مقدمة: فهم المرحلة الانتقالية وآفاقها المستقبلية
تشهد سوريا اليوم مرحلة تاريخية فارقة تتطلب قراءة متأنية ومنصفة لمساراتها المحتملة. فلفهم طبيعة هذا الانتقال، يلزمنا أولاً تحديد الوجهة التي تسير نحوها البلاد. لقد انتهت المرحلة الدموية العنيفة التي عاشتها سوريا، وبدأت مرحلة جديدة تحمل آمال الشعب السوري في بناء دولة تحترم كرامة مواطنيها وتحفظ حقوقهم.
هناك عدة محاور رئيسة تحدد ملامح سوريا المستقبلية. على الصعيد الاقتصادي، تبرز التساؤلات حول قدرة البلاد على تجاوز الفقر المدقع والدمار الشامل نحو بناء اقتصاد منتج وفعال. وعلى الصعيد السياسي، تدور النقاشات حول شكل النظام السياسي الذي سيحكم البلاد، وما إذا كان سيرتكز على مبادئ المشاركة الشعبية والتداول السلمي للسلطة.
محوران أساسيان في التحول السياسي-الاجتماعي
المحور الأول: الحريات وحدودها في الفضاء العام
يتعلق المحور الأول بموضوع الحريات بمختلف أشكالها، بدءًا من الحريات الأساسية مثل حرية التنظيم والتعبير وممارسة العبادة والاعتقاد، وصولاً إلى حرية الأفراد في التعبير عن أنفسهم في الفضاء العام. تتطلب هذه المسألة توازنًا دقيقًا بين احترام القيم المجتمعية والحفاظ على الحريات الفردية.
من المهم التمييز هنا بين مفهومين جوهريين: مفهوم العدل ومفهوم الخير. فمفهوم العدل يرتبط بكيفية توزيع الثروة وتحقيق المساواة وعدم التمييز بين المواطنين، وهو ما يجب أن يتفق عليه المجتمع بأسره. أما مفهوم الخير، فيُترك للأفراد والجماعات ليختار كل منهم ما يناسبه. فاختيار المرأة لباسها، سواء كان حجابًا أو نقابًا أو غير ذلك، واختيار الأفراد لأنماط حياتهم، كلها تندرج ضمن مفاهيم الخير الفردية التي لا ينبغي للدولة أن تفرض فيها رؤية واحدة.
المحور الثاني: المواطنة والمساواة كأساس للدولة
يرتبط المحور الثاني بموضوع المواطنة والمساواة. ويمكن القول إن توجهات القيادة الجديدة في هذين المحورين تُظهر ملامح واعدة بالخطوط العريضة. فقد أكدت القيادة على احترام التنوع السوري بكافة أشكاله، وعلى بناء دولة تحترم حقوق جميع مواطنيها دون تمييز.
ما يلفت الانتباه هو قدرة الحركة الإسلامية في سوريا على التفاعل الإيجابي مع السياق السوري المتنوع. فالإسلام السوري ليس كتلة واحدة جامدة، بل هو نسيج متنوع يعكس ثراء المجتمع السوري. هذا التنوع لا يقتصر على الاختلاف بين المكونات الدينية والطائفية، بل يمتد إلى داخل كل مكون، بما في ذلك التنوع داخل المجتمع السني نفسه.
نماذج من المرونة والتكيف الإيجابي
هناك أمثلة ملموسة تعكس هذه المرونة والقدرة على التكيف الإيجابي مع احتياجات المجتمع. فعندما حدثت حالات سرقة للأثاث من المؤسسات العامة في دمشق، بادر خطباء المساجد إلى التوضيح بأن ذلك حرام شرعًا، ودعوا الناس إلى إرجاع ما أخذوه. وبالفعل، استجاب المواطنون لهذه الدعوة، وشهدت ساحات المساجد عودة المسروقات من البرادات وأطقم الجلوس وغيرها.
هذا المثال يُظهر كيف يمكن للخطاب الديني أن يكون قوة إيجابية في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز القيم الأخلاقية دون حاجة إلى القمع أو الإكراه. إنه يعكس قدرة الحركة الإسلامية على التكيف مع السياق المحلي والاستجابة لاحتياجاته بطريقة بناءة.
