التداعيات الاستراتيجية على العلاقات عبر الأطلسية
وتأثيراتها على منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية
دراسة شاملة تتناول الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية
الملخص التنفيذي
تمثل قضية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع واحدة من أكثر المسائل تعقيداً وحساسية في العلاقات الدولية المعاصرة. فهي ليست مجرد مسألة عسكرية تقنية، بل تشكل محوراً استراتيجياً يتقاطع فيه البُعد السياسي بالعسكري، والاقتصادي بالتكنولوجي، والتاريخي بالمستقبلي. إن فهم هذه القضية يتطلب تحليلاً عميقاً لطبيعة التحالفات الدولية في القرن الحادي والعشرين، وللتوترات الكامنة بين مفهوم السيادة الوطنية والتكامل الإقليمي، وبين الحاجة إلى الحماية الأمنية والرغبة في الاستقلالية الاستراتيجية.
منذ نهاية الحرب الباردة، شهدت البيئة الأمنية الأوروبية تحولات جذرية عميقة. فقد انهار الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل التهديد الوجودي الأساسي لأوروبا الغربية، وظهرت تحديات أمنية جديدة ومعقدة ومتشابكة تتراوح بين الإرهاب الدولي العابر للحدود والهجرة غير الشرعية المكثفة، ومن الحروب السيبرانية المتطورة إلى تداعيات تغير المناخ الاستراتيجية، ومن النزاعات الإقليمية المتجمدة التي تهدد بالانفجار إلى صعود قوى عالمية جديدة تتحدى النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق المتحول والمتقلب، بدأت النخب السياسية والأمنية والدبلوماسية الأوروبية تتساءل بجدية متزايدة: هل لا تزال الترتيبات الأمنية التي نشأت في سياق الحرب الباردة ملائمة ومناسبة للتحديات الأمنية المعقدة في القرن الحادي والعشرين؟ وهل يمكن لأوروبا، كقوة اقتصادية وسياسية كبرى، أن تعتمد إلى الأبد على المظلة الأمنية الأمريكية في ظل التحولات الجذرية في الأولويات الاستراتيجية الأمريكية والتحول التدريجي للاهتمام الأمريكي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ؟
إن مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي نفسه يحمل في طياته تناقضات عميقة ومتأصلة. فمن جهة، يعكس طموحاً مشروعاً ومفهوماً لقارة غنية ومتقدمة وديمقراطية بأن تكون قادرة على حماية مصالحها الحيوية ومواطنيها دون اعتماد كامل ومطلق على طرف خارجي، مهما كانت قوة وأهمية هذا الحليف. ومن جهة أخرى، يواجه هذا الطموح المشروع واقعاً معقداً ومتشعباً من الاختلافات التاريخية العميقة والثقافية المتجذرة والسياسية الحادة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ومن التباين الشاسع والجوهري في تصوراتها للتهديدات الأمنية الحقيقية وفي استعدادها الفعلي لتحمل تكاليف الاستثمار الكبير في الدفاع المشترك.
تهدف هذه الدراسة الشاملة إلى تقديم تحليل معمق ومتعدد الأبعاد لقضية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، من خلال استكشاف دقيق لأبعادها المختلفة وتداعياتها الاستراتيجية على العلاقات عبر الأطلسية. سنبدأ بتتبع مفصل للتطور التاريخي لهذا المفهوم وجذوره العميقة في التاريخ الأوروبي الحديث، ثم ننتقل إلى تحليل نقدي للتحديات البنيوية والهيكلية التي تعيق تحقيقه الفعلي، قبل أن نستكشف بعمق السيناريوهات المحتملة للمستقبل وتداعياتها الاستراتيجية الواسعة على جميع الأطراف المعنية والمتأثرة.
الفصل الأول: الجذور التاريخية والسياق المفاهيمي
1.1 نشأة الفكرة: من الجماعة الأوروبية للدفاع إلى السياسة الأمنية المشتركة
ليست فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع وليدة اللحظة الراهنة أو نتاج التطورات الأخيرة فحسب، بل تمتد جذورها التاريخية العميقة إلى السنوات الأولى التي أعقبت مباشرة الحرب العالمية الثانية المدمرة. ففي عام 1950، وبينما كانت القارة الأوروبية لا تزال تلملم جراحها الغائرة من الدمار الشامل الذي خلفته الحرب، طرح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفن فكرة ثورية وطموحة تمثلت في إنشاء \”الجماعة الأوروبية للدفاع) كمشروع استراتيجي جريء يهدف إلى توحيد القوات المسلحة الأوروبية تحت قيادة موحدة ومتكاملة.
