طبيعة اللحظة
هل مشكلة أوروبا حقًا أنها ضعيفة؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن قوتها الفعلية باتت مرهونة بسرعة ردود أفعالها، لا بعمق استراتيجيتها؟ حين أعلن الاتحاد الأوروبي في نهاية 2025 عن قرض بتسعين مليار يورو لأوكرانيا على مدى عامين، لم يكن السؤال المطروح “هل الرقم كافٍ؟”، بل السؤال الأعمق: “هل تمتلك أوروبا القدرة الفعلية على تحويل هذا القرض من مجرد جسر مالي مؤقت إلى أداة سيادة حقيقية قابلة للاستدامة؟”
الإجابة لا تأتي من قراءة الأرقام المعلنة، بل من فهم التوترات الثلاثة التي تشدّ القارة في اتجاهات متعارضة. التوتر الأول مالي بحت: القرض المعلن يغطي ثلثي احتياجات أوكرانيا المقدرة بمئة وخمسة وثلاثين مليار يورو، ما يعني أن خمسة وأربعين مليارًا تبقى معلقة على إرادة شركاء خارج أوروبا، وهؤلاء الشركاء لم يعودوا يتصرفون بمنطق التضامن التلقائي، بل بمنطق المقايضة والمصالح القابلة للتفاوض. التوتر الثاني سياسي داخلي: حين تلجأ بروكسل إلى آلية “التعاون المعزز” لتجاوز فيتو دول مثل هنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا، فإنها تحل مشكلة إجرائية لكنها تخلق شرخًا أعمق في مفهوم “الوحدة الأوروبية”، إذ تصبح القرارات الكبرى نتاج “ائتلافات الراغبين” لا توافق جماعي. التوتر الثالث جيوسياسي: العلاقة مع واشنطن لم تعد تُدار بمنطق الحلف التقليدي، بل باتت تحمل طابع المساومة المفتوحة، وما تصريحات ترامب حول غرينلاند وتعيين مبعوث خاص للجزيرة إلا إشارة واضحة إلى أن “المساحة الأطلسية المشتركة” نفسها باتت قابلة لإعادة التفاوض من طرف واحد.
الرهان الحقيقي إذن ليس على نجاح قرار بعينه، مهما كان حجمه أو أهميته الرمزية، بل على قدرة القارة على الانتقال من منطق “تجنب السيناريوهات الأسوأ” إلى بناء قدرة فعل استراتيجية مستقلة ومستدامة، قادرة على الصمود في وجه تحولات جذرية قد تحدث على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
الأداة المالية: حين تصبح الهندسة المؤسسية سلاحًا سياسيًا
لا يمكن فهم القرض من خلال حجمه وحده، بل من خلال الطريقة التي هُندس بها. الاقتراض لا يحدث عبر موازنة الاتحاد الأوروبي المباشرة، بل عبر أسواق المال الدولية، مستندًا إلى “هامش ميزانية الاتحاد” كغطاء ائتماني. هذه ليست مجرد حيلة محاسبية، بل خيار سياسي واعٍ يهدف إلى تجنب معركتين: معركة مع الدول الرافضة التي كانت ستعطل أي قرار يمس موازناتها الوطنية مباشرة، ومعركة مع الأسواق المالية التي كانت ستطالب بأسعار فائدة أعلى لو بدا القرض كمخاطرة غير مضمونة.
لكن التعقيد الحقيقي يكمن في آلية “التعاون المعزز” التي استُخدمت لتجاوز شرط الإجماع. هذه الآلية، المستندة إلى المادة العشرين من معاهدة الاتحاد الأوروبي والمادة مئتين واثنتي عشرة من معاهدة عمل الاتحاد، تسمح لمجموعة من الدول الأعضاء بالمضي قدمًا في مشروع مشترك دون الحاجة إلى موافقة الجميع، شريطة ألا تتحمل الدول الرافضة أعباء مالية مباشرة. على المستوى الإجرائي، هذا يعني أن بودابست وبراتيسلافا وبراغ لا تستطيع تعطيل القرار، لكنها في المقابل لا تتحمل مسؤوليته. على المستوى السياسي الأعمق، هذا يعني أن أوروبا قد بدأت بالفعل في خلق “مسارات قرار موازية” تتجاوز البنية التقليدية القائمة على التوافق الكامل.