ديناميات التطور داخل الحركات الإسلامية
من الملاحظات المهمة أن هناك تباينًا واضحًا في درجة المرونة والتطور بين الحركات الإسلامية المختلفة. فهيئة تحرير الشام، التي تتولى مسؤوليات سياسية مباشرة، أظهرت قدرة أكبر على فهم متطلبات السياق السوري وتعقيداته، مقارنة بحركات أخرى لا تحمل مسؤوليات حكومية مباشرة.
هذا الفارق ليس مفاجئًا، فتحمل المسؤولية السياسية غالبًا ما يدفع الحركات إلى مزيد من الواقعية والبراغماتية. فحين تصبح الحركة مسؤولة مباشرة عن حياة الناس وأمنهم ومعاشهم، فإنها تضطر إلى الموازنة بين مبادئها النظرية ومتطلبات الواقع العملي، وهذا بدوره يؤدي إلى تطور في الرؤى والممارسات.
رؤية القيادة الجديدة: خطاب الرئيس أحمد الشرع
ملامح الخطاب السياسي والرؤية المستقبلية
تعكس المقابلات التلفزيونية المتعددة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع رؤية واضحة لمستقبل سوريا. فقد تحدث عن رؤية شاملة للانتقال المدني، وعن توسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل جميع مكونات الشعب السوري الأيديولوجية والدينية والإثنية. كما أكد أن سوريا الجديدة لن تشكل تهديدًا لجيرانها، وأن جميع الخلافات سيتم حلها عبر القنوات الدبلوماسية.
اللغة القانونية والابتعاد عن الخطاب الإقصائي
ما يميز خطاب الرئيس الشرع هو استخدامه للغة قانونية ومؤسساتية. ففي مقابلته مع تلفزيون بي بي سي، وعندما سُئل عن استخدام القوة في إدلب، أجاب بلغة قانونية واضحة، موضحًا أن ما حدث كان في إطار الحفاظ على المؤسسات العامة ووفق القانون.
وعندما سُئل عن الفرق بين تجربة طالبان وتجربة هيئة تحرير الشام، أوضح بذكاء أن هناك اختلافات سوسيولوجية وثقافية جوهرية بين البلدين. فأفغانستان مجتمع قبلي، بينما سوريا مجتمع حضري مديني بامتياز، وهذا الاختلاف يفرض نماذج مختلفة للحكم والإدارة.
التواضع والحكمة في التعامل مع القضايا المعقدة
من الجوانب اللافتة في خطاب الرئيس الشرع تواضعه وحكمته في التعامل مع القضايا المعقدة. فقد أجاب في أكثر من موضع بأنه لا يستطيع الحكم بمفرده على بعض المسائل، وأن رأيه الشخصي ليس الفيصل، وأن القرار يعود للقانونيين والشعب والدستور. هذا التواضع يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الحكم في الدولة الحديثة، حيث لا يتفرد شخص واحد بالقرار، بل تكون المؤسسات والقوانين هي المرجعية.
في الوقت نفسه، أبدى الرئيس الشرع اعتزازًا صحيًا بالهوية الوطنية، مؤكدًا أن ما يهمه هو اقتناع السوريين برؤيته وثقتهم به، وأن هذا أهم من نظرة الآخرين خارج سوريا.
الأجندة الاجتماعية المستقبلية: قراءة في المضامين
الدولة المدنية بدلاً من الشعارات الأيديولوجية
من الملاحظات المهمة أن الرئيس الشرع لم يستخدم مفهومي “الشريعة” أو “الدولة الإسلامية” في خطابه. بدلاً من ذلك، استخدم مفاهيم مثل “الدولة المدنية” و”دولة القانون” و”الدستور” و”المساواة بين السوريين”. هذا الاختيار اللغوي يعكس رؤية سياسية ناضجة تدرك أهمية بناء دولة تجمع جميع السوريين تحت سقف المواطنة المتساوية.
استخدام مفردات معجمية تتناسب مع السياق المحلي
اختار الرئيس الشرع استخدام مفردات معجمية عربية إسلامية بدلاً من المصطلحات الغربية المباشرة. فعندما سُئل عن الديمقراطية، استخدم تعبيرات مثل “دولة القانون” و”الدستور” و”المساواة بين السوريين” و”العودة إلى الشعب”. هذا الاختيار يعكس حكمة سياسية، إذ يسمح بتقديم مضامين حديثة عبر مفردات محلية يفهمها المجتمع ويتقبلها.
