تشهد المنطقة اليوم تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو، تحولاً لم يكن أحد ليتوقعه قبل عام واحد فقط. فبعد عقد كامل من التبعية شبه المطلقة لموسكو في ظل حكم بشار الأسد، تجد سوريا الجديدة نفسها اليوم في موقف مختلف تماماً، موقف يتيح لها إعادة التفاوض على شروط هذه العلاقة من موقع قوة نسبية لم تعهدها منذ بداية الأزمة السورية.
زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو في الخامس عشر من أكتوبر الماضي، تلتها زيارة وزير الدفاع مرهف أبو قصرة في نهاية الشهر نفسه، ثم الإعلان عن زيارة رئاسية جديدة في التاسع والعشرين من يناير القادم، كل هذه التحركات ليست مجرد بروتوكولات دبلوماسية روتينية، بل هي محطات استراتيجية في مسار إعادة تعريف العلاقة بين طرفين كان أحدهما السيد المطلق والآخر التابع المطيع، لتصبح اليوم علاقة مختلفة، أكثر تعقيداً، وربما أكثر توازناً إذا أحسنت دمشق إدارة أوراقها.
هذه الورقة تسعى لفهم هذا التحول من خلال قراءة معمقة في موازين القوى الجديدة، ومن خلال طرح فرضية مركزية تحتاج إلى فحص دقيق ومناقشة موضوعية، فرضية قد تبدو للوهلة الأولى مفاجئة أو حتى مبالغ فيها، لكن المعطيات الاستراتيجية على الأرض تدعمها بقوة.
الفرضية المركزية: انقلاب في معادلة الاحتياج
الفرضية التي تنطلق منها هذه الورقة هي أن التحولات الجيوسياسية الراهنة، وتحديداً الحصار الدولي الخانق على روسيا، والانهاك العسكري الناتج عن الحرب الأوكرانية، والضعف الاقتصادي الروسي غير المسبوق، كل هذه العوامل مجتمعة خلقت وضعاً استراتيجياً جديداً تحتاج فيه موسكو إلى دمشق أكثر بكثير مما تحتاج دمشق إلى موسكو. هذا الانقلاب في معادلة الاحتياج يمنح سوريا فرصة تاريخية نادرة لإعادة تعريف العلاقة من نموذج “التبعية الاستعمارية” الذي ساد طوال عشر سنوات، إلى نموذج “الشراكة المتوازنة المحدودة” التي تخدم المصلحة الوطنية السورية دون أن تُقيّد خياراتها الاستراتيجية المستقبلية.
لكن هذه الفرضية، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن على سوريا أن تقطع علاقتها مع روسيا أو أن تتجاهل المخاطر المحدقة بها في بيئة إقليمية معادية ومضطربة. الفرضية تعني فقط أن الظروف الحالية تتيح لدمشق مساحة تفاوضية أوسع بكثير مما كانت تمتلكه في الماضي، وأن عليها استغلال هذه المساحة بذكاء وحذر، دون أن تنزلق إلى فخ التبعية من جديد، ودون أن تخسر في الوقت نفسه ما قد تحتاجه فعلاً من أدوات الحماية والموازنة في مواجهة تحديات حقيقية، وعلى رأسها التوحش الإسرائيلي المتصاعد والصراع الإقليمي المحتدم على سوريا.
القسم الأول: لماذا تحتاج روسيا إلى سوريا؟ قراءة في الضرورات الاستراتيجية الروسية
لفهم الوضع الحالي، علينا أن نبدأ من السؤال الأساسي: لماذا روسيا في سوريا أصلاً؟ الإجابة السطحية التي تُكرّر في كثير من التحليلات هي أن روسيا تريد حماية حليفها، أو أنها تريد مكافحة الإرهاب، أو حتى أنها تريد اختبار أسلحتها الجديدة. كل هذه الإجابات صحيحة جزئياً، لكنها لا تلامس الحقيقة الاستراتيجية الأعمق.
