في الثامن عشر من ديسمبر 2025، أصدرت الرئاسة المصرية بياناً غير مسبوق في لهجته وصراحته، متحدثة عن “خطوط حمراء” لا يمكن تجاوزها، وملوحة بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان. هذا التحول اللغوي من الحذر الدبلوماسي إلى التهديد المباشر يطرح سؤالاً محورياً: هل نشهد فعلاً تحولاً استراتيجياً في السياسة المصرية، أم مجرد تصعيد خطابي محسوب لأغراض تكتيكية؟
تطرح هذه الدراسة فرضية مركبة: أن الموقف المصري الحالي يعكس معضلة استراتيجية عميقة – فمن جهة، تدرك القاهرة أن انهيار السودان يشكل تهديداً وجودياً لأمنها القومي، ومن جهة أخرى، تعلم أن قدرتها الفعلية على التدخل العسكري محدودة بقيود اقتصادية وسياسية وإقليمية خانقة. هذه المعضلة تدفعها لاستراتيجية محفوفة بالمخاطر: رفع سقف التهديدات اللفظية لردع الفاعلين الإقليميين، مع عدم امتلاك الموارد أو الإرادة السياسية للذهاب إلى النهاية في تنفيذ هذه التهديدات.
يكشف التحليل المعمق عن أن التغيير في الخطاب المصري لا يعكس بالضرورة تغييراً في القدرات أو حتى في النوايا الفعلية، بل هو محاولة لإعادة رسم “قواعد اللعبة” في صراع بات واضحاً أن مصر تخسر فيه نفوذها تدريجياً لصالح قوى إقليمية أخرى، وعلى رأسها الإمارات. البيان المصري، بكل حدته، يمكن قراءته كصرخة استغاثة موجهة للولايات المتحدة والسعودية أكثر منه تهديداً فعلياً لقوات الدعم السريع أو داعميها.
تستند الدراسة إلى تحليل التصريحات الرسمية المصرية، وتسريبات من مصادر مطلعة نشرتها وسائل إعلام عربية ودولية، وتحليل التحركات الميدانية للجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والأهم من ذلك، فحص نقدي للتناقضات بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي للقدرات المصرية.
ما تكشفه هذه الدراسة هو أن مصر باتت في موقف شديد الحساسية: لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يحدث في السودان دون أن تفقد مصداقيتها ونفوذها الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه لا تملك القدرة الفعلية على تغيير مسار الأحداث بشكل حاسم.
النتيجة المتوقعة لهذه المعادلة المعقدة هي أن مصر ستواصل التصعيد الخطابي والدبلوماسي، وربما تقوم بعمليات عسكرية محدودة النطاق باستخدام الطائرات المسيّرة، لكن احتمالات التدخل البري المباشر تبقى منخفضة جداً إلا في سيناريو كارثي واحد: انهيار كامل للقوات المسلحة السودانية ووصول قوات الدعم السريع إلى الحدود المصرية مباشرة. حتى في هذه الحالة، سيكون التدخل محدوداً جغرافياً وزمنياً، ومشروطاً بدعم خليجي وأمريكي واضح.
المقدمة: أزمة الخطاب والواقع
عندما استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره السوداني عبد الفتاح البرهان في القاهرة يوم 18 ديسمبر 2025، كان العالم يشهد لحظة نادرة من الصراحة الدبلوماسية.
البيان الرئاسي المصري الذي تلا اللقاء لم يتبع القواعد المعتادة للصياغة الدبلوماسية الناعمة، بل جاء حاداً ومباشراً بشكل لافت: “خطوط حمراء” لا يمكن تجاوزها، “حق كامل” في اتخاذ التدابير اللازمة، تهديد بتفعيل “اتفاقية الدفاع المشترك”. هذه ليست لغة الوساطة والتهدئة التي اعتادت مصر استخدامها، بل لغة الردع والتهديد.
لكن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه هنا ليس “ماذا قالت مصر؟” بل “لماذا قالت ما قالته بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت؟” وبشكل أكثر جوهرية: “هل تملك مصر فعلاً القدرة على تنفيذ تهديداتها؟” هذه الأسئلة تقودنا إلى قلب الإشكالية التي تحاول هذه الدراسة تحليلها: الفجوة بين الخطاب والقدرة، بين المصلحة الاستراتيجية والإمكانيات الفعلية.
الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن مفاجأة للمراقبين. التوترات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع كانت تتصاعد منذ سنوات، والصراع على السلطة بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير عام 2019 كان محتدماً. لكن ما لم يتوقعه كثيرون هو الشراسة والاستمرارية التي اتخذها الصراع، وخاصة القدرة المذهلة لقوات الدعم السريع على الصمود والتوسع رغم كل التوقعات بأنها ميليشيا ستنهار سريعاً أمام الجيش النظامي.