المهم في هذا السياق ليس المفردة بحد ذاتها، بل المضمون الذي تحمله. فاستخدام مفردات محلية لا يعني بالضرورة رفض القيم الكونية، بل يعني تقديمها بطريقة تتناسب مع الثقافة المحلية وتزيد من قبولها.
التمييز الواضح بين الديني والسياسي
يُظهر خطاب الرئيس الشرع فهمًا واضحًا للتمايز بين المجالين الديني والسياسي. فالسياسي يُحسم بالقانون والمؤسسات والدستور، بينما الديني يبقى في مجال الوعظ والإرشاد دون إكراه. هذا الفصل الوظيفي بين المجالين يعد من أهم ضمانات بناء دولة حديثة تحترم تعددية مجتمعها.
عندما سُئل عن قضايا مثل بيع الكحول أو لباس المرأة، أحال الإجابة إلى القانونيين والدستور، وهذا يعكس إدراكًا بأن مثل هذه المسائل لا تُحسم بفتوى دينية، بل بقوانين يتفق عليها المجتمع عبر مؤسساته الدستورية.
أهمية النموذج التركي كمرجعية عملية
تشير المؤشرات إلى وجود تأثير واضح للنموذج التركي على توجهات القيادة السورية الجديدة. فقد قام وفد من حزب العدالة والتنمية التركي بزيارة سوريا وافتتح مكتبًا في دمشق لمساعدة النظام الجديد على الاستفادة من التجربة التركية.
رغم ما يمكن أن يُقال عن بعض جوانب التجربة التركية، إلا أنها تقدم نموذجًا عمليًا لكيفية التوفيق بين الهوية الإسلامية للمجتمع والحكم المدني الحديث. فالنموذج التركي يُظهر كيف يمكن تحقيق التمايز بين الديني والسياسي، وكيف يمكن للدولة أن تحافظ على حياديتها تجاه تعدد تصورات الخير في المجتمع.
الخطاب التصالحي ولغة الحوار الحضاري
من الجوانب الإيجابية في خطاب الرئيس الشرع توجهه التصالحي مع المجتمع الدولي. فقد استخدم لغة الحوار والتفاهم بدلاً من لغة المواجهة. هذا التوجه يعكس نضجًا سياسيًا ووعيًا بأن سوريا تحتاج إلى دعم المجتمع الدولي لإعادة بنائها.
في الوقت نفسه، حافظ على توازن دقيق بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الكرامة الوطنية، مؤكدًا أن الأولوية هي بناء سوريا لجميع مكوناتها، وأن السوريين هم أصحاب القرار الأول في شأن بلادهم.
البراغماتية والقدرة على التطور
تشير سيرة الرئيس الشرع وخبرته في إدارة إدلب إلى أنه شخص براغماتي قادر على التعلم والتطور. فالبراغماتية السياسية ليست عيبًا، بل هي فضيلة حين تعني القدرة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت الأساسية.
هذه الصفة مهمة جدًا في المرحلة الانتقالية، حيث تتطلب الظروف المتغيرة قدرة عالية على المرونة والتكيف. القائد الناجح ليس من يتمسك بأفكار جامدة بغض النظر عن الواقع، بل من يستطيع أن يجمع بين الثبات على المبادئ الأساسية والمرونة في التطبيق والأساليب.
الاقتصاد السياسي: نحو نموذج متوازن
بين الاستثمار الخارجي والتضامن المجتمعي
تواجه سوريا تحديات اقتصادية هائلة تتطلب حلولاً مبتكرة. والملاحظ أن النظام الجديد يسعى إلى تحقيق توازن بين جذب الاستثمارات الخارجية وتفعيل التضامن المجتمعي الداخلي. فقد تم إنشاء “صندوق التنمية السوري” الذي نجح في جمع 64 مليون دولار، كما أطلقت حملة “الوفاء لإدلب” التي جمعت 205 مليون دولار في يوم واحد.
هذه المبادرات تعكس فهمًا لأهمية الاقتصاد التضامني إلى جانب الاقتصاد السوقي. فالاعتماد على المساهمات الطوعية من المغتربين السوريين ورجال الأعمال المحليين يعزز الروابط الاجتماعية ويبني ثقافة التكافل المجتمعي.
مبادرات مكافحة الفقر والتنمية المستدامة
أطلقت الحكومة السورية الجديدة مبادرة وطنية لمكافحة الفقر، وهو ما يعكس وعيًا بأن التنمية الاقتصادية لا تقتصر على النمو الاقتصادي، بل تشمل العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بشكل عادل.
