الأربعاء, أبريل 22, 2026
  • من نحن
  • إرشادات النشر العلمي والتحليلي
  • انشر معنا
  • تسجيل الدخول
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .

حين يسبق الرئيسُ التفويض: معركة صلاحيات الحرب في واشنطن ولماذا باتت أخطر في لحظة التوتر الدولي

euarsc بواسطة euarsc
أبريل 21, 2026
في ملفات بحثية
وقت القراءة:2 دقائق القراءة
A A
0
الرئيسية ملفات بحثية
0
شارك
1
آراء
شارك على فيسبوكشارك على تويترشارك على الواتس أبشارك على تليغرام

صلاحيات الرئيس الأميركي في الحرب: كيف تراجع دور الكونغرس؟

قراءة في الصراع الدستوري بين البيت الأبيض والكونغرس حول استخدام القوة، في وقت تجعل فيه الأزمات الدولية كلفة الانفراد بالقرار أعلى من أي وقت مضى.

 

الملخص

تعيد هذه الدراسة فحص اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و«إسرائيل» في ضوء الجدل الذي انفجر داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي خلال عامي 2025 و2026 حول إمكان تعليق الاتفاقية أو تجميد بعض امتيازاتها استنادًا إلى المادة 2 الخاصة بحقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية. تنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أن الاتفاقية لم تعد، بعد ثلاثة عقود من بنائها المؤسسي، مجرد قناة لتنظيم التجارة؛ بل غدت بنية ارتباط متعددة الطبقات تشمل الحوار السياسي، والنفاذ التفضيلي إلى السوق الأوروبية، والاعتراف التنظيمي، والاندماج البحثي والتقني، والشرعية الرمزية التي تمنح «إسرائيل» موقع الشريك الأوروبي ـ المتوسطي الطبيعي. ومن ثم، فإن أي تحرك أوروبي ضد الاتفاقية لا يمس الرسوم الجمركية وحدها، بل يطال البنية السياسية والمعرفية التي قامت عليها العلاقة برمتها.

متعلق بالتقرير

إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

أسباب فشل مفاوضات إسلام آباد: كيف دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض تحت الإكراه؟

الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع التكنولوجيا وحدود القوة

تجادل الدراسة بأن الاتحاد الأوروبي يمتلك، من الناحية القانونية، أدوات حقيقية تتيح له الانتقال من الضغط الخطابي إلى الضغط التعاقدي؛ وذلك عبر المادة 2 بوصفها بندًا جوهريًا، والمادة 79 بوصفها قاعدة «عدم التنفيذ» التي تتيح اعتماد «إجراءات مناسبة» في حال الإخلال بالالتزامات. غير أن الدراسة تبيّن، في المقابل، أن المسافة بين إمكان الفعل القانوني وحدوثه السياسي لا تزال واسعة؛ إذ إن القيد الحاسم لا يكمن في النص، بل في الانقسام داخل مجلس الاتحاد الأوروبي بين دول تدفع نحو تفعيل المشروطية ودول تفضّل الإبقاء على أدوات الحوار والتأثير غير العقابي. لذلك، فإن المسألة المركزية ليست ما إذا كان الاتحاد قادرًا على التحرك، بل ما إذا كان مستعدًا لتحمل الكلفة السياسية والمؤسسية المترتبة على هذا التحرك.

وتخلص الدراسة إلى أن السيناريو الأرجح، في الأمد المنظور، ليس تعليقًا كاملًا للاتفاقية، بل تكثيفًا لمنطق الضغط التدرجي: أي تشديد التمييز بين «إسرائيل» والمستوطنات، وتوسيع القيود القطاعية، وتجميد بعض أدوات التعاون العلمي أو التمويلي، مع إبقاء الاتفاقية نفسها في حالة «ضغط قابل للتصعيد». وتؤكد الدراسة أن أهمية اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في الإجراءات التي اتُّخذت أو لم تُتخذ، بل في التحول الوظيفي الذي أصاب الاتفاقية نفسها: من مظلة لتكثيف الاندماج، إلى أداة محتملة لاختبار صدقية الشرطية الحقوقية الأوروبية.

الكلمات المفتاحية: الاتحاد الأوروبي؛ «إسرائيل»؛ اتفاقية الشراكة؛ المادة 2؛ المادة 79؛ المشروطية الحقوقية؛ التعليق الجزئي؛ المستوطنات؛ أفق أوروبا؛ السياسة الأوروبية المتوسطية.

مقدمة

عندما طلب وزراء خارجية إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا، في رسالتهم المؤرخة في 17 نيسان/أبريل 2026 إلى كايا كالاس، إدراج اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و«إسرائيل» على جدول أعمال مجلس الشؤون الخارجية، لم يكونوا يضيفون بندًا جديدًا إلى أجندة أوروبية مثقلة أصلًا بالأزمات؛ بل كانوا ينقلون الجدل من مستوى الإدانة السياسية العامة إلى مستوى الترتيب القانوني الذي ينظم العلاقة بين الطرفين منذ ثلاثة عقود تقريبًا. وتكمن دلالة هذه الخطوة في أنها تستهدف الوثيقة التي منحت العلاقة الأوروبية ـ الإسرائيلية صيغتها المؤسسية الأكثر استقرارًا، أي الإطار الذي جعل «إسرائيل» شريكًا معترفًا به داخل الفضاء الأوروبي ـ المتوسطي، وليس مجرد دولة ثالثة تربطها بالاتحاد ترتيبات تجارية متناثرة.

هذا التحول في مركز الجدل مهم لسببين. أولًا، لأن اتفاقية الشراكة ليست وثيقة هامشية في بنية العلاقة، بل هي العقد الأعلى الذي تتفرع منه أنماط متداخلة من الحوار السياسي، والتجارة، والتعاون الاقتصادي، والبحث العلمي، والنقل الجوي، وبعض أوجه التنسيق المؤسسي. وثانيًا، لأن الاتفاقية نفسها تحمل في صلبها توترًا تأسيسيًا لم يعد من الممكن إرجاؤه: فهي من جهة توفّر آلية لتعميق الاندماج والامتيازات، ومن جهة أخرى تنص صراحة على أن احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية «عنصر جوهري» فيها. وبذلك فإن الجدل الراهن لا يتعلق، في الحقيقة، بإضافة معيار خارجي على العلاقة، بل بتفعيل معيار منصوص عليه داخل العلاقة ذاتها.

لقد اعتادت أوروبا، طوال سنوات طويلة، إدارة هذا التوتر عبر الفصل بين النص والممارسة: تُبقي البند الحقوقي حاضرًا في الخطاب، لكنها تحصر أثره العملي في مساحة ضيقة، وتفضّل استخدامه بوصفه أداة ضغط معنوية أكثر من كونه أداة لتوليد كلفة تعاقدية محسوسة. غير أن التدهور الحاد في غزة، وتراكم الاعتراضات الأوروبية على سياسات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وعودة ملف المستوطنات والعنف الاستيطاني إلى صدارة النقاش، ثم إقرار قانون عقوبة الإعدام بحق أسرى فلسطينيين في نهاية آذار/مارس 2026؛ كل ذلك جعل من الصعب، سياسيًا وأخلاقيًا، مواصلة التعامل مع المادة 2 بوصفها عبارة رمزية عديمة المفاعيل.[1]

من هنا، لا تسأل هذه الدراسة سؤالًا صحفيًا ضيقًا من نوع: هل سيعلق الاتحاد الأوروبي الاتفاقية غدًا أو بعد أشهر؟ بل تسأل سؤالًا أعمق: ما الوظيفة التي أدتها اتفاقية الشراكة طوال العقود الماضية؟ وما الذي تكسبه «إسرائيل» فعليًا من بقائها على حالها؟ وما الأدوات التي يملكها الاتحاد الأوروبي قانونيًا ومؤسسيًا إذا أراد استخدام الاتفاقية كورقة ضغط؟ ثم، وهو الأهم، ما الذي يمنعه حتى الآن من تحويل الإمكان القانوني إلى سياسة فعلية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح بفهم اللحظة الحالية لا بوصفها حدثًا عابرًا، بل بوصفها اختبارًا لمصداقية المشروطية الحقوقية الأوروبية نفسها.

