلس لأن شرعيته شخصية لا مؤسسية، ومرتبطة بإرادة واحدة لا بقاعدة جماعية.
من «معنا» يستفيد: تسييس التمويل والعضوية
الركيزة الثالثة هي تحويل التمويل والعضوية إلى أدوات ولاء سياسي. منطق «الاصطفاف يُكافأ والامتناع يُعاقب» وإن لم يُقَل بهذه الصراحة في الخطاب الرسمي، فإنه يتكرر في أشكال متعددة ويمكن استخلاصه من بنية الحوافز والعقوبات الضمنية في المشروع. في سياق مجلس السلام يظهر هذا المنطق في مستويات متعددة: شرط المليار دولار للعضوية ليس رسماً إدارياً بل رسالةٌ واضحة عن حجم الالتزام المطلوب، والتعهدات المالية الضخمة المُعلنة في الاجتماع الافتتاحي تُقرأ كإشارة ولاء أكثر منها التزاماً إنسانياً صرفاً.
هذا التسييس يُحوّل القضية الإنسانية بكل ثقلها الأخلاقي إلى أداة سياسية. ومَن يرفض اللعب وفق هذه القواعد يجد نفسه في موقف أخلاقي حرج: إما أن يقبل بالهيمنة وشروطها، أو يُتّهم بعرقلة المساعدات الإنسانية وتعذيب المدنيين. هذا الفخ الأخلاقي هو من أذكى تصاميم منظومة الضغط السياسي في الخطاب الترامبي.
وظيفة اللغة: بناء «الشرعية البديلة»
بجمع هذه العناصر الثلاثة يتضح أن اللغة الترامبية أداةٌ لبناء نموذج بديل للشرعية الدولية. في هذا النموذج: الشرعية لا تأتي من الإجراءات المؤسسية بل من القدرة على الإنجاز السريع، والفعالية لا تُقاس بالعدالة أو الاستدامة بل بوضوح النتائج الظاهري، والمشاركة ليست حقاً بل امتيازاً يُمنح لمَن يلتزم سياسياً ومالياً، والاعتراض على البنية لا يُقرأ نقداً مشروعاً بل معارضةً للسلام ذاته.
وهذا النموذج خطير لأنه إذا نجح وانتشر طرح سابقةً يمكن تكرارها في ملفات أخرى: لماذا ننتظر مجلس الأمن في أزمة السودان إذا أمكن إنشاء مجلس خاص أسرع وأكثر مرونة؟ لماذا نتعامل مع بطء منظمة الصحة العالمية إذا أمكن إنشاء منصة صحية بديلة يتحكم فيها الممولون الكبار؟ وهكذا يتآكل النظام الدولي المتعدد الأطراف تدريجياً لصالح منصات انتقائية تحكمها توازنات القوة لا القواعد المشتركة.
الجزء الثالث: الرسائل الخفية وما وراء السطور
الرسالة الأولى: من يملك حق تعريف الشرعية الدولية؟
على المستوى السطحي يُقدَّم مجلس السلام كآلية تنسيقية لدعم خطة السلام في غزة. لكن في العمق يحمل المجلس رسالةً صريحةً حول مَن يملك الحق في تعريف ما هو «شرعي» وما هو «فعال» في النظام الدولي.
حين يُقال إن المجلس سيقوم بـ«مراقبة» الأمم المتحدة أو «ضمان عملها بشكل صحيح»، فهذه إعادة تموضع جذرية. الأمم المتحدة التي أُسّست بعد الحرب العالمية الثانية كمرجعية جماعية للشرعية الدولية تتحوّل هنا إلى جهة خاضعة للتقويم من قبل مجلس جديد لم ينبثق من إرادة جماعية عالمية بل من مبادرة أمريكية فردية. وهذا الانقلاب لا يُقدَّم في الخطاب بوصفه تحدياً للنظام الدولي، بل بوصفه «إصلاحاً» له، وهو ما يجعله أشد خطورةً لأنه يُزيل عن نفسه التهمة الواضحة.
إذا قُبل هذا النموذج وانتشر، شهد النظام الدولي تحوّلاً نحو «المنصات المتخصصة» التي ينشئها الأقوياء لتجاوز الآليات الجماعية حين لا تخدم مصالحهم. وهذا ليس تعزيزاً للنظام الدولي بل تفكيكاً تدريجياً له يسير بخطى متأنية تُصعّب الاعتراض عليه في كل خطوة منفردة، وإن كانت مجموع الخطوات تحمل تحولاً جذرياً.
الرسالة الثانية: التدويل الانتقائي بشروط أمريكية
يُقدّم مجلس السلام نفسه منصةً دوليةً تضم عشرات الدول من مختلف القارات. لكن «الدولية» هنا مشروطة بثلاثة قيود واضحة: الانتقائية في الدعوة والاستبعاد وفق معايير غير معلنة، وإشكالية التمويل الضخم الذي يستثني الدول الأقل ثراءً، والولاء السياسي الذي يتحوّل من موقف محايد من السلام إلى إعلان اصطفاف مع النموذج الأمريكي.