الحقيقة هي أن سوريا بالنسبة لروسيا ليست خياراً استراتيجياً من ضمن خيارات متعددة، بل هي ضرورة وجودية لا بديل عنها.
قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس يمثلان آخر موطئ قدم استراتيجي لروسيا في منطقة البحر المتوسط، وهما البوابة الوحيدة التي تمنح موسكو وجوداً عملياتياً دائماً في هذا الفضاء الحيوي. روسيا دولة شاسعة تمتد على إحدى عشرة منطقة زمنية، لكن معظم موانئها الشمالية مغلقة بالجليد لأشهر طويلة من السنة، وهذا ما يجعل الوصول إلى المياه الدافئة أولوية استراتيجية قديمة تعود لأيام القياصرة.
لكن الأمر أعمق من مجرد حاجة لوجستية. فقدان سوريا يعني بالنسبة لموسكو الخروج النهائي من معادلة الشرق الأوسط بكل تعقيداتها وملفاتها الحيوية، من فلسطين إلى لبنان إلى العراق والخليج. يعني فقدان القدرة على التأثير في أي من هذه الملفات. وفي عالم تعدد الأقطاب الذي تحاول روسيا تشكيله، أن تخسر الشرق الأوسط يعني أن تخسر مكانتك كقوة عظمى قادرة على تشكيل النظام العالمي.
والأهم من هذا كله، فإن فقدان سوريا اليوم، في هذا التوقيت بالذات، سيكون ضربة قاضية لصورة روسيا كقوة عظمى. موسكو تخوض حرباً وجودية في أوكرانيا منذ قرابة ثلاث سنوات، وتواجه أكبر نظام عقوبات في التاريخ، وعزلة دولية غير مسبوقة. في هذا السياق، إذا عجزت عن الحفاظ على علاقتها مع سوريا، حتى بعد سقوط حليفها القديم، فهذا يعني ببساطة أنها عاجزة عن حماية مصالحها الاستراتيجية في أي مكان في العالم. وهذه رسالة كارثية لحلفائها المتبقين، من إيران إلى كوريا الشمالية إلى بيلاروسيا، رسالة مفادها: روسيا لم تعد القوة التي يمكن الاعتماد عليها.
ثم هناك البعد الأفريقي الذي لا يُلتفت إليه كثيراً. روسيا اليوم تستخدم سوريا كمحطة لوجستية رئيسية لعملياتها المتنامية في أفريقيا، من ليبيا إلى السودان إلى دول الساحل. فقدان سوريا يعني فقدان هذا الممر الحيوي، وبالتالي انهيار جزء كبير من الاستراتيجية الروسية في القارة الأفريقية.
كل هذه العوامل مجتمعة تجعل من سوريا ليس مجرد “حليف مهم” لروسيا، بل ضرورة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها. وهذه هي الورقة الأقوى في يد دمشق اليوم، لأن موسكو تعرف جيداً أنها لا تستطيع أن تغادر، وأن أي تهديد حقيقي بإنهاء هذه العلاقة سيضع الكرملين في موقف دفاعي حرج.
القسم الثاني: الأوراق السورية المسكوت عنها
إذا كانت سوريا تعرف أن روسيا لا تستطيع المغادرة، فما الذي يمنعها من استغلال هذه الورقة بقوة؟ الإجابة كانت دائماً أن سوريا تحتاج روسيا أكثر، أن الجيش السوري معتمد كلياً على التسليح الروسي، أن الوجود الروسي هو الذي يحمي دمشق من التدخلات الخارجية، وأن روسيا هي الحامي في مجلس الأمن بحق النقض. كل هذه الحجج كانت صحيحة في سياق نظام الأسد المحاصر والمنبوذ دولياً، لكنها لم تعد صحيحة بالقدر نفسه اليوم، والسبب بسيط: الحكومة الجديدة تملك ما لم يملكه الأسد، تملك شرعية دولية متنامية، وتملك علاقات متنوعة، وتملك بدائل حقيقية.