بعد ألف يوم من القتال، والنتيجة كارثية: أكثر من 150 ألف قتيل وفقاً لتقديرات متحفظة، عشرة ملايين نازح ولاجئ، دمار شبه كامل للبنية التحتية في مناطق واسعة، وما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم حالياً. لكن الأخطر من ذلك كله، من المنظور المصري، هو أن قوات الدعم السريع لم تنهار، بل باتت تسيطر على مساحات شاسعة: كامل إقليم دارفور تقريباً، أجزاء كبيرة من كردفان، ومناطق في الخرطوم. هذا الواقع يعني أن “الميليشيا” التي كانت مصر تأمل في هزيمتها سريعاً باتت الآن قوة أمر واقع على الأرض.
هنا تكمن المعضلة المصرية: كيف تتعامل مع واقع لم تكن تريده ولا تستطيع قبوله، لكنها في الوقت نفسه لا تملك القدرة الكافية على تغييره؟ الإجابة التي اختارتها القاهرة حتى الآن هي: رفع سقف التهديدات اللفظية إلى أقصى حد ممكن، على أمل أن يكون ذلك كافياً لردع خصومها دون الحاجة لخوض حرب لا تستطيع تحمل تكاليفها. لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر: فإذا تم استدعاء “البلوف” المصري، وتجاوزت قوات الدعم السريع الخطوط الحمراء المعلنة، فإن مصر ستجد نفسها أمام خيارين كلاهما مر: إما التراجع وفقدان المصداقية، أو التدخل العسكري وتحمل تكاليف لا تقوى عليها.
الفرضية البحثية: معضلة القوة والقيد
صياغة الفرضية الأساسية
تقوم هذه الدراسة على فرضية مركزية يمكن صياغتها كالتالي: التصعيد الخطابي المصري الحالي تجاه الأزمة السودانية لا يعكس بالضرورة امتلاك القدرة أو النية الفعلية للتدخل العسكري الشامل، بل هو تكتيك دبلوماسي-نفسي يهدف إلى: (أ) إعادة تموضع مصر كفاعل مركزي في المعادلة السودانية بعد أن خسرت الكثير من نفوذها لصالح قوى إقليمية أخرى، (ب) ممارسة ضغط على الولايات المتحدة والسعودية لاتخاذ موقف أكثر حسماً ضد الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، (ج) طمأنة الرأي العام المصري بأن القيادة لا تقف مكتوفة الأيدي، (د) محاولة رفع التكلفة السياسية على أبوظبي دون الدخول في مواجهة اقتصادية معها قد تكون كارثية لمصر.
هذه الفرضية تختلف جذرياً عن التفسير “الظاهري” الذي يأخذ الخطاب المصري على محمل الجد ويفترض أن مصر فعلاً على وشك التدخل العسكري. بدلاً من ذلك، تطرح هذه الدراسة أن ما نشهده هو نوع من “الردع بالضعف” – محاولة لتعظيم التأثير السياسي لقدرات عسكرية محدودة من خلال المبالغة في الخطاب التهديدي.
التساؤلات البحثية المحورية
لاختبار هذه الفرضية، تطرح الدراسة مجموعة من التساؤلات الأساسية:
أولاً: لماذا تغيرت اللهجة المصرية في هذا التوقيت بالذات؟ سقوط الفاشر حدث في أكتوبر 2025، فلماذا جاء الرد الحاد في ديسمبر وليس فوراً؟ هل هذا التأخير يعكس تردداً أم حسابات معقدة؟
ثانياً: ما هي القدرات العسكرية الفعلية التي تملكها مصر للتدخل في السودان؟ وهل هذه القدرات كافية لتحقيق أهداف استراتيجية حقيقية أم مجرد عمليات رمزية؟
ثالثاً: كيف يمكن فهم التناقض بين الموقف المصري الحاد تجاه السودان والعلاقة الاقتصادية الوثيقة مع الإمارات، الداعم الأساسي لقوات الدعم السريع؟ هل مصر مستعدة فعلاً للمخاطرة بهذه العلاقة؟
رابعاً: ما هي طبيعة “الخطوط الحمراء” المصرية؟ هل هي خطوط واضحة ومحددة يمكن قياس تجاوزها، أم صياغات فضفاضة تسمح بالتأويل والمرونة؟
خامساً: إلى من توجه الرسالة المصرية فعلياً؟ هل إلى قوات الدعم السريع وحميدتي؟ أم إلى الإمارات؟ أم إلى واشنطن والرياض؟ أم إلى الرأي العام المصري والعربي؟
تشريح التحول الخطابي: من الحذر إلى التهديد
التطور التاريخي للموقف المصري
لفهم دلالة التحول الأخير، يجب وضعه في سياق تطور الموقف المصري منذ اندلاع الأزمة. في المرحلة الأولى (أبريل – سبتمبر 2023)، اتسم الموقف المصري بالحذر الشديد والحياد الظاهري، مع محاولات للعب دور الوسيط بين الطرفين. كانت القاهرة تراهن على أن الصراع سينتهي سريعاً لصالح الجيش، وأن دورها يكمن في تسهيل “الهبوط الناعم” لقوات الدعم السريع بشروط مقبولة.