هذا النموذج يُعيد إنتاج الهيمنة في ثوب جديد. بدلاً من الهيمنة الأحادية السافرة نجد هيمنةً متعددة الأطراف ظاهرياً، لكنها محكومة بشروط أمريكية صارمة، ما يمنحها غطاءً أيديولوجياً أوسع وقدرةً أكبر على مقاومة النقد. ومَن ينتقد هذا النموذج لا يواجه تهمة معارضة أمريكا فحسب، بل تهمة معارضة «المجتمع الدولي» الذي يُمثّله المجلس بخمسين دولة مشاركة، وهو إطار بلاغي أشد إحكاماً وأصعب اختراقاً.
الرسالة الثالثة: صناعة سردية «صانع السلام»
على المستوى الداخلي الأمريكي يخدم مجلس السلام بناءَ صورة ترامب قائداً عالمياً قادراً على حل النزاعات المستعصية. السردية المُراد بناؤها بسيطة: ترامب أوقف حرباً، وأطلق أكبر عملية إعادة إعمار في التاريخ الحديث، وأنشأ مجلساً دولياً يحظى بدعم عشرات الدول. وإذا نجحت هذه السردية، حتى لو كانت مُضخَّمةً، منحت ترامب رأسمالاً سياسياً ضخماً يستثمره في الانتخابات القادمة.
قبل ظهور المجلس بصيغته المؤسسية، بنى ترامب في خطاب الجمعية العامة سرديةً أوسع عن ذاته بوصفه القائد القادر على إنهاء «حروب مستحيلة». ادعاء إنهاء «سبع حروب» لا يهم هنا بوصفه واقعةً خبريةً فحسب، بل بوصفه آلية شرعنة: فالقائد، في هذه السردية، لا يحتاج إلى مؤسسة كي ينجز؛ بل تصبح المؤسسة بطيئةً ومترددةً في مقابل إرادته الشخصية.
غير أن القيمة التحليلية لهذا الادعاء تظهر عند مقارنته بالواقع. فمعظم الحالات التي أُدرجت ضمن «الحروب السبع» لم تتحول إلى تسويات نهائية مستقرة؛ بعضها تهدئات مؤقتة، وبعضها تفاهمات هشة، وبعضها ملفات توتر لا ترقى إلى حرب مفتوحة بالمعنى الذي يوحي به الخطاب. هنا لا تعود المسألة مجرد مبالغة بلاغية، بل تصبح طريقةً لإنتاج شرعية شخصية فوق مؤسسية: إعلان الإنجاز يسبق تحقق السلام، والصورة السياسية تسبق البناء القانوني.
لكن بناء هذه السردية يتطلب استمرار الظهور الإعلامي وتحقيق إنجازات سريعة حتى لو كانت رمزية. وهذا يُفسّر الطابع الاحتفالي المبالغ فيه عند الإعلان عن المجلس: كل شيء مُصمَّم كعرض إعلامي أكثر منه عمل مؤسسي دقيق ومُستدام. وهذه الديناميكية تحمل بذور التراجع في داخلها: فإذا تباطأت النتائج الميدانية أو فقد المشروع زخمه الإعلامي، فقد ينصرف اهتمام ترامب السياسي إلى ملف آخر أكثر جاذبية انتخابية، تاركاً المجلس في منطقة وسطى بين الوعد والإنجاز.
الجزء الرابع: مكامن الخطر البنيوي في المشروع
الخطر الأول: هشاشة الشخصنة
أخطر ما في مشروع مجلس السلام ارتباطه الوثيق بشخص واحد؛ فكل السلطات وكل القرارات الاستراتيجية وكل الزخم السياسي مرتبط بترامب. هذا يعني أن استمرارية المجلس وفاعليته مرهونة باستمرار ترامب في السلطة، واستمرار اهتمامه بالملف، وقدرته على الحفاظ على الإجماع بين الأعضاء.
ماذا يحدث إذا خسر ترامب انتخابات عام ٢٠٢٨؟ إدارة جديدة قد لا تمنح المجلس الأولوية ذاتها أو قد تعيد هيكلته كلياً. وحينها تصبح التعهدات المالية والبنى التنظيمية والترتيبات الميدانية في غزة موضع شك واسع. والشخصنة تُفضي أيضاً إلى غياب آليات المساءلة المؤسسية: إذا اتخذ ترامب قراراً خاطئاً فمَن يستطيع تصحيحه؟ وإذا تعارضت مصالحه السياسية مع احتياجات غزة الفعلية أيهما يُعطى الأولوية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة غائبة في بنية المجلس المُعلنة، وهو غياب مقلق بحد ذاته.
الخطر الثاني: الانتقائية وتآكل الشرعية الجماعية
المجلس قائم على الانتقائية: مَن يُدعى ومَن يُستبعد يُقرَّر وفق معايير غير شفافة. هذا النموذج يُنتج مشكلتين جوهريتين متصلتين؛ الأولى غياب السلطة الفلسطينية الذي يعني أن أصحاب الأرض الأولين لا يملكون صوتاً حقيقياً في القرارات الاستراتيجية المتعلقة بمصيرهم، مما يُعرّض المشروع للاتهام بأنه فرضٌ خارجي لا شراكة حقيقية. وهذا التغييب ليس غياباً إجرائياً فحسب؛ إنه يُسقط مبدأ «لا شيء عنكم دونكم» الذي أضحى معياراً أخلاقياً راسخاً في أدبيات الحوكمة الدولية.