الولايات المتحدة رفعت معظم عقوباتها على سوريا، أوروبا بدأت تعيد النظر في موقفها، دول الخليج فتحت أبواب الدعم الاقتصادي، تركيا أصبحت الحليف الأقوى اليوم، وحتى إسرائيل، رغم عدوانيتها، لا تمانع الوجود الروسي المحدود لأنه يحد من النفوذ الإيراني. هذا التحول في الخريطة الدبلوماسية يعني أن دمشق لم تعد في موقف العزلة الكاملة الذي كان يجبرها على القبول بأي شروط روسية.
لكن الورقة الأقوى في يد الحكومة السورية الجديدة، والتي لم تُستخدم بعد بكامل قوتها، هي الورقة القانونية. روسيا ارتكبت جرائم حرب موثقة بالصوت والصورة على مدى عشر سنوات. المستشفيات التي قُصفت، المدارس التي دُمرت، الأسواق التي استُهدفت، القرى التي مُحيت من الوجود، كلها موثقة ومحفوظة في أرشيفات دولية وحقوقية. الحكومة الجديدة تستطيع، إن أرادت، أن تحول هذه الجرائم إلى ملفات قانونية في المحكمة الجنائية الدولية، وأن تطالب بتعويضات تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.
الكرملين يعرف هذا جيداً، ويعرف أن فلاديمير بوتين نفسه مطلوب للعدالة الدولية بتهم جرائم حرب في أوكرانيا، ويعرف أن فتح جبهة قانونية جديدة في سوريا، في هذا التوقيت بالذات، سيكون كارثة دبلوماسية وسياسية لا يمكن تحملها. هذا السيف المسلط على رقبة موسكو لم يُستخدم بعد، لكن مجرد التلويح به في غرف التفاوض المغلقة كافٍ لوضع الجانب الروسي في موقف دفاعي.
ثم هناك ورقة التوقيت. روسيا اليوم في أضعف حالاتها منذ نهاية الحرب الباردة. الحرب في أوكرانيا استنزفت الترسانة العسكرية والاقتصاد الروسي، العقوبات الغربية خنقت القدرة على المناورة المالية، العزلة الدولية حدّت من مساحة الحركة الدبلوماسية. الدعم الروسي لسوريا انخفض بنسبة سبعين بالمئة عما كان عليه في ذروة الحرب، عدد المستشارين الروس تقلص من مئات إلى عشرات. هذا الضعف الروسي الواضح يجعل من اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لسوريا للتفاوض من موقع قوة نسبية.
القسم الثالث: الزيارات الأخيرة وما تكشفه من تحولات
زيارة أحمد الشرع الأولى لموسكو في أكتوبر الماضي لم تكن زيارة عادية. كانت محملة برمزية عميقة وبرسائل متعددة الاتجاهات. الشرع لم يذهب إلى موسكو كتابع يطلب المساعدة، بل كرئيس دولة يريد إعادة ترتيب البيت من الداخل. الملفات التي طُرحت على الطاولة كانت جوهرية: مستقبل القواعد العسكرية الروسية، الديون المتراكمة، الأموال المنهوبة المجمدة في البنوك الروسية، إعادة تسليح الجيش السوري، وطبعاً ملف بشار الأسد الذي يعيش لاجئاً في موسكو.