هذا التوجه نحو اقتصاد اجتماعي متجذر في المجتمع يمكن أن يشكل بديلاً حقيقيًا للنماذج الاقتصادية التي تركز فقط على جذب الاستثمارات دون مراعاة البعد الاجتماعي.
مؤشرات إيجابية في المرحلة الانتقالية
على صعيد الإصلاح المؤسساتي
تشمل المؤشرات الإيجابية في المرحلة الانتقالية عدة إنجازات مهمة:
– تنظيف السجون وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين
– تقليص الفساد البيروقراطي في المؤسسات الحكومية
– إنشاء صندوق التنمية السوري لتمويل مشاريع إعادة الإعمار
– تشكيل لجنة للعدالة الانتقالية للتعامل مع ملف انتهاكات الماضي
– إعادة منح الجنسية للمحرومين منها لأسباب أمنية
على صعيد بناء الثقة المجتمعية
تشير التصريحات والممارسات الأولية إلى توجه نحو بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري. فالتأكيد على المواطنة المتساوية واحترام التنوع وحماية الحريات الأساسية، كلها عناصر تساهم في طمأنة مختلف الفئات وتشجيعها على المشاركة في بناء سوريا الجديدة.
آراء السوريين: ما تقوله استطلاعات الرأي
تقدم استطلاعات الرأي مؤشرات مهمة عن توجهات الشعب السوري. فحسب “المؤشر العربي” الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عبر 3,690 مقابلة، تبين النتائج التالية:
– 56% من السوريين واثقون بأن الحكومة تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 25% يرون عكس ذلك
– 61% يؤيدون إقامة نظام ديمقراطي
– 85% يقرون بوجود توترات طائفية، لكن 83% يريدون العيش معًا ككل مكونات الأمة
هذه الأرقام تعكس تفاؤلاً حذرًا وإرادة شعبية للتعايش رغم التحديات. كما تؤكد أن الشعب السوري يرفض الاستقطاب الطائفي ويطمح إلى بناء دولة تجمع جميع أبنائه.
التحديات المستقبلية والآفاق الواعدة
أهمية الوضوح في قضايا الأخلاق العمومية
رغم الإيجابيات الكثيرة، تبقى هناك حاجة لمزيد من الوضوح في بعض المسائل، خاصة ما يتعلق بالأخلاق العمومية والحريات الفردية. فالتأكيد الواضح على أن الدولة لن تتدخل في الخيارات الشخصية للأفراد فيما يخص مأكلهم ومشربهم وملبسهم وأسلوب حياتهم، سيزيل كثيرًا من المخاوف ويعزز الثقة بالمشروع السياسي الجديد.
بناء فضاء سياسي تحاوري
المطلوب في المرحلة المقبلة هو بناء فضاء سياسي قائم على الحوار لا على الصراع. فالاختلاف في الرؤى والتوجهات أمر طبيعي وصحي، والمهم هو أن يدار هذا الاختلاف عبر قنوات حوارية تحترم الجميع وتسمح بالتعايش السلمي.
هذا يتطلب من جميع الأطراف، سواء المحافظين أو الليبراليين، أن يلتزموا بلغة الاحترام المتبادل وأن يبتعدوا عن خطاب الإقصاء والتخوين.
الحركات الإسلامية: قراءة منصفة للتطور والإنجاز
تجاوز الصور النمطية الجامدة
من المهم التعامل مع الحركات الإسلامية بمنهجية علمية منصفة، بعيدًا عن الصور النمطية الجامدة. فهذه الحركات ليست كتلة واحدة محنطة، بل هي في حالة تطور مستمر، خاصة منذ بداية الربيع العربي عام 2011.
المقارنة العادلة بين مختلف التيارات السياسية
عند مقارنة أداء الحركات الإسلامية بأداء التيارات الأخرى مثل القومية الحركية واليسارية الحركية، نجد أن الحركات الإسلامية في كثير من الحالات أثبتت قدرة أكبر على التطور والتكيف. فبينما بنت بعض التيارات الأخرى أنظمة استبدادية، أظهرت بعض الحركات الإسلامية قدرة على الحكم الرشيد واحترام التعددية.