كان المشروع يهدف في جوهره إلى حل معضلة استراتيجية معقدة تتمثل في إعادة تسليح ألمانيا الغربية – وهو أمر كانت تطالب به الولايات المتحدة بإلحاح متزايد في سياق تصاعد التوترات مع الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة الناشئة – دون إثارة المخاوف الأوروبية العميقة والمبررة من عودة ظهور العسكرية الألمانية العدوانية التي تسببت في حربين عالميتين مدمرتين في أقل من ثلاثين عاماً. كانت الفكرة الأساسية هي دمج القوات الألمانية المستقبلية في إطار أوروبي موحد بحيث يستحيل استخدامها بشكل مستقل لأغراض عدوانية.
لكن المشروع الطموح فشل فشلاً ذريعاً ومذلاً عندما رفضته الجمعية الوطنية الفرنسية نفسها في أغسطس عام 1954، وذلك بسبب مخاوف عميقة من فقدان السيادة الوطنية وتحفظات حول الاندماج العسكري العميق مع ألمانيا. هذا الفشل المبكر أظهر بوضوح العقبات السياسية والنفسية والثقافية العميقة التي تقف عائقاً كبيراً أمام أي محاولة جدية للتكامل الدفاعي الأوروبي الحقيقي، وهي عقبات لا تزال قائمة بدرجات متفاوتة حتى اليوم.
طوال فترة الحرب الباردة الممتدة من نهاية الأربعينيات إلى نهاية الثمانينيات، ظلت القضية الدفاعية الأوروبية محصورة بشكل شبه كامل في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تأسس عام 1949. كان الحلف يمثل الضمانة الأساسية والأكثر موثوقية للأمن الأوروبي في مواجهة التهديد السوفييتي الوجودي، وكانت المظلة النووية الأمريكية الهائلة تشكل العمود الفقري الحاسم لاستراتيجية الردع النووي الغربية القائمة على مبدأ “الدمار المتبادل المؤكد”.
في هذا السياق الاستراتيجي الواضح والثابت نسبياً، بدت أي محاولة لإنشاء بنية دفاعية أوروبية مستقلة عن الناتو إما غير ضرورية تماماً في ظل وجود تحالف قوي وفعال، أو حتى مضرة ومهددة لوحدة وتماسك التحالف الغربي في مواجهة الخطر السوفييتي الداهم. لكن هذا الإجماع الظاهري لا يعني غياب التوترات والخلافات العميقة بين الحليفين الأوروبي والأمريكي حول قضايا استراتيجية مهمة.
فقد شهدت فترة الستينيات على وجه الخصوص صدامات حادة ومعلنة، خاصة في عهد الرئيس الفرنسي الاستقلالي شارل ديغول الذي انتقد بشدة وبشكل علني ما اعتبره هيمنة أمريكية غير مبررة على الحلف وإملاءات واشنطن الاستراتيجية على الحلفاء الأوروبيين، وطالب بإصرار بدور أوروبي أكثر استقلالية وتأثيراً في تحديد السياسات الدفاعية الغربية. هذا الموقف الديغولي الجريء دفعه في النهاية إلى اتخاذ خطوة دراماتيكية بسحب فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة للناتو عام 1966 (وإن بقيت عضواً في الحلف سياسياً)، وهي خطوة كان لها تداعيات عميقة على العلاقات الأطلسية ولا تزال ذاكرتها حاضرة في النقاشات الحالية حول الاستقلال الأوروبي.
1.2 ما بعد الحرب الباردة: إعادة التفكير في الأمن الأوروبي
شكل انهيار الاتحاد السوفييتي المفاجئ والدراماتيكي في عام 1991 نقطة تحول جذرية ومحورية في التفكير الاستراتيجي الأوروبي حول قضايا الدفاع والأمن القومي والإقليمي. فجأة، وبشكل غير متوقع، لم يعد هناك تهديد وجودي واضح ومحدد ومباشر يبرر بشكل قاطع الاعتماد الكامل والمطلق على الحماية العسكرية الأمريكية. اختفاء “العدو المشترك” الذي كان يوحد الغرب لعقود طرح تساؤلات جوهرية حول الحاجة المستقبلية للناتو ودور أمريكا في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، أظهرت حروب البلقان المأساوية والدموية في التسعينيات، وخاصة الحرب الوحشية في البوسنة والهرسك (1992-1995) والأزمة الإنسانية الكارثية في كوسوفو (1998-1999)، عجزاً أوروبياً مذلاً ومحرجاً عن التعامل الفعال مع أزمة أمنية خطيرة وكارثة إنسانية في جوارها المباشر – بل في قلب أوروبا نفسها – دون تدخل أمريكي حاسم وقيادة عسكرية أمريكية واضحة.