في المرحلة الثانية (أكتوبر 2023 – يونيو 2024)، بدأت مصر تدرك أن الصراع سيطول، وأن قوات الدعم السريع أقوى مما كان متوقعاً. هنا بدأ الانحياز التدريجي للجيش السوداني، لكن بشكل غير معلن وعبر دعم لوجستي محدود. اللغة الدبلوماسية ظلت محايدة ظاهرياً، لكن التحركات الفعلية بدأت تكشف عن تفضيل واضح.
المرحلة الثالثة (يوليو 2024 – سبتمبر 2025) شهدت تصعيداً تدريجياً في الدعم للجيش السوداني، مع بقاء الخطاب الرسمي متحفظاً. كانت مصر تحاول الموازنة بين دعم حليفها الطبيعي (الجيش) وعدم استفزاز اللاعبين الإقليميين الآخرين، خاصة الإمارات. التحركات كانت تتم في الظل: تدريب، تبادل استخباراتي، دعم مالي محدود.
المرحلة الرابعة، التي بدأت مع سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 واستمرت حتى البيان الرئاسي في ديسمبر، شهدت القفزة النوعية في اللهجة. لكن الأهم من التحول نفسه هو توقيته المتأخر. لماذا انتظرت مصر شهرين كاملين بعد سقوط الفاشر قبل أن تصدر تهديدها الحاد؟ هذا التأخير يكشف الكثير عن طبيعة القرار المصري.
فك شيفرة التوقيت: لماذا ديسمبر 2025؟
سقوط الفاشر في أواخر أكتوبر 2025 كان حدثاً استراتيجياً فاصلاً – فقد الجيش السوداني آخر معاقله في دارفور، وأصبح إقليم بأكمله تحت سيطرة قوات الدعم السريع. لو كان الموقف المصري ردة فعل عفوية على تهديد أمني مباشر، لكان البيان الحاد صدر فوراً، في نوفمبر على أبعد تقدير. لكن التأخير لشهرين يشير إلى أن القرار لم يكن تلقائياً، بل نتيجة حسابات معقدة.
الفرضية الأكثر منطقية هي أن مصر قضت الشهرين التاليين لسقوط الفاشر في محاولة يائسة للتنسيق مع واشنطن والرياض وحتى أبوظبي للوصول إلى حل دبلوماسي يوقف زحف قوات الدعم السريع. الاتصالات المكثفة التي أشارت إليها المصادر المصرية لوسائل الإعلام تؤكد هذا التفسير. لكن عندما فشلت كل هذه المحاولات، وباتت قوات الدعم السريع تهدد بالتقدم نحو كردفان وتقترب من المناطق الحدودية، اضطرت القاهرة للجوء إلى “الخيار النووي” الخطابي: التهديد العلني والصريح.
توقيت البيان مع زيارة البرهان ليس عفوياً أيضاً. مصر أرادت إرسال رسالة بصرية قوية: الرئيس السيسي يستقبل رأس الدولة السودانية “الشرعية” في قصر الاتحادية، في مشهد يكرس الاعتراف بالجيش كممثل للشرعية، ويرفض ضمنياً أي “شرعية” موازية لقوات الدعم السريع. هذا المشهد موجه بالدرجة الأولى إلى الرأي العام المصري والعربي، وإلى المجتمع الدولي، أكثر منه إلى حميدتي أو داعميه.
عامل آخر يفسر التوقيت: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وتصريحاته في نوفمبر عن نيته “إنهاء حرب السودان”. مصر راهنت على أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد تكون أكثر حسماً في التعامل مع الأزمة، وأن التصعيد الخطابي المصري في ديسمبر قد يساعد في دفع واشنطن للتحرك. البيان المصري يذكر صراحة دعم مصر لـ”رؤية الرئيس ترامب” – وهي إشارة لا تخطئها العين إلى أن القاهرة تحاول تأطير موقفها ضمن الاستراتيجية الأمريكية.