إشكالية الدراسة ومنهجها

تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و«إسرائيل» تقوم على بنية مزدوجة: بنية اندماج تمنح منافع واسعة ومتراكبة، وبنية شرطية تتيح، نظريًا، فرض كلفة إذا وقع إخلال بالعناصر الجوهرية للعلاقة. غير أن وجود هذا الازدواج في النص لا يعني، تلقائيًا، أن الطرف الأوروبي قادر سياسيًا على استخدامه بالقدر نفسه الذي يستطيع به الطرف الإسرائيلي الانتفاع من مزاياه. ومن ثم، تتمثل الإشكالية المحددة في السؤال الآتي: إلى أي مدى يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحوّل الاتفاقية من إطار تكثيف للعلاقة إلى أداة ضغط قانونية ـ سياسية، وما حدود هذا التحول في ضوء بنية القرار داخل الاتحاد ذاته؟

تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية مركبة، تجمع بين القراءة النصية والقراءة الوظيفية والقراءة المؤسسية. في المستوى الأول تُقرأ الاتفاقية نفسها، ولا سيما المواد 1 و2 و79 و82 و83، بوصفها نصًا يؤسس للحقوق والالتزامات وآليات الرد عند الإخلال. وفي المستوى الثاني تُفكَّك مجالات المنفعة الإسرائيلية الفعلية التي راكمتها الشراكة: النفاذ إلى السوق الأوروبية، والاندماج في برامج البحث والابتكار، والاعتراف المتبادل ببعض المعايير التنظيمية، وفتح الأجواء، والتعاون المالي والمؤسسي. أما في المستوى الثالث فتُدرس توازنات القرار الأوروبي بين أيار/مايو 2025 ونيسان/أبريل 2026، لأن القانون، مهما كان واضحًا، لا يفسر وحده ما يُفعل وما يُعطل.[2]

وتلتزم الدراسة، منهجيًا، بفصل حاسم بين ثلاثة مستويات ينبغي عدم الخلط بينها. الأول هو مستوى الواقعة الموثقة: تواريخ، نصوص، أرقام تجارة، قرارات، تصريحات رسمية، مقترحات مؤسسية. الثاني هو مستوى التفسير: أي فهم المعنى السياسي لهذه الوقائع داخل بنية العلاقة الأوروبية ـ الإسرائيلية. والثالث هو مستوى التقدير: أي ما يرجح حدوثه في المدى المنظور إذا استمرت الاتجاهات الحالية أو تبدلت. ويستمد هذا التمييز أهميته من أن ملف الاتفاقية مشحون، بطبيعته، بخطاب سياسي كثيف، وباستقطاب يدفع كثيرًا من النقاشات العامة إلى القفز من الواقعة الجزئية إلى الاستنتاج الكلي بلا تأسيس كاف.

ولهذا، تستند الدراسة، قدر الإمكان، إلى مصادر أولية أوروبية: نص الاتفاقية نفسه، ووثائق المفوضية، وتصريحات الممثلة العليا، ووثائق مجلس الاتحاد والمجلس الأوروبي، وصفحات المديرية العامة للتجارة والبحث والابتكار والضرائب والاتحاد الجمركي. وتُستكمل هذه القاعدة بمصادر صحفية رفيعة الموثوقية عند الحاجة إلى تتبع بعض الأرقام التقديرية أو الإحاطة بالسياق السياسي الفوري. والغاية من هذا البناء المرجعي ليست الزينة الإحالية، بل حماية التحليل من الانزلاق إلى تعميمات غير مسندة، خصوصًا في ملف شديد الحساسية والتحول.

السياق التاريخي: من برشلونة إلى التمكين المؤسسي للعلاقة

وقِّعت اتفاقية الشراكة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1995، أي في اللحظة التي كانت فيها عملية برشلونة ترسم للاتحاد الأوروبي تصورًا واسعًا عن المجال الأوروـ متوسطي بوصفه فضاءً للأمن والتجارة والتعاون السياسي. ثم دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 1 حزيران/يونيو 2000 بعد مرحلة انتقالية سبقتها ترتيبات مرحلية في التجارة. ومن المهم استحضار هذا السياق لأن الاتفاقية لم تُولد في ظرف تقني محض، بل في لحظة كان الاتحاد يريد فيها بناء طوق من الشراكات التفضيلية حول حدوده الجنوبية، بحيث يصبح الاندماج الاقتصادي والحوار السياسي آليتين للاستقرار والاحتواء في آن واحد.[3]

في تلك المرحلة، لم تكن «إسرائيل» شريكًا متوسطيًا عاديًا داخل التصور الأوروبي. فقد كانت، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من النخبة الأوروبية، شريكًا يمتلك اقتصادًا متقدمًا نسبيًا، وقدرات علمية وتقنية عالية، وقابلية كبيرة للاندماج في أنماط التعاون البحثي والتجاري الأوروبية. ولذلك بدت اتفاقية الشراكة معها، منذ البداية، أقل شبهًا باتفاقات تنموية كلاسيكية، وأكثر شبهًا بصيغة لربط اقتصاد متقدم نسبيًا بسوق أوروبا ومؤسساتها، مع الإبقاء على الخلافات السياسية الكبرى ضمن مسار موازٍ لا يفجر بنية العلاقة التعاقدية.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المؤسسة للاتفاقية. فمن جهة، كانت أوروبا تعلن التزامها بحل تفاوضي للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبالتمييز القانوني بين إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967. ومن جهة أخرى، كانت تبني مع إسرائيل صيغة شراكة متقدمة تمنحها، عمليًا، مكانة أقرب إلى الشريك الأوروبي المتخصص منها إلى الجار الجنوبي التقليدي. وقد سمح هذا الازدواج بتقدم الاندماج الوظيفي رغم بقاء المسألة الفلسطينية، طوال الوقت، في منطقة توتر لم تُحل بل أُديرت.

وبمرور الوقت، أصبحت الاتفاقية أكثر من مجرد وثيقة مؤسسة؛ تحولت إلى بنية اعتياد مؤسسي. أي إن أجهزة الاتحاد، والشركات، والجامعات، والبيروقراطيات الجمركية والتنظيمية، اعتادت العمل داخل إطارها. وهذه النقطة مهمة لأن تعطيل الاتفاقية، أو حتى تلويحًا جديًا بتعطيلها، لا يصدم السياسة وحدها، بل يصدم أيضًا شبكات الاعتياد المؤسسي التي نشأت حولها. ومن هنا يمكن فهم بطء الاتحاد الأوروبي في الاقتراب من حدودها القصوى: فهو لا يواجه فقط قرارًا سياسيًا، بل يواجه أيضًا بنية من الاعتياد والاعتماد المتبادل تراكمت على مدى سنوات.

معنى «الارتباط» في قانون الاتحاد الأوروبي ولماذا يهم في هذه الحالة

تساعد الأدبيات القانونية المتعلقة باتفاقات الارتباط في الاتحاد الأوروبي على فهم خصوصية الحالة الإسرائيلية. فدراسة البرلمان الأوروبي حول «معنى الارتباط» في قانون الاتحاد الأوروبي تبيّن أن اتفاقات الارتباط ليست قالبًا واحدًا، لكنها تشترك في خاصية مركزية: إنها تؤسس شكلًا معززًا من العلاقة يتجاوز التعاون العادي، ويفتح مجالًا أوسع للتقارب السياسي والاقتصادي والمؤسسي. لذلك، فإن وصف العلاقة مع «إسرائيل» بأنها «شراكة» أو «ارتباط» ليس مجرد تسمية دبلوماسية رخوة، بل توصيف قانوني يضعها فوق مستوى العلاقات التعاونية الدنيا.[4]

وتتبدى أهمية هذا الأمر في أن اتفاقات الارتباط، بحكم طبيعتها، تُحمّل الطرفين توقعات أعلى من مجرد الامتثال التجاري. فهي، في الصياغة الأوروبية، ليست أدوات لإزالة الرسوم الجمركية وحسب، بل أدوات لتقريب النظم والممارسات والسياسات. ولذلك تنزع هذه الاتفاقات إلى الجمع بين عناصر الاندماج الاقتصادي وعناصر التقارب السياسي والقيمي. ومن هنا فإن الشرط الحقوقي في المادة 2 لا يبدو دخيلًا على منطق الارتباط؛ بل منسجمًا مع طبيعته الأصلية بوصفه علاقة يفترض أنها تقوم على أكثر من تبادل المنفعة التجارية المباشرة.

في الحالة الإسرائيلية، تكتسب هذه المسألة بعدًا إضافيًا. فكلما كانت العلاقة أقرب إلى الارتباط العميق، زادت الكلفة السياسية لأي تراجع فيها. وإذا كان الاتفاق التجاري البسيط يمكن إعادة التفاوض عليه تقنيًا، فإن المساس بعلاقة ارتباط يعني ـ على الأقل رمزيًا ـ أن أحد أسس التقارب السياسي والقيمي لم يعد قائمًا كما كان. ولهذا، فإن التلويح بتعليق اتفاقية الشراكة مع «إسرائيل» يُقرأ في تل أبيب وفي العواصم الأوروبية باعتباره مسألة تتعلق بالمكانة بقدر ما تتعلق بالتجارة.

وعليه، فإن النقاش الحالي داخل الاتحاد الأوروبي ليس تفصيلًا إجرائيًا محدود الأثر. إنه يختبر ما إذا كانت أوروبا ستتعامل مع اتفاقات الارتباط بوصفها صيغًا معيارية فعلًا، أم بوصفها هياكل اندماج أحادية الاتجاه يستفيد منها الشريك متى شاء، بينما يبقى العنصر القيمي فيها معلقًا في مستوى البلاغة. هذه النقطة هي التي تمنح الجدل حول الحالة الإسرائيلية وزنًا يتجاوز موضوعها المباشر.