تعهد الشرع في تلك الزيارة “باحترام جميع الاتفاقيات السابقة”، وهو تصريح أثار الكثير من الجدل والانتقادات داخل سوريا وخارجها. الاتفاقيات السابقة، كما يعرف الجميع، كانت مجحفة بشكل صارخ، منحت روسيا امتيازات استعمارية في النفط والغاز والموانئ والقواعد العسكرية، وكانت بمدد مفتوحة وصلاحيات شبه مطلقة. فلماذا يتعهد الشرع باحترامها؟
القراءة السطحية لهذا التصريح قد توحي بأن سوريا الجديدة لم تختلف كثيراً عن سوريا القديمة، بأنها لا تزال تحت الهيمنة الروسية. لكن القراءة الأعمق تكشف شيئاً مختلفاً. التعهد “باحترام الاتفاقيات” لا يعني بالضرورة الالتزام بها كما هي، بل قد يعني فقط عدم إلغائها من طرف واحد، مع ترك الباب مفتوحاً لإعادة التفاوض عليها في مرحلة لاحقة. هذا النوع من الخطاب الدبلوماسي المرن هو ما تحتاجه دمشق في هذه المرحلة، لأن القطيعة الفورية مع روسيا ليست في مصلحتها، بينما الارتهان الكامل لموسكو ليس مقبولاً أيضاً.
ثم جاءت زيارة وزير الدفاع مرهف أبو قصرة في نهاية أكتوبر، وهي زيارة أكثر تقنية وتفصيلاً، ركزت على الملفات العسكرية: التعاون العسكري، تبادل الخبرات، التسليح والذخيرة، تحديد مستقبل القواعد الروسية ومهامها. التصريحات الروسية بعد الزيارة كانت إيجابية للغاية، تحدثت عن “إمكانات هائلة للتعاون”، لكنها لم تذكر أي التزامات محددة بتقديم أسلحة نوعية أو تمويل. هذا يعني أن المفاوضات لا تزال مستمرة، وأن الطرفين لم يصلا بعد إلى صيغة نهائية.
الزيارة الثالثة المقررة في نهاية يناير الحالي ستكون حاسمة. ثلاثة أشهر فصلت بين الزيارة الأولى والثالثة، وهي فترة كافية لأن تنضج المفاوضات أو أن تصل إلى طريق مسدود. إذا خرجت هذه الزيارة بنتائج ملموسة، صفقات تسليح حقيقية، استثمارات اقتصادية واضحة، إعادة تعريف دقيق لدور القواعد الروسية، فهذا يعني أن الطرفين توصلا إلى صيغة توافقية جديدة. أما إذا خرجت بتصريحات عامة وفضفاضة، فهذا يعني أن المفاوضات تراوح مكانها، وأن الملفات العالقة أكبر من القدرة على حلها في هذه المرحلة.
القسم الرابع: ردود الفعل الدولية وما تعنيه
ما يلفت الانتباه في التقارب السوري الروسي الجديد هو أن ردود الفعل الدولية لم تكن عدائية بالشكل المتوقع. الولايات المتحدة، رغم عدائها التاريخي لروسيا وعقوباتها الخانقة عليها، لم تصدر موقفاً معارضاً بشكل صريح. بل على العكس، واشنطن تبدو مرتاحة نسبياً لاستمرار وجود روسي محدود في سوريا، لأنه يعني من وجهة نظرها توازناً مع النفوذ الإيراني والنفوذ التركي في آن معاً.
تركيا أيضاً، وهي الحليف الأقوى للحكومة السورية الجديدة، لم تعترض على هذا التقارب. أنقرة تعرف أن الوجود الروسي المحدود في الساحل السوري لن يؤثر على مصالحها في شمال سوريا، بل قد يكون مفيداً في موازنة النفوذ الكردي الذي تعتبره تركيا تهديداً وجودياً. والأهم من هذا، أن تركيا وروسيا تربطهما علاقات اقتصادية واستراتيجية معقدة، وأنقرة ليست مستعدة للدخول في صراع مع موسكو بسبب سوريا.
حتى إسرائيل، التي يُفترض أن تكون معادية لأي وجود روسي في سوريا، لم تبدِ معارضة جدية. بل إن تقارير عديدة تشير إلى أن تل أبيب أرسلت رسائل إلى واشنطن بعدم الضغط على روسيا لإخلاء قواعدها، لأن الوجود الروسي، من وجهة النظر الإسرائيلية، يحد من النفوذ الإيراني ويشكل عامل استقرار نسبي. إسرائيل تفضل روسيا الضعيفة في سوريا على إيران القوية، وتفضلها أيضاً على تركيا المهيمنة.