هذا العجز الأوروبي الواضح والمؤلم في البلقان كان بمثابة صدمة نفسية واستراتيجية عميقة للنخب السياسية والعسكرية الأوروبية، ودفعها بقوة إلى إدراك مزعج مفاده أن القارة الأوروبية، على الرغم من ثرائها الاقتصادي الهائل وتقدمها التكنولوجي الواضح وعدد سكانها الكبير وتاريخها العسكري العريق، تفتقر بشكل مخجل إلى القدرة العملية والإرادة السياسية الموحدة للتصرف بفعالية وسرعة في الأزمات الأمنية الحادة حتى في محيطها الجغرافي المباشر، ناهيك عن مناطق أبعد.
كان الرد الأوروبي المؤسسي على هذا الإدراك المؤلم هو إطلاق ما عُرف بـ\”السياسة الأوروبية للأمن والدفاع” (ESDP) في أواخر التسعينيات، تحديداً في قمة سانت مالو الفرنسية البريطانية التاريخية عام 1998، والتي تحولت لاحقاً وتطورت إلى “السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة” (CSDP) بموجب معاهدة لشبونة الإصلاحية المهمة عام 2009. كان الهدف المعلن والطموح هو تطوير قدرة أوروبية مستقلة وفعالة على إدارة الأزمات الأمنية والقيام بعمليات حفظ السلام المعقدة دون الحاجة الضرورية إلى الموارد والقدرات الأمريكية. لكن الطريق نحو تحقيق هذا الهدف الطموح كان – ولا يزال – وعراً ومليئاً بالعقبات والإخفاقات والتحديات البنيوية العميقة.
الفصل الثاني: التحديات البنيوية والهيكلية
2.1 الانقسامات الجيوسياسية داخل الاتحاد الأوروبي
يواجه مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع تحدياً بنيوياً عميقاً ومستمراً يتمثل في الانقسامات الجيوسياسية الحادة والمتأصلة بين الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة في الاتحاد الأوروبي حول التهديدات الأمنية الحقيقية والأولويات الاستراتيجية الملحة. هذه الانقسامات العميقة ليست مجرد خلافات سياسية عابرة أو تكتيكية يمكن حلها بسهولة عبر التفاوض والمساومة، بل تعكس اختلافات جوهرية وعميقة الجذور في الجغرافيا السياسية والتاريخ الوطني والذاكرة الجماعية والثقافة الاستراتيجية الخاصة بكل دولة، مما يجعل من الصعب للغاية – إن لم يكن مستحيلاً في بعض الأحيان – التوصل إلى رؤية موحدة ومتماسكة وشاملة للدفاع الأوروبي المشترك.
الانقسام الأكثر وضوحاً وحدة هو الانقسام الجيوسياسي بين دول أوروبا الشرقية والوسطى، وخاصة دول البلطيق الثلاث (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) وبولندا ورومانيا وبلغاريا، من جهة، ودول أوروبا الغربية والجنوبية مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا من جهة أخرى. بالنسبة لدول أوروبا الشرقية والوسطى، يمثل التهديد الروسي المباشر مصدر القلق الأمني الأساسي والوجودي الأكبر الذي يطغى على أي اعتبارات أخرى.
هذه الدول عاشت عقوداً طويلة ومريرة تحت الهيمنة السوفييتية القمعية، واستعادت استقلالها الوطني مؤخراً نسبياً (في التسعينيات فقط)، وترى في روسيا الحالية – خاصة بعد ضم القرم عام 2014 والغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 – تهديداً مباشراً وحقيقياً لسيادتها الوطنية بل ولوجودها ككيانات مستقلة. ذاكرة الاحتلال السوفييتي والقمع والتهميش لا تزال حية وحاضرة بقوة في الوعي الجماعي لهذه الشعوب.
بالنسبة لهذه الدول، الضمانة الأمنية الأمريكية الصريحة والمادة الخامسة الشهيرة من ميثاق الناتو – التي تنص على أن الهجوم المسلح على عضو واحد في الحلف يُعتبر هجوماً على الجميع ويستوجب رداً جماعياً – ليست مجرد ترتيب أمني مفيد أو إضافة لطيفة للترسانة الدفاعية، بل هي بكل بساطة شريان الحياة الاستراتيجي الأساسي والضمانة الوحيدة الموثوقة لبقائها واستقلالها في مواجهة جار قوي وعدواني.
لذلك، تنظر هذه الدول الشرقية بقلق بالغ ومفهوم – بل وبعداء أحياناً – إلى أي مشروع طموح للاستقلال الدفاعي الأوروبي قد يُضعف بشكل مباشر أو غير مباشر الالتزام الأمريكي الحيوي بالدفاع عن أوروبا، أو قد يخلق تنافساً مربكاً وضاراً بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي والناتو، أو قد يحول الموارد المحدودة بعيداً عن تعزيز قدرات الردع الجماعي ضد روسيا. هذه الدول تفضل بوضوح تعزيز الناتو والوجود الأمريكي في أوروبا على بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة قد تكون أضعف وأقل مصداقية.