لكن هناك عامل آخر ربما أكثر أهمية: الضغوط الداخلية المصرية. بعد ألف يوم من الحرب السودانية، مع تدفق مليون ونصف المليون لاجئ إلى مصر، وتصاعد المخاوف الأمنية على الحدود، بدأ التذمر يتصاعد في الداخل المصري: لماذا تقف مصر مكتوفة الأيدي؟ البيان الرئاسي الحاد هو أيضاً رسالة طمأنة للداخل: القيادة ليست غافلة، والخطوط الحمراء واضحة، ومصر لن تسمح بالمساس بأمنها القومي.
الخطوط الحمراء: بين الوضوح والغموض
ما هي الخطوط الحمراء المعلنة؟
حدد البيان المصري ثلاثة خطوط حمراء رئيسية: (1) الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، (2) عدم السماح بانفصال أي جزء من الأراضي السودانية، (3) رفض إنشاء كيانات موازية أو الاعتراف بها. للوهلة الأولى، تبدو هذه خطوط واضحة ومحددة. لكن التدقيق فيها يكشف عن غموض استراتيجي متعمد.
ما معنى “تجاوز” هذه الخطوط؟ السؤال الحاسم هو: متى بالضبط تعتبر مصر أن الخط الأحمر قد تم تجاوزه؟ هل سقوط الفاشر وسيطرة قوات الدعم السريع على كامل دارفور يشكل تجاوزاً؟ ظاهرياً لا، لأن مصر لم تتدخل عسكرياً. هل سيطرة قوات الدعم السريع على مدن إضافية في كردفان تشكل تجاوزاً؟ حتى الآن، الإجابة أيضاً لا.
الحقيقة هي أن “الخطوط الحمراء” المصرية ليست خطوطاً محددة جغرافياً أو زمنياً، بل هي حالات افتراضية يصعب قياس حدوثها بدقة. “عدم تقسيم السودان” – متى يعتبر السودان مقسماً؟ هل السيطرة الفعلية لقوات الدعم السريع على دارفور تعني تقسيماً؟ أم أن التقسيم يحدث فقط عند الإعلان الرسمي عن دولة منفصلة؟ “رفض الكيانات الموازية” – ألا تعتبر قوات الدعم السريع، التي تسيطر على مناطق واسعة ولها هيكل قيادي مستقل، كياناً موازياً بالفعل؟
هذا الغموض ليس عيباً في الصياغة، بل هو ميزة استراتيجية من منظور صانع القرار المصري. فهو يسمح بمرونة كبيرة في التفسير: يمكن لمصر أن تقرر متى وكيف تم “تجاوز” الخط الأحمر بناءً على حساباتها الخاصة في كل لحظة، وليس بناءً على معايير موضوعية محددة مسبقاً. هذه المرونة ضرورية لدولة تعلم أن قدرتها الفعلية على التدخل محدودة، ولا تريد أن تجد نفسها مضطرة للتدخل في ظروف غير مواتية فقط لأن “خطاً محدداً” قد تم تجاوزه.
لكن هذه المرونة نفسها هي نقطة ضعف. فالخصوم الأذكياء سيستغلون هذا الغموض للتقدم التدريجي دون تجاوز “واضح” للخطوط الحمراء. هذا بالضبط ما تفعله قوات الدعم السريع حالياً: التقدم خطوة خطوة، مدينة تلو الأخرى، دون إعلان “دولة منفصلة” أو “كيان موازٍ” بشكل رسمي. هذا التكتيك يضع مصر في موقف محرج: إما أن تتدخل قبل التجاوز “الواضح”، مما يضعف مصداقية خطوطها الحمراء، أو تنتظر حتى يصبح التجاوز واضحاً لا يقبل الجدل، وفي هذه الحالة قد يكون الأوان قد فات.
القدرات الفعلية مقابل الخطاب
ماذا تملك مصر فعلياً؟
لتقييم جدية التهديد المصري، يجب فحص القدرات الفعلية المتاحة. ما كشفته تقارير نيويورك تايمز ورويترز عن نشر طائرات أكينجي التركية في قاعدة شرق العوينات يشير إلى أن مصر فعلاً بدأت في تطوير قدرة عسكرية للتدخل، لكن حجم ونطاق هذه القدرة محدود جداً.
