أوروبا والشرق الأوسط: قوة كثيرة الأدوات قليلة القرار
من غزة وسوريا والعراق ولبنان إلى مصر والخليج: قراءة في الطموح الأوروبي بين إدارة المخاطر وصناعة النفوذ
ملخص تنفيذي
لم يعد الشرق الأوسط بالنسبة إلى أوروبا مجالًا خارجيًا يمكن التعامل معه من مسافة آمنة. فالحرب في غزة، وتحولات سوريا، وهشاشة لبنان، وتعقيدات العراق، واضطراب البحر الأحمر، وأهمية مصر والخليج، لم تعد ملفات منفصلة في سياسة الجوار، بل صارت امتدادًا مباشرًا للأمن الأوروبي الداخلي: هجرة، وطاقة، وتجارة، واستقطاب سياسي، وصعود يميني، وضغط أخلاقي على خطاب أوروبا الحقوقي.
تجادل هذه الورقة بأن الاتحاد الأوروبي يملك حضورًا واسعًا في الشرق الأوسط، لكنه لا يملك نفوذًا حاسمًا بالقدر نفسه. فهو حاضر في التمويل، والمساعدات، والعقوبات، واتفاقات الشراكة، وبعثات الأمن المدني، وإعادة الإعمار، والخطاب القانوني؛ لكنه يتراجع عند لحظة القرار الصلب، حيث تتقدم الولايات المتحدة، وتتحرك القوى الإقليمية، وتنكشف حدود الإجماع الأوروبي.
ليست هناك «أوروبا واحدة» في المنطقة. هناك بروكسل بأدواتها المؤسسية، وفرنسا بطموحها الجيوسياسي، وألمانيا بحذرها التاريخي والسياسي، وإيطاليا بمنظارها المتوسطي، وإسبانيا وإيرلندا وبلجيكا بخط أكثر حساسية تجاه فلسطين والقانون الدولي. لذلك لا يتمثل السؤال في ما إذا كانت أوروبا قادرة على الحلول محل الولايات المتحدة، بل في ما إذا كانت تستطيع تحويل قوتها الاقتصادية والقانونية إلى نفوذ سياسي يمنع احتكار واشنطن لترتيبات ما بعد الحرب.
تخلص الورقة إلى أن أوروبا مرشحة لأن تكون لاعبًا مهمًا في هندسة ما بعد الأزمات، لا في حسم الأزمات ذاتها. ففي غزة، يمكنها تمويل التعافي وإسناد السلطة الفلسطينية. وفي سوريا، تختبر الانتقال من العقوبات إلى الانخراط المشروط. وفي العراق، تدعم الدولة من دون امتلاك المعادلة. وفي لبنان، تصطدم حدود المال الأوروبي بسؤال السلاح والسيادة. أما في مصر والخليج وشرق المتوسط، فتتشكل مقايضة استراتيجية أوسع: الاستقرار مقابل التمويل، والطاقة مقابل الشراكة، وضبط الهجرة مقابل الاستثمار.
الكلمات المفتاحية
أوروبا؛ الشرق الأوسط؛ غزة؛ سوريا؛ العراق؛ لبنان؛ مصر؛ الخليج؛ الهجرة؛ الطاقة؛ القوة الأوروبية؛ الولايات المتحدة؛ إعادة الإعمار.
الإشكالية والفرضية
تسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤال مركزي: إلى أي حد تستطيع أوروبا تحويل ثقلها الاقتصادي والقانوني والتمويلي في الشرق الأوسط إلى نفوذ سياسي فعلي، في ظل استمرار الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة والانقسام الداخلي بين عواصم الاتحاد الأوروبي؟
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الطموح الأوروبي في الشرق الأوسط أكبر من قدرته التنفيذية. فالاتحاد الأوروبي حاضر بقوة في التمويل، والهجرة، والطاقة، وإعادة الإعمار، والدبلوماسية القانونية، لكنه أقل حضورًا في لحظة القرار الصلب؛ حيث تتقدم الولايات المتحدة، وتتحرك القوى الإقليمية، وتظهر حدود الإجماع الأوروبي.