2.2 فجوة القدرات العسكرية والموارد المحدودة
إلى جانب الانقسامات السياسية والجيوسياسية العميقة، يواجه مشروع الاستقلال الدفاعي الأوروبي تحدياً عملياً وملموساً هائلاً يتمثل في فجوة القدرات العسكرية الضخمة والموارد المالية المحدودة المخصصة للدفاع. رغم أن دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة تنفق مبالغ ضخمة – تُقدر بمئات المليارات من اليوروهات سنوياً – على الدفاع (في الواقع، الإنفاق الدفاعي الأوروبي المجمع يفوق بكثير الإنفاق الروسي بل وحتى يقارب الإنفاق الصيني)، إلا أن هذا الإنفاق الضخم على الورق لا يُترجم بشكل فعال إلى قدرات عسكرية حقيقية وقابلة للنشر تتناسب مع حجمه الإجمالي الكبير.
السبب الرئيسي والجوهري لهذا التناقض الصارخ والمحبط بين الإنفاق الكبير والقدرات المحدودة هو التجزئة الشديدة والازدواجية المفرطة والإسراف الواضح والتنسيق الضعيف الذي يطبع ويميز الإنفاق الدفاعي الأوروبي بشكل عام. في الولايات المتحدة، كمقارنة واضحة، هناك قوة مسلحة واحدة موحدة ومتكاملة مع سلسلة قيادة واضحة ومحددة وميزانية دفاعية ضخمة موحدة يتم تخصيصها وتوزيعها بشكل استراتيجي ممنهج لتحقيق أقصى قدر ممكن من الكفاءة القتالية والتشغيلية.
في المقابل الصارخ، الاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة عضواً مستقلة، كل منها لديها قواتها المسلحة الوطنية الخاصة المنفصلة، وميزانيتها الدفاعية الوطنية الخاصة، وأولوياتها الاستراتيجية الخاصة المختلفة، وسلاسل قيادة منفصلة تماماً. النتيجة الحتمية والمباشرة هي وجود 27 جيشاً وطنياً مختلفاً، و27 سلاحاً جوياً منفصلاً، و27 أسطولاً بحرياً مستقلاً، مع قدر هائل ومحبط من التكرار والازدواجية غير الضرورية في القدرات والمعدات والبنى التحتية.
على سبيل المثال الملموس والمذهل، توجد حالياً في أوروبا أكثر من 170 نوعاً مختلفاً من الأسلحة والمعدات العسكرية قيد الاستخدام الفعلي في القوات الأوروبية المختلفة، مقارنة بنحو 30 نوعاً فقط في الولايات المتحدة الأمريكية. هذا التشتت الهائل والتنوع المفرط في المعدات يعني أن تكاليف الصيانة الدورية والتدريب التخصصي والدعم اللوجستي المعقد وقطع الغيار تتضاعف بشكل هائل ومكلف للغاية، مما يستنزف الموارد المحدودة أصلاً.
من أخطر وأهم فجوات القدرات الاستراتيجية التي تواجهها القوات الأوروبية حالياً هي في المجالات الحيوية والحاسمة للعمليات العسكرية الحديثة المعقدة: النقل الاستراتيجي الجوي والبحري، والاستطلاع والمراقبة المتقدمة بالأقمار الصناعية والطائرات، والقيادة والسيطرة والاتصالات المؤمنة، والحرب الإلكترونية والتشويش، والدفاع الصاروخي متعدد الطبقات، والطائرات المسلحة بدون طيار المتقدمة، والقدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية، والاستخبارات الفضائية. في جميع هذه المجالات الحيوية والاستراتيجية، تعتمد أوروبا بشكل كبير وأحياناً كامل على القدرات والتكنولوجيا والدعم الأمريكي.
2.3 التوتر الكامن بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو
أحد أكثر التحديات البنيوية دقة وتعقيداً وحساسية أمام تحقيق استقلال دفاعي أوروبي حقيقي هو التوتر الكامن والمستمر – وإن كان غير معلن في الغالب – بين الاتحاد الأوروبي كمنظمة سياسية واقتصادية طموحة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) كتحالف عسكري تقليدي راسخ ومجرب. ظاهرياً وعلى المستوى الرسمي والخطابي، يبدو الطرفان متكاملين تماماً ومتعاونين بانسجام، وكلاهما يؤكد باستمرار ويكرر في كل مناسبة على أهمية الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بينهما ويشدد على عدم وجود أي تنافس أو تناقض.