السابقة التي يخلقها هذا المسار مزدوجة الدلالة. من جهة، تثبت أن الاتحاد الأوروبي قادر، عند الضرورة الأمنية الملحة، على تجاوز نقاط ضعفه البنيوية، وأن “الفيتو” لم يعد سلاحًا مطلقًا بيد أي عاصمة تريد تعطيل القرار الجماعي. من جهة أخرى، تفتح هذه السابقة الباب أمام سؤال محوري: إذا أصبح “التعاون المعزز” هو القاعدة لا الاستثناء في القرارات الكبرى، فهل يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي يتحول تدريجيًا من كيان قائم على التوافق إلى كيان قائم على “ائتلافات متغيرة” حسب الملف؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يبقى من فكرة “الوحدة الأوروبية” حين تصبح القرارات الاستراتيجية نتاج تحالفات انتقائية لا إجماع جماعي؟
ثم هناك البعد المالي الأعمق: إعادة إدخال “الاقتراض المشترك” كأداة اعتيادية لإدارة المخاطر الأمنية. منذ أزمة الديون الأوروبية، ظل الاقتراض المشترك محاطًا بهالة من الحذر، واستُخدم بشكل استثنائي في برنامج التعافي من كورونا. لكن القرض الأوكراني يعيد تطبيع هذه الأداة، ليس كاستجابة لأزمة اقتصادية عابرة، بل كآلية دائمة لتمويل “الأولويات الجيوسياسية المشتركة”. المشكلة أن هذا التطبيع يحدث في ظل سياق مالي هش: نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في منطقة اليورو بلغت 88.5% نهاية الربع الثالث من 2025، وفي الاتحاد الأوروبي ككل 82.1%، بينما التوقعات الاقتصادية للمفوضية الأوروبية تشير إلى نمو معتدل لا يتجاوز 1.4% للاتحاد في 2025 و2026، و1.3% لمنطقة اليورو في 2025 و1.2% في 2026. هذا يعني أن مساحة المناورة المالية ضيقة، وأن كل قرار اقتراض جديد يأكل من الهامش المتاح للاستجابة لأزمات مستقبلية.
السؤال الذي يُطرح هنا ليس تقنيًا بحتًا، بل سياسي بامتياز: هل تستطيع أوروبا أن تحافظ على شرعية “الاقتراض المشترك” أمام شعوبها وأسواقها المالية في ظل نمو اقتصادي بطيء وديون مرتفعة ومخاطر متصاعدة؟ وإذا لم تستطع، فما البديل؟
الورقة الروسية: حين يصبح التجميد رافعة سياسية
على الضفة الأخرى من المعادلة المالية، يقف قرار تجميد الأصول الروسية داخل أوروبا “إلى أجل غير مسمى” كورقة سياسية لا تقل أهمية عن القرض نفسه. الهدف المعلن هو منع دول بعينها من تعطيل استخدام هذه الأصول أو المساومة السياسية على تجديد قرار التجميد بشكل دوري. لكن الهدف الأعمق، غير المعلن بصراحة لكنه واضح في المنطق السياسي، هو ضمان أن أوروبا لن تُترك على هامش أي تسوية محتملة تُدار بشكل أساسي من واشنطن.
المنطق بسيط لكنه حاسم: إذا كانت الأصول الروسية المجمدة داخل أوروبا تُقدر بعشرات المليارات من اليوروهات، فإن السيطرة على مصيرها تمنح أوروبا ورقة تفاوضية قوية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالتعويضات أو إعادة الإعمار أو الضمانات. لكن هناك فارق جوهري بين امتلاك “الورقة” والقدرة على “استخدامها”. القرض الأوروبي نفسه لا يعتمد على المصادرة المباشرة لتلك الأصول، بل على الاقتراض من الأسواق بضمانات أوروبية. هذا الخيار يقلل المخاطر القانونية والسمعية الفورية، إذ يتجنب الاتحاد الدخول في نزاع قضائي دولي حول شرعية مصادرة أصول دولة ذات سيادة، لكنه في المقابل لا يلغي احتمالات النزاع الطويل الأمد حول ملكية تلك الأصول ومصيرها.