والثانية أن الشرعية المرتبطة بالدعوة لا بالحق تتآكل فيها المساواةُ السيادية بين الدول، التي تمثل ركيزة النظام الدولي ومبدأً أساسياً في ميثاق الأمم المتحدة. وحين تُستبدل المساواة السيادية بالانتقاء وفق القوة والثروة والاصطفاف، تفقد المنصة جوهر ادعائها أنها تمثيلٌ دولي حقيقي.
الخطر الثالث: تسييس المساعدات الإنسانية
حين يرتبط التمويل بالولاء السياسي وتصبح المساعدات أداةَ ضغط، تفقد المساعداتُ الإنسانية طابعها المحايد الذي هو شرط فعاليتها وقبولها المحلي. هذا التسييس يفتح الباب أمام أشكال متعددة من الابتزاز السياسي؛ إذ يمكن التهديد بوقف التمويل أو تقليصه عند أي خلاف سياسي. كما يُضعف الثقة المحلية بالمشروع لأن الفلسطينيين إذا شعروا أن الإعمار مرتبط بشروط تمس حقوقهم الأساسية قد يرفضونه أو يُقاومونه حتى في أشد ساعات الحاجة، وهو ما يُقيّد الفاعلية الميدانية للمشروع ذاته حتى من منظوره الذاتي. ويخلق هذا التسييس أيضاً سوابق خطيرة قابلة للتكرار في أماكن أخرى حول العالم.
الخطر الرابع: الضغط الأخلاقي المُسكِت للنقد
من أذكى أدوات الهيمنة الناعمة تحويلُ الرفض إلى موقف غير أخلاقي. حين يُقال «مَن يرفض المجلس يرفض السلام» أو «مَن يعترض على التمويل يعترض على مساعدة المدنيين»، يُوضع الناقد في موقف حرج إذ يُتّهم بعدم الإنسانية. هذا النوع من الضغط يُسكت النقدَ المشروع المتعلق بالهيمنة الأمريكية وتجاوز المرجعيات الدولية وتهميش الفلسطينيين، لأنه يربط هذه الاعتراضات بـ«رفض مساعدة الناس». كما يُفرّغ النقاش السياسي من محتواه الجوهري، مُحوّلاً إياه إلى ثنائية مبسّطة: مع السلام أو ضده. وهذه الثنائية الزائفة هي في حد ذاتها أداة سياسية تستحق التشريح النقدي.
الجزء الخامس: كيف يتعامل الفلسطينيون والعرب بذكاء؟
الرؤية العربية–الإسلامية كمعيار مضاد لتعريف السلام
في مقابل التصور الترامبي، يقدّم الموقف العربي–الإسلامي الذي تبلور على هامش الجمعية العامة معياراً مضاداً لتعريف السلام. فالسؤال المركزي هناك لم يكن: مَن يملك القدرة على فرض تسوية سريعة؟ بل: ما الحد الأدنى لسلام عادل وقابل للحياة؟ ومن هذا السؤال خرجت عناصر مختلفة جذرياً: وقف الحرب، إدخال المساعدات، رفض التهجير القسري، إعادة الإعمار ضمن خطة شاملة، ودعم مسار فلسطيني قادر على إدارة المرحلة المقبلة.
الفارق بين المقاربتين ليس تفصيلاً دبلوماسياً. سلام ترامب يبدأ من القوة والصفقة والقيادة الفردية؛ أما الرؤية الإقليمية فتبدأ من وقف النزيف وحماية الحقوق ومنع تحويل الإعمار إلى بديل عن السياسة. الأولى تنزع النزاع من جذوره التاريخية والقانونية وتضعه في خانة الإدارة التنفيذية؛ والثانية تُبقي القضية الفلسطينية ضمن إطارها السياسي والحقوقي، حتى وهي تعترف بالحاجة العاجلة إلى الإغاثة وإعادة البناء.
لهذا السبب، لا ينبغي أن يُفهم الانخراط العربي في أي صيغة لاحقة لمجلس السلام بوصفه قبولاً آلياً بشروطه. القيمة الحقيقية لهذا الانخراط، إن حدث، تكمن في تحويل الرؤية العربية–الإسلامية إلى كتلة ضغط داخل المجلس: تمويل بلا ابتزاز، إعمار بلا تهجير، إدارة مؤقتة بلا تصفية للسيادة، وتعاون دولي لا يزيح المرجعيات القانونية القائمة.
تجاوز ثنائية القبول المطلق والرفض المطلق
أمام هذا المشروع المعقد والإشكالي ثمة إغراء بالوقوع في أحد موقفين متطرفين؛ فالقبول المطلق يتجاهل المخاطر البنيوية الحقيقية من هيمنة وتهميش وتسييس للمساعدات وتجاوز للمرجعيات الدولية. والرفض المطلق يُخاطر بترك الساحة مفتوحةً لتشكيل الواقع دون أي تأثير فلسطيني أو عربي حقيقي، وتفويت فرصة حقيقية لتخفيف معاناة مئات الآلاف.