وفقاً للتقارير، هناك طائرتان على الأقل من طراز أكينجي، ربما أربع على أقصى تقدير. حتى لو افترضنا وجود عشر طائرات (وهو تقدير متفائل جداً)، فهذا عدد متواضع للغاية لتحقيق تأثير استراتيجي حاسم في صراع بهذا الحجم. للمقارنة، في حرب ليبيا 2019-2020، استخدمت تركيا عشرات الطائرات المسيّرة من مختلف الأنواع، مع دعم جوي تركي مباشر وآلاف المقاتلين السوريين، ومع ذلك استغرق الأمر أشهراً لقلب موازين القوى.
الطائرات المسيّرة، مهما كانت متطورة، لها قيود واضحة. يمكنها تعطيل خطوط الإمداد، واستهداف تجمعات محددة، وإحداث أضرار تكتيكية، لكنها لا تستطيع حسم الحروب أو السيطرة على الأراضي. الحرب في أوكرانيا، التي استخدمت فيها أعداد هائلة من الطائرات المسيّرة من كلا الجانبين، أثبتت هذه الحقيقة. لتغيير موازين القوى بشكل حقيقي في السودان، ستحتاج مصر إلى قوات برية – وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
الجيش المصري، رغم حجمه الكبير على الورق (حوالي 450 ألف جندي نظامي)، يواجه تحديات هائلة في أي تدخل بري في السودان. أولاً، جزء كبير من القوات مشغول بالفعل في سيناء حيث لا تزال هناك عمليات ضد الجماعات المتطرفة.
ثانياً، القوات المتاحة للانتشار الخارجي محدودة ومعظمها تفتقر للخبرة القتالية الحديثة.
ثالثاً، اللوجستيات: نشر وإمداد آلاف الجنود في عمق الأراضي السودانية، عبر صحراء شاسعة مع بنية تحتية محدودة، هو كابوس لوجستي.
لكن التحدي الأكبر ليس عسكرياً بل اقتصادياً وسياسياً. مصر تعاني من أزمة اقتصادية حادة: ديون خارجية تتجاوز 165 مليار دولار، معدل تضخم يقارب 30٪، احتياطيات نقدية محدودة، واعتماد شبه كامل على الدعم المالي الخليجي لسد العجز. تكلفة حرب طويلة في السودان قد تصل إلى مليارات الدولارات – من أين ستأتي هذه الأموال؟
التكلفة السياسية الداخلية أيضاً عامل حاسم. الشعب المصري، الذي يعاني من صعوبات اقتصادية قاسية، قد لا يتحمل رؤية أبنائه يقتلون في حرب بعيدة لا يفهمون تفاصيلها. ذكريات الحملة العسكرية المصرية في اليمن في الستينيات، التي انتهت بكارثة، لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية. القيادة المصرية تدرك هذه المخاطر جيداً، ولهذا فهي حذرة للغاية من الانزلاق إلى تدخل عسكري واسع قد يخرج عن السيطرة.
المعضلة الإماراتية: بين المواجهة والمصالحة.
العلاقة الاقتصادية كقيد استراتيجي
ربما تكون المعضلة الأكبر التي تواجه مصر هي كيفية التعامل مع الإمارات، الداعم الأساسي والأكثر فعالية لقوات الدعم السريع. العلاقة بين القاهرة وأبوظبي معقدة ومتناقضة: من جهة، الإمارات هي أحد أكبر الداعمين الاقتصاديين لمصر في السنوات الأخيرة، بودائع تقدر بعشرات المليارات في البنك المركزي المصري، واستثمارات ضخمة في العقارات والبنية التحتية. من جهة أخرى، أبوظبي تدعم بقوة طرفاً في الصراع السوداني يعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري.
هذا التناقض يضع مصر في موقف بالغ الحساسية. التصعيد الحاد ضد الإمارات قد يدفع أبوظبي لسحب ودائعها أو تقليص استثماراتها، مما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية فورية في مصر. لكن عدم التصعيد يعني القبول الضمني بالدور الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع، وهو ما يتناقض مع المصلحة الاستراتيجية المصرية.
الحل الذي اختارته مصر حتى الآن هو التصعيد غير المباشر: التلويح بالتدخل العسكري دون ذكر الإمارات بالاسم، والتحدث عن “أطراف إقليمية” و”تدخلات خارجية” دون تحديد. هذا يسمح بإرسال رسالة ردع دون المخاطرة بقطيعة كاملة. لكن هذه الاستراتيجية لها حدود: فالإمارات تفهم تماماً أن الرسائل موجهة إليها، لكنها حتى الآن لم تغير سياستها، ربما لأنها تقرأ الموقف المصري بشكل صحيح: الكثير من الضجيج، لكن احتمال التنفيذ الفعلي منخفض.