لماذا بقيت المادة 2 ساكنة طويلًا؟ منطق التعطيل الأوروبي

قد يبدو، للوهلة الأولى، أن السؤال بسيط: إذا كانت المادة 2 واضحة إلى هذا الحد، فلماذا لم تُفعَّل آثارها قبل الآن؟ غير أن وضوح النص لا يساوي سهولة التفعيل. فثمة ثلاث آليات عطلت المادة سياسيًا. الأولى أن الاتحاد الأوروبي فضّل طويلًا الفصل بين مسارين: مسار إدارة العلاقة المؤسسية مع «إسرائيل»، ومسار التعامل مع النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وكان هذا الفصل يسمح له بالحفاظ على التعاون الواسع، مع الاكتفاء بإدانة بعض الممارسات أو التشديد على عدم شرعية المستوطنات.

الآلية الثانية أن الدول الأعضاء لم تكن ترى دائمًا في التفعيل العقابي أداة فعالة. فبعضها اعتقد أن الإبقاء على قنوات التعاون والحوار يمنح أوروبا قدرة تأثير أكبر من اللجوء المبكر إلى التقييد، خصوصًا في ضوء محدودية نفوذ الاتحاد على البيئة الأمنية مقارنةً بالولايات المتحدة. وقد أدى هذا التقدير، بمرور الوقت، إلى نوع من الجمود العملي: المادة موجودة، والاعتراضات تتكرر، لكن العتبة السياسية اللازمة لربط الاعتراض بالعقوبة لا تُستكمل.

أما الآلية الثالثة فتتصل بما يمكن تسميته «اقتصاد التردد». فكلما تعمقت العلاقة في ميادين التجارة والبحث والتنظيم، ارتفعت الكلفة المتصورة لأي اهتزاز كبير فيها، ليس على إسرائيل فقط بل على شبكات مصالح أوروبية أيضًا. وهكذا ساهم نجاح الاتفاقية، paradoxically، في تحصينها سياسيًا؛ لأن كثرة المستفيدين المؤسسيين من استمرارها جعلت الانتقال إلى منطق التقييد أصعب، حتى عندما كانت أسباب التقييد تتكاثر في الواقع السياسي والقانوني.

لكن ما حدث منذ 2025 يشير إلى أن هذه الآليات الثلاث لم تعد قادرة على تثبيت الجمود السابق بالمقدار نفسه. فالحرب على غزة، ومراجعة المادة 2، ثم المقترحات القطاعية، ورسالة نيسان/أبريل 2026، كلها دلائل على أن المسافة بين الاعتراض والتقييد تقلصت، حتى لو لم تنهَر بالكامل. وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة: ليس لأن أوروبا حسمت أمرها، بل لأنها لم تعد قادرة على التعامل مع المادة 2 كما لو كانت بلا تكلفة على صدقيتها السياسية.

انعكاسات محتملة على الاتحاد الأوروبي نفسه

غالبًا ما يُطرح السؤال عن أثر تعليق الاتفاقية أو تجميدها على «إسرائيل»، لكن المسألة ترتد أيضًا على الاتحاد الأوروبي نفسه. فالاتحاد، بوصفه شريكًا تجاريًا ومؤسسيًا رئيسيًا، سيتعين عليه إذا مضى في التقييد أن يدير نتائج ذلك على شركاته، وعلى مؤسساته البحثية، وعلى بعض قطاعاته التي راكمت علاقات تعاون منتظمة مع نظيراتها الإسرائيلية. وهذا أحد أسباب الحذر الأوروبي: أي قرار جدي لن يكون عقوبة أحادية الكلفة على الطرف الآخر فحسب، بل إعادة ترتيب لجزء من أنماط التعاون القائمة.

ومع ذلك، فإن الامتناع عن الفعل ليست كلفته صفرية أيضًا. فحين تتسع الفجوة بين الخطاب القيمي والأثر المؤسسي، يدفع الاتحاد ثمنًا من نوع آخر: ثمن المصداقية. وهذا الثمن لا يُقاس بسهولة في جداول التجارة، لكنه يظهر في قدرة الاتحاد على التحدث بلغة المعايير في ملفات أخرى، وفي إقناع الرأي العام الداخلي بأن قيمه الخارجية ليست انتقائية على نحو فج، وفي الحفاظ على انسجامه القانوني حين يطلب من شركاء آخرين ما لا يفرضه على شريك مقرّب.

ثم إن أي سياسة أوروبية تجاه الاتفاقية ستعيد تشكيل التوازن داخل الاتحاد نفسه. فالدول التي تدفع نحو تفعيل المشروطية لا تنظر إلى الملف من زاوية الشرق الأوسط فقط، بل من زاوية مكانة أوروبا في العالم وصورتها أمام مواطنيها. في المقابل، تخشى الدول المتحفظة أن يؤدي التسرع إلى انقسام أعمق داخل المجلس وإلى تقليل القدرة على التأثير العملي. ومن هنا فإن الاتفاقية أصبحت أيضًا ساحة سجال حول طبيعة الفعل الخارجي الأوروبي: هل هو فعل معياري قادر على تحمل الكلفة، أم فعل براغماتي يقدّم إدارة التناقض على حسمه؟

بعبارة أخرى، لن يحدد مصير الاتفاقية فقط شكل العلاقة مع «إسرائيل»، بل سيقول شيئًا مهمًا عن الاتحاد الأوروبي نفسه: عن حدود وحدته، وعن طبيعة قوته، وعن قدرته على ربط القانون بالسياسة. وهذا أحد الأسباب التي تجعل الملف يتجاوز، في أهميته، حدوده الثنائية المباشرة.

نتائج مركزة وتوصيات تحليلية

تكشف الدراسة، أولًا، أن اتفاقية الشراكة ليست ترتيبا تقنيًا جانبيًا، بل هي بنية ارتباط عميقة متعدّدة المستويات. ومن ثم، فإن المساس بها أو ببعض مكوناتها يمس التجارة والبحث والاعتراف التنظيمي والحضور الرمزي في آن واحد. ثانيًا، يتضح أن الاتحاد الأوروبي يمتلك سندًا قانونيًا معتبرًا للتحرك، لكنه لا يملك حتى الآن إجماعًا أو اصطفافًا كافيًا لاستعمال أقصى أدواته. وثالثًا، يتبين أن أكثر أدوات الضغط قابلية للتفعيل ليست بالضرورة أكثرها صخبًا إعلاميًا، بل تلك التي تقع في المنطقة الوسطى بين القانون والسياسة، مثل تشديد القيود على المستوطنات، والتجميد القطاعي، والقيود البحثية الموجهة.

أما على مستوى التوصيات التحليلية، فيبدو أن المقاربة الأوروبية الأكثر اتساقًا ـ إذا أراد الاتحاد الحفاظ على صدقيته وتفادي القطيعة غير المدروسة في آن واحد ـ تقوم على أربعة عناصر مترابطة: أولها وضع سلّم معلن للتدرج بين مستويات الإخلال ومستويات الرد. وثانيها تحديد أهداف سياسية واضحة لكل إجراء كي لا تتحول العقوبات الجزئية إلى مجرد رسائل متفرقة. وثالثها الفصل الصارم بين «إسرائيل» داخل نطاق الاتفاقية والمستوطنات خارج هذا النطاق، وتطوير أدوات إنفاذ هذا الفصل. ورابعها ربط أي مراجعة مستقبلية للاتفاقية بمؤشرات قابلة للقياس والتحقق، لا بصيغ عامة تحتمل التأويل غير المحدود.

وفي المقابل، ينبغي على مراكز الدراسات والجهات العربية المعنية ألّا تبالغ في تقدير سرعة التحول الأوروبي، ولا في التقليل من شأنه في الوقت نفسه. فالميل إلى انتظار «قرار حاسم» قد يقود إلى إساءة قراءة ما يجري؛ لأن التطور الأكثر أهمية حتى الآن هو تآكل الحصانة السياسية التي أحاطت بالاتفاقية، لا انهيارها الفوري. ومن ثم، فإن متابعة القرارات القطاعية، والتفريق بين ما يحتاج إلى إجماع وما يمر بأغلبية مؤهلة، ومراقبة ملف المستوطنات والبحث العلمي، كلها أدوات أكثر فائدة من اختزال المشهد في سؤال واحد: هل عُلقت الاتفاقية أم لم تُعلق؟

وأخيرًا، إذا كان من درس أوسع يقدمه هذا الملف، فهو أن العلاقة القانونية لا تكون محايدة عندما تتراكم فوقها وقائع سياسية كبرى. فإما أن تتحول البنود الجوهرية إلى أداة فعل، وإما أن تتحول إلى عبء على صدقية من كتبها. والاتحاد الأوروبي يقف اليوم، في هذه المسألة، عند هذه العتبة بالضبط.