الموقف الأذكى هو البراغماتية النقدية: الانخراط بشروط واضحة، والاستفادة من الإيجابيات مع بناء صمامات أمان مُحكمة ضد المخاطر. وهذا الموقف يتطلب مستوىً من التنسيق العربي والفلسطيني نادراً ما تحقق تاريخياً، ولكن الرهان هنا عالٍ بما يكفي لجعل هذا التنسيق ضرورةً استراتيجية لا خياراً مستحسناً فحسب.
المبدأ الأول: الإعمار لا يُلغي الحقوق بل يخدمها
يجب التأكيد بوضوح تام ومنذ البداية: إعادة إعمار غزة ضرورة إنسانية عاجلة، لكنها ليست بديلاً عن الحقوق السياسية الجوهرية. القدس والحدود واللاجئون وحق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال قضايا لا يمكن تأجيلها أو «حلّها» عبر إعمار البنية التحتية بمعزل عن الأفق السياسي.
الخطاب الفلسطيني والعربي ينبغي أن يكون واضحاً: نعم للإعمار ونعم للمساعدات ونعم لتحسين حياة الناس، لكن دون تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني. الإنساني والسياسي ليسا بديلين بل متكاملان ومتلازمان: الناس تحتاج مياهاً وكهرباء اليوم، لكنها تحتاج حريةً وكرامةً وحقوقاً سياسية غداً. وأي نموذج إعمار يُقدّم الأول على حساب الثاني لا يبني مستقبلاً بل يُرسّخ هشاشةً دائمة.
المبدأ الثاني: التمويل مشروط بالشفافية والتدقيق المستقل
إذا كان مجلس السلام يطرح تمويلاً ضخماً بلغ سبعة عشر مليار دولار معلنةً حتى الآن، فإن قبول هذا التمويل مشروط بضمانات صارمة. أولها الشفافية الكاملة إذ يجب توثيق كل دولار من حيث جاء وإلى أين ذهب وعلى أي مشروع صُرف ومَن استفاد، عبر منصة علنية تنشر البيانات المالية بصورة دورية ومفصّلة. وثانيها التدقيق المستقل من جهات دولية محايدة تفحص كيفية صرف الأموال وتتأكد من عدم تحويلها لأغراض سياسية. وثالثها المشاركة الشعبية بحيث يكون للمجتمع المحلي في غزة صوت في تحديد الأولويات لا أن تُفرض من الخارج.
وفوق هذه الشروط الثلاثة، ثمة شرط رابع لا يقل أهمية: الفصل الصريح والمكتوب بين التمويل الإنساني وأي اشتراطات سياسية. فكل ربط ضمني أو صريح بين صرف التمويل وتنازلات سياسية يُسقط الطابع الإنساني للعملية ويحوّلها إلى معادلة ابتزاز.
المبدأ الثالث: تعدد الساحات لا استبدالها
يجب أن يُقرأ المجلس ساحةً إضافية لا بديلاً عن الساحات القائمة. الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة والمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية كلها ساحات يجب الاستمرار في العمل فيها بقوة متجددة. إذا ركّز الفلسطينيون والعرب طاقتهم على مجلس السلام وأهملوا الساحات الأخرى خسروا مرجعياتهم القانونية والسياسية بلا ثمن مقابل.
الاستراتيجية الأذكى هي التواجد الفاعل في جميع الساحات: في المجلس للاستفادة من التمويل والتأثير في مساراته من الداخل، وفي الأمم المتحدة للحفاظ على المرجعيات القانونية، وفي المحاكم الدولية لمتابعة ملفات العدالة والمساءلة، وفي الساحة الشعبية العالمية لبناء ضغط جماهيري فاعل ومستدام يُوازن القوة التفاوضية.
المبدأ الرابع: خطوط حمراء واضحة ومعلنة مسبقاً
الخطوط الحمراء الأربعة غير القابلة للتفاوض
المبدأ الخامس: الدور الإقليمي كضمانة جماعية
الدول العربية والإسلامية التي انضمت للمجلس تحمل مسؤوليةً تاريخيةً لا مناص منها: حماية الحقوق الفلسطينية من الداخل. مصر بحكم الجغرافيا والتاريخ المشترك يمكنها ضمان استمرار الممرات الإنسانية والإحالة الطبية وتيسير حركة الأفراد. وقطر بقدراتها المالية وخبرتها الدبلوماسية الفريدة يمكنها ضمان توجيه التمويل نحو القطاعين الصحي والتعليمي باستدامة حقيقية. والأردن بخبرته في الدعم الطبي وبوزنه السياسي يمكنه أن يكون جسراً لبناء قدرات السلطة الفلسطينية. وتركيا وإندونيسيا بثقلهما السياسي والشعبي الواسع يمكنهما ممارسة ضغط داخلي فعّال لمنع تجاوز الخطوط الحمراء.