ما يعقد الصورة أكثر هو أن الإمارات عضو في “الرباعية” الدولية التي تحاول الوساطة في الأزمة السودانية، إلى جانب مصر والسعودية والولايات المتحدة. هذا يضع مصر والإمارات في موقف متناقض: رسمياً، هما شريكتان في جهود السلام، لكن فعلياً، هما على طرفي نقيض في الصراع. هذه الازدواجية تفسر الكثير من الغموض في المواقف المعلنة.
استراتيجية مصر: الضغط عبر واشنطن والرياض إدراكاً لعدم قدرتها على مواجهة الإمارات مباشرة، تحاول مصر اللعب على خط آخر: الضغط على واشنطن والرياض لإجبار أبوظبي على تغيير سياستها. المنطق بسيط: الإمارات حليفة استراتيجية للولايات المتحدة والسعودية، ولديها مصالح حيوية مع كليهما. إذا قررت واشنطن أو الرياض ممارسة ضغط جدي على أبوظبي بشأن السودان، فقد تضطر الإمارات للتراجع أو على الأقل تقليص دعمها لقوات الدعم السريع.
هذا يفسر لماذا يذكر البيان المصري صراحة دعم القاهرة لـ”رؤية الرئيس ترامب” لحل الأزمة. إنها رسالة موجهة لواشنطن: مصر مستعدة للتعاون معكم، لكن عليكم أن تتحركوا بجدية لوقف الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع. نفس المنطق ينطبق على السعودية، التي تربطها بالإمارات علاقة وثيقة لكن ليست خالية من التوترات.
لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر أيضاً. لا واشنطن ولا الرياض أبدتا حتى الآن استعداداً لممارسة ضغط حقيقي على الإمارات. الولايات المتحدة تحتاج أبوظبي في ملفات أخرى أكثر أهمية (إيران، الصين، التطبيع مع إسرائيل). السعودية، رغم خلافاتها مع الإمارات في بعض الملفات، لا تريد فتح جبهة صراع داخل الخليج. هذا يعني أن مصر قد تجد نفسها تهدد وتصرخ، لكن دون أن يأتي الدعم الخارجي الذي تأمل فيه.
مناقشة الفرضية: هل التهديد جدي؟
الحجج المؤيدة للتدخل المحدود
رغم كل القيود المذكورة، هناك حجج قوية تدعم احتمال تدخل مصري محدود، على الأقل بالطائرات المسيّرة والدعم الجوي. أولاً، التهديد للأمن القومي المصري حقيقي وليس مبالغاً فيه. سيطرة ميليشيا مسلحة على مناطق واسعة على الحدود المصرية، مع احتمال تدفق السلاح والمقاتلين واللاجئين، يشكل خطراً أمنياً جدياً.
ثانياً، تكلفة عدم التدخل قد تكون أعلى من تكلفة التدخل المحدود. إذا سقط السودان بالكامل في أيدي قوات الدعم السريع، أو إذا انقسم فعلياً إلى كيانات متصارعة، فإن مصر ستدفع ثمناً باهظاً لعقود قادمة: عدم استقرار دائم على حدودها الجنوبية، فقدان حليف استراتيجي في مواجهة إثيوبيا، موجات لا نهائية من اللاجئين.
ثالثاً، التدخل بالطائرات المسيّرة من قواعد داخل مصر يحقق معادلة مقبولة: يرسل رسالة قوية دون التورط في حرب برية مكلفة. يمكن لمصر أن تقول إنها تمارس حقها في الدفاع عن أمنها القومي، دون أن “تغزو” السودان رسمياً. الطائرات المسيّرة تعطي “إنكار معقول” (plausible deniability) أكبر من القوات البرية.
الحجج المعارضة: لماذا التدخل الشامل غير محتمل
لكن الحجج ضد التدخل الشامل أقوى. أولاً، القدرات المحدودة: حتى لو نشرت مصر عشرات الطائرات المسيّرة، فهذا لن يكون كافياً لتغيير مسار الحرب بشكل حاسم. قوات الدعم السريع أثبتت قدرة ملحوظة على التكيف والصمود، ولديها دعم إماراتي يوفر لها أسلحة متطورة بما في ذلك أنظمة دفاع جوي.
ثانياً، التكلفة الاقتصادية: مصر ببساطة لا تملك المال لحرب طويلة. حتى العمليات الجوية بالطائرات المسيّرة مكلفة: كل صاروخ أو قنبلة يكلف آلاف الدولارات، والطائرات نفسها تحتاج لصيانة دورية وقطع غيار وطواقم مدربة. إذا تطورت العمليات لتشمل قوات برية، فالتكاليف ستتضاعف أضعافاً.