دول الخليج، وتحديداً السعودية والإمارات، تدعم الحكومة السورية الجديدة بقوة، ولا تمانع التقارب الروسي السوري طالما بقي محدوداً ولم يتحول إلى تبعية كاملة. المصلحة الخليجية الأساسية هي إبعاد سوريا عن النفوذ الإيراني، وطالما أن هذا الهدف متحقق، فإن وجود روسيا من عدمه ليس قضية محورية بالنسبة للخليج.
الموقف الأوروبي أكثر تعقيداً وانقساماً، لكنه أيضاً لا يصل إلى درجة المعارضة الصريحة. فرنسا وألمانيا قلقتان من عودة النفوذ الروسي، لكنهما في الوقت نفسه تدركان أن الضغط الزائد على دمشق قد يدفعها للارتماء في الحضن الروسي بالكامل، وهذا ما لا تريده أوروبا. لذلك، فإن السياسة الأوروبية حالياً هي سياسة انتظار وترقب، مع تقديم حوافز اقتصادية محدودة لإبقاء باب الحوار مفتوحاً مع دمشق.
الصوت الوحيد المعارض بشدة هو الصوت الأوكراني، وهذا أمر مفهوم ومتوقع. كييف تعتبر أي دعم لروسيا، حتى لو كان غير مباشر، دعماً لحربها ضد أوكرانيا. لكن المشكلة أن أوكرانيا لا تملك نفوذاً حقيقياً في سوريا يمكنها استخدامه للضغط، وبالتالي فإن اعتراضها يبقى رمزياً أكثر منه عملياً.
هذا التفاعل الدولي الهادئ نسبياً مع التقارب السوري الروسي يكشف حقيقة مهمة: العالم لم يعد ينظر إلى سوريا كساحة معركة صفرية بين روسيا والغرب، بل أصبح ينظر إليها كدولة ذات سيادة تحاول إعادة بناء نفسها وترتيب علاقاتها بما يخدم مصالحها. وهذا التحول في النظرة الدولية هو مكسب استراتيجي للحكومة السورية الجديدة، يمنحها مساحة أوسع للمناورة.
القسم الخامس: السؤال المركزي – هل الشراكة مع روسيا في مصلحة سوريا؟
هنا نصل إلى قلب الإشكالية. هل يجب على سوريا، رغم كل ما فعلته روسيا في البلد من دمار وقتل وتشريد، أن تحافظ على علاقة معها؟ وهل هذه العلاقة فعلاً في مصلحة سوريا، خاصة في ظل التوحش الإسرائيلي المتصاعد والصراع الإقليمي المحتدم على المنطقة؟
الإجابة ليست بسيطة ولا أحادية. إذا نظرنا إلى سوريا اليوم، نجدها محاطة بتهديدات حقيقية. إسرائيل تقصف الأراضي السورية يومياً تقريباً، نفذت أكثر من ثلاثمائة وخمسين غارة جوية منذ سقوط نظام الأسد، تستهدف مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وبنية تحتية. هذا التوحش الإسرائيلي ليس عابراً، بل هو سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء سوريا ضعيفة وغير قادرة على تهديد الأمن الإسرائيلي.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تملك سوريا لردع هذا العدوان؟ الجيش السوري، رغم الحديث عن إعادة بنائه، لا يزال ضعيفاً ويفتقر إلى السلاح النوعي، وتحديداً منظومات الدفاع الجوي الحديثة والطائرات المقاتلة المتطورة. الجيش السوري بوضعه الحالي لا يستطيع حماية الأجواء السورية من الطائرات الإسرائيلية، ولا يستطيع الرد على الضربات الجوية بشكل فعال.