الإطار القانوني والمفهومي: ماذا تعني «الشراكة» أصلًا؟

منذ البداية، لا يجوز اختزال اتفاقية الشراكة في فكرة «اتفاق تجارة حرة» بالمعنى المبسط. فالمادة 1 من الاتفاقية تحدد أهدافًا أوسع بكثير: توفير إطار للحوار السياسي المنتظم؛ توسيع التجارة في السلع والخدمات؛ التحرير المتبادل لحق التأسيس والمدفوعات الجارية وحركة رؤوس الأموال؛ وتعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذا يعني أن «الشراكة» هنا ليست صيغة تبادل تجاري محض، بل هندسة مؤسسية لعلاقة متعددة القطاعات. ولأنها كذلك، فإن أي نقاش حول تعليقها أو تجميدها لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التعرفة الجمركية وحدها، بل من زاوية البنية التي رتبت هذا الاندماج على مدى زمني طويل.[5]

في قلب هذه البنية تقف المادة 2، وهي المادة التي اكتسبت، في السنوات الأخيرة، موقعًا سياسيًا يفوق شهرتها القانونية التقليدية. فهذه المادة تقرر أن العلاقات بين الطرفين وجميع أحكام الاتفاقية تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وأن هذا الاحترام يشكل عنصرًا جوهريًا في الاتفاقية. والعبارة الأخيرة هي بيت القصيد: فالاتفاقية لا تُضمّن القيم الديمقراطية بوصفها خلفية خطابية عامة، بل بوصفها «عنصرًا جوهريًا»، أي جزءًا من الأساس الذي تقوم عليه العلاقة نفسها. ولهذا، فإن الإخلال بهذا الشرط لا يُفهم، قانونيًا، على أنه انحراف خارجي عن روح الاتفاق، بل على أنه مساس بأحد أعمدته التأسيسية.[6]

غير أن المادة 2، على أهميتها، لا تنشئ آلية تلقائية لتعليق الاتفاقية. وهذا ما يفسر، جزئيًا، لماذا ظل البند الحقوقي فاعلًا في الخطاب وأقل فاعلية في الممارسة. فالمادة 79، الخاصة بحالات «عدم التنفيذ»، هي التي توفر الإطار الإجرائي الأوضح. إذ تنص على أنه إذا اعتبر أحد الطرفين أن الطرف الآخر أخفق في الوفاء بالتزاماته، يمكنه اتخاذ «إجراءات مناسبة»، بعد تزويد مجلس الشراكة بالمعلومات اللازمة لفحص الوضع، مع إعطاء الأولوية للتدابير التي تقلل قدر الإمكان من تعطيل عمل الاتفاقية. وفي حالات الاستعجال الخاص يجوز اعتماد إجراءات فورية. هنا يظهر منطق التدرج بوضوح: النص يسمح بالرد، لكنه لا يفرض شكلًا واحدًا للرد، ولا يجعل التعليق الكامل الخيار الأول أو الحتمي.[7]

ويقتضي الضبط المفهومي التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في الخطاب العام: التعليق، والتجميد الجزئي، والإنهاء. التعليق يعني وقف تطبيق بعض الالتزامات أو كل الالتزامات على نحو مؤقت وقابل للعكس. أما التجميد الجزئي فيعني تعطيل مجال أو برنامج أو امتياز بعينه، من دون المساس بالبنية الكلية للاتفاقية. والإنهاء يعني الخروج من الاتفاقية نفسها، وهو أمر تنظمه المادة 82 بإشعار مسبق قبل ستة أشهر. هذا التمييز ليس تقنيًا فحسب؛ لأنه يحدد، عمليًا، ما الذي يحتاج إلى إجماع، وما الذي يمكن أن يمر بأغلبية مؤهلة، وما الذي يُعرض باعتباره إجراءً متناسبًا لا قطيعة شاملة.[8]

من المراجعة إلى التلويح بالتقييد: المسار المؤسسي في 2025 ـ 2026

دخل ملف الاتفاقية طورًا جديدًا في 20 أيار/مايو 2025، حين أعلنت كايا كالاس عقب اجتماع مجلس الشؤون الخارجية وجود «أغلبية قوية» تؤيد مراجعة المادة 2 من اتفاقية الشراكة مع «إسرائيل». لم يكن ذلك مجرد تصريح انفعالي في لحظة حرب؛ بل كان خطوة إجرائية مهمة، لأنها نقلت النقاش من مستوى الاعتراض الأخلاقي والسياسي إلى مستوى فحص الامتثال التعاقدي. فبمجرد أن تُفتح مراجعة المادة 2، يصبح السؤال داخل المؤسسات الأوروبية سؤالًا قانونيًا ـ سياسيًا في آن واحد: هل لا تزال العناصر الجوهرية للاتفاقية محترمة أم أن الطرف المقابل أخل بها؟[9]

ثم جاءت محطة 23 حزيران/يونيو 2025، حين عُرضت نتائج المراجعة على مجلس الشؤون الخارجية، لتؤكد أن الملف لم يعد مبادرة خطابية لدولة أو دولتين، بل موضوعًا مؤسسيًا أوروبيًا مكتمل الصفة. وبعد ذلك بثلاثة أيام أخذ المجلس الأوروبي علمًا بالتقرير ودعا إلى مواصلة مناقشة المتابعة المناسبة. واللافت هنا أن اللغة الأوروبية ظلت، في هذه المرحلة، منضبطة وحذرة؛ فهي لم تقفز مباشرة إلى إعلان «العقوبة»، بل أبقت الباب مفتوحًا بين المراجعة والمشاورة وتقدير المتابعة. هذا التردد اللغوي ليس عرضًا بل يعكس أسلوب الاتحاد في بناء القرار: يراكم الشرعية الإجرائية خطوة خطوة قبل الانتقال إلى أي فعل ذي كلفة واضحة.[10]

وفي 15 تموز/يوليو 2025 نوقشت داخل مجلس الشؤون الخارجية «جردة» بالإجراءات الممكنة في ضوء مراجعة حزيران/يونيو. وهنا تحديدًا بدأ التحول الأهم: لم يعد السؤال ما إذا كان ثمة خرق أم لا، بل ما الحزمة المناسبة للرد إذا ثبت الخرق. وفي 29 تموز/يوليو 2025 قدمت المفوضية اقتراحًا بتعليق جزئي لمشاركة «إسرائيل» في بعض أنشطة «أفق أوروبا»، وتحديدًا «مسرّع المجلس الأوروبي للابتكار»، من دون المساس بسائر أوجه التعاون البحثي. الدلالة هنا بالغة: بروكسل لم تذهب مباشرة إلى الأداة الأكثر صخبًا سياسيًا، أي التجارة، بل اختبرت أولًا أداة قطاعية انتقائية ذات قيمة رمزية واقتصادية معًا.[11]

ثم تصاعد المسار في 17 أيلول/سبتمبر 2025 حين اقترحت المفوضية تعليق بعض الامتيازات التجارية المنصوص عليها في الاتفاقية، ووضع الدعم الثنائي لإسرائيل قيد التجميد، مع استثناء المجتمع المدني و«ياد فاشيم». كان ذلك أول انتقال واضح من المراجعة والتهديد الضمني إلى مقترح يمس المنفعة المادية المباشرة. وعندما جاءت رسالة 17 نيسان/أبريل 2026 من إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا، ثم اجتماع 21 نيسان/أبريل 2026، كانت الرسالة الأساسية هي أن النقاش لم يعد يدور حول إمكان «إعادة فتح الملف»؛ فالملف مفتوح أصلًا. الجديد كان محاولة نقله من طور الضغط التراكمي إلى طور القرار الأوروبي الواضح، وهو ما لم ينجح بعد بسبب استمرار الانقسام داخل المجلس.[12][13]

المكاسب الإسرائيلية من الاتفاقية: الاقتصاد، المعرفة، والشرعية

لا يمكن فهم حساسية أي نقاش أوروبي حول الاتفاقية من دون تفكيك ما تمنحه «إسرائيل» فعليًا. ففي المجال التجاري البحت، الاتحاد الأوروبي هو الشريك الأكبر لإسرائيل. ووفق بيانات المفوضية الأوروبية، بلغ إجمالي التجارة في السلع بين الجانبين 42.6 مليار يورو في 2024، منها 15.9 مليار يورو واردات أوروبية من إسرائيل و26.7 مليار يورو صادرات أوروبية إليها، بينما استحوذ الاتحاد على نحو 32% من تجارة إسرائيل السلعية مع العالم. هذه الأرقام لا تصف مجرد كثافة تبادل؛ بل تصف اعتمادًا هيكليًا على السوق الأوروبية بوصفها فضاء طلب وتنظيم وتمويل في آن واحد.[14]