لكن تحت السطح الرسمي اللامع وخلف الخطابات الدبلوماسية المهذبة، هناك توترات حقيقية وعميقة ومستمرة تتعلق بالأدوار الدقيقة والمسؤوليات الفعلية لكل منظمة، وبمسألة من الذي يجب أن يتولى القيادة الفعلية والتوجيه الاستراتيجي في مجال الدفاع الأوروبي، وكيفية تجنب الازدواجية المكلفة وغير الفعالة في القدرات والبنى التحتية، وكيفية توزيع الموارد المحدودة بشكل عادل وفعال.
الناتو هو حلف عسكري دفاعي راسخ قائم منذ عام 1949 – أي منذ أكثر من 75 عاماً – وقد أثبت فعاليته وصلابته طوال فترة الحرب الباردة الطويلة وما بعدها في مواجهة تهديدات متنوعة. لديه بنية قيادية عسكرية متكاملة ومتطورة ومجربة عبر عقود، وقدرات عسكرية ضخمة وهائلة بفضل الوجود الأمريكي الكبير والتكنولوجيا المتقدمة، وآليات واضحة ومحددة لاتخاذ القرارات العسكرية والسياسية.
الاتحاد الأوروبي، من ناحية أخرى وفي المقابل، هو في المقام الأول والأساس مشروع اقتصادي وسياسي وتكاملي، نشأ وتطور لتعزيز الاندماج الاقتصادي والوحدة السياسية، وقدراته الدفاعية والعسكرية لا تزال ناشئة ومحدودة نسبياً ومتواضعة جداً مقارنة بطموحاته وبحجم اقتصاده. لكن الاتحاد يسعى بجدية وإصرار متزايدين إلى لعب دور أمني ودفاعي أكبر بكثير وأكثر استقلالية واستراتيجية، مما يخلق حتماً احتمالية حقيقية للازدواجية المكلفة وغير الفعالة والتنافس غير المعلن أو حتى الصدام المباشر مع دور ومسؤوليات الناتو التقليدية.
الفصل الثالث: سيناريوهات المستقبل وتداعياتها
لفهم شامل ومعمق للتداعيات الاستراتيجية المحتملة والمتنوعة للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع، من المفيد جداً والضروري استكشاف ودراسة سيناريوهات مستقبلية مختلفة ومتباينة بعناية. هذه السيناريوهات المطروحة هنا ليست تنبؤات حتمية أو محاولات للتكهن بالمستقبل، بل هي أدوات تحليلية منهجية ومنطقية تساعدنا على فهم أفضل للخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام صانعي القرار والمقايضات الصعبة المطلوبة والعواقب الاستراتيجية المحتملة والمتفرعة لكل مسار ممكن.
3.1 السيناريو الأول: الركيزة الأوروبية القوية ضمن إطار الناتو
هذا السيناريو التطوري التدريجي، الذي يمكن اعتباره الأكثر احتمالاً وواقعية استناداً إلى الاتجاهات الحالية المرصودة والزخم السياسي القائم، يتصور تطور أوروبا تدريجياً وبشكل منهجي إلى ركيزة دفاعية أقوى بكثير وأكثر قدرة واستقلالية داخل الإطار الأطلسي العام لحلف الناتو، دون السعي المتهور أو غير الواقعي إلى استقلال كامل أو انفصال تام عن الولايات المتحدة الأمريكية والبنية الأمنية الأطلسية الراسخة.
في هذا السيناريو المتوازن والواقعي، تواصل الدول الأوروبية زيادة إنفاقها الدفاعي بشكل تدريجي لكن مستدام ومنتظم، مع التركيز الاستراتيجي الواضح على سد فجوات القدرات الحرجة والحاسمة المحددة بدقة وتحسين مستويات التعاون والتنسيق والتكامل العملي فيما بينها في المشتريات والتدريب والعمليات. الدافع الرئيسي والمحرك الأساسي لهذا السيناريو هو إدراك أوروبي متزايد وواقعي بأن الاعتماد الكامل والمطلق على الحماية العسكرية الأمريكية السخية لم يعد مستداماً أو مضموناً إلى الأبد في ضوء التغيرات الجيوسياسية العالمية والتحول الأمريكي نحو آسيا.
لكن في الوقت نفسه وبنفس الأهمية، هناك اعتراف صريح وواقعي بأن الاستقلال الدفاعي الكامل والشامل عن الولايات المتحدة يبقى غير واقعي تماماً في المدى المنظور والمتوسط بسبب القيود المالية الشديدة والانقسامات السياسية العميقة والتحديات التكنولوجية الهائلة. الولايات المتحدة، من جهتها، تواصل دعم الناتو والتزامها بالدفاع عن أوروبا لكنها تطالب بشكل متزايد وبصرامة أكبر بأن يتحمل الحلفاء الأوروبيون حصة أكبر وأعدل من العبء الدفاعي المشترك.