من هنا، قد يبدو الوجود الروسي، أو على الأقل التعاون العسكري مع روسيا، ضرورة وليس ترفاً. روسيا تملك منظومات دفاع جوي متقدمة، وتملك طائرات قادرة على منافسة الطيران الإسرائيلي، وتملك خبرة تقنية في مجال التسليح. إذا كانت موسكو مستعدة لتقديم هذا السلاح النوعي لسوريا، دون شروط سياسية تُقيّد السيادة السورية، فإن هذا قد يكون مبرراً كافياً للإبقاء على علاقة عسكرية محدودة معها.
لكن المشكلة هي أن روسيا لم تكن أبداً سخية في تقديم سلاح نوعي حقيقي لسوريا، حتى في ذروة تحالفها مع نظام الأسد. منظومات الدفاع الجوي التي قدمتها كانت قديمة ومحدودة الفعالية، والطائرات المقاتلة لم تُقدّم بالعدد أو النوعية الكافية. روسيا كانت دائماً حريصة على إبقاء سوريا معتمدة عليها، لا قوية ومستقلة. والسؤال هو: هل تغيرت هذه السياسة الروسية؟ هل موسكو اليوم، في ضعفها واحتياجها لسوريا، مستعدة لتقديم سلاح نوعي حقيقي دون ابتزاز سياسي؟
ثم هناك السؤال الأخلاقي والسياسي الأعمق: كيف يمكن لحكومة سورية تدعي أنها جاءت بثورة شعبية ضد الاستبداد والفساد، أن تتحالف مع الدولة التي كانت شريكة أساسية في قتل وتشريد ملايين السوريين؟ كيف يمكن للحكومة الجديدة أن تتجاهل المستشفيات المدمرة والمدارس المقصوفة والأطفال القتلى تحت القصف الروسي، وأن تمد يدها لموسكو وكأن شيئاً لم يحدث؟
هذا السؤال لا يمكن تجاوزه بسهولة. الشعب السوري لن ينسى ما فعلته روسيا، وأي حكومة تتجاهل هذه الذاكرة الجماعية ستفقد شرعيتها الشعبية مع الوقت. لذلك، فإن أي علاقة مع روسيا يجب أن تكون مشروطة ومبررة بشكل واضح للشعب السوري. يجب أن تُقدّم موسكو شيئاً حقيقياً مقابل هذه العلاقة، وليس مجرد وعود فارغة.
الإجابة إذاً على السؤال المركزي هي: نعم، الشراكة مع روسيا قد تكون في مصلحة سوريا، لكن فقط إذا كانت شراكة محدودة، براغماتية، مشروطة بتقديم مكاسب ملموسة، وضمن استراتيجية توازن أوسع تشمل تركيا والخليج والغرب. أما إذا تحولت هذه الشراكة إلى تبعية جديدة، أو إذا لم تقدم روسيا شيئاً حقيقياً مقابلها، فإنها ستكون خطأً استراتيجياً فادحاً.
القسم السادس: موازين المكاسب – من يحتاج الآخر أكثر؟
لفهم من يحتاج الآخر أكثر، علينا أن نحسب بدقة ما يخسره كل طرف إذا انهارت هذه العلاقة. بالنسبة لروسيا، الخسارة ستكون كارثية على كل المستويات. ستفقد آخر موطئ قدم لها في المتوسط، ستخرج نهائياً من معادلة الشرق الأوسط، ستفقد مصداقيتها كقوة عظمى قادرة على حماية مصالحها، ستخسر منصة عملياتها في أفريقيا، وستُحرج أمام حلفائها المتبقين. هذه ليست خسارة تكتيكية، بل خسارة استراتيجية وجودية.
أما بالنسبة لسوريا، فالخسارة ستكون أقل فداحة بكثير. ستخسر مصدراً محتملاً للسلاح والخبرة التقنية، لكنها يمكن أن تعوض ذلك من مصادر أخرى مع الوقت. تركيا يمكن أن توفر سلاحاً، الصين أيضاً، وحتى بعض الدول الأوروبية قد تكون مستعدة لذلك إذا تحسنت العلاقات. سوريا ستخسر أيضاً ورقة الموازنة الروسية في وجه تركيا، لكن العلاقة التركية السورية تتحسن بشكل ملحوظ، وقد لا تعود هناك حاجة لهذه الموازنة في المستقبل القريب.