الأهم أن بنية التبادل نفسها تكشف طبيعة العلاقة. فالواردات الأوروبية من إسرائيل لا تتمحور حول المواد الخام، بل حول الآلات ومعدات النقل والمواد الكيميائية والسلع الصناعية الأخرى. كما أن الصادرات الأوروبية إلى إسرائيل تتركز في الفئات المتقدمة نفسها تقريبًا. وهذا يعني أن الاتفاقية تعمل فوق نمط من التكامل الصناعي والتكنولوجي، لا فوق علاقة مركز ـ هامش تقليدية. لذلك، فإن أي تراجع في المعاملة التفضيلية لا يترجم فقط في صورة رسوم إضافية، بل في صورة احتكاك أعلى داخل سلاسل التوريد، وزيادة كلفة الامتثال، وتراجع يقين الشركات بشأن استقرار النفاذ إلى السوق الأوروبية.[15]

أما في مجال البحث والابتكار، فإن المنفعة الإسرائيلية تتجاوز الجانب المالي المباشر. فمنذ 1996 ارتبطت «إسرائيل» ببرامج الإطار الأوروبية للبحث، وشاركت بكثافة في «أفق 2020» و«أفق أوروبا». وتشير بيانات المفوضية إلى أن إسرائيل شاركت في 1694 مشروعًا ضمن «أفق 2020» عبر 2105 مشاركات، وحصلت على 1.3 مليار يورو. وحتى 2 نيسان/أبريل 2025 بلغت مشاركاتها في «أفق أوروبا» 909 مشاركات ضمن 747 منحة بقيمة 831 مليون يورو. المعنى السياسي لهذه الأرقام لا يكمن فقط في التمويل، بل في أن «إسرائيل» تجد في أوروبا منصة للاعتراف العلمي، والتدويل، وربط الجامعات والمراكز والشركات الناشئة بشبكات معرفية وتمويلية واسعة.[16]

ثم هناك بعد تنظيمي بالغ الأهمية يتمثل في بروتوكول المطابقة والقبول المتبادل للمنتجات الصناعية في المجال الدوائي (ACAA)، الذي ييسر الاعتراف المتبادل بمخرجات الرقابة الفنية وشهادات ممارسات التصنيع الجيدة، ويخفض كلفة النفاذ إلى السوق. وفي موازاة ذلك، يفتح اتفاق الطيران الأورومتوسطي السوق أمام شركات الطيران الأوروبية والإسرائيلية لتسيير رحلات مباشرة، بما يعزز حركة الأعمال والسياحة ورأس المال البشري. وإذا جمعنا هذه الطبقات معًا، فإننا نرى أن الاتفاقية تمنح «إسرائيل» أكثر من امتيازات تجارية: تمنحها شكلًا من «الطبيعية الأوروبية»؛ أي رسوخًا مؤسسيًا ورمزيًا يجعلها شريكًا مدمجًا في المجال الأوروبي ـ المتوسطي. ولهذا السبب تحديدًا يصبح المساس بالاتفاقية، ولو جزئيًا، مساسًا بصورة «إسرائيل» بقدر ما هو مساس بعوائدها الاقتصادية.[17][18]

المستوطنات والحدود الإقليمية للاتفاقية: حيث يختبر الاتحاد نفسه

يُظهر ملف المستوطنات الفارق العملي بين «التعليق الشامل» و«التطبيق المتشدد» للاتفاقية. فمنذ سنوات، يميز الاتحاد الأوروبي بين السلع القادمة من «إقليم دولة إسرائيل» بالمعنى الذي تسمح به الاتفاقية، وبين السلع المنتجة في المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة عام 1967. وبموجب الترتيب الفني المعمول به بين الاتحاد و«إسرائيل»، تفحص سلطات الجمارك في الدول الأعضاء بيانات المنشأ، وترفض منح المعاملة التفضيلية إذا تبين أن السلعة صادرة من موقع غير مؤهل. هذا الترتيب يعني أن الاتحاد الأوروبي يملك أصلًا بنية تنفيذية للتمييز، وأن الخلاف لا يدور حول إمكان التمييز من حيث المبدأ، بل حول مدى تشديده واتساعه.[19]

وقد تعزز هذا النهج منذ 16 أيار/مايو 2023 عندما فرض الاتحاد استخدام الرمز Y864 في بيانات الاستيراد لكل من يريد الاستفادة من المعاملة التفضيلية على سلع منشؤها إسرائيل، وذلك لتأكيد أن إثبات المنشأ لا يشير إلى موقع غير مؤهل. الدلالة السياسية لهذا الإجراء أعمق من مظهره الفني. فهو يثبت أن لدى بروكسل أدوات يومية، لا بيانات خطابية فقط، لضبط النطاق الإقليمي للاتفاقية. كما يبرهن على أن الاتحاد لا يحتاج، لكي يفرض قدرًا من الكلفة أو التمييز، إلى تعليق الاتفاقية كلها؛ إذ يمكنه تشديد التطبيق في المساحات التي سبق أن ثبّت فيها مبدأ الفصل بين «إسرائيل» والمستوطنات.[20]

ويكتسب هذا التمييز قوة إضافية من الحكم الصادر عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في قضية «بريتا»، الذي أكد أن المنتجات الآتية من الضفة الغربية لا تستفيد من المعاملة التفضيلية بموجب الاتفاقية الأوروبية ـ الإسرائيلية. هنا تتجلى أهمية القانون القضائي في المسار السياسي: فحين يقرر القضاء الأوروبي حدود النطاق الإقليمي للاتفاقية، يصبح التشدد ضد منتجات المستوطنات، من الناحية القانونية، دفاعًا عن اتساق القانون الأوروبي ذاته، لا مجرد اختيار سياسي مزاجي. ولذلك كثيرًا ما يبدو هذا المسار أكثر قابلية للحشد داخل المجلس من التعليق الشامل الذي يُقرأ بوصفه قرارًا ذا حمولة سياسية أوسع بكثير.[21]

من ثم، يمكن القول إن ملف المستوطنات يمثل مختبرًا دقيقًا للمشروطية الأوروبية: فإذا عجز الاتحاد حتى عن تفعيل التمييز الذي سبق أن اعترف به وأقام له أدوات تنفيذية وقضائية، فإن الحديث عن تعليق كامل للاتفاقية يغدو أقرب إلى الرمزية منه إلى السياسة. أما إذا اتجه إلى تشديد هذا المسار، فإنه يرسل إشارتين في آن واحد: الأولى أن القانون الأوروبي ليس محايدًا تجاه النطاق الإقليمي للاحتلال؛ والثانية أن اتفاقية الشراكة لم تعد مظلة تحجب كل أثر سياسي عن العلاقة الاقتصادية.

الطريق القانوني إلى التقييد: من النص إلى القرار

من الناحية القانونية الصرفة، يملك الاتحاد الأوروبي ثلاث درجات من الفعل. الدرجة الأولى هي المراجعة والتشاور والضغط التفسيري، أي استخدام المادة 2 بوصفها أداة مساءلة سياسية ـ قانونية من دون المضي مباشرة إلى فرض كلفة مادية. الدرجة الثانية هي اعتماد «إجراءات مناسبة» بموجب المادة 79، وتشمل تدابير جزئية وقطاعية، مع اشتراط التناسب وإعطاء الأولوية للتدابير الأقل تعطيلًا لعمل الاتفاقية. أما الدرجة الثالثة فهي التعليق الأوسع أو الكامل لبعض أركان الاتفاقية أو تطبيقها برمته. هذه الدرجات ليست مترادفة، ولا تتحرك بالقواعد التصويتية نفسها، ولا تترتب عليها الكلفة السياسية ذاتها.[22]

وقد كان من أهم ما كشفته الفترة بين صيف 2025 ونيسان/أبريل 2026 أن الاتحاد بدأ بالفعل يتعامل مع هذه الدرجات بوصفها سلّمًا لا قرارًا واحدًا. فاقتراح التعليق الجزئي في «أفق أوروبا» مثال واضح على التجميد الانتقائي، بينما يمثل اقتراح تعليق بعض الأحكام التجارية انتقالًا إلى مستوى أعلى من حيث التأثير الاقتصادي، من دون بلوغ التعليق الكامل للاتفاقية. وهذا يعني أن بروكسل صارت تنظر إلى العلاقة باعتبارها قابلة للتفكيك الإجرائي: يمكن استهداف البحث من دون التجارة، أو التجارة من دون إنهاء الحوار السياسي، أو الدعم الثنائي من دون هدم الإطار كله.[23]

ومع ذلك، فإن العامل الحاسم ليس النص وحده، بل بنية التصويت داخل المجلس. فقد قالت كايا كالاس بوضوح في 21 نيسان/أبريل 2026 إن التعليق الكامل يحتاج إلى إجماع، وإن هذا الإجماع لم يكن متوافرًا. كما أوضحت أن بعض الإجراءات التي تحتاج أغلبية مؤهلة لم تحظَ، هي الأخرى، بالدعم الكافي في ذلك الاجتماع. بهذه العبارة القصيرة لخصت المعضلة الأوروبية كلها: يملك الاتحاد أداة، لكن الأداة لا تعمل بذاتها؛ تعمل فقط إذا وُجدت الكتلة السياسية القادرة على دفعها إلى التنفيذ.[24]

ولعل أهم نتيجة منهجية يمكن استخلاصها هنا هي أن السؤال عن «قدرة الاتحاد على التعليق» يجب ألا يطرح بصيغة واحدة مطلقة. فالاتحاد قادر، من حيث المبدأ، على عدد واسع من التدابير؛ لكنه ليس قادرًا على تمريرها جميعًا بالسهولة نفسها. التعليق الكامل شيء، وتعليق بعض الامتيازات التجارية شيء آخر، وتجميد أداة بحثية بعينها شيء ثالث، وتشديد قيود المستوطنات شيء رابع. وكل مستوى من هذه المستويات يتطلب قراءة مستقلة من حيث الإسناد القانوني، وقاعدة التصويت، والكلفة السياسية، وأثره الفعلي على العلاقة.