ما يمتلكه الاتحاد الأوروبي الآن إذن ليس “نفوذًا جاهزًا للاستخدام الفوري”، بل “وعدًا بنفوذ مستقبلي” مشروط بقدرته على الحفاظ على تماسك موقفه القانوني والسياسي حتى لحظة التسوية. والسؤال المفتوح: هل يستطيع الاتحاد أن يحافظ على هذا التماسك إذا تغيرت الحكومات في دول كبرى، أو إذا تصاعد الضغط الروسي عبر قنوات غير مباشرة (طاقة، تأثير سياسي، تهديدات أمنية)، أو إذا عرضت واشنطن تسوية سريعة تتطلب “مرونة أوروبية” في ملف الأصول؟
التفاصيل التي تحمل الاستراتيجية
حين ننظر إلى التقسيم الداخلي للقرض، نجد أن ستين مليار يورو مخصصة للمكوّن العسكري، بينما ثلاثون مليارًا موجهة لدعم الميزانية والدعم الاقتصادي العام. هذا التقسيم ليس تقنيًا بحتًا، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة. الجزء العسكري يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن الحرب في أوكرانيا لن تُحسم قريبًا، وأن استمرار القدرة القتالية الأوكرانية يتطلب تدفقًا ماليًا ثابتًا لا يتأثر بتقلبات السياسات الداخلية في العواصم الغربية. الجزء المدني يعكس فهمًا بأن انهيار الدولة الأوكرانية اقتصاديًا أو إداريًا يعني خسارة الحرب حتى لو صمدت الجبهات عسكريًا.
لكن الأهم من التقسيم نفسه هو الشروط المرفقة بالإنفاق. الاشتراطات تفضّل بوضوح الشراء من الاتحاد الأوروبي ومن أوكرانيا نفسها ومن دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، مع فتح استثناءات للشراء من خارج هذه الدائرة فقط عندما لا يتوافر البديل المناسب أو عندما تفرض الضرورة الزمنية ذلك. هذا الشرط يبدو إجرائيًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يحدد طبيعة “اقتصاد الحرب” الأوروبي للسنوات القادمة.
السؤال المحوري: هل سيتحول هذا القرض إلى محرك حقيقي لتعميق القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، أم سيتحول إلى مجرد قناة تمويل تمر عبرها مشتريات من خارج أوروبا، بما يحد من العائد الاستراتيجي الداخلي ويبقي أوروبا معتمدة على موردين خارجيين في أدق لحظات احتياجها الأمني؟ الإجابة ستتحدد بناءً على كيفية تطبيق “الاستثناءات”: هل ستبقى محدودة ومبررة، أم ستتحول تدريجيًا إلى “قاعدة ضمنية” بفعل ضغوط اللوبيات الصناعية أو الضغوط السياسية من دول كبرى خارج الاتحاد؟
هناك بعد آخر يستحق التأمل: إتاحة منافذ لشركات بريطانية للاستفادة من هذا التمويل، شريطة أن تساهم المملكة المتحدة في تكاليف الاقتراض الأوروبي. هذا الترتيب البراغماتي يكشف أن “التكامل الدفاعي” قد يتقدم بمعايير عملية حتى مع التعقيدات السياسية الناجمة عن بريكست. لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا أوسع: إذا كانت أوروبا مستعدة للتعاون الدفاعي الوثيق مع لندن رغم الخروج من الاتحاد، فهل يعني ذلك أن “الاتحاد الدفاعي الأوروبي” قد يتشكل في المستقبل على أسس مختلفة عن “الاتحاد الأوروبي” نفسه؟ وهل هذا مسار مستدام أم مجرد حل مؤقت لأزمة ملحة؟
المخاطر الثلاث: الإحلال، التفتت، الاختراق
القوة التي تمنحها هذه الأدوات المالية والقانونية قد تتحول بسرعة إلى عامل توتر داخلي إذا لم تُدار بعناية فائقة. المخاطرة الأولى هي “مخاطرة الإحلال المالي”: حين يعلن الاتحاد الأوروبي أنه يغطي ثلثي احتياجات أوكرانيا التمويلية للعامين القادمين، فإن الشركاء غير الأوروبيين قد يفسرون ذلك كفرصة لتقليص مساهماتهم أو لربطها بشروط سياسية واقتصادية معقدة. الحسابات الباردة تقول: إذا كانت أوروبا قادرة ومستعدة لدفع تسعين مليارًا، فلماذا تتحمل واشنطن أو أوتاوا أو طوكيو أعباء إضافية دون مقابل؟ وإذا قررت تلك العواصم المساهمة، فسيكون من الطبيعي أن تطالب بمزايا تعاقدية أو صناعية أو سياسية تعوضها عن استثمارها.