الخلاصة واضحة: روسيا تحتاج سوريا أكثر بكثير مما تحتاجها سوريا. وهذا لا يعني أن سوريا لا تحتاج روسيا إطلاقاً، بل يعني فقط أن احتياج روسيا لسوريا هو احتياج وجودي استراتيجي، بينما احتياج سوريا لروسيا هو احتياج تكتيكي يمكن تعويضه من مصادر أخرى.
هذا الفارق الكبير في درجة الاحتياج هو ما يمنح دمشق اليد العليا في المفاوضات، إذا أحسنت استخدامها. المشكلة هي أن كثيراً من المفاوضين السوريين قد لا يدركون هذه الحقيقة، أو قد يخشون استخدامها خوفاً من غضب موسكو. لكن الواقع الاستراتيجي على الأرض يقول إن موسكو اليوم في موقف ضعف، وإن دمشق إذا تصرفت بذكاء وثقة، يمكنها أن تنتزع شروطاً أفضل بكثير مما كان يحلم به نظام الأسد.
القسم السابع: ماذا يجب أن تقدم روسيا؟
إذا كانت روسيا جادة في بناء علاقة جديدة مع سوريا، علاقة قائمة على الاحترام المتبادل وليس على التبعية الاستعمارية، فعليها أن تقدم إشارات واضحة لحسن النية. الكلام عن الصداقة والتعاون لم يعد كافياً، الشعب السوري والحكومة الجديدة يريدون أفعالاً ملموسة.
أول ما يجب على روسيا تقديمه هو اعتذار رسمي. نعم، اعتذار علني واضح عن الجرائم التي ارتكبتها في سوريا. هذا ليس طلباً غريباً أو مبالغاً فيه، ألمانيا اعتذرت عن جرائمها في الحرب العالمية الثانية، اليابان اعتذرت لكوريا والصين، الولايات المتحدة اعتذرت عن جرائم حرب في فيتنام. الاعتذار ليس ضعفاً، بل هو خطوة ضرورية لبناء ثقة حقيقية. والأهم من الاعتذار، تقديم تعويضات مالية حقيقية عن الدمار الذي تسببت فيه روسيا. هذه التعويضات لا يجب أن تكون قروضاً جديدة تُثقل كاهل سوريا، بل أموالاً نقدية تُدفع دون مقابل، كتعويض عما دُمر.
ثانياً، إعادة الأموال المنهوبة فوراً. أموال الأسد وعائلته المجمدة في البنوك الروسية، والتي تُقدر بمليارات الدولارات، يجب أن تُعاد للشعب السوري دون تأخير. هذه ليست هبة من روسيا، بل هي أموال سورية مسروقة، وإعادتها واجب أخلاقي وقانوني.
ثالثاً، وهذا الأهم، تقديم تسليح نوعي حقيقي دون مقابل سياسي. سوريا تحتاج منظومات دفاع جوي متطورة، طائرات مقاتلة حديثة، دبابات ومدرعات متقدمة، وذخيرة بكميات كافية. هذا السلاح يجب أن يُقدّم بدون شروط سياسية، بدون ابتزاز، بدون محاولات للسيطرة على القرار السوري. يجب أن يُقدّم كتعويض جزئي عن الدمار الذي تسببت فيه روسيا، وكدليل على أن موسكو فعلاً تريد بناء علاقة جديدة قائمة على الاحترام.
رابعاً، إلغاء ديون النظام السابق. الديون التي تراكمت خلال حكم الأسد، والتي استُخدمت لقتل السوريين وتدمير بلدهم، هي ديون بغيضة قانوناً ولا يجب أن تُحمّل للحكومة الجديدة والشعب السوري. روسيا سبق أن شطبت ديون سوريا في عام ألفين وخمسة، ويمكنها أن تفعل ذلك مجدداً.