لكن هذا الدور يتطلب تنسيقاً عربياً وإسلامياً واضحاً ومنظّماً. إذا دخلت كل دولة المجلس بأجندتها الخاصة دون تنسيق مسبق، استُغلت الخلافات لإضعاف الموقف الجماعي وتمرير ترتيبات لم تُقبَل علناً. أما إذا تحركت هذه الدول ككتلة منسقة ذات مواقف مشتركة معلنة مسبقاً، فيمكنها تشكيل ثقل حقيقي يؤثر في مسار المجلس ويُضيّق هامش الانفراد في القرار.
الجزء السادس: السيناريوهات المحتملة ومؤشرات الترجيح
نجاح إنساني محدود مع استمرار الغموض السياسي
يفترض هذا المسار أن المجلس ينجح في إنتاج «نتائج قابلة للتصوير» سريعاً: قوافل مساعدات أكثر انتظاماً، وبداية مشاريع إعمار في قطاعات ذات أثر مرئي كالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه، مترافقةً مع إعلانات عن أرقام ضخمة تُعزّز السردية الإعلامية، ونشر تدريجي لقوة الاستقرار الدولية بما يُرسي واقعاً جديداً على الأرض. في حين تُرحَّل الأسئلة السياسية الكبرى إلى مرحلة لاحقة مفتوحة، وهو ما يُشكّل بحد ذاته خياراً سياسياً تراكمية تداعياته.
المؤشرات المالية
- انتقال من التعهدات إلى تحويلات فعلية بجدول زمني معلن
- ظهور عقود تنفيذ واضحة ومشتريات مُموَّلة فعلاً
- انخفاض فجوة الوعود مقابل الصرف الفعلي مع مرور الوقت
المؤشرات الحوكمية
- تأسيس أمانة تنفيذية بإيقاع عمل منتظم
- تقارير تقدم دورية قابلة للتحقق المستقل
- إطلاق مسارات مشتريات بمعايير اختيار مشاريع معلنة
المؤشرات السياسية
- استمرار لغة الإنجاز الإنساني مع تأجيل الملفات السيادية
- تفادي الربط العلني بين التمويل وشروط سياسية
- إبقاء علاقة تعايش وظيفي مع الأمم المتحدة
المؤشرات الميدانية
- ارتفاع القدرة التشغيلية للمرافق الحيوية
- انتظام دخول الوقود والدواء والمواد الأساسية
- بدء مشاريع مرئية ومُحدّدة زمنياً بتسليمات قابلة للقياس
تحوّل المجلس إلى منصة ضغط وابتزاز سياسي
في هذا المسار يصبح الإعمار «لغة شروط» لا «لغة احتياجات»؛ يُقدَّم التمويل مقابلاً سياسياً يستلزم اعترافات وترتيبات أمنية وإعادة تشكيل حوكمة غزة. هذا السيناريو لا يبدأ عادةً بقرار صادم واحد بل بتدرّج محسوب: شروط تقنية تُغلَّف سياسياً، ثم قيود على الصرف، ثم انتقال من «الدعم» إلى «الاشتراط» بوتيرة تجعل كل خطوة منفردة قابلة للتبرير.
المؤشرات المالية
- ظهور «دفعات مشروطة» تربط التمويل بالوفاء ببنود سياسية
- تعليق التمويل أو تجزئته عند كل خلاف في المواقف
- لغة «الالتزام مقابل الاستمرار» في اتفاقات الصرف
المؤشرات الحوكمية
- إنشاء وحدات امتثال ومشروطية داخل المجلس
- نقل القرار الفعلي إلى دائرة سياسية ضيقة
- إدراج بنود تمنح طرفاً واحداً حق تعطيل الصرف
المؤشرات السياسية
- تحوّل مفردات الخطاب الرسمي من الإنساني إلى التسويي
- تصاعد خطاب يضع المجلس بديلاً صريحاً عن الأمم المتحدة
- ضغوط متزايدة على الدول العربية لتمرير الشروط
المؤشرات الميدانية
- توقف مشاريع حساسة بذريعة عدم التعاون السياسي
- توجيه الإعمار لإعادة تشكيل البيئة السياسية لا الإنسانية
- استخدام المعابر والممرات ورقةَ ضغط متكررة
تعثّر سريع وانهيار مصداقية
يفترض هذا السيناريو أن الزخم الإعلامي لا يتحوّل إلى إنجاز تشغيلي: التعهدات تتأخر، والمشاريع تُعلَّق، والخلافات بين الأعضاء تطفو على السطح، وتتآكل مصداقية المجلس في أشهر قليلة. ويحدث التعثر عادةً حين تجتمع ثلاثة عناصر: تفويض ضبابي، وتنافس داخلي على النفوذ، وغياب آليات تنفيذ واضحة وممرات قرار محددة.