النتيجة المحتملة: الفجوة التمويلية المقدرة بنحو خمسة وأربعين مليار يورو قد لا تُسد بالكامل، أو قد تُسد بشروط تعطل التنفيذ أو تحد من فعالية الإنفاق. وفي كلتا الحالتين، تعود أوكرانيا إلى دائرة “أزمة الدفعات” التي عاشتها سابقًا، حين أصبحت المخصصات المالية رهينة تجاذبات داخلية في دول مانحة، ما أضعف قدرتها على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
المخاطرة الثانية هي “مخاطرة التفتت الداخلي”. استخدام آلية “التعاون المعزز” لتجاوز فيتو بعض الدول قد يكون ناجعًا في اللحظة الراهنة، لكنه يرسخ شعورًا لدى الدول غير المشاركة بأنها مدفوعة إلى هامش صنع القرار، وأن “أوروبا الحقيقية” باتت تُصنع في غرف مغلقة بين عواصم “النواة” دون مشاركة فعلية من بقية الأعضاء. هذا الشعور ليس مجرد حساسية سياسية، بل قد يتحول إلى سلوك انتقامي في ملفات أخرى: الهجرة، الموازنة، التوسع شرقًا، سياسات الطاقة، الإصلاحات المؤسسية. الدول التي تُقصى من قرار كبير قد تمارس “الفيتو السياسي” في قرارات أصغر، ليس بالضرورة لأسباب موضوعية، بل كرد فعل على شعورها بالتهميش.
الأخطر من ذلك: هذا النمط من اتخاذ القرار قد يغذي التيارات الشعبوية داخل تلك الدول، التي تستثمر خطاب “بروكسل تتجاهلنا” لتعزيز شرعيتها المحلية وللضغط من أجل مزيد من الانسحاب من الالتزامات الأوروبية. وحين تتزامن هذه الديناميكية مع أزمات اقتصادية أو اجتماعية داخلية، قد تنتج موجة جديدة من “الأوروبية الانتقائية”، حيث تلتزم الدول بما يناسبها وتتهرب مما لا يناسبها، ما يضعف البنية الجماعية للاتحاد ككل.
المخاطرة الثالثة هي “مخاطرة الاختراق الروسي غير المتماثل”. هذا الاختراق لا يحدث بالضرورة عبر قرارات رسمية أو عبر رشاوى مباشرة، بل عبر خلق “بيئة خوف” تغير سلوك النخب السياسية والاقتصادية الأوروبية. التهديدات قد تكون طاقوية (قطع الإمدادات، رفع الأسعار، استهداف البنى التحتية)، أو سياسية (دعم أحزاب مناهضة للاتحاد، تمويل حملات تضليل، تصعيد التوترات العرقية أو الدينية)، أو أمنية (عمليات تخريب، هجمات سيبرانية، اغتيالات استهدافية). كل هذه الأدوات لا تهدف بالضرورة إلى “قلب” القرار الأوروبي، بل إلى رفع “كلفة” كل قرار، بحيث تصبح كل خطوة أوروبية في ملف الشرق الأوروبي محفوفة بمخاطر داخلية تجعل النخب تفكر مرتين قبل المضي قدمًا.
النتيجة المحتملة: تآكل تدريجي في “هامش المناورة” الأوروبي، ليس بسبب نقص الموارد أو الإرادة، بل بسبب تضخم إدراك المخاطر لدى صناع القرار.
الجبهة الأطلسية: غرينلاند كإشارة إلى تحول أعمق
على الجبهة الأطلسية، يزداد المشهد تعقيدًا بطريقة قد لا تبدو مرتبطة مباشرة بأوكرانيا، لكنها في الواقع جزء من السياق الأوسع الذي يعيد تشكيل العلاقات الأوروبية-الأميركية. حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة “تحتاج إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بأمنها القومي”، وحين عيّن مبعوثًا خاصًا للجزيرة، لم يكن يطرح مجرد فكرة عابرة أو تغريدة استفزازية، بل كان يعيد طرح سؤال حساس حول “الحدود الرمزية” داخل حلف الناتو، وحول مدى قابلية “الحيز الأطلسي المشترك” لتحمل نزاعات سيادية بين حلفاء.
غرينلاند ليست مجرد جزيرة نائية، بل هي جزء من مملكة الدنمارك، ودولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ومنطقة استراتيجية تتحكم في طرق ملاحية وموارد معدنية ومواقع عسكرية حيوية في القطب الشمالي. التصريحات الأميركية، حتى إذا بقيت في إطار “الضغط السياسي” ولم تتحول إلى إجراءات فعلية، تحمل رسالة واضحة: واشنطن لم تعد تتعامل مع أوروبا كحليف استراتيجي تُحترم سيادته بشكل مطلق، بل كشريك تُعاد صياغة علاقته وفق “الاحتياجات الأميركية” كما تُفهم من البيت الأبيض.