التداعيات الإيجابية المتوقعة والمحتملة لهذا السيناريو المتوازن عديدة ومتنوعة ومهمة. بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن أوروبا أقوى عسكرياً وأكثر قدرة على الدفاع عن نفسها تعني شريكاً أطلسياً أكثر موثوقية وفعالية في حلف الناتو، وعبئاً مالياً أخف على كاهل دافعي الضرائب الأمريكيين المتذمرين بشكل متزايد، وقدرة أفضل على توزيع المسؤوليات الأمنية العالمية.
بالنسبة لأوروبا نفسها، يوفر هذا السيناريو الواقعي توازناً معقولاً ومقبولاً بين الطموح المشروع للاستقلالية الاستراتيجية النسبية والواقعية الضرورية حول القيود والمحددات القائمة. يحقق درجة معقولة ومفيدة من القدرة على العمل العسكري المستقل في الأزمات الصغيرة والمتوسطة الحجم في الجوار الأوروبي المباشر، مع الاحتفاظ الحكيم بالضمانة الأمنية الأمريكية الحاسمة في حالة تهديد وجودي كبير.
3.2 السيناريو الثاني: التعثر والتفتت والانقسام
هذا السيناريو السلبي والمقلق، وهو للأسف الأكثر سوداوية وخطورة من بين السيناريوهات المطروحة، يتصور فشلاً ذريعاً ومحبطاً للمشروع الدفاعي الأوروبي الطموح في تحقيق أي تقدم حقيقي وملموس ومستدام، مصحوباً بتدهور خطير ومستمر في جودة ومتانة العلاقات الحيوية عبر الأطلسية بين أوروبا والولايات المتحدة.
في هذا السيناريو المظلم والخطير، تفشل الدول الأوروبية فشلاً تاماً في التوصل إلى رؤية مشتركة واضحة أو في تخصيص موارد كافية ومستدامة للدفاع المشترك الأوروبي. الانقسامات الداخلية الحادة في الاتحاد الأوروبي حول الأولويات والتهديدات تتعمق أكثر فأكثر، والخلافات السياسية المريرة حول السياسة الخارجية والدفاعية تتصاعد وتتفاقم بشكل خطير ومدمر.
التداعيات السلبية الخطيرة والواسعة لهذا السيناريو المقلق تكون خطيرة للغاية وواسعة النطاق ومدمرة طويلة المدى. بالنسبة لأوروبا، يعني هذا عدم قدرة متزايدة ومتفاقمة على حماية مصالحها الأمنية الحيوية أو التأثير الفعال في البيئة الأمنية المتقلبة في جوارها المباشر والقريب. في حالة أزمة أمنية كبرى – سواء كانت تهديداً عسكرياً تقليدياً مباشراً من روسيا العدوانية أو أزمة كارثية في منطقة الشرق الأوسط المضطربة أو شمال أفريقيا غير المستقر – ستجد أوروبا الضعيفة والمنقسمة نفسها عاجزة تماماً عن الاستجابة الفعالة والسريعة والموحدة.
من منظور أوسع وأكثر شمولاً، سيكون لهذا السيناريو الكارثي تداعيات جيوسياسية خطيرة وبعيدة المدى على النظام الدولي بأكمله. أوروبا ضعيفة ومنقسمة ومشلولة ستكون أكثر عرضة بكثير للضغوط السياسية والاقتصادية والابتزاز المباشر من قوى معادية وانتهازية مثل روسيا العدوانية التي قد تُشجع على مغامرات عسكرية إضافية وتوسعية.
3.3 السيناريو الثالث: الاستقلال الاستراتيجي الكامل والشامل
هذا السيناريو الأكثر طموحاً وجرأة – وربما الأقل احتمالاً واقعياً من الناحية العملية – يتصور تحقيق أوروبا الموحدة لاستقلال دفاعي كامل وشامل ومتكامل، بحيث تصبح قادرة تماماً على الدفاع عن نفسها ومصالحها الحيوية الاستراتيجية دون أي حاجة ضرورية إلى الدعم العسكري الأمريكي أو الاعتماد على البنية التحتية العسكرية المتطورة لحلف الناتو.
في هذا السيناريو الجريء والطموح، يتطور الاتحاد الأوروبي بشكل جذري وتحويلي إلى قوة عسكرية متكاملة ومتماسكة حقيقية مع قدرات عسكرية شاملة ومتطورة في جميع المجالات الاستراتيجية الحاسمة وإرادة سياسية موحدة قوية وحازمة لاستخدامها بفعالية عند الضرورة.