المؤشرات المالية
- اتساع فجوة التعهدات مقابل الصرف الفعلي
- غياب بيانات دورية حول التدفقات المالية الحقيقية
- تأخر إطلاق المناقصات والعقود التنفيذية
المؤشرات الحوكمية
- تعدد مراكز القرار بلا تنسيق فعلي بينها
- تضارب في الرسائل الرسمية حول التفويض والصلاحيات
- غياب تقارير تقدم قابلة للتحقق المستقل
المؤشرات السياسية
- تضارب علني في التصريحات بين الأعضاء الرئيسيين
- تحوّل النقاش إلى التشكيك في شرعية المجلس ذاتها
- انتقادات علنية متصاعدة من شركاء رئيسيين
المؤشرات الميدانية
- ضعف الأثر الملموس على الأرض بعد فترة كافية من التشغيل
- توقف مشاريع أُعلن عنها دون تسليمات ملموسة
- عودة التصعيد الميداني آكلاً لأي مكسب إنساني محقق
تحوّل المجلس إلى منصة شراكة حقيقية — الأفضل والأقل احتمالاً
يمثّل هذا السيناريو المسار الأكثر إيجابية: أن يتطور المجلس من منصة تعهدات إلى إطار شراكة يوازن بين الإعمار والحقوق، ويتكامل مع المرجعيات الدولية، ويمنح الفاعل الفلسطيني دوراً مؤسسياً حقيقياً في تحديد الأولويات والرقابة. وترجيحه يتطلب تحولات في الممارسة الفعلية لا في الخطاب وحده: شفافية مالية صارمة، وآليات مساءلة مستقلة، ومسار سياسي لا يدفن القضية تحت لغة الاقتصاد والإعمار.
المؤشرات المالية
- حزمة تمويل متعددة السنوات بآلية نشر دوري وشفاف
- تخصيص نسب للتشغيل والصيانة لا للبناء فحسب
- ضمانات استدامة تمنع «مبانٍ بلا قدرة تشغيلية»
المؤشرات الحوكمية
- تمثيل فلسطيني ومحلي فعلي في لجان تحديد الأولويات
- جهاز تدقيق مستقل بمعايير شفافة ومعلنة
- آلية تظلمات ومراجعة قرارات الصرف
المؤشرات السياسية
- لغة رسمية تربط الإعمار بحق تقرير المصير صراحةً
- تأكيد مكتوب على التكامل مع منظومة الأمم المتحدة
- غياب شروط تُعيد تعريف القضية كملف إنساني فقط
المؤشرات الميدانية
- مشاريع تُسلَّم وفق جداول زمنية معلنة ومُحقَّقة مستقلاً
- تحسن ثابت وقابل للقياس في مؤشرات الخدمات العامة
- برامج تعافٍ صحي وتعليمي بنتائج قابلة للمتابعة الدورية
الجزء السابع: المتوقع في المدى القريب — ستة إلى اثني عشر شهراً
بناءً على المعطيات الحالية والديناميكيات السياسية، يُرجَّح أن يسعى مجلس السلام في المرحلة الأولى إلى تحقيق «اختراق إنساني سريع» يمنح المشروع صدقيةً ويُبرّر وجوده أمام الرأي العام الدولي والداخلي الأمريكي. وستتوزع هذه المساعي على ثلاثة مستويات:
على المستوى الميداني
يُتوقع إدخال كميات أكبر نسبياً من المساعدات الإنسانية وبدء مشاريع إعمار رمزية وسريعة في قطاعات ذات أثر مرئي كالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه، مترافقةً مع إعلانات عن أرقام ضخمة تُعزّز السردية الإعلامية، ونشر تدريجي لقوة الاستقرار الدولية بما يُرسي واقعاً جديداً على الأرض يصعب التراجع عنه لاحقاً. والمراقب الدقيق سيلحظ أن «الإنجاز الإعلامي» كثيراً ما يسبق «الإنجاز الميداني» في هذا النوع من المشاريع.
على المستوى السياسي
يُرجَّح إبقاء الملفات الحساسة كالقدس واللاجئين والحدود النهائية غامضةً أو مُؤجَّلة، مع التركيز على الخطاب الإنساني والاقتصادي وتجنّب الخطاب السياسي الواضح الذي قد يُكلّف أثماناً دبلوماسية. ويُتوقع سعي لجذب مزيد من الدول لتوسيع قاعدة الشرعية الظاهرة، وعقد اجتماعات دورية مع إعلانات كبيرة تُضمن استمرار الزخم الإعلامي ضرورةً مؤسسية.
على مستوى العلاقة بالأمم المتحدة
يُتوقع صدور تأكيدات لفظية على «التكامل» مع الأمم المتحدة في الخطاب الرسمي، في حين يشهد الميدان تجاوزاً تدريجياً لدور الأمم المتحدة في صنع القرار الفعلي، مع محاولة تقديم المجلس كـ«ذراع تنفيذية» أكثر كفاءةً من البيروقراطية الأممية. ويتمثّل أكبر خطر في هذه الفترة في أن ينجح المجلس في تحقيق تحسن إنساني محدود يُستخدم غطاءً لتمرير ترتيبات سياسية طويلة الأمد دون حل جذري، مُحوِّلاً التحسنَ الإنساني أداةً لتجميد الوضع وتطبيع الواقع الاستعماري في ثوب إنساني.