الأثر الأوروبي لهذه الديناميكية ليس في احتمال الصدام المباشر حول غرينلاند، بل في تعزيز شعور متنامٍ بأن أوروبا قد تُستدرج إلى مقايضات أمنية-تجارية في أكثر من ملف متزامن: أوكرانيا (حجم الدعم الأميركي مقابل التنازلات الأوروبية)، الدفاع الأوروبي (الإنفاق على الناتو مقابل الحماية الأميركية)، الطاقة (الغاز الأميركي مقابل التخلي عن مشاريع مع روسيا أو الصين)، التكنولوجيا (الوصول إلى الأسواق الأميركية مقابل تقييد هواوي وغيرها). في هذا المناخ، تصبح “القدرة الأوروبية على الاستقلال الاستراتيجي” ليست شعارًا سياسيًا للاستهلاك الإعلامي، بل مطلبًا تشغيليًا ملحًا يتطلب تمويلًا مستدامًا، وتكاملًا صناعيًا حقيقيًا، وقدرة على اتخاذ القرار بسرعة دون الحاجة إلى “موافقة ضمنية” من واشنطن.
السؤال الذي يُطرح بحدة متزايدة: هل تستطيع أوروبا أن تبني هذا الاستقلال الاستراتيجي في ظل اعتمادها العميق على المظلة الأمنية الأميركية، وعلى الأسواق الأميركية، وعلى التكنولوجيا الأميركية؟ وإذا لم تستطع، فما الثمن السياسي والاقتصادي الذي ستدفعه مقابل هذا الاعتماد؟
السياق الاقتصادي: النمو المعتدل ومساحة المناورة الضيقة
لا يمكن فصل القرارات السياسية الكبرى عن السياق الاقتصادي الذي تُتخذ فيه. أوروبا تدخل عام 2026 بوضع مالي متوتر: نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 88.5% في منطقة اليورو و82.1% في الاتحاد الأوروبي ككل نهاية الربع الثالث من 2025. هذه النسب ليست كارثية بالضرورة، لكنها تعكس هامش مناورة محدودًا، خصوصًا في ظل توقعات نمو معتدلة لا تحمل قوة دفع كافية لامتصاص الصدمات الجيوسياسية: المفوضية الأوروبية تتوقع نموًا بنحو 1.4% للاتحاد في 2025 و2026، وبنحو 1.3% لمنطقة اليورو في 2025 و1.2% في 2026.
هذه الأرقام تعني أن أوروبا لا تمتلك “احتياطيًا ماليًا” كبيرًا يسمح لها بإنفاق سخي دون حساب. كل قرار اقتراض جديد يقلص المساحة المتاحة للاستجابة لأزمات مستقبلية، سواء كانت اقتصادية (ركود، أزمة مصرفية، صدمة طاقة) أو أمنية (تصعيد عسكري، هجوم إرهابي، أزمة لاجئين). وكل زيادة في الدين العام تثير حساسيات سياسية داخلية في دول مثل ألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية، حيث “الانضباط المالي” ليس مجرد سياسة اقتصادية بل جزء من الثقافة السياسية والهوية الوطنية.
المعضلة إذن: كيف تمول أوروبا أولوياتها الجيوسياسية (دعم أوكرانيا، تعزيز الدفاع، تحديث البنى التحتية، الانتقال الطاقوي) في ظل نمو بطيء وديون مرتفعة وانقسامات داخلية حول “من يدفع الفاتورة”؟
هنا يصبح “تصميم الأداة” المالية جزءًا من معركة الشرعية السياسية. ليس المهم فقط “كم نقترض”، بل “كيف نقترض”، و”من يتحمل الكلفة”، و”كيف توزع المنافع الاقتصادية الناتجة عن الإنفاق”. إذا شعرت دول الشمال أنها تدفع أكثر من حصتها، أو شعرت دول الشرق أنها مقصية من المنافع الصناعية، أو شعرت دول الجنوب أنها لا تحصل على دعم مماثل لأزماتها الاقتصادية، فإن الأداة المالية الذكية قد تتحول إلى قنبلة سياسية موقوتة.
المسارات المحتملة: ثلاثة سيناريوهات للعام القادم
إذا أردنا ترجمة هذا التشخيص المعقد إلى تقدير مسارات محتملة لعام 2026، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية، كل منها يستند إلى افتراضات مختلفة حول سلوك الفاعلين الرئيسيين وتفاعل المتغيرات.