لماذا يتردد الاتحاد الأوروبي؟ حدود المشروطية الأوروبية

يميل الخطاب العام، أحيانًا، إلى تصوير الاتحاد الأوروبي في أحد صورتين متقابلتين: إما أنه عاجز تمامًا ولا يملك شيئًا يفعله، أو أنه يملك كل الأدوات لكنه يختار التقاعس بدافع النفاق المحض. والحقيقة أكثر تعقيدًا. فالاتحاد يملك، فعلًا، نفوذًا ملموسًا لأنه الشريك التجاري الأول لإسرائيل، ولأنه يفتح أمامها فضاءً بحثيًا وتنظيميًا ومعرفيًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة. لكنه، في الوقت نفسه، كيان تعددي تتوزع فيه السلطة بين مؤسسات ودول أعضاء تختلف في تقدير الكلفة والجدوى والبدائل.[25]

أول حدود المشروطية الأوروبية هو الانقسام الداخلي بين الدول الأعضاء. فبعض العواصم ترى أن مصداقية الاتحاد القيمية صارت على المحك، وأن استمرار الامتيازات من دون كلفة واضحة يفقد المادة 2 معناها. بينما ترى عواصم أخرى أن اللجوء إلى الضغط الاقتصادي الواسع قد يضعف ما تبقى من قدرة الاتحاد على التأثير السياسي، أو يضر بقطاعات مدنية لا تقرر السياسات الحكومية، أو يدفع العلاقة إلى مزيد من الاستقطاب العقيم. هذا الخلاف ليس ثانويًا؛ لأنه يجعل كل خطوة محل مساومة معقدة بين اعتبارات المبدأ والجدوى والتوقيت.

الحد الثاني أن الاتحاد الأوروبي اعتاد تاريخيًا ممارسة «المشروطية الانتقائية» أكثر من المشروطية الصدامية. فهو يفضل التدرج، والمشاورات، والتحذيرات، والقيود الموجهة، قبل الذهاب إلى التعليق الواسع. وهذه السمة ليست وليدة الحالة الإسرائيلية وحدها؛ بل تتصل ببنية أوسع في السياسة الخارجية الأوروبية، حيث كثيرًا ما تُصاغ القيم في النصوص بوضوح أكبر من وضوح الآثار التي تترتب على خرقها. ولهذا فإن أزمة الاتفاقية الحالية تكشف، بقدر ما تكشف عن حدود العلاقة مع «إسرائيل»، عن حدود النموذج الأوروبي نفسه في تحويل المعايير إلى سياسات مُكلفة للطرف الآخر وللاتحاد ذاته في آن معًا.

أما الحد الثالث فيتعلق بطبيعة الأثر الأوروبي. فالولايات المتحدة، مثلًا، تؤثر في البيئة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بصورة مباشرة أكبر. أما أوروبا، فإن وزنها النسبي الأهم يقع في البيئة الاقتصادية والتنظيمية والرمزية والمعرفية. وهذا يعني أن أثر أدواتها، حتى لو فُعلت، قد يكون تراكميًا وبطيئًا أكثر من كونه صادمًا وفوريًا. لكنه ليس لذلك أقل شأنًا؛ إذ إن رفع كلفة الاندماج الأوروبي، وتشويه صورة «الطبيعية الأوروبية» التي استفادت منها إسرائيل، وإدخال عدم اليقين إلى فضاءات التجارة والبحث والاستثمار، كلها آثار يمكن أن تكون استراتيجية إذا استمرت وتراكمت.

الكلفة المحتملة على «إسرائيل»: ما الذي سيتغير إذا تغيرت الاتفاقية؟

في المستوى الأكثر مباشرة، يعني تعليق بعض الأحكام التجارية أو تجميدها فقدان جزء من النفاذ التفضيلي إلى السوق الأوروبية. وقد نقلت «رويترز» عن تقديرات مرتبطة باقتراح المفوضية في أيلول/سبتمبر 2025 أن تعليق ترتيبات التجارة الحرة على السلع الإسرائيلية قد يؤثر في صادرات بقيمة تقارب 5.8 مليارات يورو، ويضيف نحو 227 مليون يورو سنويًا من الرسوم. قد تبدو هذه الأرقام، منفردة، محتملة الاستيعاب بالنسبة إلى اقتصاد متنوع، لكنها لا تمثل إلا الكلفة الجمركية المباشرة، لا الكلفة الأوسع التي تنشأ من إعادة تسعير المخاطر، وتبدل حسابات الشركات، وتراجع الثقة باستقرار المعاملة التفضيلية.[26]

وفي مستوى أعمق، قد تكون الكلفة الرمزية ـ المؤسساتية أهم من الرسوم نفسها. فالاتفاقية، بما تتيحه من تجارة وبحث واعتراف تنظيمي، تؤدي أيضًا وظيفة تثبيت «إسرائيل» شريكًا مدمجًا في فضاء أوروبي أوسع. وإذا بدأ هذا الوضع في التآكل، حتى عبر إجراءات جزئية، فإن الرسالة التي تصل إلى المستثمرين والجامعات والشركات والمراكز البحثية لا تقتصر على أن التكلفة المالية ارتفعت؛ بل تقول أيضًا إن العلاقة الأوروبية ـ الإسرائيلية لم تعد محصنة ضد السياسة كما كانت في مراحل سابقة. وهذا وحده كفيل بزيادة ما يمكن تسميته «علاوة المخاطر السياسية» على بعض القطاعات الحساسة.

وتبرز الكلفة كذلك في البيئة الابتكارية والتكنولوجية. فاقتراح تعليق المشاركة في «مسرّع المجلس الأوروبي للابتكار» لم يستهدف الجامعات والباحثين الإسرائيليين جميعًا، بل استهدف الحلقة الأقرب إلى الاقتصاد الناشئ والتطبيقات التقنية المتقدمة. والضربة هنا نوعية؛ لأنها تمس أحد عناصر القوة التنافسية الإسرائيلية المعاصرة، أي الوصلة بين البحث العلمي ورأس المال الابتكاري والشركات الناشئة. وحتى لو كان الأثر المالي المباشر محدودًا في البداية، فإن الإشارة السياسية التي يحملها مثل هذا التجميد أوسع بكثير من رقمه المحاسبي.

ولا ينبغي تجاهل أثر أي تشدد أوروبي إضافي في ملف المستوطنات. صحيح أن التجارة المرتبطة بالمستوطنات ليست هي عماد الاقتصاد الإسرائيلي، لكن تشديد التمييز ضدها يضرب واحدة من ركائز السردية السياسية التي حاولت إسرائيل تثبيتها أوروبيًا: أي قابلية دمج الوقائع التي يخلقها الاحتلال داخل أنماط العلاقة الطبيعية مع السوق والمؤسسات الأوروبية. ومن ثم، فإن بعض أدوات الضغط، حتى عندما لا تكون الأعلى قيمة ماليًا، قد تكون الأعلى قيمة من حيث الرسالة السياسية التي تبعثها حول حدود الشرعية والاعتراف.

السيناريوهات المرجحة ومؤشرات تحققها

السيناريو الأول، وهو الأرجح في الأمد القريب، يتمثل في استمرار الضغط من دون تعليق واسع. في هذا السيناريو يظل ملف المادة 2 حاضرًا، وتبقى المقترحات القطاعية على الطاولة، ويزداد تشدد الاتحاد في تطبيق التمييز ضد منتجات المستوطنات أو ضد أنشطة بعينها، لكن من دون الوصول إلى قرار شامل يوقف بنية الشراكة. وتتمثل مؤشرات تحقق هذا السيناريو في استمرار الخلافات داخل المجلس، وصدور تصريحات أوروبية أشد لهجة، مع بقاء الحزمة العقابية في مستوى التجزئة لا في مستوى القطيعة المؤسسية.