هذا السيناريو الطموح قد يُحفّز ويُدفع بعدة عوامل استراتيجية متقاطعة ومتزامنة. أولاً وبشكل محوري، صدمة استراتيجية كبرى وحاسمة تُجبر أوروبا قسراً على إعادة تقييم جذرية وشاملة لموقفها الدفاعي الأساسي. قد تكون هذه الصدمة المحفزة انسحاباً أمريكياً حقيقياً وفعلياً من أوروبا، أو تهديداً جدياً وموثوقاً بالانسحاب الكامل، أو حدثاً دراماتيكياً يُظهر بشكل لا لبس فيه ولا شك أن الولايات المتحدة لم تعد موثوقة تماماً كضامن أمني نهائي لأوروبا.
التداعيات الإيجابية المحتملة والكبيرة لهذا السيناريو الطموح تكون ضخمة ومهمة، من منظور أوروبي خالص. أوروبا مستقلة دفاعياً بشكل كامل ستكون قادرة تماماً على حماية مصالحها الاستراتيجية ومواطنيها الأعزاء دون أي اعتماد على قوة خارجية مهما كانت. هذا يعزز بشكل جذري ومباشر السيادة الأوروبية الكاملة ويسمح لأوروبا الموحدة بتبني سياسات خارجية مستقلة تماماً قد تختلف جذرياً وبشكل واضح عن السياسات والأولويات الأمريكية عندما تتباين المصالح الوطنية والإقليمية.
الفصل الرابع: الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية
4.1 النتائج الرئيسية
بعد هذا التحليل الشامل والمعمق لقضية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع، يمكننا استخلاص عدة نتائج رئيسية ومحورية تساعد في فهم تعقيدات هذه المسألة الحيوية وتحدياتها وآفاقها المستقبلية.
• هناك نقص واضح وخطير في الوضوح المفاهيمي والدقة المصطلحية يرتبط بشكل مباشر بمصطلح \”الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي\”، مما يعيق بشكل جوهري الحوار البناء والعمل الفعال المشترك. ومن المرجح للغاية أن تؤدي الاختلافات الجوهرية والعميقة بين فهم الدول الأعضاء المختلفة في الاتحاد الأوروبي وآمالها المتباينة فيما يتصل بالاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في الدفاع، وما ينبغي له أن يكون واقعياً، إلى إدامة مستمرة للغموض والالتباس الذي ترتكز عليه هذه المناقشات الحساسة.
• رأى الأغلبية الساحقة من الخبراء والمحللين الذين أجريت معهم المقابلات المعمقة أن أوروبا القوية عسكرياً والمتماسكة سياسياً سوف تعود بالنفع الواضح والكبير على كل من منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة الأمريكية، على نحو يوازن بشكل معقول بين المخاطر المحتملة والحقيقية الناجمة عن تباين واختلاف المصالح الوطنية والطموحات الاستراتيجية.
• ورغم أن الخطاب السياسي الرسمي والنوايا المعلنة علناً تتوافق ظاهرياً مع التكامل والتنسيق الكامل بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإن الواقع العملي الصعب المتمثل في تحقيق قدر أكبر وفعلي من التماسك الحقيقي وتجنب الازدواجية المكلفة وغير الفعالة في إطار هذا التعاون المأمول لم يكن كافياً على الإطلاق.
• إن الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا يرتبط ارتباطاً وثيقاً وعضوياً وحتمياً بأفعال ونوايا الولايات المتحدة الأمريكية الفعلية، وسياساتها الداخلية المتقلبة، فضلاً عن سياستها الخارجية والدفاعية والأمنية العالمية وإبراز قوتها العسكرية في الخارج. وتتشكل أيضاً بشكل كبير من قبل مؤثرين خارجيين مهمين آخرين مثل المملكة المتحدة وتركيا وطموحات وسياسات وإجراءات كل من الصين الصاعدة وروسيا العدوانية.
4.2 التوصيات الاستراتيجية
بناءً على التحليل الشامل والمعمق السابق، نقدم مجموعة من التوصيات الاستراتيجية المحددة والعملية التي يمكن أن تساهم في تعزيز الأمن الأوروبي وتحسين العلاقات عبر الأطلسية:
- ومن الممكن والضروري أن يساعد الحوار المستمر والمنتظم والصريح على كافة المستويات السياسية والعسكرية والدبلوماسية بين شركاء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في تجنب المفاهيم الخاطئة والتصورات المغلوطة ومعالجة التحديات الأمنية المشتركة بفعالية أكبر وتنسيق محسّن.
- إن اتباع نهج داعم بشكل لا لبس فيه وواضح تماماً للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من شأنه أن يفيد الجميع بشكل ملموس: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي معاً، ويعزز الأمن الجماعي للمجتمع الأطلسي بأسره.
- إن العلاقة البناءة والفعالة حقاً بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي تتطلب بشكل عاجل وضروري توضيحاً واضحاً ودقيقاً لطموح الاتحاد الأوروبي الدفاعي والاتفاق المشترك الملزم على طبيعة التهديدات الأمنية ومجالات المسؤولية المحددة لكل منظمة لتجنب الازدواجية والتنافس غير المثمر.
- إن استعادة وبناء العلاقة البناءة والاستراتيجية الوثيقة مع المملكة المتحدة ما بعد البريكست من شأنها أن تفيد بشكل كبير وملموس الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية في استجابتها الجماعية والمنسقة للتهديدات والتحديات الأمنية المشتركة في القرن الحادي والعشرين.
- يجب على الدول الأوروبية زيادة الاستثمار الفعلي والجاد في البحث والتطوير الدفاعي المشترك، مع التركيز على المجالات التكنولوجية الحاسمة مثل الذكاء الاصطناعي العسكري، والأسلحة المستقلة، والدفاع السيبراني المتقدم، والقدرات الفضائية الاستراتيجية، لضمان عدم التخلف التكنولوجي عن القوى العالمية الأخرى.
- ينبغي تعزيز آليات التعاون الدفاعي القائمة مثل التعاون الدائم المهيكل (PESCO) وصندوق الدفاع الأوروبي من خلال تمويل أكثر سخاءً وأهداف أكثر وضوحاً وآليات مساءلة فعالة لضمان تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس.
- من الضروري تطوير استراتيجية أمنية أوروبية شاملة ومتكاملة تتجاوز البُعد العسكري التقليدي لتشمل الأمن السيبراني والطاقي والصحي والمعلوماتي، مع آليات تنسيق فعالة بين جميع هذه الأبعاد المترابطة للأمن الاستراتيجي في القرن الواحد والعشرين.
4.3 خاتمة
إن قضية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع تمثل واحدة من أهم وأكثر القضايا تعقيداً وحساسية في السياسة الدولية المعاصرة. إنها ليست مجرد مسألة تقنية عسكرية أو مالية، بل تتعلق بجوهر الهوية الأوروبية ودور أوروبا في العالم ومستقبل النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
التحديات أمام تحقيق استقلال دفاعي أوروبي حقيقي هائلة ومتعددة الأوجه: انقسامات جيوسياسية عميقة بين الدول الأعضاء، فجوات قدرات عسكرية ضخمة، موارد مالية محدودة، توترات بنيوية بين الاتحاد الأوروبي والناتو، وعدم يقين حول الالتزام الأمريكي المستقبلي. كل هذه العوامل تجعل الطريق نحو الاستقلال الاستراتيجي طويلاً وصعباً ومحفوفاً بالمخاطر.
لكن رغم كل هذه التحديات الهائلة، فإن السعي نحو قدر أكبر من الاستقلالية الدفاعية يبقى ضرورة استراتيجية لأوروبا في القرن الحادي والعشرين. التحولات الجيوسياسية العالمية – صعود الصين، عودة روسيا العدوانية، التحول الأمريكي نحو آسيا، تزايد التهديدات غير التقليدية – كلها تجعل من الاعتماد الكامل على قوة خارجية أمراً محفوفاً بالمخاطر بشكل متزايد.
السيناريو الأكثر واقعية وقابلية للتحقيق هو تطور تدريجي نحو ركيزة أوروبية أقوى ضمن الناتو – سيناريو يحقق توازناً بين الطموح والواقعية، بين الاستقلالية والتحالف، بين السيادة الأوروبية والشراكة الأطلسية. هذا يتطلب إرادة سياسية مستدامة، استثمارات مالية كبيرة، إصلاحات مؤسسية عميقة، وحواراً مستمراً وبناءً مع الولايات المتحدة.
في النهاية، نجاح أو فشل مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي سيكون له تداعيات عميقة وطويلة المدى ليس فقط على أوروبا، بل على النظام الدولي بأسره. أوروبا قوية ومستقلة نسبياً ومتماسكة يمكن أن تكون قوة استقرار مهمة في عالم متعدد الأقطاب متزايد التعقيد والتقلب. لكن أوروبا ضعيفة ومنقسمة ستكون عرضة للضغوط الخارجية وعاجزة عن حماية مصالحها ومواطنيها. الخيار – والمسؤولية – يقع على عاتق القادة والمواطنين الأوروبيين أنفسهم.