السيناريو المعتدل (وهو الأرجح وفق معطيات فبراير 2026):
استمرار القتال في أوكرانيا دون حسم عسكري واضح لأي من الطرفين، مع تراجع نسبي في وتيرة الدعم الأميركي أو تزايد الاشتراطات المرفقة به، مقابل محاولة أوروبية متواصلة لتعويض الفجوة عبر أدوات مالية وتعاقدية جديدة. في هذا السيناريو، ينجح الاتحاد الأوروبي في تمرير الإطار القانوني للقرض واستكمال موافقات البرلمان الأوروبي وبدء الصرف الفعلي في الربع الثاني من 2026، لكن تتكرر الخلافات الداخلية حول شروط المشتريات العسكرية (من أين نشتري؟)، وحول توزيع المنافع الصناعية بين الدول الأعضاء (من يستفيد من العقود؟)، وحول آليات الرقابة والمساءلة (كيف نضمن أن الأموال تُنفق بكفاءة؟).
النتيجة المحتملة لهذا السيناريو: أوروبا تنجح في “الصمود” وفي منع انهيار الدعم لأوكرانيا، لكنها لا تحقق “قفزة نوعية” في بناء قدراتها الدفاعية أو استقلاليتها الاستراتيجية. القرض يعمل كـ”جسر مالي” يمنع الأزمة الفورية، لكنه لا يتحول إلى “رافعة سيادة” تعيد تشكيل البنية الصناعية والأمنية الأوروبية. الاتحاد يبقى “واقفًا”، لكن ليس “قويًا”.
السيناريو الإيجابي (الأقل احتمالًا لكنه ممكن):
يفترض تزامن عاملين حاسمين. العامل الأول: نجاح الشركاء غير الأوروبيين (أميركا، كندا، بريطانيا، اليابان) في سد الثلث المتبقي من احتياجات التمويل (نحو 45 مليار يورو) خلال الفترة 2026-2027، دون ربط ذلك بشروط سياسية أو تعاقدية تعطل التنفيذ أو تحد من فعالية الإنفاق. العامل الثاني: نجاح الاتحاد الأوروبي في تحويل القرض إلى منصة حقيقية لتعميق الصناعة الدفاعية الأوروبية، عبر تفضيل الشراء من داخل أوروبا وتسريع التسليم وزيادة الاعتماد على سلاسل إمداد أوروبية، بما يقلل الاعتماد على موردين خارجيين في اللحظات الحرجة.
في هذا السيناريو، يتحول القرض من مجرد “جسر تمويل” إلى “رافعة سيادة” فعلية. الإنفاق العسكري الكبير يخلق طلبًا ضخمًا يدفع الشركات الأوروبية إلى توسيع طاقاتها الإنتاجية، وإلى الاستثمار في البحث والتطوير، وإلى بناء تحالفات صناعية عابرة للحدود داخل أوروبا. التكامل الدفاعي الأوروبي يتقدم بخطوات حقيقية، ليس بفعل “الإرادة السياسية” وحدها، بل بفعل “المصالح الاقتصادية” التي تربط الشركات والحكومات والعمال في مشروع مشترك.
النتيجة المحتملة:
أوروبا تخرج من أزمة 2024-2026 أقوى مما دخلتها، بقدرات دفاعية أعمق، وباستقلالية استراتيجية أكبر، وبثقة متجددة في قدرتها على التصرف كقطب جيوسياسي مستقل.
السيناريو السلبي (الأكثر كلفة والأقل احتمالًا لكنه ليس مستحيلًا): يتحقق إذا تزامنت عدة عوامل سلبية في الوقت نفسه. العامل الأول: ظهور فجوة تمويلية كبيرة بسبب تراجع الشركاء غير الأوروبيين عن تغطية الثلث المتبقي، أو بسبب تعطل مسار الصرف الأوروبي نفسه نتيجة خلافات تشريعية أو سياسية داخل الاتحاد. العامل الثاني: تصاعد الانقسام الداخلي في أوروبا، مع صعود قوى سياسية شعبوية أكثر ميلًا للانعزال أو للتسويات السريعة مع روسيا، سواء في انتخابات وطنية أو في استفتاءات شعبية. العامل الثالث: توتر أطلسي حاد يتحول من “خلافات كلامية” إلى “قيود عملية” على التعاون الدفاعي أو إلى فتح أزمات متقاطعة (غرينلاند، رسوم جمركية، قيود على التصدير التكنولوجي).
في هذا السيناريو، لا تنهار أوروبا بشكل درامي مفاجئ، لكنها تدخل في دوامة تراجع تدريجي. تأخير الدفعات المالية لأوكرانيا يضعف قدرتها القتالية، ما قد يدفع كييف إلى قبول تسوية غير مواتية. الانقسام الداخلي الأوروبي يشل القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية جديدة، ما يجعل الاتحاد “متفرجًا” على تسوية تُدار أميركيًا-روسيًا دون مشاركة فعلية. التوتر الأطلسي يضعف الثقة المتبادلة، ما يدفع بعض الدول الأوروبية إلى البحث عن “ضمانات ثنائية” مع واشنطن خارج إطار الاتحاد، ما يفكك تدريجيًا فكرة “السياسة الأمنية الأوروبية المشتركة”.