خامساً، إعادة التفاوض على اتفاقية القواعد العسكرية. الاتفاقيات الحالية مجحفة ومفتوحة المدة ومانحة لصلاحيات مطلقة. يجب أن يكون هناك عقد إيجار واضح محدد المدة، بمقابل مالي عادل يُدفع سنوياً، وتحت سيادة سورية كاملة. يجب أن يكون لدمشق الحق في الإشراف على العمليات الروسية وفي إنهاء الاتفاق إذا لم يعد يخدم المصلحة الوطنية.
أخيراً، نقل تكنولوجيا حقيقي. روسيا يجب أن تساعد سوريا في بناء صناعات عسكرية محلية، في تطوير قطاع الطاقة والزراعة والصناعة، في تدريب كوادر سورية قادرة على الاستغناء عن الاعتماد الخارجي مع الوقت. هذا هو الفرق بين العلاقة الاستعمارية التي تُبقي الطرف الأضعف تابعاً، وبين الشراكة الحقيقية التي تبني القدرات المحلية.
الخلاصة والتوصيات
نحن اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة، لحظة تسمح لسوريا بإعادة تعريف علاقتها مع روسيا بشروط أكثر عدالة وتوازناً. روسيا في أضعف حالاتها منذ عقود، محاصرة دولياً، منهكة عسكرياً، ضعيفة اقتصادياً، ومحتاجة بشدة للحفاظ على وجودها في سوريا. سوريا من جهة أخرى، رغم ضعفها وحاجتها لإعادة الإعمار، تملك اليوم شرعية دولية متنامية، وعلاقات متنوعة، وبدائل حقيقية.
هذا الوضع الاستراتيجي الجديد يمنح دمشق يداً عليا في المفاوضات، لكن فقط إذا أحسنت استخدامها. الخطر الأكبر هو أن تنزلق الحكومة الجديدة إلى نموذج التبعية القديم خوفاً أو استعجالاً أو لعدم إدراك موازين القوى الحقيقية. الخطر الآخر هو أن تقطع دمشق علاقتها مع موسكو بشكل كامل ومتسرع، مما قد يحرمها من أدوات موازنة قد تحتاجها في مواجهة التحديات الإقليمية.
الطريق الأمثل هو طريق الوسط: شراكة محدودة، براغماتية، مشروطة بتقديم مكاسب ملموسة، وقابلة للإنهاء في أي لحظة لا تخدم فيها المصلحة السورية. هذه الشراكة يجب أن تكون ضمن استراتيجية توازن أوسع، لا تضع كل البيض في سلة واحدة. تركيا هي الحليف الأقوى اليوم، الخليج هو الممول الرئيسي المحتمل، الغرب هو الشريك الاقتصادي المستقبلي، وروسيا يمكن أن تكون ورقة موازنة عسكرية محدودة ضمن هذه المعادلة الأكبر.
التوصية الأهم هي: لا تستعجلوا. المفاوضات يجب أن تكون طويلة وصعبة. روسيا يجب أن تدفع ثمن جرائمها قبل أن تحصل على شرعية البقاء. والشراكة، إن حدثت، يجب أن تبدأ بإشارات واضحة لحسن النية من الجانب الروسي: اعتذار، تعويضات، تسليح نوعي، إلغاء ديون، إعادة أموال، إعادة تفاوض على القواعد، نقل تكنولوجيا. أما الكلام الفارغ والوعود المعسولة، فلم تعد مقبولة.
سوريا لا تحتاج روسيا لتعيش وتزدهر، لكن روسيا تحتاج سوريا بشكل يائس. وهذا، ببساطة، هو الفرق الجوهري الذي يجب أن يحكم كل خطوة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ العلاقات بين البلدين.