التوصيات الختامية: معادلة الانخراط النقدي
بناءً على ما انتهت إليه الورقة من تحليل، تُقدّم الصفحات التالية خمس توصيات متكاملة تُشكّل بمجموعها إطاراً للتعامل العربي والفلسطيني مع مجلس السلام بوصفه واقعاً قائماً لا يمكن تجاهله، لكنه في الوقت ذاته لا يجوز قبوله بلا شروط.
التوصية الأولى: اعتماد معادلة «نعم… ولكن»
الموقف الأكثر حكمةً هو القبول المشروط: نعم لأي جهد حقيقي يُخفّف المعاناة ويموّل الإعمار ويحمي المدنيين، ولكن مع التثبيت الصريح للمرجعية السياسية والقانونية في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وحق تقرير المصير.
هذه المعادلة تجمع البراغماتية بالمبدئية: براغماتية في قبول المساعدة الإنسانية من أي مصدر، ومبدئية في رفض أي محاولة لتصفية الحقوق السياسية تحت غطاء الإعمار. وهي معادلة تُحمي من الشعور الزائف بأن القبول يعني التخلي، وتُوفّر أرضية واضحة للتفاوض تحمي أصحابها من الانزلاق التدريجي نحو تنازلات غير محسوبة.
التوصية الثانية: تعدد الساحات لا استبدالها
يجب التعامل مع مجلس السلام كساحة إضافية لا كبديل عن المسارات القائمة. الاستثمار في المجلس يجب أن يترافق مع استثمار مماثل أو أكبر في الساحة الأممية شاملةً الجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، وفي الساحة القضائية الدولية بمتابعة فاعلة لملفات المحكمتين الجنائية والدولية، وفي الساحة الشعبية العالمية من خلال حركات التضامن والحملات الإعلامية. تركيز كل الطاقة في ساحة واحدة يُضيّق هامش المناورة ويرهن الموقف بمتغيرات تلك الساحة وحدها.
التوصية الثالثة: توحيد الموقف العربي والفلسطيني
الدول العربية والإسلامية التي انضمت للمجلس يجب أن تعمل ككتلة منسقة لا كدول منفردة تتوزع بين أجنداتها الإقليمية الخاصة. ويشمل الحد الأدنى من التنسيق وضع خطوط حمراء مشتركة تحمي القدس الشرقية عاصمةً للدولة الفلسطينية، والحدود المعترف بها دولياً وفق حدود عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، وحق اللاجئين في العودة، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وأي محاولة لتجاوز هذه الخطوط تستوجب موقفاً جماعياً واضحاً قد يصل إلى الانسحاب الجماعي المنسّق إذا لزم الأمر وتوفّرت الإرادة السياسية الكافية.
التوصية الرابعة: اشتراط الشفافية والتدقيق المستقل
قبول التمويل من المجلس مشروط بنشر تفاصيل التعهدات المالية والتدفقات الفعلية بشكل علني ودوري، ووجود آلية تدقيق مستقلة يمكن أن تكون أممية أو من منظمات دولية محايدة ذات مصداقية، ومشاركة المجتمع المحلي في تحديد أولويات المشاريع وتقييمها، وعدم ربط التمويل بشروط سياسية تمس الحقوق الأساسية أو تُقيّد استقلالية القرار الفلسطيني. والشفافية هنا ليست مطلباً بيروقراطياً بل ضمانة جوهرية تحمي المستفيدين وتمنع تحويل المساعدات إلى أداة ضغط.
التوصية الخامسة: الاستثمار في الوعي والخطاب العام
المعركة ليست فقط على الأرض وفي غرف المفاوضات، بل أيضاً في الخطاب العام وفي منظومة التأطير الإعلامي والثقافي. يجب بناء سردية واضحة تُميّز بين الإعمار كضرورة إنسانية عاجلة وهو أمر مدعوم، وبين التطبيع مع الاحتلال وهو أمر مرفوض؛ وبين المساعدة الإنسانية كحق مطلوب، وبين الابتزاز السياسي عبر المساعدات وهو أمر يجب فضحه ومقاومته.
هذه السردية يجب أن تُنشر عبر جميع القنوات المتاحة: الإعلام الرسمي والمستقل، ومناهج التعليم، ووسائل التواصل الاجتماعي، والفن والثقافة والخطاب الديني. والهدف ضمان أن الجيل القادم يفهم أن التحسن الإنساني مهم وضروري لكنه ليس بديلاً عن الحرية والحقوق السياسية الجوهرية. وبناء هذه السردية ليس رفاهاً بل أداة استراتيجية لحماية الحقوق في المدى البعيد.
خلاصة عامة: من البراغماتية النقدية إلى السياسة الواقعية
مجلس السلام ليس خيراً محضاً ولا شراً محضاً. إنه مشروع مُركَّب يحمل فرصاً حقيقية ومخاطر حقيقية في آن واحد. الفرصة الأساسية هي توفير تمويل ضخم قد يُخفّف معاناة مئات الآلاف بصورة فورية وملموسة. والخطر الأساسي هو تحوّل هذا التمويل إلى أداة هيمنة وابتزاز تُوظَّف لفرض تسوية سياسية مجحفة أو لتصفية الحقوق الجوهرية تحت أغطية إنسانية.