النتيجة المحتملة: تراجع مصداقية الاتحاد الأوروبي كفاعل جيوسياسي، وعودة أوروبا إلى وضع “التبعية الاستراتيجية” لواشنطن، مع فقدان الثقة في قدرتها على حماية مصالحها بشكل مستقل.
مؤشرات الترجيح: ما الذي يجب مراقبته في الأشهر القادمة؟
لا حاجة إلى التكهنات المفرطة لتحديد أي من السيناريوهات الثلاثة يتجه نحو التحقق. هناك مؤشرات ملموسة يمكن التقاطها مبكرًا:
أول المؤشرات: سرعة اكتمال المسار التشريعي للقرض وبداية الصرف الفعلي.
إذا تم تمرير الإطار القانوني بسلاسة في البرلمان الأوروبي والمجالس الوطنية، وإذا بدأت أوكرانيا في تلقي الدفعات الأولى خلال الربع الثاني من 2026 كما مخطط، فهذا يعني أن الآلية تعمل ويمكن الاعتماد عليها. أما إذا ظهرت عراقيل تشريعية أو سياسية تؤخر الصرف، فهذا إشارة إلى أن “الإجماع الأوروبي” أضعف مما يبدو على السطح.
ثاني المؤشرات: “حجم مشاركة شركاء مجموعة السبع في سد الفجوة المتبقية|. إذا أعلنت واشنطن أو لندن أو طوكيو عن مساهمات واضحة تقترب من التقدير الضمني (45 مليار يورو على عامين)، فهذا يعني أن العبء موزع بشكل معقول ويمكن استدامته. أما إذا كانت المساهمات غامضة أو مشروطة أو أقل بكثير من المتوقع، فهذا يعني أن الفجوة التمويلية حقيقية وقد تتحول إلى أزمة.
ثالث المؤشرات: **اتجاهات شروط المشتريات العسكرية**.
هل تبقى الاستثناءات التي تسمح بالشراء من خارج الاتحاد محدودة ومبررة، أم تتحول تدريجيًا إلى “قاعدة ضمنية” بفعل الضغوط؟ إذا وجدنا أن الجزء الأكبر من الإنفاق العسكري يذهب لشركات أوروبية، فهذا يعني أن القرض يتحول فعلًا إلى “رافعة صناعية”. أما إذا وجدنا أن جزءًا كبيرًا يذهب لموردين أميركيين أو آسيويين، فهذا يعني أن العائد الاستراتيجي الأوروبي محدود.
رابع المؤشرات: **تماسك محور باريس-برلين حول التمويل المشترك والدفاع الأوروبي**.
العلاقة بين فرنسا وألمانيا هي “العمود الفقري” للاتحاد الأوروبي، وأي خلاف جوهري بينهما يشل القدرة على التقدم. إذا تمكن ماكرون وشولتس (أو خلفاؤهما) من الحفاظ على خط مشترك حول أوكرانيا والدفاع، فهذا يعني أن الاتحاد قادر على الصمود. أما إذا ظهرت خلافات حادة، فهذا يعني أن الانقسام الداخلي أعمق مما يبدو.
خامس المؤشرات: **درجة توتر الخطاب الأميركي-الأوروبي وتحوله إلى إجراءات ملموسة**.
هل تبقى خلافات غرينلاند والتجارة والدفاع في إطار “المناوشات الكلامية”، أم تتحول إلى رسوم جمركية أو قيود على التصدير أو شروط أمنية صريحة؟ إذا بقيت في الإطار الأول، فالعلاقة قابلة للإدارة. أما إذا تحولت إلى الإطار الثاني، فالتوتر الأطلسي يدخل مرحلة جديدة أكثر خطورة.
الخيارات العملية: ثلاثة مسارات يجب إدارتها في آنٍ واحد
ليس المطلوب من أوروبا “المزيد من العناوين” أو “المزيد من الخطب”، بل ضبط ثلاثة مسارات حرجة في الوقت نفسه، بحيث يعزز كل مسار المسارين الآخرين ولا يتعارض معهما.