ثالثاً، المعضلة الإماراتية: مصر لا تستطيع المخاطرة بعلاقتها الاقتصادية مع الإمارات. إذا قررت أبوظبي سحب ودائعها أو تقليص استثماراتها رداً على تدخل مصري موسع، فإن الاقتصاد المصري قد ينهار. هذا قيد حقيقي وليس نظرياً.
رابعاً، غياب الدعم الدولي: لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي ولا حتى السعودية أبدوا دعماً واضحاً لتدخل مصري في السودان. بدون غطاء دبلوماسي ودعم مالي خارجي، فإن مصر ستكون معزولة في مغامرتها.
خامساً، ذكريات اليمن: التجربة المصرية الكارثية في اليمن في الستينيات، حيث تورط عشرات الآلاف من الجنود المصريين في حرب استنزاف طويلة انتهت بكارثة، لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية والمؤسسية للقيادة المصرية. لا أحد يريد تكرار تلك التجربة.
النتائج والاستنتاجات
السيناريو الأرجح: التصعيد المحدود
بناءً على التحليل المعمق للقدرات والقيود والمصالح، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار التصعيد الخطابي والعملياتي المحدود, دون تدخل بري شامل. ستواصل مصر استخدام الطائرات المسيّرة لضرب أهداف محددة تابعة لقوات الدعم السريع، خاصة خطوط الإمداد والتجمعات الكبيرة. هذه العمليات ستكون كافية لإرسال رسالة، لكنها لن تكون حاسمة في تغيير موازين القوى.
في الوقت نفسه، ستكثف مصر جهودها الدبلوماسية لإقناع واشنطن والرياض بممارسة ضغط على الإمارات. ستستمر في المشاركة في إطار “الرباعية” الدولية، مع محاولة توجيه مسار المفاوضات لصالح الجيش السوداني. ستقدم دعماً لوجستياً واستخبارياً متزايداً للقوات المسلحة السودانية، لكن بشكل غير معلن.
الخطوط الحمراء ستبقى معلنة ومكررة، لكن تفسيرها سيظل مرناً. مصر ستحاول تجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة التي تجبرها على التدخل الشامل. إذا سقطت مدن إضافية، ستندد مصر بقوة، لكنها على الأرجح لن تتدخل عسكرياً بشكل حاسم.
السيناريو الكارثي: التدخل المضطر
هناك سيناريو واحد قد يدفع مصر للتدخل البري المباشر: الانهيار الكامل للقوات المسلحة السودانية ووصول قوات الدعم السريع إلى الحدود المصرية مباشرة. في هذه الحالة، لن يكون أمام مصر خيار آخر سوى التدخل لإنشاء “منطقة عازلة” على الأقل داخل الأراضي السودانية.
لكن حتى في هذا السيناريو الكارثي، سيكون التدخل محدوداً جغرافياً (المناطق الحدودية فقط) وزمنياً (حتى تحقيق الحد الأدنى من الأمن). لن تحاول مصر “تحرير” السودان أو إعادة الجيش السوداني إلى السلطة في الخرطوم. الهدف سيكون دفاعياً بحت: حماية الحدود المصرية ومنع انتشار الفوضى.
حتى هذا التدخل الدفاعي المحدود سيكون مشروطاً بثلاثة عوامل: (1) دعم خليجي مالي واضح، (2) غطاء دبلوماسي أمريكي على الأقل بعدم المعارضة، (3) تفاهم مع الإمارات لتجنب المواجهة المباشرة. إذا لم تتحقق هذه الشروط، فحتى هذا السيناريو الكارثي قد لا يؤدي لتدخل مصري فعلي.
الدروس المستفادة
هذه الأزمة تكشف عن حدود القوة المصرية الإقليمية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. مصر، رغم تاريخها العريق ودورها المحوري في المنطقة، باتت تواجه قيوداً اقتصادية وسياسية تحد بشكل كبير من قدرتها على ممارسة النفوذ الإقليمي. الأزمة الاقتصادية الخانقة تعني أن مصر لم تعد قادرة على “شراء” النفوذ كما كانت تفعل في الماضي، ولا على خوض حروب مكلفة بالوكالة أو بشكل مباشر.
في الوقت نفسه، صعود قوى إقليمية أخرى ذات موارد مالية ضخمة (الإمارات، السعودية، قطر، تركيا) خلق منافسة شديدة على النفوذ في المنطقة. هذه الدول، تستطيع التأثير بشكل أكبر بفضل مواردها المالية وقدرتها على تقديم حوافز اقتصادية.