السيناريو الثاني هو التعليق الجزئي الانتقائي، وهو أكثر ترجيحًا من التعليق الكامل إذا وقع تحول سياسي محدود داخل المجلس. في هذا المسار قد يمر إجراء أو أكثر بأغلبية مؤهلة: تعليق بعض الامتيازات التجارية، أو توسيع القيود على مشاركة كيانات إسرائيلية في برامج محددة، أو تجميد أشكال من الدعم المؤسسي الثنائي. ما يدعم هذا السيناريو أن المفوضية سبق أن صاغت، في 2025، مقترحات عملية تدخل في هذا الباب، أي أن البنية الإجرائية والأفكار التنفيذية موجودة أصلًا، وليست بحاجة إلى اختراع جديد.

أما السيناريو الثالث، وهو الأضعف احتمالًا في المدى المنظور، فيتمثل في تعليق كامل أو شبه كامل للاتفاقية. هذا السيناريو يفترض تغيرًا سياسيًا أكبر بكثير داخل الاتحاد الأوروبي، أو تطورًا ميدانيًا وقانونيًا يرفع كلفة الامتناع الأوروبي عن الفعل إلى حد يدفع دولًا متحفظة إلى تغيير موقفها. وحتى اللحظة، لا تسند الوقائع المتاحة حتى 21 نيسان/أبريل 2026 هذا الترجيح؛ إذ إن كالاس نفسها أقرت علنًا بعدم توافر الإجماع المطلوب للتعليق الكامل.[27]

والمهم في تحليل السيناريوهات ألا يُنظر إليها باعتبارها بدائل جامدة منفصلة تمامًا. فالسياسة الأوروبية كثيرًا ما تتحرك بطريقة تراكمية: يبدأ الأمر بمراجعة، ثم بتقرير، ثم بتهديد، ثم بقيود فنية أو قطاعية، ثم يتوسع إذا تغيرت البيئة السياسية. وعليه، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس قفزة مفاجئة من الشراكة الكاملة إلى التعليق الكامل، بل مسار ضغط تدرجي يصبح فيه كل إجراء جزئي بمثابة اختبار لقدرة الاتحاد على الانتقال إلى ما هو أبعد إن اقتضت الظروف.

السيناريو

الترجيح

مؤشرات التحقق

الأثر المتوقع

ضغط بلا تعليق واسع

مرتفع

استمرار الانقسام داخل المجلس؛ بقاء المراجعة الحقوقية فاعلة؛ تشديد تدريجي في ملفات المستوطنات والعقوبات الفردية.

رفع الكلفة السياسية على «إسرائيل» من دون تعطيل بنية الشراكة كليًا؛ استمرار الفجوة بين الخطاب والأثر ولكن بدرجة أقل.

تعليق جزئي انتقائي

متوسط

تبلور أغلبية مؤهلة حول التجارة أو البحث أو الدعم المؤسسي؛ انتقال بعض الدول المترددة إلى قبول إجراء محدد.

كلفة مادية ورمزية ملموسة؛ كسر الحاجز السياسي أمام ترجمة المادة 2 إلى أثر تعاقدي.

تعليق كامل أو شبه كامل

منخفض

تغير نوعي في مواقف الدول الأعضاء؛ حدث ميداني أو قانوني يرفع كلفة الامتناع عن الفعل؛ توافر إجماع.

ضربة كبيرة للصورة الرمزية للشراكة؛ أثر مباشر على التجارة والحوار والتعاون المؤسسي.

 

الدلالة الأوسع: ماذا يكشف الملف عن أوروبا نفسها؟

ربما تكون القيمة التحليلية الأهم لهذا الملف أنه يكشف عن أزمة تتجاوز العلاقة مع «إسرائيل» إلى قلب السياسة الخارجية الأوروبية ذاتها. فالتحاد الأوروبي كثيرًا ما يقدم نفسه قوة معيارية تُدخل حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية في نسيج علاقاته الدولية. غير أن صدقية هذا الادعاء لا تختبر في كتابة البنود، بل في اللحظة التي يصبح فيها تفعيلها مكلفًا سياسيًا. وعند هذه النقطة بالذات تظهر المعضلة: كلما كان الشريك أثقل وزنًا سياسيًا أو أشد حساسية جيوسياسية، ازداد التردد الأوروبي في تحويل المشروطية إلى كلفة فعلية. لذلك، فإن الجدل حول اتفاقية الشراكة هو، في جزء معتبر منه، جدل حول أوروبا لا حول «إسرائيل» وحدها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تثير المادة 2 كل هذا الاهتمام. فهي ليست مجرد بند في اتفاقية بعينها؛ إنها تجسيد مكثف لوعد أوروبي أوسع مفاده أن القيم ليست زينة بل جزء من منطق العلاقة الخارجية. فإذا بقي هذا الوعد بلا أثر عملي حين ترتفع كلفة تطبيقه، فإن الرسالة التي يبعثها الاتحاد إلى العالم، وإلى مجتمعاته السياسية الداخلية أيضًا، هي أن القيم مهمة ما لم تستدعِ أثمانًا حقيقية. أما إذا بدأ، ولو على نحو انتقائي وتدريجي، في ترجمة هذا الوعد إلى إجراءات، فإنه لا يعيد تعريف علاقته بإسرائيل فحسب، بل يعيد قدرًا من الصدقية إلى أدواته المعيارية في الجوار وخارجه.

لكن يجب الحذر، في المقابل، من افتراض أن أي خطوة أوروبية، مهما كانت محدودة، ستقلب المعادلة وحدها. فالمشروطية الأوروبية تفقد كثيرًا من فاعليتها إذا لم تُدرج ضمن استراتيجية أوسع تحدد بدقة ما السلوك المراد تغييره، وما معايير القياس، وما الحوافز أو العقوبات المقابلة لكل مستوى من الامتثال أو الإخلال. وبغير ذلك قد تتحول الإجراءات الجزئية إلى سلسلة من الرسائل المتفرقة التي ترفع الضوضاء السياسية من دون أن تصنع أثرًا استراتيجيًا متماسكًا.

وهنا تتضح الحاجة إلى ما يمكن تسميته «عقلانية المشروطية»: أي أن يكون الاتحاد قادرًا على ضبط الصلة بين النص والهدف والأداة والأثر. فإذا أراد استخدام الاتفاقية كورقة ضغط، فعليه أن يحدد بوضوح: هل الغاية وقف سلوك بعينه؟ أم رفع كلفة مسار سياسي كامل؟ أم حماية اتساق القانون الأوروبي إزاء المستوطنات؟ أم استعادة المصداقية الأخلاقية أمام الرأي العام الأوروبي؟ إن غموض الجواب عن هذا السؤال هو أحد أسباب البطء الأوروبي، لأن الأداة تصبح أضعف كلما كانت الغاية التي يراد تحقيقها بها أكثر التباسًا.

خاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و«إسرائيل» لم تعد مجرد إطار تقني ينظم علاقة مستقرة؛ بل تحولت إلى ساحة اختبار مكثفة لمفهوم المشروطية الحقوقية الأوروبية. فمن الناحية القانونية، لا يوجد فراغ: المادة 2 تجعل احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية عنصرًا جوهريًا في الاتفاقية، والمادة 79 توفر سلّمًا من «الإجراءات المناسبة» في حال الإخلال. ومن الناحية الوظيفية، لا شك في أن الاتفاقية تمنح إسرائيل مزايا عميقة ومتعددة الأبعاد تشمل السوق، والبحث، والتنظيم، والنقل، والشرعية الرمزية. لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى فعل سياسي أوروبي منسجم لا يزال معطلًا بسبب الانقسام داخل المجلس، لا بسبب غياب الأداة أو انعدام تأثيرها.

والترجيح الأرجح، استنادًا إلى الوقائع المتاحة حتى 21 نيسان/أبريل 2026، هو أن أوروبا لن تنتقل سريعًا إلى تعليق كامل للاتفاقية، لكنها لم تعد أيضًا في موقع الحصانة السياسية القديمة التي كانت تجعل الاتفاقية بعيدة عن أي كلفة. فمجرد أن تصبح المراجعة الحقوقية مؤسسة داخل القرار الأوروبي، وأن تُطرح على الطاولة إجراءات جزئية تمس البحث والتجارة والدعم الثنائي والمستوطنات، فهذا يعني أن الاتفاقية انتقلت وظيفيًا من وعاء للاندماج فقط إلى أداة ضغط محتملة قابلة للتصعيد والتدرج.