المسار الأول:
**تمويل مستدام لأوكرانيا يمنع العودة إلى سياسة “الإطفاء المالي” الدوري**.
هذا يتطلب، بجانب القرض الأوروبي، بناء آلية تنسيق واضحة وملزمة مع شركاء مجموعة السبع، بحيث تتحول مساهماتهم من “وعود سياسية” إلى “التزامات قابلة للقياس” ضمن جدول زمني محدد. كل دولة مانحة يجب أن تعرف بالضبط: كم ستدفع، ومتى، ولأي غرض، وبأي شروط. وكل مزايا تعاقدية أو صناعية يجب أن تُربط بمؤشرات أداء واضحة: سرعة التسليم، جودة المنتج، توافق المواصفات، وليس فقط “النفوذ السياسي” للدولة المانحة.
الهدف: تحويل دعم أوكرانيا من “مشروع خيري طوعي” إلى “استثمار استراتيجي مشترك” له قواعد واضحة وآليات مساءلة.
المسار الثاني : تحصين مؤسسي داخلي يمنع تحول آلية “التعاون المعزز” إلى عامل تفكيك .
استخدام هذه الآلية لتجاوز الفيتو كان ضروريًا، لكنه يجب أن يُستكمل بتفاهمات سياسية تقلل شعور الإقصاء لدى الدول غير المشاركة. كيف؟ عبر تقديم “تعويضات” في ملفات أخرى تهم تلك الدول (تمويل لمشاريع بنى تحتية، دعم في ملف الهجرة، مرونة في تطبيق قواعد مالية معينة)، أو عبر فتح “قنوات مشاركة غير مالية” تسمح لها بالتأثير على القرار دون تحمل الكلفة (مثلاً، مشاركة في لجان رقابية، أو في آليات تنسيق الشراء).
الهدف: منع تحول “تجاوز الفيتو” إلى “وقود لتيارات تفكيكية”، عبر الحفاظ على شعور بالانتماء والتأثير حتى لدى الدول التي لا تشارك ماليًا.
المسار الثالث :
بناء استقلالية اقتصادية-أمنية حقيقية عبر تحويل القروض والمشتريات إلى أداة لتعميق القدرات الإنتاجية الأوروبية**. هذا يعني أن الإنفاق العسكري الكبير يجب أن يُوجه بشكل استراتيجي نحو بناء سلاسل إمداد أوروبية، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، وتسريع التسليم بما يقلل الاعتماد على موردين خارجيين. في الوقت نفسه، يجب الحفاظ على انفتاح براغماتي على الشركاء الموثوقين (مثل المملكة المتحدة) وفق قواعد شفافة تتعلق بتقاسم الكلفة والمنافع وتسريع التسليم.
الهدف: تحويل القرض من “جسر مالي مؤقت” إلى “رافعة سيادة دائمة” تعيد تشكيل البنية الصناعية والأمنية الأوروبية على المدى الطويل.
خلاصة: واقفة، لكن ليس بثبات
أوروبا، وهي تدخل عام 2026، ليست عاجزة كما يحلو للبعض تصويرها، لكنها بالتأكيد ليست في موقع مريح أو مستقر. ما جرى في نهاية 2025 ومطلع 2026 يشير بوضوح إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك القدرة على إعادة هندسة قواعده المؤسسية عندما يشعر بأن أمنه الأساسي على المحك: قرض بتسعين مليار يورو لأوكرانيا، وتدابير قانونية تحمي الأصول الروسية المجمدة من التعطيل السياسي، ومسارات قرار تتجاوز شرط الإجماع التقليدي. هذه “الترقيعات الذكية” تثبت أن أوروبا ليست عاجزة عن الفعل.
لكن السؤال الحقيقي ليس “هل تستطيع أوروبا أن تفعل؟”، بل “هل تستطيع أن تستدام ما فعلت؟”. نجاح هذه الأدوات يتوقف على قدرة الاتحاد على تحويلها من استجابات طارئة إلى سياسة عامة متماسكة: تمويل يُغلق فجواته ولا يخلق أزمات جديدة، ووحدة سياسية تمنع تحول الأدوات المؤسسية إلى مصدر انقسام داخلي، ورؤية أطلسية واضحة تمنع الانزلاق إلى صراع مصالح بين حلفاء يفترض أنهم شركاء في مصير مشترك.
دون ذلك، ستبقى أوروبا “واقفة بالكاد”، وهذه ليست وضعية تصلح لمواجهة عام قد يحمل أكثر من اختبار حاد في الوقت نفسه: على الجبهة الشرقية، على الجبهة الأطلسية، على الجبهة الاقتصادية، وعلى الجبهة السياسية الداخلية. الرهان الحقيقي ليس على “البقاء واقفة”، بل على “التحول من الوقوف المتعثر إلى المشي الثابت نحو السيادة الفعلية”.