على سبيل المثال، تجربة حركة النهضة في تونس قدمت نموذجًا يستحق الدراسة في كيفية التوفيق بين الهوية الإسلامية والممارسة الديمقراطية. وفي السياق السوري، فإن ما تُظهره هيئة تحرير الشام من مرونة وقدرة على التكيف مع السياق المحلي يعد مؤشرًا إيجابيًا يستحق التقدير.
التحولات الفكرية داخل التيارات الإسلامية
شهدت التيارات الإسلامية، بما فيها السلفية-الجهادية، تحولات فكرية مهمة خلال العقد الماضي. هذه التحولات انعكست في كتابات المراجعة الفكرية التي قام بها عدد من المفكرين الإسلاميين، وأثرت بشكل واضح على ممارسات هذه الحركات على أرض الواقع.
انتقال جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام لاحقًا) من منظمة جهادية متشددة إلى حركة إسلامية أكثر اعتدالاً وبراغماتية يعكس هذه التحولات الفكرية. وهو ما يؤكد أن الحركات الإسلامية قادرة على التطور والتعلم من تجاربها.
الإسلام اليومي والمجتمع المدني: قوة التغيير من القاعدة
دور المجتمع المدني في التحول الإيجابي
إلى جانب التطورات على مستوى القيادة السياسية، هناك ديناميات مهمة على مستوى المجتمع المدني والممارسة الإسلامية اليومية. فالمجتمع السوري، بكل تنوعه وثرائه، يمارس نوعًا من التفاوض اليومي مع القوى السياسية، وهذا التفاعل المستمر يشكل قوة تغيير حقيقية.
شهادات الباحثين السوريين الذين زاروا سوريا مؤخرًا تتحدث عن تفاؤل نسبي لدى الشعب السوري، رغم الفقر وظروف المعيشة القاسية. هذا التفاؤل يعكس إيمانًا بإمكانية التغيير وبناء مستقبل أفضل.
الطاقة الإيجابية في التفاعل بين الديني والاجتماعي
التفاعل بين الإسلام الحركي والناس في سوريا يولد طاقة إيجابية كبيرة. فالخطاب الديني، حين يكون مرنًا ومتفهمًا للسياق، يستطيع أن يرفع من مستوى الوعي المجتمعي ويعزز القيم الأخلاقية الإيجابية.
المهم أن يكون هذا التفاعل قائمًا على التكيف الإيجابي لا على التنازل عن الثوابت. فالتكيف يعني القدرة على تقديم المبادئ بطريقة تناسب السياق المحلي، أما التنازل فيعني التخلي عن المبادئ نفسها.
الخلاصة: نحو مستقبل قائم على العدل والتعددية
القضية الأساسية في المرحلة المقبلة هي كيفية تعامل النظام الجديد مع موضوع الأخلاق العمومية والحريات الفردية والتصور التعدّدي للخير. والمؤشرات الحالية توحي بأن هناك فهمًا لأهمية هذا الموضوع وإرادة للتعامل معه بحكمة.
سلوك جميع الأطراف، سواء المحافظين أو الليبراليين، سيكون حاسمًا في تحديد ما إذا كان النقاش سيأخذ شكلاً حواريًا بناءً أو شكلاً صراعيًا إقصائيًا. والخطر الحقيقي لا يأتي من التوجه المحافظ أو الليبرالي بحد ذاته، بل من الاستبداد، أيًا كان لونه الأيديولوجي.
من الضروري تذكير الأنظمة السياسية بالتزامها بحماية حقوق المواطنين في مجتمع تعددي، خاصة التوازن بين الحريات والمساواة، باعتبار ذلك كله تصورًا للعدالة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن مواجهة الاستبداد بفرض تصور مهيمن للخير، بل يتطلب الأمر التفاوض حول كيفية التعبير عن تصورات الخير المتنوعة وجعلها تتعايش في إطار من الاحترام المتبادل.
التجربة السورية الراهنة، رغم كل التحديات التي تواجهها، تحمل بذور أمل حقيقي. فالقيادة الجديدة أظهرت قدرة على التطور والتكيف، والشعب السوري أبدى إرادة للتعايش والبناء المشترك. وإذا استمر هذا التوجه الإيجابي، مع مزيد من الوضوح والشفافية في القضايا الحساسة، فإن سوريا قد تقدم نموذجًا ملهمًا لكيفية التوفيق بين الهوية الإسلامية والحكم المدني الحديث، بين احترام القيم المحلية والانفتاح على القيم الكونية، وبين تحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على الحريات الفردية.