مقدمة: أوروبا عند حدودها الجنوبية غير المعلنة
لم تعد أوروبا تستطيع النظر إلى الشرق الأوسط بوصفه جوارًا مضطربًا يقع خارج مجالها الحيوي المباشر. فالتجربة الممتدة من حرب أوكرانيا إلى حرب غزة، ومن اضطراب البحر الأحمر إلى أزمات الهجرة، أعادت تعريف المسافة بين القارة الأوروبية والمنطقة العربية. لم يعد المتوسط حاجزًا جغرافيًا، بل صار ممرًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا تنتقل عبره الأزمات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الأوروبية على امتصاصها.
لهذا، لا تبدو السياسة الأوروبية الراهنة تجاه الشرق الأوسط صحوة أخلاقية مفاجئة، ولا عودة استعمارية مقنّعة، ولا محاولة مكتملة للحلول محل الولايات المتحدة. إنها، في جوهرها، محاولة لإدارة الخطر قبل وصوله إلى الداخل الأوروبي. غزة تضغط على صدقية الخطاب الأوروبي عن القانون الدولي. سوريا ولبنان والعراق تضغط على ملف الهجرة والأمن والاستقرار. البحر الأحمر يضغط على التجارة والأسعار وسلاسل الإمداد. مصر والخليج يفرضان نفسيهما بوصفهما شريكين لا يمكن تجاوزهما في الطاقة والممرات والاستثمار وإعادة الإعمار.
من هنا تنطلق الفرضية الأساسية لهذه الورقة: أوروبا لا تعاني من غياب الأدوات، بل من صعوبة تحويل الأدوات إلى سياسة موحدة. فهي تملك المال، والسوق، والقانون، والعقوبات، والمساعدات، وبعثات التدريب، وبرامج الجوار، وأدوات إعادة الإعمار. لكنها لا تملك دائمًا إرادة سياسية واحدة تجعل هذه الأدوات قوة إلزام. هذه هي المعضلة الأوروبية في الشرق الأوسط: قوة مؤسسية كبيرة، وقرار جيوسياسي متردد.
وقد عبّرت بروكسل عن هذا الإدراك في «الميثاق من أجل المتوسط» وخطة عمله الأولى، التي قدّمتها المفوضية الأوروبية في نيسان/أبريل 2026، عبر محاور تتعلق بالناس والاتصال والابتكار، والاقتصاد والاستثمار، والأمن والاستقرار والهجرة. هذه الصياغة لا تكشف سياسة جوار تقليدية فقط، بل محاولة لإعادة هندسة العلاقة مع الضفة الجنوبية للمتوسط بوصفها جزءًا من أمن أوروبا الأوسع [1].
أولًا: من القوة المعيارية إلى قوة إدارة المخاطر
قدّمت أوروبا نفسها طويلًا بوصفها «قوة معيارية»؛ أي قوة تفضّل القانون، والمؤسسات، وحقوق الإنسان، والتعددية الدولية، والحلول السياسية. غير أن الشرق الأوسط يختبر هذا التصور في كل أزمة كبرى. فالقانون يحتاج إلى أدوات إلزام. والبيانات تحتاج إلى تكلفة سياسية. والمساعدات لا تكفي وحدها لصناعة تسوية. لذلك انتقلت أوروبا تدريجيًا من خطاب «نشر المعايير» إلى منطق أكثر واقعية: إدارة المخاطر.
لا يعني ذلك أن القيم اختفت من السياسة الأوروبية، لكنها لم تعد وحدها محرك القرار. حين تتعامل أوروبا مع مصر، فهي لا تفكر فقط في الإصلاح السياسي، بل في غزة، وقناة السويس، وشرق المتوسط، والهجرة، والطاقة. وحين تتعامل مع لبنان، لا تفكر فقط في المساعدات، بل في القرار 1701، والجيش اللبناني، واللاجئين السوريين، ومنع الانهيار. وحين تنظر إلى العراق، لا ترى بلدًا نفطيًا فقط، بل عقدة بين إيران وتركيا والخليج وسوريا والولايات المتحدة. وحين تعيد فتح نافذة الانخراط مع سوريا، لا تفعل ذلك بدافع إنساني صرف، بل لأن استمرار التفكك السوري يصدّر الهجرة، والتهريب، والتطرف، والفراغ الاستراتيجي.
تتضح هذه النقلة في أن السياسة الأوروبية لم تعد تسأل فقط: ما الموقف الصحيح قانونيًا؟ بل تسأل أيضًا: ما الكلفة الأمنية والاقتصادية والسياسية إذا تُركت الأزمة بلا إدارة؟ هنا يصبح الشرق الأوسط «داخلًا أوروبيًا مؤجلًا»، لا مجرد خارج جغرافي. وهذا ما يفسر أن أوروبا تبدو أكثر حضورًا في ملفات المنطقة، حتى وهي أقل قدرة على حسمها.
ثانيًا: ليست هناك أوروبا واحدة في الشرق الأوسط
أحد أسباب ضعف الأثر الأوروبي أن «أوروبا» ليست فاعلًا واحدًا في الشرق الأوسط. ثمة أوروبا مؤسساتية تمثلها بروكسل، وأوروبا فرنسية تفكر بلغة النفوذ، وأوروبا ألمانية مشدودة إلى الذاكرة التاريخية والحذر تجاه إسرائيل، وأوروبا إيطالية ترى جنوب المتوسط من زاوية الهجرة والغاز وليبيا، وأوروبا إسبانية ـ إيرلندية ـ بلجيكية أكثر استعدادًا لرفع سقف المساءلة في الملف الفلسطيني.
بروكسل تملك أدوات مؤثرة: اتفاقات شراكة، وتمويل، وعقوبات، ومساعدات، وبرامج جوار، وبعثات مدنية، وآليات حوار. لكنها لا تملك وحدها قرار السياسة الخارجية إذا انقسمت العواصم. فرنسا تستطيع المبادرة، لكنها لا تستطيع تحويل التصور الفرنسي إلى موقف أوروبي شامل. ألمانيا قادرة على التمويل والتثبيت، لكنها شديدة الحذر سياسيًا في الملف الإسرائيلي. إيطاليا تتحرك حيث يتقاطع البحر والطاقة والهجرة. أما الدول الأكثر تشددًا حيال إسرائيل، مثل إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا، فتستطيع تغيير نبرة النقاش الأوروبي، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة قرار اتحادي حاسم.
هذا الانقسام لا يلغي أثر أوروبا، لكنه يفسر طبيعته. أوروبا تستطيع التمويل أكثر مما تستطيع الإكراه. تستطيع بناء المؤسسات أكثر مما تستطيع فرض التسويات. تستطيع صياغة لغة قانونية قوية، لكنها تتردد في تحويلها إلى ضغط اقتصادي أو سياسي واسع. ولهذا يظهر الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط كقوة متعددة الأذرع، لكنها بلا قبضة واحدة.
تدل تصريحات المسؤولين الأوروبيين بعد اجتماعات مجلس الشؤون الخارجية على هذا التوتر بين الرغبة في رفع الكلفة السياسية لبعض السلوكيات وبين صعوبة إنتاج توافق أوروبي سريع حول أدوات العقاب أو التعليق أو المراجعة، ولا سيما في الملفات المتصلة بإسرائيل وغزة [12].
ثالثًا: غزة بوصفها مرآة العجز الأوروبي
غزة هي الاختبار الأشد للسياسة الأوروبية. ففيها تتقاطع كل عناصر المعضلة: القانون الدولي، والعلاقة مع إسرائيل، والضغط الشعبي داخل أوروبا، والانقسام بين الدول الأعضاء، والعلاقة مع واشنطن، ومستقبل حل الدولتين. الاتحاد الأوروبي يكرر التزامه بحل الدولتين، ويدعم الفلسطينيين ماليًا، ويمتلك أدوات مهمة عبر المساعدات والبعثات المدنية والتمويل، لكنه عجز طويلًا عن تحويل هذا الثقل إلى تأثير حاسم على مسار الحرب أو شروط التسوية.
أعاد المجلس الأوروبي في آذار/مارس 2026 تأكيد استعداد الاتحاد للعمل على تنفيذ الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة وفق قرار مجلس الأمن 2803، ودعا إلى فتح معبر رفح وتفعيل بعثة المساعدة الحدودية الأوروبية، كما شدد على حل الدولتين واحترام القانون الدولي. هذه صياغة مهمة سياسيًا، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود الفعل الأوروبي: الاتحاد حاضر في التنفيذ، لا في فرض القرار الأصلي [2].
ماليًا، لا يمكن تجاهل وزن أوروبا. فقد قدم الاتحاد الأوروبي 400 مليون يورو دعمًا طارئًا للسلطة الفلسطينية بين تموز/يوليو 2024 وشباط/فبراير 2025، واقترح برنامجًا متعدد السنوات بقيمة 1.6 مليار يورو للفترة 2025–2027 للتعافي في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، بينها 620 مليون يورو دعمًا مباشرًا للسلطة الفلسطينية مرتبطًا جزئيًا بالإصلاحات [3].
لكن فجوة غزة ليست مالية. إنها فجوة سياسية. ما تحتاجه أوروبا ليس مزيدًا من البيانات أو التمويل فقط، بل تحويل التمويل إلى شروط، والشراكة إلى مساءلة، والقانون إلى أدوات ضغط. ما لم تفعل ذلك، ستبقى في غزة ممولًا ضروريًا، لا صانعًا للمسار. وهذه هي المفارقة: أوروبا تدفع كلفة الأزمة، لكنها لا تحدد دائمًا شروط نهايتها.
رابعًا: سوريا — اختبار الانتقال من العقوبات إلى الانخراط المشروط
تستحق سوريا موقعًا مركزيًا في تحليل الطموح الأوروبي، لأنها تكشف انتقالًا مهمًا من سياسة العزل إلى سياسة الانخراط المحسوب. طوال سنوات الحرب، تعامل الاتحاد الأوروبي مع سوريا عبر ثلاث بوابات: العقوبات، والمساعدات الإنسانية، واللاجئون. وكانت إعادة الإعمار مشروطة بمسار سياسي موثوق. غير أن استمرار التفكك، وتعدد مناطق النفوذ، وتعب أوروبا من ملف اللاجئين، وتصاعد الحاجة إلى استقرار الجوار، دفعت بروكسل إلى إعادة تقدير أدواتها.
في أيار/مايو 2025، رفع الاتحاد الأوروبي جميع العقوبات الاقتصادية على سوريا لدعم الانتقال السياسي الشامل والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستقرار، مع الإبقاء على عقوبات مرتبطة بالنظام السابق وباعتبارات أمنية. هذه خطوة ذات دلالة عميقة: أوروبا لم تتخل عن منطق المشروطية، لكنها أدركت أن العقوبات وحدها لا تصنع انتقالًا ولا تبني اقتصادًا ولا تعيد اللاجئين [4].
الإيجابي في المقاربة الأوروبية الجديدة أنها تفتح نافذة أمام التعافي الاقتصادي، وتمنح أوروبا قدرة أكبر على التأثير في مسارات إعادة البناء، بدل ترك سوريا بالكامل لقوى أخرى. غير أن هذه الإيجابية محدودة بشروط صعبة: من يضمن أن إعادة الإعمار لن تتحول إلى إعادة إنتاج للنفوذ القديم؟ من يراقب حقوق الملكية وعودة اللاجئين؟ من يربط التمويل بالحوكمة والمساءلة؟ ومن يمنع أن يصبح الانخراط الأوروبي مجرد اعتراف بالأمر الواقع؟
التوقع الأقرب أن تتحرك أوروبا في سوريا عبر ثلاث طبقات. الأولى هي تطبيع تدريجي قابل للعكس، بحيث لا يكون الانفتاح تفويضًا مفتوحًا. الثانية هي دعم اقتصادي وإنساني انتقائي يركز على الاستقرار المحلي والخدمات الأساسية. الثالثة هي ربط إعادة الإعمار بمؤسسات جامعة، لا بمجرد تدفق مالي إلى بنية سياسية هشّة.
بهذا المعنى، تمثل سوريا اختبارًا مزدوجًا: هل تستطيع أوروبا الانتقال من عقوبة بلا أفق إلى انخراط بلا سذاجة؟ وهل تستطيع تحويل إعادة الإعمار إلى أداة لبناء نفوذ سياسي، لا إلى تمويل إضافي لمنظومات محلية أو خارجية أكثر قدرة منها على التحكم بالأرض؟
خامسًا: العراق — دعم الدولة من دون امتلاك المعادلة
العراق حالة مختلفة. فهو ليس ملفًا إنسانيًا صرفًا مثل لبنان في لحظات الانهيار، ولا ملف انتقال معقدًا مثل سوريا، ولا ساحة مواجهة مركزية كغزة. إنه دولة محورية تقع عند تقاطع إيران، وتركيا، والخليج، وسوريا، والولايات المتحدة. لذلك ترى أوروبا العراق بوصفه دولة يجب أن تبقى مستقرة بما يكفي حتى لا تتحول إلى منصة اضطراب إقليمي أو مصدر جديد للهجرة والتطرف.
تستند العلاقة الأوروبية ـ العراقية إلى اتفاق الشراكة والتعاون الموقع عام 2012، والذي دخل حيز التنفيذ في آب/أغسطس 2018. وتعرض بروكسل هذه العلاقة بوصفها شراكة في مجالات المساعدات الإنسانية، والاستقرار، وإعادة الإعمار، وحقوق الإنسان، والهجرة، والأمن، والإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي [6].
غير أن الدلالة الأعمق تكمن في نوع الأداة التي تختارها أوروبا. فهي لا تنافس الولايات المتحدة عسكريًا في العراق، ولا تملك نفوذ إيران الشبكي، ولا قدرة تركيا الحدودية. لكنها تعمل في المساحة التي تجيدها: بناء المؤسسات، ودعم إصلاح القطاع الأمني المدني، وتثبيت الدولة بوصفها مرجعية لا ساحة مفتوحة للفصائل. وقد مدد مجلس الاتحاد الأوروبي ولاية بعثة الاتحاد الاستشارية لدعم إصلاح القطاع الأمني في العراق حتى 30 نيسان/أبريل 2026، مع تخصيص قرابة 66 مليون يورو للفترة الممتدة من أيار/مايو 2024 إلى نيسان/أبريل 2026 [5].
الإيجابي في هذا المسار أنه لا يتعامل مع العراق كرقعة شطرنج فقط، بل كدولة تحتاج إلى ترميم أدواتها. فالدعم الأوروبي للأمن المدني، والحوكمة، والهجرة، والطاقة، والتعليم، يعطي بغداد هامشًا إضافيًا خارج الاستقطاب الأميركي ـ الإيراني. لكنه يظل هامشًا محدودًا؛ لأن أوروبا لا تستطيع وحدها ضبط الفصائل، ولا معالجة الاقتصاد الريعي، ولا إعادة ترتيب توازنات الداخل العراقي.
لذلك سيكون الدور الأوروبي في العراق دور «المثبت» لا «المقرر». إنه يخفف هشاشة الدولة، لكنه لا يملك وحده إعادة تشكيلها. وهذه وظيفة مهمة، وإن بدت أقل جاذبية من المبادرات الكبرى: حماية الاستقرار التدريجي بدل الوعود الكبرى التي لا تصمد أمام تعقيد العراق.
سادسًا: لبنان — حين يصطدم المال بسؤال السيادة
لبنان هو الحالة التي تكشف بوضوح حدود المال الأوروبي. فالأزمة اللبنانية ليست مالية فقط، ولا إنسانية فقط، ولا أمنية فقط. إنها أزمة دولة، وسيادة، ونظام سياسي، وسلاح، وانهيار مصرفي، ولاجئين، وحدود مفتوحة على صراع إقليمي. لذلك يصعب على أوروبا أن تحول دعمها إلى نفوذ حاسم ما لم يتقاطع مع إرادة لبنانية داخلية وضغط أميركي ـ عربي موازٍ.
أعلنت أوروبا حزمة دعم للبنان بقيمة مليار يورو للفترة 2024–2027، تستهدف الخدمات الأساسية، والإصلاحات الاقتصادية والمالية والمصرفية، وإدارة الحدود. وفي آذار/مارس 2026، أعلنت المفوضية أنها تحشد إجراءات من ضمن هذه الحزمة، إلى جانب 100 مليون يورو مساعدات إنسانية، مع تصاعد الأزمة والنزوح [11].
لكن الأهم من حجم المال هو وجهته السياسية. فقد اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي في كانون الثاني/يناير 2025 إجراء مساعدة ثالثًا بقيمة 60 مليون يورو عبر مرفق السلام الأوروبي لدعم الجيش اللبناني، بما يعزز قدرته على إعادة الانتشار والحفاظ على الاستقرار جنوب الليطاني، في سياق القرار 1701 [10]. كما دعا المجلس الأوروبي في آذار/مارس 2026 إلى احترام وتنفيذ وقف إطلاق النار المعلن في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والتطبيق الكامل للقرار 1701، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه [2].
هنا يظهر التحول الأوروبي من إدارة الانهيار إلى محاولة دعم مؤسسات السيادة. لم تعد أوروبا تريد فقط تمويل الخدمات كي لا ينفجر المجتمع اللبناني؛ إنها تريد تقوية ما تبقى من الدولة، خصوصًا الجيش، والحدود، والإدارة، والخدمات الأساسية. لكنها لا تستطيع وحدها حسم السؤال اللبناني الأكبر: من يحتكر قرار السلاح والحرب والسلم؟
الإيجابي أن أوروبا تمنح الدولة اللبنانية رئة مالية وأمنية في لحظة خطرة. أما الحد البنيوي فهو أن الدعم لا يصبح نفوذًا إذا بقي النظام السياسي قادرًا على امتصاصه من دون إصلاح، وإذا بقي ملف السلاح خارج قدرة الدولة، وإذا بقيت الحدود الجنوبية رهينة توازن لا يقرره لبنان وحده.
المتوقع أن يتعمق الدور الأوروبي في لبنان من بوابة ثلاثية: الأمن، والإصلاح، والهجرة. ستدعم أوروبا الجيش وإدارة الحدود، وتربط مساعداتها بخطاب إصلاحي أشد، وتسعى إلى منع موجات نزوح جديدة. لكنها لن تتحول إلى ضامن أمني كامل. لبنان بالنسبة إلى أوروبا ليس بلدًا يحتاج إلى تمويل فقط، بل اختبار لما إذا كان المال يستطيع خدمة السيادة لا تأجيل الانهيار.
سابعًا: مصر والخليج وشرق المتوسط — مقايضة الاستقرار والمصالح
إذا كانت سوريا والعراق ولبنان تكشف حدود الدور الأوروبي في الدول الهشة، فإن مصر والخليج وشرق المتوسط يكشفون منطق المصالح الكبرى. هنا لا تتحرك أوروبا فقط بمنطق إدارة الأزمات، بل بمنطق المقايضة الاستراتيجية: الاستقرار مقابل التمويل، والطاقة مقابل الشراكة، وضبط الهجرة مقابل الاستثمار، والتعاون الأمني مقابل اعتراف سياسي بالدور الإقليمي.
مصر نموذج واضح. فقد رُفعت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومصر في آذار/مارس 2024 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية والشاملة، مع تحديد ست أولويات مشتركة تشمل العلاقات السياسية، والاستقرار الاقتصادي، والتجارة والاستثمار المستدامين، والهجرة والتنقل، والأمن، والناس والمهارات. كما يقدم الاتحاد الأوروبي حزمة دعم لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو للفترة 2024–2027 [7].
لا يمكن قراءة هذه الحزمة كدعم اقتصادي فقط. إنها جزء من إدراك أوروبي بأن مصر تمسك بعدة مفاتيح في وقت واحد: غزة، وقناة السويس، وشرق المتوسط، والهجرة، والطاقة. بالنسبة إلى أوروبا، مصر ليست دولة جوار عادية، بل دولة ارتكاز. لذلك يصبح دعم استقرارها جزءًا من حماية المصالح الأوروبية، لا مجرد تعاون تنموي.
أما الخليج، فقد خرج في الرؤية الأوروبية من صورة «خزان الطاقة» إلى صورة الشريك الاستراتيجي. الوثيقة الأوروبية بشأن الشراكة الاستراتيجية مع الخليج عام 2022 تربط العلاقة بالتجارة، والاستثمار، وأمن الطاقة، والتحول الأخضر، والصحة العالمية، والتنمية، والمساعدات الإنسانية، والاستقرار الإقليمي. كما تؤكد استنتاجات المجلس بشأن الخليج أهمية الشراكة الأوروبية ـ الخليجية في سياق أمن الطاقة والتحول الأخضر بعد الحرب الروسية على أوكرانيا [8].
وفي البحر الأحمر، أظهرت عملية «أسبيدس» أن الأمن البحري لم يعد ملفًا بعيدًا. فقد مدد مجلس الاتحاد الأوروبي تفويض العملية حتى 28 شباط/فبراير 2027 لحماية حرية الملاحة والأمن البحري في البحر الأحمر ومحيطه. هذه ليست قوة حسم إقليمي، لكنها مؤشر على أن أوروبا بدأت تدرك أن الممرات البحرية جزء من أمنها الاقتصادي المباشر [9].
هكذا تتشكل مقاربة أوروبية أكثر براغماتية: لا تبحث أوروبا عن شرق أوسط مثالي، بل عن شرق أوسط قابل للإدارة. تريده مستقرًا بما يكفي لحماية التجارة، ومفتوحًا بما يكفي لتبادل الطاقة والاستثمار، ومتعاونًا بما يكفي لضبط الهجرة، وغير خاضع بالكامل لقوى منافسة مثل الصين وروسيا.
ثامنًا: أدوات أوروبا الثقيلة ولماذا تبدو خفيفة سياسيًا
تمتلك أوروبا في الشرق الأوسط ست أدوات رئيسية. الأولى هي السوق؛ فالاتحاد الأوروبي سوق ضخم، والوصول إليه أو الاقتراب من معاييره يمنح بروكسل قدرة تأثير تنظيمية وتجارية معتبرة. الثانية هي المال؛ فمن فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق ومصر، تستطيع أوروبا تمويل المساعدات، والتعافي، والخدمات، والحوكمة، وبرامج الإصلاح.
الأداة الثالثة هي القانون. أوروبا قادرة على منح أي مسار سياسي غطاءً قانونيًا ودبلوماسيًا، خصوصًا في فلسطين ولبنان وسوريا. غير أن القانون من دون تكلفة يصبح لغة احتجاج أكثر منه سياسة. الرابعة هي العقوبات. وهي لا تحسم دائمًا، لكنها تخلق كلفة، وترسم حدودًا بين الانخراط والمكافأة.
الأداة الخامسة هي البعثات والمؤسسات. أوروبا تعمل ببطء عبر بعثات أمن مدني، وبرامج دعم، ومجالس شراكة، وآليات حوار. هذه الأدوات لا تصنع أثرًا سريعًا، لكنها تراكم نفوذًا مستقرًا. السادسة هي إعادة الإعمار؛ فمن غزة إلى سوريا ولبنان، لا يمكن لأي تسوية أن تستقر من دون تمويل أوروبي أو غربي واسع. وهنا تكمن إحدى أقوى أوراق أوروبا المستقبلية.
لكن هذه الأدوات لا تعمل بذاتها. السوق يحتاج إلى شرط سياسي. المال يحتاج إلى آلية مساءلة. القانون يحتاج إلى كلفة. العقوبات تحتاج إلى إجماع. البعثات تحتاج إلى بيئة محلية قابلة للإصلاح. وإعادة الإعمار تحتاج إلى سلطة شرعية ومؤسسات قابلة للمحاسبة. لذلك تبدو أوروبا أحيانًا كمن يملك مفاتيح كثيرة، لكنه يقف أمام أبواب لا يستطيع فتحها منفردًا.
تاسعًا: ما المتوقع؟
لن تحل أوروبا محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. هذا غير واقعي في المدى المنظور. واشنطن ما زالت تملك العلاقة الأمنية الأوثق بإسرائيل، والحضور العسكري الأكبر، والتأثير الأعمق في الخليج، والقدرة الأوسع على إدارة ترتيبات الحرب والردع. لكن ذلك لا يعني أن أوروبا هامشية.
الأرجح أن يتعاظم الدور الأوروبي في ما بعد الأزمات لا في لحظة الانفجار. في غزة، ستظهر أوروبا في إعادة الإعمار، ودعم السلطة الفلسطينية، وإعادة تشغيل أدوات الحدود والشرطة، وتمويل التعافي، وربما في ممارسة ضغط قانوني واقتصادي أكبر إذا ازداد الضغط الداخلي الأوروبي. في سوريا، ستواصل الانخراط المشروط وربط التعافي بمسار سياسي ومؤسسي. في العراق، ستدعم الدولة والأمن المدني والطاقة والهجرة من دون تحدّ مباشر للقوى الكبرى. في لبنان، ستربط المال بالأمن والإصلاح وتنفيذ 1701، لكنها ستبقى عاجزة عن حسم ملف السلاح منفردة. وفي مصر والخليج، ستتوسع الشراكات في الطاقة، والهجرة، والأمن البحري، والاستثمار.
بمعنى آخر، لن تنافس أوروبا واشنطن في غرفة العمليات، لكنها تستطيع أن تنافسها في غرفة التسوية، والتمويل، والشرعية، وإعادة الإعمار. وهذه مساحة مهمة، لكنها مشروطة بقدرة أوروبا على تحويل أدواتها إلى شروط سياسية لا إلى تعويضات مالية.
خاتمة: ممول للأزمات أم صانع لشروطها؟
تكشف السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط عن قوة غير مكتملة. الاتحاد الأوروبي ليس لاعبًا هامشيًا، لكنه ليس قوة حاسمة. هو حاضر في المال، والقانون، والمساعدات، والهجرة، والطاقة، وإعادة الإعمار، لكنه يتراجع عند لحظة القرار الصلب، حيث تتقدم الولايات المتحدة، وتتحرك القوى الإقليمية، وتظهر حدود الإجماع الأوروبي.
لا تكمن مشكلة أوروبا في نقص الأدوات، بل في نقص القدرة على جمعها داخل إرادة سياسية واحدة. بروكسل تستطيع التمويل والتنظيم. فرنسا تستطيع المبادرة. ألمانيا تستطيع تثبيت الموارد. إيطاليا تستطيع قراءة المتوسط بلغة الأمن الداخلي. إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا تستطيع رفع السقف القانوني والأخلاقي. لكن تحويل هذه الطبقات إلى سياسة أوروبية واحدة ما زال هو العقدة المركزية.
في سوريا، تختبر أوروبا قدرتها على الانتقال من العقوبات إلى الانخراط المشروط. وفي العراق، تختبر قدرتها على دعم الدولة من دون امتلاك المعادلة. وفي لبنان، تختبر حدود المال أمام سؤال السيادة والسلاح. وفي غزة، تختبر صدقية خطابها القانوني أمام أزمة أخلاقية وسياسية مفتوحة. وفي مصر والخليج، تختبر قدرتها على بناء شراكات مصالح طويلة الأمد لا مجرد إدارة أزمات متفرقة.
لذلك لا ينبغي القول إن أوروبا تملأ الفراغ الأميركي في الشرق الأوسط. الأدق أنها تحاول تقليل كلفة الاعتماد على واشنطن، وتوسيع هامشها في ترتيبات ما بعد الحرب، والهجرة، والطاقة، وإعادة الإعمار، والاستقرار المؤسسي.
حين تدفع أوروبا المال من دون أن تصنع القرار، تصبح ممولًا للأزمات. وحين تربط مالها وسوقها وشراكاتها بالقانون والاستقرار، تبدأ بالتحول إلى لاعب سياسي. هذا هو الاختبار الحقيقي لأوروبا في الشرق الأوسط.
مراجع مختارة
[1] المفوضية الأوروبية، 16 نيسان/أبريل 2026، «خطة العمل الأولى ضمن الميثاق من أجل المتوسط». الرابط
[2] مجلس الاتحاد الأوروبي، 19 آذار/مارس 2026، «استنتاجات المجلس الأوروبي بشأن الشرق الأوسط». الرابط
[3] المفوضية الأوروبية، «الأزمة في الشرق الأوسط: الدعم المالي الأوروبي». الرابط
[4] جهاز العمل الخارجي الأوروبي، «الاتحاد الأوروبي وسوريا». الرابط
[5] مجلس الاتحاد الأوروبي، 29 نيسان/أبريل 2024، «تمديد ولاية بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية لإصلاح القطاع الأمني في العراق حتى 2026». الرابط
[6] جهاز العمل الخارجي الأوروبي، «الاتحاد الأوروبي والعراق». الرابط
[7] المفوضية الأوروبية ـ إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، «مصر: الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الاتحاد الأوروبي ومصر». الرابط
[8] المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، 18 أيار/مايو 2022، «شراكة استراتيجية مع الخليج». الرابط
[9] مجلس الاتحاد الأوروبي، 23 شباط/فبراير 2026، «البحر الأحمر: تمديد ولاية عملية أسبيدس لحماية حرية الملاحة». الرابط
[10] مجلس الاتحاد الأوروبي، 21 كانون الثاني/يناير 2025، «مرفق السلام الأوروبي: إجراء مساعدة ثالث لدعم الجيش اللبناني». الرابط
[11] المفوضية الأوروبية ـ إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، 23 آذار/مارس 2026، «تعزيز المساعدات الأوروبية للبنان مع تعمق الأزمة». الرابط
[12] جهاز العمل الخارجي الأوروبي، 20 أيار/مايو 2025، «تصريحات الممثلة العليا كايا كالاس عقب اجتماع مجلس الشؤون الخارجية». الرابط