الأزمة السودانية تكشف أيضاً عن ضعف الأطر الإقليمية للأمن الجماعي. اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان، الموقعة عام 1976، ظلت حبراً على ورق لعقود. تفعيلها الآن، في أسوأ أزمة يشهدها السودان منذ عقود، يبدو متأخراً وغير كافٍ. هذا يطرح تساؤلات جدية عن جدوى هذه الاتفاقيات وقدرتها على الاستجابة للتحديات الحقيقية.
أخيراً، تظهر الأزمة هشاشة الدول العربية في مواجهة الصراعات الداخلية المسلحة. السودان، بكل موارده وحجمه الجغرافي، ينهار أمام صراع بين فصيلين مسلحين، دون أن تستطيع الدول المجاورة أو الإقليمية إيقافه. هذا مؤشر خطير على ضعف منظومة الأمن الإقليمي العربي ككل.
معضلة بلا حل سهل وكلف.
تقف مصر اليوم أمام معضلة استراتيجية لا تحسد عليها: فهي لا تستطيع القبول بانهيار السودان دون أن تفقد أمنها القومي ومصداقيتها الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه لا تملك القدرة أو الموارد للتدخل بشكل حاسم يغير مسار الأحداث.
التصعيد الخطابي الحالي هو محاولة للخروج من هذه المعضلة: رفع سقف التهديدات على أمل ردع الخصوم، مع تجنب الاختبار الفعلي لهذه التهديدات.
هذه الاستراتيجية قد تنجح في كسب الوقت، لكنها لن تحل المشكلة الجوهرية. في النهاية، إما أن تجد مصر طريقة للتأثير الفعال في مسار الأحداث (عبر الدبلوماسية أو الضغط الدولي أو التدخل المحدود الفعال)، أو ستضطر للقبول بواقع لا تريده: سودان منقسم أو محكوم من قبل قوات لا تثق بها.
الرهان المصري الحالي هو على تدخل أمريكي أو دولي يغير موازين القوى. لكن التاريخ يعلمنا أن انتظار الآخرين لحل مشاكلنا نادراً ما يؤدي إلى نتائج مرضية.
إذا أرادت مصر فعلاً التأثير في مسار الأزمة السودانية، فعليها أن تكون مستعدة لدفع ثمن حقيقي – مالياً وسياسياً وربما عسكرياً. حتى الآن، لا يبدو أن القاهرة مستعدة لذلك.
ما يحدث في السودان اليوم لا يمكن النظر اليه على أنه مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدول العربية على التعامل مع التحديات الأمنية للقرن الحادي والعشرين. وحتى الآن، النتائج ليست مبشرة.
المراجع
أولاً: بيانات رسمية ووثائق حكومية
• الرئاسة المصرية (18 ديسمبر 2025). بيان رسمي بشأن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني.
• وزارة الخارجية المصرية (2025). تصريحات حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية ومدير إدارة السودان، ديسمبر 2025.
• اتفاقية الدفاع المشترك بين جمهورية مصر العربية وجمهورية السودان، موقعة في القاهرة، 15 يوليو 1976.
• اتفاقية التعاون العسكري بين مصر والسودان، مارس 2021، المحدثة نوفمبر 2025.
ثانياً: تقارير صحفية استقصائية
• The New York Times (فبراير 2026). “Secret Airbase in Egypt Launches Turkish Drones into Sudan.”
• Reuters (ديسمبر 2025). تقارير متعددة حول الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع.
• عربي بوست (ديسمبر 2025). “نظرة أعمق: لماذا تغيرت لهجة مصر بشأن حرب السودان.”
• العربي الجديد (ديسمبر 2025). “مصر من الدعم السياسي إلى التلويح العسكري في السودان.”
• Financial Times (2025). تقارير حول الاقتصاد المصري والعلاقات الاقتصادية مع الإمارات.
ثالثاً: مراكز بحثية ودراسات أكاديمية
• Chatham House (2025). “Egypt’s Regional Policy: Constraints and Calculations.”
• Washington Institute for Near East Policy (2024). “Egypt’s Approach to the Sudan Crisis.”
• International Crisis Group (2025). “Sudan’s War: Regional Dimensions and International Response.”
• Carnegie Middle East Center (2025). “Egypt’s Economic Crisis and Foreign Policy Constraints.”
رابعاً: وكالات أنباء ومصادر متخصصة
• الأمم المتحدة (2025). تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية حول الأزمة السودانية.
• African Arguments (2025). تحليلات متعددة حول الصراع السوداني.
• Jane’s Defence Weekly (2025). تقارير حول القدرات العسكرية للطائرات المسيّرة التركية.