وبهذا المعنى، فإن الأثر الأهم للحظة الراهنة لا يقاس فقط بما إذا كان التعليق سيقع غدًا أو لن يقع، بل بكون أوروبا قد دخلت، على نحو لا لبس فيه، مرحلة مساءلة العلاقة القانونية نفسها. وهذا تحول نوعي. فمنذ الآن لم يعد السؤال ما إذا كانت اتفاقية الشراكة توفر امتيازات لإسرائيل، فهذا أمر مستقر، بل ما إذا كان استمرار هذه الامتيازات ممكنًا من دون مراجعة سياسية وقانونية دورية لطبيعة السلوك الذي يُفترض أنها مشروطة به. وإذا استمر هذا التحول، فإن الاتفاقية ستبقى قائمة ربما، لكنها لن تبقى تعمل بالمنطق نفسه الذي عملت به طوال العقود الماضية.

المراجع

[1] الاتفاقية الأوروبية ـ المتوسطية المنشئة للشراكة بين الجماعات الأوروبية ودولها الأعضاء من جهة، ودولة إسرائيل من جهة أخرى، الجريدة الرسمية للجماعات الأوروبية، 21 حزيران/يونيو 2000.

[2] دائرة البحوث البرلمانية الأوروبية، «Review of the EU-Israel Association Agreement»، حزيران/يونيو 2025.

[3] خدمة العمل الخارجي الأوروبي، تصريحات كايا كالاس عقب اجتماع مجلس الشؤون الخارجية، 20 أيار/مايو 2025.

[4] مجلس الاتحاد الأوروبي، نتائج اجتماع مجلس الشؤون الخارجية، 23 حزيران/يونيو 2025.

[5] المجلس الأوروبي، نتائج اجتماع 26 حزيران/يونيو 2025.

[6] مجلس الاتحاد الأوروبي، مجلس الشؤون الخارجية، 15 تموز/يوليو 2025.

[7] المفوضية الأوروبية، اقتراح تعليق جزئي لاتفاق مشاركة إسرائيل في «أفق أوروبا»، 29 تموز/يوليو 2025.

[8] المفوضية الأوروبية، اقتراح تعليق بعض الامتيازات التجارية مع إسرائيل ووضع الدعم الثنائي قيد التجميد، 17 أيلول/سبتمبر 2025.

[9] خدمة العمل الخارجي الأوروبي، تصريحات كايا كالاس في المؤتمر الصحفي عقب مجلس الشؤون الخارجية، 21 نيسان/أبريل 2026.

[10] وزارة الخارجية الإيرلندية، نص رسالة وزراء خارجية إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا إلى كايا كالاس، منشور في 18 نيسان/أبريل 2026.

[11] المديرية العامة للتجارة في المفوضية الأوروبية، «EU trade relations with Israel»، بيانات 2024.

[12] المديرية العامة للبحث والابتكار في المفوضية الأوروبية، «EU-Israel research and innovation cooperation»، 2 نيسان/أبريل 2025.

[13] المديرية العامة للصحة في المفوضية الأوروبية، المواد التعريفية الخاصة ببروتوكول المطابقة والقبول المتبادل للمنتجات الصناعية (ACAA) مع إسرائيل.

[14] يور-لكس، الملخص القانوني لاتفاق الطيران الأورومتوسطي بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

[15] المديرية العامة للضرائب والاتحاد الجمركي، «EU-Israel technical arrangement».

[16] Access2Markets، «New code Y864 for goods imported into the EU with preferential origin in Israel»، 16 أيار/مايو 2023.

[17] محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، قضية Brita، 25 شباط/فبراير 2010.

[18] مجلس الاتحاد الأوروبي، بيان الممثلة العليا باسم الاتحاد الأوروبي بشأن قانون عقوبة الإعدام الذي أقره البرلمان الإسرائيلي، 31 آذار/مارس 2026.

[19] رويترز، «المفوضية الأوروبية تقترح تعليق ترتيبات التجارة الحرة على السلع الإسرائيلية»، 17 أيلول/سبتمبر 2025.

[20] رويترز، «انقسام داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تعليق الاتفاق مع إسرائيل»، 21 نيسان/أبريل 2026.

[21] بيتر فان إلسويغه وميرين شامن، «The meaning of ‘association’ under EU law»، دراسة للبرلمان الأوروبي، 2019.

[1]مجلس الاتحاد الأوروبي، بيان 31 آذار/مارس 2026؛ والخارجية الإيرلندية، رسالة 18 نيسان/أبريل 2026.

[2]دائرة البحوث البرلمانية الأوروبية، Review of the EU-Israel Association Agreement، 2025.

[3]اتفاقية الشراكة الأوروبية ـ الإسرائيلية، بيانات التوقيع والنفاذ.

[4]Van Elsuwege and Chamon, The meaning of ‘association’ under EU law، 2019.

[5]اتفاقية الشراكة الأوروبية ـ الإسرائيلية، المادة 1.

[6]المصدر نفسه، المادة 2؛ ودائرة البحوث البرلمانية الأوروبية، 2025.

[7]اتفاقية الشراكة الأوروبية ـ الإسرائيلية، المادة 79.

[8]المصدر نفسه، المادة 82.

[9]خدمة العمل الخارجي الأوروبي، 20 أيار/مايو 2025.

[10]مجلس الاتحاد الأوروبي، 23 حزيران/يونيو 2025؛ والمجلس الأوروبي، 26 حزيران/يونيو 2025.

[11]المفوضية الأوروبية، 29 تموز/يوليو 2025.

[12]خدمة العمل الخارجي الأوروبي، 21 نيسان/أبريل 2026؛ والخارجية الإيرلندية، 18 نيسان/أبريل 2026.

[13]المفوضية الأوروبية، 17 أيلول/سبتمبر 2025.

[14]المديرية العامة للتجارة في المفوضية الأوروبية، بيانات 2024.

[15]المصدر نفسه.

[16]المديرية العامة للبحث والابتكار في المفوضية الأوروبية، 2 نيسان/أبريل 2025.

[17]يور-لكس، الملخص القانوني لاتفاق الطيران الأورومتوسطي.

[18]المديرية العامة للصحة في المفوضية الأوروبية، مواد ACAA التعريفية.

[19]المديرية العامة للضرائب والاتحاد الجمركي، EU-Israel technical arrangement.

[20]Access2Markets، 16 أيار/مايو 2023.

[21]محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، قضية Brita، 2010.

[22]دائرة البحوث البرلمانية الأوروبية، 2025؛ واتفاقية الشراكة، المادة 79.

[23]المفوضية الأوروبية، 29 تموز/يوليو 2025 و17 أيلول/سبتمبر 2025.

[24]خدمة العمل الخارجي الأوروبي، 21 نيسان/أبريل 2026.

[25]رويترز، 21 نيسان/أبريل 2026؛ وخدمة العمل الخارجي الأوروبي، 21 نيسان/أبريل 2026.

[26]رويترز، 17 أيلول/سبتمبر 2025.

[27]خدمة العمل الخارجي الأوروبي، 21 نيسان/أبريل 2026.

اسم: أميركاتعليق الباحثينتقدير موقف
يشاركTweetأرسليشارك
المنشور السابق

إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

euarsc

euarsc

المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية منصة بحثية مستقلة تُعنى بإنتاج معرفة رصينة حول القضايا السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي تصل العالم العربي بأوروبا، وتؤثر في مساراته الراهنة والمستقبلية

متعلق بـتقرير ذو صلة

إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

أبريل 21, 2026
0
أسباب فشل مفاوضات إسلام آباد: كيف دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض تحت الإكراه؟

أسباب فشل مفاوضات إسلام آباد: كيف دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض تحت الإكراه؟

أبريل 19, 2026
1
الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع التكنولوجيا وحدود القوة

الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع التكنولوجيا وحدود القوة

أبريل 19, 2026
2
اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

أبريل 18, 2026
3

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

I agree to the Terms & Conditions and سياسة الخصوصية.

أثبت أنك إنسان: 8   +   9   =  

المركز العربي الأوروبي للدراسات. السياسية والاجتماعية.

Facebook-f X-twitter Youtube Telegram Rss Instagram Soundcloud
© 2011 تأسس

معايير

  • أوراق سورية
  • بلاد الشام
  • ملفات بحثية
  • سوريون في المهجر

أوروبا النشر

  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • تعليقات الباحثين
  • حلف الناتو

العلاقات العربية

  • العلاقات العربية الأوروبية
  • الخليج العربي
  • دراسات إعلامية
  • ملفات بحثية

النشر اوروبا

  • الولايات المتحدة الامريكية
  • روسيا
  • أمن دولي
  • الأمن الإقليمي

© 2026 euarsc -كافة العلامات الخاصة بـ euarsc وكل ما تتضمنه من حقوق الملكية الفكرية  ملك لـ euarsc لا تستخدم إلا بتصريح مسبق euarsc.

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • الابلاغ عن الإساءة
  • تواصل معنا

مرحبًا بعودتك!

تسجيل الدخول إلى الحساب

نسيت كلمة المرور ?

استرجع كلمة مرورك

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • العلاقات العربية الأوروبية

© 2026 المركز - العربي ، الأوروبي للدراسات.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية الخصوصية.