الموقف الحكيم ليس القبول الأعمى ولا الرفض الأعمى، بل الانخراط النقدي: المشاركة بشروط واضحة، والاستفادة من الإيجابيات، وبناء صمامات أمان راسخة ضد المخاطر، والاستعداد للتحرك الجماعي المنسّق إذا تجاوز المشروع الخطوط الحمراء المتفق عليها.
وثمة بُعد أعمق يجب استيعابه: مجلس السلام ليس حادثةً منفصلة بل مؤشرٌ على اتجاه أشمل في النظام الدولي نحو «تعددية مُهيمَن عليها» تحلّ فيها المنصات الانتقائية محل الآليات الجماعية. والتعامل مع هذا الاتجاه يتطلب وعياً استراتيجياً يتجاوز الملف الغزاوي ليرى الصورة الكلية لمسار النظام الدولي في مرحلة التحوّل.
في نهاية المطاف لن يعتمد النجاح أو الفشل على بنية المجلس وحدها، بل على قدرة الفلسطينيين والعرب على التحرك بوعي استراتيجي ووحدة مؤسسية حقيقية. المجلس أداة، والأدوات محايدة في ذاتها، والسؤال الجوهري هو: مَن يمتلك الإرادة والتنسيق الكافيَين لتوجيه هذه الأداة نحو تحقيق الحقوق لا تصفيتها؟
يكشف الربط بين خطاب الأمم المتحدة و«مجلس السلام» أن المسألة لا تتعلق بمبادرة منفردة لإعادة إعمار غزة، بل بمحاولة أوسع لإعادة تعريف الشرعية الدولية من خارج أدواتها التقليدية. فما ظهر في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥ بوصفه خطاباً عن القيادة القوية والإنجاز السريع، تجسّد في عام ٢٠٢٦ بوصفه هندسة مؤسسية للتمويل والعضوية والقرار. وهنا تكمن خطورة المشروع: إنه لا ينازع الفلسطينيين على تفاصيل الإعمار فحسب، بل ينازع النظام الدولي على حقه في تعريف السلام ذاته.
الأمل هو أن تُستخدم هذه الأداة لتخفيف المعاناة وبناء مستقبل قائم على الحقوق والكرامة. والخوف هو أن تُستخدم لشراء الصمت وتجميد القضية في واقع يُسمى «سلاماً» وإن كان يفتقر إلى أبسط مقومات العدل. والمسؤولية تقع على الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني والنخب المثقفة معاً لتحقيق الأول ودرء الثاني بكل ما يملكونه من إرادة وحكمة وتنسيق.
مراجع مختارة
- رويترز، مباحثات «مجلس السلام» مع موانئ دبي العالمية بشأن إعادة إعمار غزة، الحادي والعشرون من نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
- رويترز، مبعوث «مجلس السلام» يتحدث عن تعقيدات نزع السلاح وسرعة التنفيذ، العشرون من نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
- حملة عالم أفضل، عرض موجز لدور «مجلس السلام» ونطاقه، التاسع عشر من شباط/فبراير ٢٠٢٦.
- البيت الأبيض، بيان خطة الرئيس ترامب الشاملة لإنهاء نزاع غزة، السادس عشر من كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦.
- المركز العربي في واشنطن، «مجلس السلام»: إعادة إعمار غزة أم إعادة تشكيل النظام السياسي؟
- مكتبة مجلس العموم البريطاني، غزة عام ٢٠٢٦: مجلس السلام واللجنة الانتقالية الوطنية.
- مجلس العلاقات الخارجية، دليل خطة غزة ذات النقاط العشرين ومسارات وقف إطلاق النار.
- مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تحذير خبير أممي بشأن أثر القرار على حق تقرير المصير الفلسطيني، التاسع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥.
- تقرير مجلس الأمن، موجز القرار رقم «٢٨٠٣» لعام ٢٠٢٥ ومساره الدبلوماسي.
- مجلس الأمن الدولي، القرار رقم «٢٨٠٣» لعام ٢٠٢٥ بشأن الوضع في الشرق الأوسط، السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥.
- الأمم المتحدة، صفحة خطاب الولايات المتحدة في المناقشة العامة للدورة الثمانين للجمعية العامة، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.
- مشروع الرئاسة الأمريكية، نص خطاب دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.
- بوليتي فاكت، تدقيق ادعاء ترامب بشأن إنهاء «سبع حروب»، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.
- أسوشيتد برس، تدقيق ادعاء ترامب بشأن الحروب السبع أمام الأمم المتحدة، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.
- وزارة الخارجية التركية، البيان المشترك لقادة دول عربية وإسلامية المشاركين في القمة متعددة الأطراف مع رئيس الولايات المتحدة، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.
- الغارديان، تغطية خطاب ترامب أمام الجمعية العامة حول الهجرة والطاقة والأمم المتحدة، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥.