الإثنين, أبريل 20, 2026
  • من نحن
  • إرشادات النشر العلمي والتحليلي
  • انشر معنا
  • تسجيل الدخول
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .

أسباب فشل مفاوضات إسلام آباد: كيف دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض تحت الإكراه؟

من تعثر التفاوض إلى ابتزاز الشروط: قراءة معمقة في مفاوضات إسلام آباد

euarsc بواسطة euarsc
أبريل 19, 2026
في ملفات بحثية
0
الرئيسية ملفات بحثية
0
شارك
0
آراء
شارك على فيسبوكشارك على تويترشارك على الواتس أبشارك على تليغرام

تعثر مفاوضات «إسلام آباد»

 بنية الانسداد بين الإكراه العسكري، وتضخم جدول الأعمال، وأزمة الثقة في المسار الأميركي ـ الإيراني

الملخص

لم يكن تعثر مفاوضات «إسلام آباد» حدثًا تفاوضيًّا عابرًا يمكن ردّه إلى خلاف تقني حول نسبة التخصيب أو إلى تصلب ظرفي في موقفي واشنطن وطهران. ما تكشفه هذه الجولة، في ضوء الوقائع التي أحاطت بها، هو أن الطرفين دخلا المسار وهما لا يتفاوضان على «ملف نووي» بالمعنى التقليدي، بل على صيغة لإعادة ترتيب موازين الردع، وحدود استخدام القوة، وشروط العودة إلى الدبلوماسية بعد حرب وهزة إقليمية واسعة. من هنا، فإن الانسداد لم ينتج من عقدة منفردة، بل من خلل مركب أصاب بنية التفاوض نفسها: سوء تعريف المهمة، ومحاولة الجمع بين مسارات نووية وأمنية وإقليمية في سلة واحدة، وتصاعد الإكراه العسكري الأميركي بالتوازي مع طلب تنازلات كبيرة، وافتقاد الحد الأدنى من الثقة والضمانات بعد انهيار الإطار القانوني والرقابي الذي كان يؤطر الملف في العقد الماضي.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن تعثر «إسلام آباد» يعكس أزمة أعمق من فشل جولة واحدة؛ فهو تعبير عن تصدع في تعريف موضوع التفاوض، وحدود ما يمكن أن يُطلب من كل طرف تقديمه في مرحلة ما بعد الحرب. وتجادل الدراسة بأن واشنطن دخلت الجولة وهي تسعى إلى استثمار الضغط العسكري والبحري لإنتاج تفاهم سريع، بينما تعاملت طهران مع التفاوض بوصفه امتدادًا لمعركة السيادة والردع لا بديلًا منها. وفي هذا التباين بين «التفاوض بوصفه أداة حسم» و«التفاوض بوصفه أداة تثبيت للمكاسب ومنع الإذلال» تكوَّن جوهر الانسداد.

متعلق ببالتقرير

الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع التكنولوجيا وحدود القوة

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

اقتصادات الدفاع تحت الضغط

وتخلص الدراسة إلى أن المسار لم يفشل لأن التسوية مستحيلة من حيث المبدأ، بل لأنه صُمِّم بطريقة تتعارض مع شروط التسوية الممكنة. فما دام الإكراه قائمًا، والملفات متشابكة على نحو مفرط، والضمانات غائبة، والوسيط عاجزًا عن معالجة جوهر الخلافات، فإن كل جولة جديدة ستظل معرضة لأن تتحول من فرصة اختراق إلى مسرح لتبادل الاتهامات وتحسين شروط المواجهة. لذلك فإن أي استئناف جدي للمسار لاحقًا سيقتضي إعادة بناء العملية من أساسها: خفض سقف الأهداف القصوى، وفصل المسارات، وترتيب الخطوات بصورة متدرجة، وإعادة الاعتبار لدور الضمانات والرقابة الفنية، مع معالجة أثر الفاعل الإسرائيلي والضغوط الداخلية الأميركية على قابلية الاتفاق للحياة.

الكلمات المفتاحية

إسلام آباد؛ الولايات المتحدة؛ إيران؛ الإكراه التفاوضي؛ مضيق هرمز؛ البرنامج النووي الإيراني؛ باكستان؛ الردع؛ العقوبات؛ الضمانات.

مقدمة

يحتاج تعثر مفاوضات «إسلام آباد» إلى قراءة تتجاوز ردود الفعل الإعلامية السريعة. فالنقاش العام مال، في الأيام التي تلت الجولة، إلى تفسير الانسداد من خلال مفردات مألوفة: تصلب إيراني، أو تعنت أميركي، أو تدخل إسرائيلي، أو تعقيد الملف النووي. وهذه كلها عناصر حقيقية، لكنها لا تكفي منفردة لفهم ما جرى. إذ لا يتوقف السؤال على أسباب عدم الوصول إلى اتفاق، بل يمتد إلى سؤال أعمق: ما طبيعة التفاوض الذي دار أصلًا؟ وهل كانت الطاولة مهيأة لمعالجة خلاف تقني قابل للتسوية، أم أنها كانت تحمل منذ البداية أعباء أزمة أوسع من أن تستوعبها جولة واحدة أو حتى مسار تفاوضي واحد؟

تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من أن مفاوضات «إسلام آباد» جاءت في سياق استثنائي: حرب إقليمية مفتوحة، أزمة ممرات بحرية، تعطُّل طويل في الترتيبات الرقابية الدولية على البرنامج النووي الإيراني، ومحاولة باكستانية لفتح نافذة دبلوماسية بين خصمين يتعامل كل منهما مع الآخر من موقع انعدام الثقة لا من موقع الشراكة في إدارة النزاع. لقد تحركت الوساطة الباكستانية داخل بيئة يتجاور فيها التهديد العسكري، والحصار البحري، والتنافس على سردية النصر، والضغوط الداخلية على كل من واشنطن وطهران، بما يجعل من أي تفاوض عملية شديدة الهشاشة، لا مجرد نقاش حول بنود اتفاق.

ولا بد، منهجيًّا، من التمييز بين ثلاثة مستويات في تحليل هذا التعثر. الأول: مستوى الوقائع المباشرة، أي ما حدث فعلًا من جولات، ومطالب، وتهديدات، وتحركات ميدانية. والثاني: مستوى التفسير، أي الكيفية التي يمكن من خلالها ربط هذه الوقائع ببعضها لفهم منطق الانسداد. والثالث: مستوى التقدير، أي استشراف ما إذا كان التعثر يمثل نهاية للمسار أم محطة في مساومة أطول. هذا التمييز ضروري؛ لأن كثيرًا من التحليلات يخلط بين الواقعة والتفسير، أو بين التقدير والرغبة السياسية.

وتنبع ملاءمة هذه المقاربة من أن تعثر «إسلام آباد» لا يُقرأ من مستوى واحد؛ إذ يتداخل فيه تصميم العملية التفاوضية، والإكراه العسكري بوصفه أداة ضغط وحدود فعاليته، وترابط الملفات النووية والإقليمية والبحرية، فضلًا عن أثر العوامل الداخلية الأميركية والعامل الإسرائيلي في تضييق هامش التسوية.

منهج الدراسة وحدودها

تعتمد هذه الدراسة مقاربة تفسيرية ـ تحليلية متعددة المستويات، تجمع بين تحليل السياق التفاوضي، ورصد تتابع الوقائع الميدانية والدبلوماسية، وقراءة الخطاب السياسي بوصفه جزءًا من التفاوض لا مجرد تعليق عليه. ولا تدّعي الدراسة الوصول إلى محاضر تفاوضية كاملة أو إلى معرفة نهائية بما دار داخل الغرف المغلقة؛ بل تبني استنتاجاتها على تقاطع المصادر الرسمية، ووثائق الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة، والتقارير الصحفية الموثوقة، مع الإفادة من المادة الأولية الواردة في الملف المؤسسي المرفق بوصفها مدخلًا تفسيريًّا لا نصًّا مرجعيًّا مغلقًا.

إشكالية الدراسة وفرضيتها

تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي: لماذا تعثرت مفاوضات «إسلام آباد» رغم حاجة الطرفين الموضوعية إلى منع الانزلاق إلى حرب أوسع، ورغم وجود وسيط نشط، ورغم استمرار الحديث عن إمكان العودة إلى الطاولة حتى بعد تعثر الجولة الأولى؟ وتنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أن التعثر لم يكن نتيجة «فائض خلاف» فقط، بل نتيجة خلل في بنية التفاوض نفسها؛ أي في تعريف موضوعه، وتسلسل ملفاته، والأدوات المستخدمة لدفعه، والضمانات المطلوبة لإنجاحه.

وبتعبير أوضح، فإن هذه الدراسة تفترض أن واشنطن حاولت أن تجعل من التفاوض قناة لترجمة التفوق العسكري والضغط الاقتصادي والبحري إلى ترتيبات سياسية سريعة، بينما سعت طهران إلى استخدام التفاوض من أجل تثبيت حقها في عدم تقديم تنازل استراتيجي تحت الإكراه، والحفاظ على الحد الأدنى من عناصر الردع والسيادة. وبين المقاربتين نشأ تناقض بنيوي: الولايات المتحدة أرادت «اتفاقًا تحت الضغط»، وإيران أرادت «تفاوضًا يبدد أثر الضغط». وما دام كل طرف يعرّف وظيفة التفاوض على نحو معاكس تقريبًا، فإن إنتاج اتفاق متماسك يصبح شديد الصعوبة.

أولًا: الخلفية البنيوية ـ من إرث الاتفاق النووي إلى فراغ ما بعد الحرب

لا يمكن فهم «إسلام آباد» من دون العودة إلى الخلفية الأوسع للملف النووي الإيراني. فقد صُمِّم الاتفاق النووي لعام 2015، أي خطة العمل الشاملة المشتركة، على أساس معادلة واضحة نسبيًّا: قيود فنية وزمنية ورقابية على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي ومنظم للعقوبات النووية وإعادة دمج إيران اقتصاديًّا ضمن حدود معينة. وكان هذا التصميم يقوم على التدرج، وعلى دور محوري للوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحقق، وعلى اعتراف ضمني بأن الخلاف الكبير لا يحل دفعة واحدة بل يُدار من خلال حزمة تفصيلية شديدة الدقة. ولهذا لم يكن الاتفاق مجرد إعلان سياسي، بل نصًّا تقنيًّا وقانونيًّا واسعًا، ارتبط بقرار مجلس الأمن 2231 الذي أضفى عليه إطارًا دوليًّا أوسع. غير أن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق في 2018 وجّه ضربة استراتيجية لفكرة أن الالتزامات المتبادلة مع واشنطن يمكن التعويل عليها على المدى البعيد، وأعاد مركز الثقل من «الترتيب المؤسسي» إلى «تقلب الإرادة السياسية الأميركية». [9][17][18]

أهمية هذه الخلفية لا تكمن في بعدها التاريخي فقط، بل في أثرها المباشر على سلوك طهران في 2026. فحين تدخل إيران أي مسار تفاوضي جديد، فإنها لا تنظر إليه بوصفه بداية بيضاء، بل بوصفه استمرارًا لمسار سبق أن اختُبر فيه منطق الاتفاق ثم الانسحاب الأحادي. ولهذا تبدو أزمة الثقة هنا ليست عنصرًا نفسيًّا أو دعائيًّا، بل معطًى بنيويًّا. فالطرف الذي اختبر مرة أن اتفاقًا متعدد الأطراف ومسنودًا بقرار من مجلس الأمن يمكن أن ينهار سياسيًّا مع تغير الإدارة الأميركية سيطلب، بحكم التجربة، ضمانات أوسع من تلك التي كانت مطروحة قبل عقد.

ثم جاءت تطورات 2025 لتعمق هذا الفراغ. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية أوضحت في تقاريرها وتصريحات مديرها العام أن الهجمات على منشآت نووية إيرانية في حزيران/يونيو 2025، وما تلاها من وقف أنشطة التحقق وسحب المفتشين لأسباب تتعلق بالسلامة، ثم القانون الإيراني الذي دخل حيز النفاذ في 2 تموز/يوليو 2025 وعلَّق التعاون مع الوكالة، كلها عوامل أدت إلى اتساع الفجوة الرقابية على نحو خطير. ووفق الوكالة، فإنها لم تعد قادرة على تقديم ضمانات بعدم تحويل المواد النووية المعلنة عن الأنشطة السلمية في المنشآت المتأثرة، كما أن التحقق من المخزونات المعلنة من اليورانيوم منخفض وعالي التخصيب بات متأخرًا على نحو كبير. [15][16] وهذه ليست مسألة فنية هامشية؛ لأنها تعني أن أي تفاوض جديد لا يبدأ من خط أساس رقابي مستقر، بل من فراغ تحقق، ومن شكوك متبادلة، ومن مطالبة أميركية بإعادة ضبط البرنامج من موقع أكثر تشددًا.

هكذا، دخلت مفاوضات «إسلام آباد» في ظل بيئة مغايرة جذريًّا لتلك التي أنتجت اتفاق 2015. ففي ذلك الوقت كان هناك إطار قانوني دولي قيد التشكل، وقنوات خبرة تراكمية بين الإيرانيين والأوروبيين والأميركيين، وفصل نسبي بين الملف النووي وبعض الملفات الإقليمية. أما في 2026، فقد باتت الأزمة تشمل الحرب، والردع البحري، ومسألة هرمز، والضمانات الأمنية، وتعويضات الحرب، والعقوبات، ومكانة إيران الإقليمية. أي إن الانتقال لم يكن من «اتفاق قديم» إلى «اتفاق جديد»، بل من بيئة تفاوض مؤسسية إلى بيئة مساومة خشنة بعد حرب.

ثانيًا: من الهدنة إلى الطاولة ـ كيف وُلد مسار «إسلام آباد»؟

تشير المعطيات المتاحة إلى أن القناة الباكستانية لم تولد بوصفها مسارًا تفاوضيًّا هادئًا ومخططًا له على مهل، بل بوصفها آلية طوارئ لمنع تدهور أكبر. فقد أظهرت تقارير موثوقة أن باكستان لعبت دورًا حاسمًا في اللحظات الأخيرة قبل تثبيت هدنة مؤقتة، وأن محاولتها كادت تنهار بعد ضربة إيرانية على منشأة بتروكيماوية سعودية وما تبعها من غضب إقليمي وخشية من انفجار أوسع. ولم تتمكن إسلام آباد من انتزاع موافقة طهران على الدخول في التفاوض إلا بعد حصولها على تطمينات بأن إسرائيل لن تواصل ضرباتها على نحو ينسف أي فرصة للمحادثات. [2] هذه الواقعة وحدها مهمة للغاية؛ لأنها تكشف منذ البداية أن إسرائيل لم تكن مجرد طرف خارجي يراقب، بل عاملًا مؤثرًا في إمكان انعقاد التفاوض من أساسه.

انعقدت الجولة الأولى في هذا السياق، بعد هدنة هشة، وعلى أمل أن تُترجم إلى مسار يثبّت التهدئة ويمنع العودة إلى الحرب. لكن الجولة التي استمرت نحو 21 ساعة انتهت من دون اتفاق، ثم أعقبها إعلان أميركي عن حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وحديث عن إمكان العودة إلى جولة ثانية. [3][14] هنا وقع التحول الحاسم: بدل أن يؤدي فشل الجولة الأولى إلى تبريد نسبي تمهيدًا لجولة أكثر ترتيبًا، انتقل النزاع إلى مستوى جديد من الإكراه؛ أي إن واشنطن أرادت أن تجعل من تعثر الطاولة مبررًا لتصعيد الضغط، لا لتعديل تصميم التفاوض.

ومع ذلك لم يُغلق المسار فورًا. ففي الأيام التالية تحدثت تقارير عن محاولة الجانبين، بوساطة باكستانية، تضييق بعض الفجوات والتفكير في مذكرة مؤقتة تمنع العودة الفورية إلى القتال. كما ظهرت مؤشرات إلى نقاش حول إدارة مضيق هرمز، وإمكان بلورة تفاهم أولي يشتري الوقت. [4][5] لكن هذا كله كان يجري تحت سقف بالغ الاختلال: إيران تطالب بإنهاء الحصار البحري أو تخفيفه على الأقل حتى يكون للعودة إلى الطاولة معنى، فيما تصر واشنطن على أن الحصار سيظل قائمًا حتى «يكتمل» التفاهم. [5][7]

عند هذه النقطة، لم تعد المشكلة هي موعد الجولة الثانية أو طبيعة الوفود، بل تعريف «ما قبل التفاوض» نفسه. فإيران أعلنت أنها لا تملك قرارًا حاليًّا بإرسال وفد ما دام الحصار البحري قائمًا. [7] والولايات المتحدة، في المقابل، أعلنت إرسال وفد جديد، مع التلويح بضرب الجسور ومحطات الكهرباء إذا لم تقبل طهران بالشروط الأميركية. [8] أي إن كل طرف صار يريد الذهاب إلى الطاولة بشرط أن يكون قد حسم، قبل الجلوس أصلًا، معنى التراجع ومعنى الصمود. ومن هنا بدأت المفاوضات تتحول من آلية تسوية إلى ساحة صراع على شروط التسوية.

ثالثًا: سوء تعريف المهمة التفاوضية

السبب الأول، والأكثر عمقًا، في تعثر «إسلام آباد» يتمثل في سوء تعريف المهمة التفاوضية منذ البداية. فقد بدا أن واشنطن دخلت الجولة وكأنها تتعامل مع لحظة يمكن فيها جمع خيوط متعددة في اتفاق واحد سريع: وقف نار، ضبط هرمز، معالجة الملف النووي، تحجيم بعض عناصر الردع الإيراني، وفتح نقاش حول النفوذ الإقليمي. لكن هذا التصور لم يكن واقعيًّا؛ لأنه يفترض أن كل هذه الملفات قابلة للربط والحسم ضمن سلة واحدة، في حين أن لكل منها منطقه الخاص، وأطرافه الضاغطة، وحساسياته السيادية، وتسلسله الزمني المختلف.

التفاوض الناجح في الملفات عالية الحساسية يحتاج إلى تعريف دقيق لسؤال التفاوض قبل الشروع في الجواب. أما في «إسلام آباد»، فالسؤال نفسه ظل معلقًا. هل الهدف هو وقف الحرب فقط؟ أم تثبيت هدنة مؤقتة ريثما تبدأ مفاوضات نووية لاحقة؟ أم التوصل إلى إطار سياسي واسع ينقل الأزمة إلى مرحلة جديدة؟ أم فرض صفقة أميركية ـ إيرانية تشمل النووي وهرمز وبعض الملفات الإقليمية دفعة واحدة؟ ما دام هذا التعريف غير محسوم، فإن كل طرف سيدخل الطاولة وهو يتصور مهمة مختلفة عمّا يتصورها الطرف الآخر.

يظهر هذا الخلل بوضوح في التباين بين المقاربة الأميركية والإيرانية. فالتصريحات الأميركية، كما نُقلت في عدة تقارير، ذهبت نحو مطلب وقف كامل للتخصيب، وتفكيك رئيسي للبنية النووية الحساسة، ونقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مع مطالب أخرى تمس الصواريخ والتمويل الإقليمي بحسب بعض الصيغ التي جرى تداولها في مرحلة ما قبل المفاوضات. [3][11] أما إيران فتعاملت مع الأمر من زاوية مختلفة: التخصيب حق سيادي لا يُلغى، والمخزون لا يخرج بالكامل، والتهدئة في هرمز مرتبطة بوقف الحصار وبسريان التفاهم على الجبهات الأخرى، وبخاصة لبنان، فضلًا عن الحاجة إلى ضمانات بعدم تكرار الهجوم. [5][9][11] الفارق هنا ليس بين موقف متشدد وآخر مرن فحسب، بل بين تعريفين لوظيفة التفاوض: الأول يريده أداة لتغيير سلوك استراتيجي واسع، والثاني يريده أداة لإدارة الأزمة من دون نسف عناصر السيادة الأساسية.

كان يمكن، نظريًّا، تقليص هذا التناقض لو جرى تفكيك المهمة إلى مراحل: مرحلة إنقاذية لوقف التصعيد في هرمز وتثبيت القواعد الإجرائية، ثم مرحلة نووية ـ فنية، ثم مرحلة أوسع للضمانات والعقوبات وربما القضايا الإقليمية. لكن الذي حدث كان عكس ذلك تقريبًا؛ إذ اختُزلت المراحل داخل سلة واحدة، فبات كل ملف رهينة للملفات الأخرى. وبهذا المعنى، تحولت العملية إلى تفاوض مثقل بحمولة تتجاوز سعته السياسية، فتعذر الانتقال من الاشتباك العام إلى الصياغة الفنية القابلة للتنفيذ.

رابعًا: تضخم جدول الأعمال وتحول التفاوض إلى مساومة متعددة الجبهات

إذا كان سوء تعريف المهمة هو العيب البنيوي الأول، فإن تضخم جدول الأعمال هو آليته العملية المباشرة. فقد أظهرت الوقائع أن المفاوضات لم تبق محصورة في المعادلة الكلاسيكية: تقييد نووي مقابل تخفيف للعقوبات. سرعان ما تمدد النقاش إلى إدارة مضيق هرمز، وشروط فتحه أو إبقائه تحت ترتيبات مشددة، ومصير المخزون عالي التخصيب، ومدة التجميد أو التعليق، والضمانات الأمنية، ومسألة الحرب على الجبهة اللبنانية، والقيود الممكنة على صواريخ إيران أو علاقاتها الإقليمية، فضلًا عن إيقاع رفع العقوبات وإمكانية الإفراج عن الأصول المجمدة. [4][5][8][9][11]

هذا الاتساع لا يعكس فقط كثرة الموضوعات، بل اختلاف طبيعتها. فبعضها فني ـ نووي تحكمه حسابات التحقق والرقابة، وبعضها أمني ـ سيادي يتعلق بحرية الملاحة ومعادلات الردع، وبعضها سياسي ـ إقليمي يتصل بلبنان وإسرائيل وشبكات النفوذ. والخلل هنا أن هذه الملفات لم تُجمع ضمن «صفقة كبرى» ناضجة، بل وُضعت متجاورة داخل مسار لم يكتسب بعد الحد الأدنى من الثقة. وفي مثل هذه الحالات، لا يعود السؤال: ما الذي يمكن تبادله؟ بل يصبح: من يسبق إلى التنازل في ملف قد يستخدم ضده في ملف آخر؟

تتضح خطورة ذلك في ملف اليورانيوم عالي التخصيب. فالولايات المتحدة دفعت نحو إخراجه أو وضع ترتيبات حاسمة بشأنه، فيما برزت أفكار روسية حول استضافته وتحويله لاحقًا إلى وقود مدني، لكن واشنطن رفضت المقترح الروسي بحسب الكرملين. [10] وفي الوقت نفسه، كانت هناك إشارات إلى إمكان حل وسط جزئي يقوم على نقل جزء من المخزون أو خفض جزء منه، لا كله. [4][5] هذا النوع من الملفات يمكن نظريًّا أن يُحل تقنيًّا إذا عُزل عن المناخ السياسي المشحون، لكن حين يرتبط، في اللحظة نفسها، بملف التخصيب، وملف الضمانات، وملف الحصار البحري، يصبح أي حل فني محتمل رهينة للاصطفافات السياسية الأوسع.

ينطبق الأمر نفسه على هرمز. فالمضيق ليس مجرد بند تفاوضي عابر يمكن فصله عن بقية الملفات، بل هو أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية في مواجهة تفوق أميركي ـ إسرائيلي عسكري. وتكفي الإشارة إلى أن مضيق هرمز مرّ عبره في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميًّا، أي قرابة خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، فضلًا عن نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًّا. [19] وهذا يعني أن أي تفاوض حول المضيق ليس تفاوضًا على «ممر ملاحي» فحسب، بل على رافعة استراتيجية تضغط في الاقتصاد العالمي كله. ومن الصعب تصور أن طهران ستتعامل مع هذه الورقة كملف مستقل منفصل عن الحصار، أو عن الحرب، أو عن حقها في الردع.

هكذا، فإن تضخم جدول الأعمال لم يكن مجرد خطأ إجرائي، بل عاملًا بنيويًّا رفع كلفة أي تنازل جزئي. فالتنازل في النووي قد يُقرأ بوصفه مدخلًا لتنازل في الردع البحري؛ والتنازل في هرمز قد يُقرأ بوصفه تخليًا عن ورقة ضغط رئيسية من دون مقابل مضمون؛ والقبول بتهدئة لبنانية منفصلة قد يُفهم إيرانيًّا كفصل مصطنع بين ساحات مترابطة. وفي مثل هذه البيئة، يزداد الميل إلى التصلب؛ لأن كل طرف يخشى أن تبدو مرونته في ملف محدد كأنها بداية سلسلة تنازلات لا يمكن ضبط مداها.

خامسًا: الإكراه العسكري وحدود «الدبلوماسية تحت النار»

العامل الثالث في تفسير التعثر يتمثل في الكيفية التي استخدمت بها واشنطن أدوات الضغط العسكري والبحري بالتوازي مع الدعوة إلى التفاوض. فمن حيث المبدأ، ليست هذه مقاربة غير مألوفة في العلاقات الدولية؛ إذ كثيرًا ما تُستخدم الضغوط الاقتصادية والعسكرية لتعزيز موقع تفاوضي. لكن الإشكال في «إسلام آباد» أن الإكراه لم يكن مجرد خلفية ضغط، بل تحول إلى عنصر حاضر داخل العملية نفسها: حصار بحري بعد تعثر الجولة الأولى، اعتراض سفينة إيرانية قرب هرمز، وتهديدات علنية بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء إذا لم تقبل طهران بالشروط الأميركية. [3][8][12]

هذا النمط من السلوك له أثر مزدوج. فمن جهة، قد يعزز قناعة صانع القرار الأميركي بأن الزمن يعمل لصالحه وأن الخصم سيعود إلى الطاولة وهو تحت ضغط أكبر. ومن جهة أخرى، يدفع الطرف المقابل إلى إعادة تعريف التفاوض بوصفه ساحة مقاومة للإذلال لا ساحة مساومة تقنية. وقد ظهرت هذه النتيجة بوضوح في الخطاب الإيراني الذي ربط العودة إلى التفاوض بإنهاء الحصار أو تغيّر الشروط. [7][8] ففي اللحظة التي يصبح فيها مجرد الذهاب إلى الطاولة قابلًا للتأويل داخليًّا كاستجابة لإنذار، تزداد كلفة المرونة السياسية على الطرف المستهدف.

لا يتصل الأمر هنا بـ«كرامة وطنية» بالمعنى الخطابي فقط، بل بحسابات السلطة والتماسك الداخلي. فالنظام الإيراني، بعد حرب وضربات واسعة، لا يستطيع بسهولة أن يقدّم تنازلًا مرئيًّا في ظل حصار قائم وتهديدات علنية للبنية التحتية، لأن ذلك قد يُفهم داخليًّا وإقليميًّا باعتباره اعترافًا بأن الإكراه نجح في انتزاع ما عجزت عنه المفاوضات السابقة. ولهذا يصير التشدد، أحيانًا، أقل كلفة من المرونة، حتى لو كانت المرونة من حيث الجوهر قد تؤدي إلى منفعة مادية أكبر.

كما أن الإكراه المفرط يخلق مشكلة إضافية للجانب الأميركي نفسه. فهو يضغط على الخصم، لكنه يضيق أيضًا مجال «حفظ الوجه» الذي لا غنى عنه في أي اتفاق مع طرف يعد نفسه قوة إقليمية. فالصفقات الكبرى لا تنجح فقط عندما تتوافر عناصر القوة، بل عندما تتوافر أيضًا صيغ لغوية وسياسية تسمح لكل طرف بأن يقدّم الاتفاق لجمهوره بوصفه إنجازًا أو على الأقل تسوية متوازنة، لا استسلامًا. وإذا قُدِّم التفاوض للرأي العام الأميركي على أنه اختبار لإخضاع إيران، وقُدِّم للرأي العام الإيراني على أنه اختبار للصمود أمام الابتزاز، فإن المسافة بين الطرفين تتسع حتى لو تقلصت الفجوات التقنية.

وتزداد المسألة تعقيدًا حين يتداخل الإكراه العسكري مع المخاوف من الانزلاق غير المقصود. فالشحن البحري في هرمز ظل مترددًا حتى بعد إعلان فتح مؤقت للممر، إذ أشارت تقارير إلى أن شركات الملاحة كانت تحتاج إلى توضيحات إضافية بشأن مخاطر الألغام وسلامة المرور. [5][20] أي إن الضغط الأميركي لم يخلق فقط بيئة تفاوضية صعبة، بل أبقى أيضًا احتمالات سوء التقدير الميداني قائمة. وهذا يعني أن الإكراه لم يكن مجرد أداة لتحسين شروط الاتفاق، بل صار في ذاته عاملًا مولدًا لعدم اليقين، وربما لتفجير المسار.

سادسًا: أزمة الثقة والضمانات ـ لماذا لم تعد التقنية كافية؟

لا تقل أزمة الثقة أهمية عن تضخم جدول الأعمال والإكراه العسكري. بل يمكن القول إن العنصرين السابقين كانا يعملان فوق أرضية مشبعة أصلًا بانعدام الثقة. ففي حالات النزاع العادي، قد تسمح الخبرة التفاوضية السابقة ببناء حد أدنى من الافتراضات المشتركة: أن هناك التزامات قابلة للتنفيذ، وجهة تحقق محايدة، وتدرجًا في الخطوات، وإمكانًا ما للاعتماد المتبادل. أما في الحالة الأميركية ـ الإيرانية، فإن هذه الافتراضات تعرضت لتآكل عميق خلال سنوات.

لقد تقوض الأساس المؤسسي للثقة على مراحل. بدأت المرحلة الأولى مع الانسحاب الأميركي من اتفاق 2015 وما حمله من رسالة مفادها أن الاتفاقات، حتى حين تكون مفصلة ومتعددة الأطراف، ليست محصنة من الانقلاب السياسي الأميركي. [9][17][18] ثم جاءت المرحلة الثانية مع تصاعد الضغوط والعقوبات وسياسة «الضغط الأقصى»، لتضيف إلى أزمة الثقة عنصرًا آخر هو تحويل الاقتصاد إلى أداة إنهاك مستمر. أما المرحلة الثالثة، فجاءت بعد هجمات 2025 على المنشآت النووية وما تبعها من فراغ رقابي وتوقف جزئي أو كامل لآليات التحقق كما أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية. [15][16]

في مثل هذه البيئة، لا يعود الخلاف على بنود الاتفاق كافيًا لتفسير الفشل؛ لأن العقدة الأعمق تصبح: من يضمن أن ما يُوقَّع سيُنفَّذ، ومن يضمن ألا يستخدم الطرف الآخر فترة التهدئة لإعادة تموضع عسكري أو تفاوضي؟ لهذا كان الطلب الإيراني بضمانات عدم الاعتداء حاضرًا بقوة في النقاشات، وفق ما نقلته تقارير دبلوماسية. [9] ومن هذا المنظور، فإن الإصرار الإيراني على التمسك بالتخصيب أو بجزء من المخزون أو بأوراق الردع البحري لا يعكس فقط رغبة في المساومة، بل أيضًا شكًّا عميقًا في أن البديل المؤسسي كافٍ لتعويض ما يمكن التخلي عنه.

هنا تظهر حدود المقاربة الأميركية الساعية إلى تفاهم سريع أو «مذكرة أولية». فقد حذرت دوائر أوروبية من أن اتفاقًا عالي المستوى وخفيف التفاصيل قد يخلق لاحقًا انسدادًا تقنيًّا وسياسيًّا أعمق، لأن كل بند نووي يفتح عشرات الأسئلة المتعلقة بالتحقق، والتسلسل الزمني، ومكان التخزين، وأدوار الوكالة، والقدرة على الوصول غير المقيّد. [9] وهذه ليست ملاحظة إجرائية فقط، بل جوهرية: فحين تكون الثقة منهارة، ترتفع قيمة التفاصيل لا تنخفض. وما يمكن القفز فوقه سياسيًّا في أجواء طبيعية يصبح في الأزمات الحادة مادة انفجار لاحق.

بعبارة أخرى، لم تعد «التقنية» كافية لأن الأزمة تجاوزت النووي بوصفه برنامجًا، وصارت تتصل بالنووي بوصفه جزءًا من معادلة أمن قومي ومكانة إقليمية. من هنا لم تكن مسألة التخصيب أو المخزون أو الرقابة ملفات قابلة للعزل عن سؤال السيادة والردع. وما لم تُعالَج هذه الصلة معالجة سياسية وضمانية، فلن يكفي أي ترتيب فني لصناعة اتفاق قابل للحياة.

سابعًا: العامل الأميركي الداخلي ـ استعجال الإنجاز وضيق الاستثمار السياسي

العامل الرابع الذي أسهم في التعثر يتعلق بالسياق السياسي الداخلي الأميركي. فالمفاوضات في هذا المستوى من الحساسية لا تُدار في فراغ مؤسسي معزول عن الضغوط الحزبية والرأي العام وحسابات القيادة. وقد أشارت تقارير موثوقة إلى أن بعض الحلفاء الأوروبيين كانوا يخشون أن تسعى واشنطن إلى إطار متعجل يمنح الرئيس ترامب إنجازًا دبلوماسيًّا سريعًا من دون أن يجيب عن الأسئلة التقنية والسياسية الأصعب. [9] وهذا التقدير الأوروبي بالغ الدلالة؛ لأنه يعني أن المشكلة لم تكن فقط في مضمون المطالب الأميركية، بل في إيقاع التفاوض والزمن السياسي الذي يتحرك داخله البيت الأبيض.

فالملف الإيراني، منذ سنوات، ليس شأنًا خارجيًّا محضًا في واشنطن؛ بل هو أيضًا موضوع تنازع داخلي حول صورة الحزم، وحدود تقديم التنازلات، ومعنى العودة إلى أي صيغة تشبه اتفاق 2015 الذي طالما صُوِّر في الخطاب الترامبي بوصفه اتفاقًا مختلًّا. لذلك لا تستطيع الإدارة الأميركية، حتى لو رغبت في اتفاق، أن تدخل في مسار طويل ومعقد من دون أن تواجه سؤالين داخليين: ما الذي تغيّر حتى نقبل اليوم ما رفضناه أمس؟ وهل يبدو الاتفاق المقبل امتدادًا لتسوية «متساهلة» أم تصحيحًا لها؟ هذه الضغوط تقود غالبًا إلى الميل نحو شروط مرتفعة السقف، وإلى التمسك بخطاب إنذاري، وإلى الرغبة في اتفاق رمزي سريع أكثر من اتفاق متين بطيء.

وتظهر هذه الإشكالية بصورة خاصة في فجوة الزمن بين ما يحتاجه الملف النووي فعلًا وما يسمح به الزمن السياسي الأميركي. فخبرة الاتفاق النووي السابق تُظهر أن بناء تسوية قابلة للتنفيذ في هذا النوع من الملفات يحتاج إلى شهور طويلة من التفاوض التفصيلي، وإلى خبرة قانونية وفنية ومؤسسية تراكمية، لا إلى إعلان إطار سريع ثم ترحيل العقد. [9][17] لكن الإدارة التي تريد أن تُظهر أن الضغط نجح وأن الحرب أنتجت صفقة لا تملك رفاهية الزمن الطويل. ومن هنا ينشأ تناقض جوهري: كلما استعجلت واشنطن الاتفاق، ازدادت مخاوف الطرف الآخر من أن يكون المطلوب هو «التوقيع أولًا» ثم خوض معارك التفسير والتنفيذ لاحقًا من موقع أضعف.

كما أن هناك مسألة أخرى تتعلق بطبيعة الفريق واللغة المستخدمة. فالمفاوضات المعقدة لا تتعلق فقط بمستوى الوفد، بل أيضًا بالقدرة على الإنصات، والتدرج، وإنتاج مناطق وسط. أما حين تطغى لغة «الصفقة» و«الشروط» و«المهلة الأخيرة» و«إكمال المعاملة» على لغة الترتيب والتسلسل والضمانات، فإن الطرف المقابل سيقرأ ذلك باعتباره مؤشرًا إلى أن واشنطن تنظر إلى التفاوض بوصفه ساحة إملاء لا ساحة توليف سياسي دقيق. وقد كان لهذا الأثر، على الأرجح، دور مباشر في تعميق القناعة الإيرانية بأن المشكلة لا تكمن في بنود محددة فقط، بل في طريقة إدارة التفاوض برمتها.

ثامنًا: العامل الإسرائيلي ـ من الضغط على الهامش إلى هندسة السقف

لا يمكن تحليل تعثر «إسلام آباد» من دون إدراج العامل الإسرائيلي بوصفه متغيرًا بنيويًّا لا تفصيليًّا. فالوقائع المتاحة تظهر أن إسرائيل لم تكن بعيدة عن سياق التفاوض، لا على مستوى أثر الحرب السابقة في تشكيل المواقف، ولا على مستوى الضغط المباشر أو غير المباشر على السقف الأميركي. فقد أشارت تقارير إلى أن إسلام آباد لم تتمكن من إقناع طهران بالدخول في الهدنة والمفاوضات إلا بعد الحصول على تطمينات بأن إسرائيل ستمتنع عن خطوات قد تنسف الجهد الدبلوماسي. [2] كما أشارت المصادر نفسها إلى أن إسرائيل كانت تميل إلى أن الضغط العسكري قد يحقق أكثر مما يمكن أن تحققه التسوية. [2]

هذه المعطيات تجعل من العامل الإسرائيلي أكثر من مجرد خلفية. إنه، عمليًّا، طرف حاضر في تعريف ما تعتبره واشنطن «صفقة مقبولة»، وفي تحديد ما تخشاه طهران من أي انفتاح دبلوماسي. فمن جهة، تضغط إسرائيل باتجاه تعظيم القيود على البرنامج النووي وعلى البنية الصاروخية وشبكات النفوذ الإقليمي، وترى في أي اتفاق لا يمس هذه العناصر خطرًا مؤجلًا. ومن جهة أخرى، تنظر إيران إلى إسرائيل بوصفها الفاعل الأكثر ميلًا إلى تخريب التسويات الجزئية إذا رأت فيها إعادة تمكين لإيران أو مجرد وقف لإضعافها العسكري. والنتيجة أن الطرفين الأميركي والإيراني لا يتفاوضان فقط على ما يريدانه من بعضهما، بل على ما يعتقد كل منهما أن إسرائيل ستفعله بالتفاهم أو ضده.

تكمن خطورة هذا العامل في أنه يضغط على مساحتين معًا: مساحة المرونة الأميركية ومساحة الطمأنة الإيرانية. فكلما زاد الضغط الإسرائيلي من أجل صفقة قصوى أو استمرار الضغط العسكري، صعب على الإدارة الأميركية تخفيض سقفها من دون أن تبدو وكأنها تتراجع أمام خصم لا يزال يحتفظ بعناصر قوة. وفي المقابل، كلما شعرت إيران بأن إسرائيل ما تزال تملك القدرة أو الرغبة في تعطيل التهدئة أو استهداف شخصيات أو منشآت أو حتى مسار التفاوض نفسه، ارتفعت قيمة الضمانات وتراجعت القابلية لتقديم تنازلات استراتيجية غير قابلة للاستدراك.

من هنا يصح القول إن إسرائيل لم تكن تجلس رسميًّا على الطاولة، لكنها كانت حاضرة في زاويتها الأكثر حساسية: زاوية تعريف حدود الممكن التفاوضي. وهذا ما يفسر، جزئيًّا، لماذا بدا المسار هشًّا حتى في اللحظات التي قيل فيها إن بعض الفجوات بدأت تضيق. فحين يكون فاعل ثالث مؤثر مقتنعًا بأن استمرار الضغط يخدمه أكثر من التهدئة، فإن أي تسوية جزئية ستظل مهددة بأن تفقد غطاءها السياسي في لحظة حاسمة.

تاسعًا: باكستان وسيطًا ـ لماذا نجحت في فتح القناة وفشلت في تثبيت المسار؟

تستحق باكستان وقفة مستقلة؛ لأنها كانت العامل الوحيد تقريبًا الذي حال دون الانفجار الكامل للقناة. فقد لعبت دورًا نشطًا في نقل الرسائل، وفي تثبيت الهدنة المؤقتة، وفي الإبقاء على إمكان انعقاد جولة ثانية حتى بعد التعثر الأول. [2][4][13] بل إن بعض الوقائع أظهرت أن باكستان تجاوزت دور «المضيف» إلى دور الضامن الإجرائي، كما في توفير مرافقة جوية للوفد الإيراني بعد الجولة الأولى على خلفية مخاوف من تهديد إسرائيلي محتمل. [6] وهذه ليست تفصيلة بروتوكولية، بل مؤشر إلى حجم الثقة التي حاولت إسلام آباد بناءها، وإلى طبيعة البيئة الأمنية التي كانت تحيط بالتفاوض.

مع ذلك، فإن نجاح الوسيط في إبقاء الخط مفتوحًا لا يعني قدرته على معالجة جوهر الخلافات. فباكستان كانت قادرة على تقديم ما يمكن تسميته «الحد الأدنى الإجرائي»: مكان، وضمانات أمنية، ورسائل متبادلة، ومخارج لعدم إعلان القطيعة. لكنها لم تكن تملك أوراقًا كافية لتغيير بنية الصفقة المطلوبة. فهي لا تستطيع رفع الحصار البحري الأميركي، ولا فرض ضمانات عدم اعتداء، ولا إعادة بناء الإطار الرقابي الدولي، ولا تحييد العامل الإسرائيلي، ولا إجبار أي من الطرفين على خفض سقفه الاستراتيجي. لذلك فإن أقصى ما أمكنها فعله هو منع الانهيار الفوري، لا صناعة الاختراق الحاسم.

وهذا بالضبط ما يفسر المفارقة المركزية في الدور الباكستاني: لقد كانت إسلام آباد ضرورية، لكنها لم تكن كافية. ضرورية لأن انعدام الثقة كان من العمق بحيث يحتاج الطرفان إلى وسيط إقليمي مقبول نسبيًّا وقادر على التحرك مع واشنطن وطهران والعواصم الخليجية في آن. وغير كافية لأن أصل الانسداد لم يكن ناتجًا من سوء تواصل فقط، بل من تضارب حقيقي في تعريف موضوع التفاوض ووظيفة القوة داخله. فالوسيط، مهما كان نشطًا، لا يستطيع تحويل «اتفاق غير ناضج» إلى «اتفاق ناضج» إذا كانت مادته الأصلية غير متماسكة.

كما أن نجاح باكستان الأول في تثبيت هدنة مؤقتة ربما رفع سقف التوقعات من دورها في الجولة التالية أكثر مما تسمح به قدراتها الواقعية. فالهدنة كانت، في جانب منها، استجابة لحظة خطر قصوى، حيث كان جميع الأطراف يخشون انفلاتًا أوسع. أما المفاوضات اللاحقة، فكانت تتطلب أكثر من إخماد الحريق: كانت تحتاج إلى هندسة سياسية وقانونية وفنية لصيغة طويلة النفس. وهذا انتقال نوعي من «وساطة أزمة» إلى «وساطة تسوية»، وليس من الواضح أن باكستان امتلكت، أو كان يمكن أن تمتلك، ما يكفي لعبوره وحدها.

عاشرًا: لماذا لم يعد «الملف النووي» ملفًا نوويًّا فقط؟

من أكبر الأخطاء التفسيرية النظر إلى «إسلام آباد» بوصفها جولة فشلت لأن الطرفين اختلفا على عدد أجهزة الطرد المركزي أو على نسبة التخصيب أو على مصير بعض الأطنان من اليورانيوم المخصب. هذه كلها مسائل مهمة، لكنها لم تعد قائمة في فراغ تقني. فالملف النووي الإيراني في 2026 يعمل داخل بنية أوسع من ثلاثة عناصر مترابطة.

العنصر الأول هو السيادة. فإيران، بعد الحرب والهجمات على منشآتها وتعليق التعاون مع الوكالة على النحو الذي حدث، باتت ترى أن أي نقاش حول التخصيب أو المخزون ليس مجرد نقاش حول برنامج مدني أو عسكري محتمل، بل حول قدرة الدولة على الاحتفاظ بعناصر من الاستقلال الاستراتيجي وعدم الخضوع الكامل لمنطق الردع المعاكس. ولذلك فإن مطلب «صفر تخصيب» مثلًا لم يعد إيرانيًّا بندًا تقنيًّا قابلًا للمساومة، بل يُفهم بوصفه طلبًا بإلغاء أحد رموز الحق السيادي في التكنولوجيا والقرار. [9][11]

العنصر الثاني هو الردع. فالتخصيب، والمخزون، والغموض النسبي حول الإمكانات المستقبلية، كلها باتت في القراءة الإيرانية جزءًا من منظومة أشمل تتقاطع مع الصواريخ والممرات البحرية والعلاقات الإقليمية. لذلك فإن الفصل الأميركي بين «النووي» و«هرمز» و«النفوذ الإقليمي» لا ينسجم مع البنية الإدراكية الإيرانية التي ترى هذه العناصر مترابطة في ميزان القوة. وكلما ازداد الضغط على أحدها، ارتفعت قيمة الآخر. ومن هنا نفهم لماذا كان تشدد طهران في ملف هرمز متزامنًا مع تشددها في ملف التخصيب والمخزون. [5][8][11]

العنصر الثالث هو الضمانات. فالترتيب النووي ليس ذا معنى لإيران ما لم يكن جزءًا من صفقة أوسع تمنع استئناف الحرب أو استخدام التهدئة كغطاء لإعادة الهجوم بعد استنزاف أوراق الضغط الإيرانية. ولهذا فإن أي نقاش نووي لا يتضمن تصورًا ما للضمانات الأمنية سيظل ناقصًا من وجهة نظر طهران. وفي المقابل، فإن واشنطن وحلفاءها لا يريدون تقديم ضمانات واسعة قبل أن يتأكدوا من عمق القيود النووية والإقليمية. وهكذا تدخل العملية كلها في حلقة مفرغة: لا ضمانات بلا قيود، ولا قيود بلا ضمانات.

حادي عشر: السرديتان المتقابلتان ووظيفة الخطاب السياسي

لم تكن اللغة المصاحبة للمفاوضات عنصرًا تجميليًّا أو هامشيًّا؛ بل أدت وظيفة تفاوضية مباشرة. ففي الجانب الأميركي، غلبت مفردات من قبيل «الصفقة»، و«الشروط»، و«إكمال المعاملة»، و«التهديد بعواقب أكبر» إذا لم تقبل طهران. [8][9] هذه اللغة لا تؤدي فقط إلى تصليب الموقف الإيراني، بل تكشف أيضًا الكيفية التي تصورت بها واشنطن العملية: تفاوضًا قصير الأجل هدفه تثبيت نتيجة سياسية للضغط العسكري، لا بناء تسوية بالتدرج. وفي أجواء ما بعد الحرب، تصبح اللغة ذاتها جزءًا من ميزان القوة؛ لأن صياغة المطالب علنًا على نحو إنذاري تجعل من الصعب التراجع عنها من دون كلفة داخلية.

في المقابل، حرص الخطاب الإيراني على إعادة تأطير المفاوضات ضمن سردية «الصمود المقرون بحسن النية». فقد قُدمت طهران بوصفها مستعدة للتفاوض من حيث المبدأ، لكنها غير مستعدة للتفاوض تحت الحصار أو على أساس «مطالب مفرطة» و«توقعات غير واقعية» و«مواقف أميركية متغيرة». [7][8] وهذا الخطاب يحقق ثلاثة أهداف في وقت واحد: يمنع تصوير إيران كرافض مطلق للدبلوماسية؛ ويرفع كلفة أي ضغط إضافي عبر تصويره كنسف للثقة؛ ويمنح القيادة الإيرانية مساحة داخلية تقول فيها إن المشكلة ليست في أصل التفاوض، بل في شروطه.

الأهم أن السرديتين لم تكونا مجرد خطابين متعارضين، بل آليتين لإدارة الجمهور الداخلي والحلفاء والوسطاء. فالولايات المتحدة أرادت أن تظهر أمام جمهورها وأمام شركائها بأنها لا تفاوض من موقع الحاجة أو التراجع، بل من موقع فرض الشروط. وإيران أرادت أن تظهر أمام جمهورها وأمام محيطها الإقليمي بأنها لا تساوم على السيادة، وأنها لم تدخل الطاولة لأنها أُجبرت عليها، بل لأنها اختارت اختبار إمكان الحل من دون التخلي عن أوراق القوة. وهنا يبرز الأثر التفاوضي للخطاب: كلما ارتفع الطابع الرمزي للسردية، صعب على الطرف أن يقدم تنازلًا يمكن أن يهدم البناء الخطابي الذي أقامه.

وهذه نقطة جوهرية في تفسير الفشل. فالمفاوضات ليست عملية تبادل وقائع ومطالب فقط، بل عملية إدارة لمعنى التنازل. وإذا أصبح معنى التنازل، في الرواية الأميركية، هو خضوع إيران لنتائج الضغط، وفي الرواية الإيرانية هو رضوخ للإملاء، فإن المنطقة الرمادية اللازمة لإنتاج حل وسط تتقلص بشدة. لذلك لم يكن الخطاب جزءًا من الضجيج المحيط بالمفاوضات، بل كان جزءًا من بنيتها العميقة.

ثاني عشر: هل كان الاتفاق المؤقت خيارًا واقعيًّا؟

ظهرت خلال الأيام التي تلت الجولة الأولى مؤشرات إلى إمكان الانتقال من فكرة الاتفاق الشامل إلى فكرة «المذكرة المؤقتة» أو «الترتيب المرحلي» الذي يمنع العودة الفورية إلى الحرب. [4][5] ومن الناحية النظرية، لم يكن هذا الخيار عديم الجدوى. بل إن كثيرًا من الأزمات الكبرى لا تُحل دفعة واحدة، وإنما عبر ترتيبات مرحلية تشتري الوقت، وتخفض مستوى العنف، وتسمح بإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة الإجرائية قبل الدخول في صلب الملفات المعقدة. ومن هذا المنظور، كان يمكن لتفاهم مؤقت أن يحقق بعض الوظائف المهمة: تثبيت قواعد المرور في هرمز، تخفيف محدود للعقوبات أو الإفراج عن بعض الأصول، إعادة فتح قنوات التفتيش أو الوصول الفني في بعض المنشآت غير المتأثرة، وبلورة جدول زمني تفاوضي لاحق أكثر واقعية.

لكن هذا الخيار كان يصطدم بعقبتين أساسيتين. الأولى عقبة الترتيب الزمني: من يبدأ أولًا؟ هل ترفع واشنطن بعض ضغطها البحري قبل أن تحصل على تعهدات واضحة؟ أم تقدم إيران إشارات نووية وبحرية قبل أن ترى أثرًا ملموسًا على الحصار والعقوبات؟ هذه المشكلة، المعروفة في أدبيات التفاوض بوصفها مشكلة «التسلسل الأولي»، كانت شديدة الحدة هنا؛ لأن الثقة شبه معدومة، ولأن كل طرف يخشى أن يعطي الخصم ما يريده في البداية ثم يكتشف أن المقابل تأجل أو أُعيد تفسيره. وفي ظل استمرار الحصار، بدا لإيران أن أي اتفاق مؤقت لا يتضمن تعديلًا مباشرًا في البيئة القسرية سيكون أقرب إلى هدنة غير متكافئة منها إلى ترتيب متوازن. [5][7]

أما العقبة الثانية فتتعلق بطبيعة الاتفاق المؤقت نفسه. فالتفاهم المرحلي ينجح عندما يكون محصورًا في عدد محدود من الملفات الواضحة، ويُبنى على هدف محدد: شراء الوقت لعملية أوسع. لكن ما طُرح في محيط «إسلام آباد» لم يكن دائمًا واضح الحدود. هل المقصود مجرد مذكرة لتجنب العودة إلى القتال؟ أم إطار أولي يتضمن بالفعل التزامات نووية كبيرة؟ أم صفقة سياسية عليا تترك التفاصيل لما بعد ذلك؟ إن الغموض في تعريف «المؤقت» يحوله أحيانًا إلى صيغة أكثر هشاشة من الاتفاق النهائي؛ لأنه يحمل توقعات متعارضة تحت عنوان واحد.

وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن الاتفاق المؤقت خيارًا تقنيًّا بحتًا، بل خيارًا سياسيًّا حساسًا لكل طرف. فالولايات المتحدة، إذا قبلت بترتيب مؤقت خفيف، قد تبدو كأنها تراجعت من الصفقة الكبيرة التي لوّحت بها. وإيران، إذا قبلت بترتيب مؤقت تحت الحصار، قد تبدو كأنها قبلت مبدئيًّا بمنطق الإكراه التفاوضي الذي ترفضه. وبذلك يقع التفاهم المرحلي نفسه ضحية للمعنى الرمزي الذي حمّله كل طرف للمسار كله.

مع ذلك، لا ينبغي استنتاج أن الاتفاق المؤقت كان مستحيلًا بإطلاق. كان ممكنًا، على الأرجح، لو جرى تضييق موضوعه إلى حد بعيد، وربطه بترتيبات إجرائية لا تمس مباشرةً القضايا السيادية القصوى. كان يمكن مثلًا بناء رزمة أولى تشمل: آلية بحرية لخفض الاحتكاك في هرمز، تجميدًا متبادلًا لخطوات التصعيد الجديدة، نافذة إنسانية أو مالية محدودة، وعودة تدريجية لمسارات فنية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الحدود الممكنة. مثل هذا المسار لم يكن ليحل الأزمة، لكنه ربما كان سيمنعها من العودة إلى نقطة الصفر.

إلا أن ما جرى فعليًّا هو أن التفاهم المؤقت أُثقل بدوره بتوقعات استراتيجية أكبر من طاقته. فعوضًا عن أن يكون جسرًا نحو عملية أوسع، جرى التعامل معه، من بعض الجهات، كما لو كان وعاءً قابلًا لحمل جزء كبير من القضايا الكبرى دفعة واحدة. وهكذا أعيد إنتاج مشكلة «الحمولة الزائدة» نفسها، وإن بصيغة مؤقتة هذه المرة.

ثالث عشر: هرمز والاقتصاد العالمي والدلالات الدولية الأوسع

يبدو مضيق هرمز أحيانًا في الخطاب الإعلامي وكأنه ملف جانبي يفاقم الأزمة لكنه ليس في قلبها. والحقيقة أنه في «إسلام آباد» كان في صلب المعادلة. فالولايات المتحدة سعت إلى إعادة فتح الممر وضبط حرية الملاحة مع الإبقاء على الضغط على إيران، فيما سعت طهران إلى تحويل المضيق إلى أداة تفاوضية تضمن لها عدم الانتقال من الحرب إلى الإخضاع الاقتصادي البحري. ولأن هرمز يمثل ممرًا يمر عبره ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، فإن أي اضطراب فيه يرفع كلفة الأزمة عالميًّا ويمنح إيران وزنًا تفاوضيًّا يتجاوز قوتها العسكرية الصرفة. [19]

هنا تتبدى مفارقة استراتيجية مهمة. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًّا واضحًا، لكن إيران تمتلك قدرة على تعطيل أو تهديد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ولو بصورة غير متماثلة. ولذلك لم يكن من الممكن فصل مسألة الحصار البحري الأميركي عن مسألة فتح المضيق. فمن منظور طهران، كيف يمكن القبول بترتيبات بحرية تعيد حرية الملاحة الدولية بينما تبقى الموانئ الإيرانية تحت الضغط وتظل السفن الإيرانية عرضة للاعتراض؟ ومن منظور واشنطن، كيف يمكن رفع الضغط البحري قبل التوصل إلى تفاهم يبدد المخاوف من استخدام المضيق ورقة ابتزاز متكرر؟ هذا التعارض جعل من البحر جزءًا من جوهر المساومة لا هامشًا لها.

كما أن القلق الدولي من الممرات أضاف طبقة جديدة من التعقيد. فقد تحدثت بريطانيا وفرنسا عن إمكان تشكيل مهمة دولية لحماية الشحن في هرمز بعد أن أبدت أكثر من اثنتي عشرة دولة استعدادًا للمساهمة عندما تسمح الظروف. [21] وهذه الإشارات تعني أن الأزمة لم تعد ثنائية خالصة؛ إذ صار ثمة اتجاه دولي ينظر إلى حرية الملاحة في المضيق بوصفها مصلحة عامة ينبغي حمايتها. غير أن هذا التدويل المحتمل لا يحل الأزمة التفاوضية بل قد يزيدها حساسية، لأن طهران ستقرأه بوصفه محاولة لإخراج إحدى أهم أوراقها من المعادلة من دون تقديم مقابل سياسي مكافئ.

ويضاف إلى ذلك أن الموقف الأوروبي يكشف بحد ذاته عن طبقة أخرى من تعثر «إسلام آباد». فالدول الأوروبية الثلاث التي راكمت خبرة تفاوضية طويلة مع إيران منذ 2003 لم تُبدِ فقط قلقًا من استعجال الولايات المتحدة الاتفاق، بل لمّحت أيضًا إلى أن تهميش الخبرة التفاوضية والفنية المتراكمة لصالح مقاربة أسرع وأكثر مباشرة قد يفضي إلى تسوية سطحية لا تصمد أمام اختبارات التنفيذ. [9] وهذه النقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تعني أن التعثر لم يكن صدامًا ثنائيًّا بين واشنطن وطهران فحسب، بل كشف أيضًا اختلافًا داخل المعسكر الغربي نفسه بشأن معنى «الاتفاق الجيد»: هل هو الاتفاق الذي يُعلن سريعًا ويوقف التصعيد مؤقتًا، أم الاتفاق الذي يُبنى ببطء لكن بآليات تحقق وتتابع قانوني أشد صلابة؟

كما أن دول الخليج العربية، حتى عندما لا تظهر في واجهة الطاولة، تبقى جزءًا من البيئة الضاغطة على مسار التفاوض. فهي من جهة معنية بحرية الملاحة وأمن البنية التحتية والممرات والطاقة، ومن جهة أخرى تنظر بعين القلق إلى أي صفقة أميركية ـ إيرانية لا تتناول الصواريخ وشبكات النفوذ الإقليمي. وقد أشارت تقارير إلى أن بعض هذه الهواجس كانت حاضرة في الخلفية مع مطالبة حلفاء الولايات المتحدة بأخذ الصواريخ والفاعلين الحلفاء لإيران في الاعتبار. [9][11] وهذا يضيف بدوره مستوى آخر من التعقيد: فكلما حاولت واشنطن طمأنة شركائها الإقليميين عبر توسيع جدول الأعمال، ازدادت صعوبة التفاوض مع طهران؛ وكلما ضيّقت الموضوع إلى النووي فقط، ازدادت شكوك الحلفاء في أنها تعيد إنتاج نسخة جديدة من اتفاق ناقص.

ثم إن الدلالة الدولية الأوسع لا تقف عند الطاقة والملاحة. فالهجمات على منشآت نووية، وما تبعها من اهتزاز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية وصعوبة التحقق، يوجهان ضربة أوسع لفكرة الضبط النووي متعددة الأطراف. فالمدير العام للوكالة شدد على أن مهاجمة المنشآت النووية المخصصة لأغراض سلمية تمثل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ونظام الوكالة، وأن لمثل هذه الهجمات آثارًا خطيرة على السلامة والأمن والضمانات النووية. [15][16] وبذلك تصبح أزمة «إسلام آباد» جزءًا من أزمة أوسع تمس مستقبل أدوات الحد من الانتشار نفسها: إذا تراجعت الرقابة وتقدمت القوة، وجرى استبدال الترتيبات المؤسسية بمنطق الحصار والضربات، فإن استعادة مسار الضبط تصبح أكثر صعوبة حتى لو وُجدت إرادة تفاوضية لاحقًا.

من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى التعثر بوصفه مشكلة ثنائية فحسب. إنه اختبار لقدرة النظام الدولي، ومؤسساته الفنية تحديدًا، على البقاء فاعلة حين تنتقل الأزمات النووية من فضاء التفاوض المؤسسي إلى فضاء الحرب والردع المباشر. وكلما طال هذا الوضع، ارتفعت كلفة العودة إلى نقطة يمكن عندها إعادة بناء الثقة الفنية اللازمة لأي اتفاق.

رابع عشر: ما الذي كان يمكن أن يجعل «إسلام آباد» أقل عرضة للتعثر؟

يفيد التحليل، في هذا النوع من الدراسات، ليس فقط في تفسير ما حدث، بل أيضًا في إظهار ما كان ينبغي أن يحدث لو أُريد للمسار أن يكون أكثر قابلية للحياة. ويمكن استخلاص أربعة شروط دنيا كان من شأنها تقليص احتمالات التعثر، لا ضمان منعه كليًّا.

الشرط الأول هو الفصل المرحلي بين المسارات. كان ينبغي ألا تُلقى قضايا هرمز، والهدنة، والبرنامج النووي، والضمانات، وبعض الملفات الإقليمية في سلة واحدة من البداية. فالتفاوض المتدرج لا يعني تجزئة مصطنعة للموضوعات، بل ترتيبها وفق ما تسمح به السياسة والتقنية. ولو فُصل المسار البحري ـ الأمني عن المسار النووي في بدايته، لكان ممكنًا تخفيف بعض التوتر الذي جعل كل ملف رهينة للآخر.

الشرط الثاني هو الاعتراف بأن الضمانات ليست مطلبًا ثانويًّا يمكن تأجيله إلى ما بعد الاتفاق. فبعد 2018 و2025، لا يمكن توقُّع أن تقبل إيران بقيود استراتيجية كبيرة من دون حد أدنى من ضمانات عدم العدوان أو على الأقل صيغ تمنع استخدام التهدئة كمرحلة لإعادة إنتاج الهجوم. وفي المقابل، لا يمكن توقُّع أن تقدم واشنطن ضمانات واسعة قبل أن ترى خطوات إيرانية ملموسة. هذا التناقض لا يُحل بتجاهله، بل بإبداع صيغ مرحلية متبادلة تخلق الحد الأدنى من الاعتماد المتبادل.

الشرط الثالث هو إعادة الاعتبار للمحور الفني والرقابي. فكلما ازداد الطابع السياسي الخطابي للمسار، تراجعت فرص التقدم الحقيقي. وكان من الممكن أن يُمنح للوكالة الدولية للطاقة الذرية دور أولي في إعادة تأسيس خط أساس مشترك للوقائع النووية: ما الذي يمكن التحقق منه الآن؟ ما الذي تعذر الوصول إليه؟ ما المسارات الواقعية لاستعادة جزء من الرقابة؟ من دون هذه الخطوة، يبقى النقاش السياسي معلقًا في فراغ تقديرات متضاربة.

أما الشرط الرابع فهو تخفيض أثر «العوامل البنيوية المعطِّلة» للمسار، وفي مقدمتهم العامل الإسرائيلي من جهة، وضيق الزمن السياسي الأميركي من جهة أخرى. فلا تسوية مستقرة يمكن أن تعيش إذا ظل أحد الأطراف المؤثرة يعتقد أن الحرب أو الضغط المفتوح يحققان له مكاسب أكبر من الاتفاق، أو إذا ظل الطرف الراعي للاتفاق نفسه يتعامل معه كإنجاز رمزي سريع لا كترتيب طويل النفس. وهذا يعني أن أي استئناف جاد سيحتاج، ضمنيًّا، إلى قدر من الانضباط السياسي في واشنطن، وإلى حد أدنى من تحييد السلوك الإسرائيلي الذي يجعل طهران تشك في إمكان ترجمة أي تهدئة إلى واقع مستقر.

هذه الشروط ليست وصفة جاهزة للنجاح؛ لكنها توضح أن المشكلة لم تكن في «تعنت» مجرد، بل في أن العملية افتقرت منذ البداية إلى كثير من الشروط التي تجعل التفاوض المعقد قابلًا للإدارة.

خامس عشر: دينامية «عدم الهزيمة» وتراجع قابلية التنازل

ثمة عامل تحليلي آخر يفسر تعثر «إسلام آباد» ولا ينبغي التقليل من أهميته، وهو أن الطرفين ذهبا إلى الطاولة من دون شعور واضح بالهزيمة. هذه النقطة تبدو بديهية، لكنها حاسمة. فالتفاوض عادةً يصبح أكثر قابلية للنجاح عندما يقتنع كل طرف بأن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية، أو عندما يشعر أحدهما على الأقل بأن قدرته على تحسين موقعه عبر المواجهة آخذة في التراجع. أما في هذه الحالة، فقد دخلت واشنطن وهي ترى أن الضربات والحصار والتفوق العسكري منحتها موقعًا تفاوضيًّا متقدمًا، ودخلت طهران وهي ترى أنها رغم الخسائر لم تُكسر، وأنها ما زالت تحتفظ بأدوات ردع قادرة على تعطيل الاستراتيجية الأميركية وإيذاء الاقتصاد العالمي عبر هرمز وإرباك الإقليم الأوسع. [4][8][19]

هذا الشعور المتبادل بعدم الهزيمة يغيّر طبيعة التفاوض جذريًّا. فهو لا يدفع الطرفين إلى البحث السريع عن «أرض مشتركة»، بل إلى اختبار إمكان انتزاع مزيد من المكاسب قبل تقديم التنازلات. ومن هنا نفهم لماذا ظل كل طرف يرفع سقفه في الوقت الذي يُبقي فيه القناة مفتوحة. فالإبقاء على القناة لا يعني، في مثل هذه الحالات، أن القرار الاستراتيجي بالتسوية قد نضج؛ بل قد يعني فقط أن كل طرف يريد مواصلة القياس: إلى أي حد يمكن للضغط الإضافي أن يحسن موقفي قبل الجلسة التالية؟

وينعكس هذا العامل بصورة عملية في ملفي التخصيب وهرمز. فالولايات المتحدة، إذا كانت تعتقد أن الحرب والحصار أضعفا إيران بما يكفي، ستتصور أن الوقت مناسب لطلب ما كان يبدو متعذرًا سابقًا، مثل تجميد طويل الأجل أو نقل المخزون أو حتى صفر تخصيب. وإيران، إذا كانت تعتقد أنها نجحت في منع خصومها من فرض حسم كامل، ستنظر إلى بعض هذه المطالب بوصفها محاولة لالتقاط ما لم يتحقق بالحرب عبر التفاوض. ومن هنا يصبح الدفاع عن الخطوط الحمراء ليس مجرد مسألة مبدئية، بل أيضًا جزءًا من رسالة مفادها أن ما لم يُنتزع بالقوة لن يُمنح على الطاولة بسهولة.

كما أن دينامية «عدم الهزيمة» تتصل بمفهوم آخر هو «فائض الثقة المحدود». فكل طرف لا يعتقد أنه قادر على تحقيق نصر شامل سهل، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أنه ما زال يملك ما يكفي لعرقلة خصمه ومنعه من فرض شروطه. وهذه المنطقة الوسطى هي من أصعب مناطق التفاوض؛ لأنها لا تنتج انهيارًا كاملًا يدفع إلى التسوية، ولا تخلق توازنًا مستقرًّا يسمح بتنازلات متبادلة واثقة. بل تنتج وضعًا يميل فيه الطرفان إلى إبقاء القناة مفتوحة فقط بقدر ما تخدم اختبار الإرادات.

وتظهر هذه الدينامية أيضًا في البعد النفسي للمفاوضات. فالتفاوض بعد الحرب يختلف عن التفاوض قبلها، لأن الذاكرة المباشرة للضربات والخسائر والتعبئة الشعبية تجعل معنى «الجلوس» أكثر حساسية. فإذا لم يكن أحد الطرفين قد أُجبر بوضوح على التراجع، فإن التنازل نفسه يُقرأ داخل مؤسسات الدولة والرأي العام لا بوصفه ثمنًا عقلانيًّا للسلام، بل بوصفه تراجعًا مجانيًّا عن موقع صمود. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تبقى لغة التحدي متقدمة حتى في اللحظات التي كثر فيها الحديث عن تضييق بعض الفجوات.

إن إدراج هذه الدينامية في التحليل يسمح بفهم لماذا لم تكفِ الحاجة الموضوعية إلى خفض التصعيد وحدها لإنتاج اتفاق. فالحاجة موجودة، لكن الشعور بإمكان الاستمرار موجود أيضًا. وبين الحاجتين تنشأ مفارقة مألوفة في النزاعات الممتدة: الجميع يريد تجنب الحرب الشاملة، لكن أحدًا لا يريد أن يكون أول من يدفع ثمن كسر الجمود سياسيًّا. وما لم يتبدل هذا التقدير ـ إما بتزايد الكلفة الميدانية والاقتصادية، أو بتغير في البيئة السياسية، أو بنجاح وسيط في توفير مخرج يحفظ الوجه للطرفين ـ فإن قابلية التنازل ستظل محدودة حتى مع استمرار الاتصالات.

وثمة بعد إضافي لا ينبغي إغفاله، هو أن تعثر «إسلام آباد» يعيد الاعتبار إلى مسألة «من يملك تعريف الأزمة». فواشنطن تميل إلى تعريفها بوصفها أزمة ناتجة من البرنامج النووي الإيراني وسلوك طهران الإقليمي وتهديدها للممرات، في حين تميل إيران إلى تعريفها بوصفها أزمة ناتجة من الحرب، والحصار، وغياب الضمانات، ورفض الاعتراف بحقوقها السيادية الأساسية. الفارق بين التعريفين ليس نظريًّا، بل يحدد ما الذي يعد حلًّا مقبولًا أصلًا. فإذا بدأت المفاوضات من تعريف أميركي خالص، فستبدو التسوية الجيدة هي التي تنتج قيودًا واسعة وسريعة على إيران. وإذا بدأت من تعريف إيراني خالص، فستبدو التسوية الجيدة هي التي ترفع الضغط وتثبت الحقوق قبل أي شيء آخر. وبين التعريفين لا يكفي أن تتبادل الأطراف أوراقًا تفاوضية؛ بل لا بد من قدر من الاتفاق الضمني على ماهية الأزمة نفسها.

لهذا يمكن القول إن إحدى مشكلات «إسلام آباد» أنها حاولت الانتقال إلى مناقشة الحلول قبل حسم السؤال الأولي: ما الذي نتفاوض عليه تحديدًا؟ هل نتفاوض على إنهاء الحرب؟ أم على إعادة ضبط البرنامج النووي؟ أم على وضع إقليمي جديد؟ أم على كل ذلك معًا؟ إن غياب هذا الاتفاق المبدئي جعل كل اقتراح يُقرأ داخل إطار مختلف، فتحولت الأفكار الوسطية إلى أفكار ملتبسة. وما لم يُعالج هذا الخلل المفهومي في أي جولة لاحقة، فإن التعثر لن يكون نتيجة سوء نية بالضرورة، بل نتيجة طبيعية لتفاوض ينطلق كل طرف فيه من تعريف مختلف للمشكلة التي جاء ليحلها.

سادس عشر: الخلاصة التحليلية

يمكن الآن تلخيص أسباب التعثر في سبع نتائج مترابطة.

النتيجة الأولى أن المفاوضات عولجت كما لو كانت قابلة للحسم عبر «صفقة دفع واحدة»، بينما كانت في حقيقتها بحاجة إلى هندسة متدرجة. وهذا الخلل في التصميم جعل كل ملف يعرقل الآخر بدل أن يسهله.

النتيجة الثانية أن واشنطن رفعت سقف المطالب إلى مستوى مسّ، من المنظور الإيراني، عناصر سيادية وردعية لا يمكن التنازل عنها تحت ضغط علني من دون كلفة داخلية واستراتيجية باهظة. لذلك لم يعد الخلاف حول «كم» يمكن لإيران أن تخصب، بل حول ما إذا كان أصل التخصيب نفسه سيبقى حقًّا معترفًا به.

النتيجة الثالثة أن الإكراه العسكري والبحري، بدل أن يفتح الطريق إلى اتفاق، ضيّق المساحة السياسية اللازمة لأي تسوية؛ لأن الطرف المستهدف لم يعد قادرًا على تقديم تنازل مرئي من دون أن يبدو وكأنه انصاع للإنذار.

النتيجة الرابعة أن أزمة الثقة، المتراكمة منذ الانسحاب الأميركي من اتفاق 2015 وتعميقها بعد هجمات 2025 وتعطل الرقابة الدولية، جعلت الضمانات مسألة جوهرية لا ثانوية. ومن دون معالجة هذه العقدة، لا يمكن لأي ترتيب تقني أن يصمد.

النتيجة الخامسة أن العامل الإسرائيلي لم يكن هامشيًّا؛ بل عمل بوصفه قوة ضغط تقلص هامش المرونة الأميركية وتزيد شكوك طهران في إمكان أن تُترك التسوية تعمل بعيدًا عن التخريب أو التشويش.

النتيجة السادسة أن باكستان نجحت في إبقاء القناة حية، لكنها لم تملك وحدها الأدوات اللازمة لتحويلها من «قناة لإدارة الأزمة» إلى «قناة لتسويتها». فالوسيط لا يستطيع تعويض غياب النضج السياسي لدى الأطراف، ولا إصلاح خلل بنيوي في تعريف التفاوض.

النتيجة السابعة أن جوهر الفشل يكمن في انتقال المفاوضات من وظيفة «إنتاج تسوية» إلى وظيفة «إدارة معنى التنازل» تحت ضغط الحرب. وهذا انتقال بالغ الأهمية؛ لأنه يعني أن الطاولة صارت امتدادًا للمعركة السردية والسيادية، لا مجرد منصة لتبادل المصالح.

وعليه، فإن تعثر «إسلام آباد» لم يكن مجرد حادث عابر في مسار قابل للاستئناف على حاله، ولا علامة على استحالة مطلقة للتسوية. إنه، بالأحرى، مؤشر إلى أن الأزمة دخلت مرحلة تُدار فيها المفاوضات بوصفها امتدادًا للصراع لا خروجًا منه. وهذا هو موضع الخلل المركزي: عندما تتحول الطاولة إلى ساحة لإثبات الصمود أو فرض الإذعان، تتراجع قدرتها على إنتاج حلول وسط، مهما كثرت الجولات وتعدد الوسطاء.

خاتمة

ما تكشفه مفاوضات «إسلام آباد» هو أن الأزمة الأميركية ـ الإيرانية لم تعد أزمة «بنود» بقدر ما أصبحت أزمة «بنية تفاوض». لقد انكسر الرابط الذي كان يسمح بتحويل الخلافات الكبرى إلى عملية تفاوضية تدريجية يمكن ضبطها بالمؤسسات والرقابة والتسلسل الزمني. وحلَّ محله منطق أكثر خشونة: ضغط عسكري وبحري لإجبار الخصم على العودة من موقع أضعف، وتمسك إيراني بأوراق القوة والحق السيادي لمنع تحويل التفاوض إلى اعتراف بالهزيمة، ووساطة تحاول إبقاء الباب مواربًا من دون القدرة على إزالة العوائق الأساسية.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم بعد «إسلام آباد» ليس متى ستعقد الجولة التالية، بل وفق أي منطق ستعقد. فإذا عادت الأطراف إلى الطاولة بالتصور نفسه ـ أي سلة ملفات متضخمة، وإكراه قائم، وضمانات غائبة، وتعريف متعارض لوظيفة التفاوض ـ فإن التعثر سيتكرر حتى لو تبدلت الصياغات والوجوه. أما إذا جرى التعلم من فشل الجولة، فقد يصبح ممكنًا بناء مسار أقل طموحًا وأشد واقعية: يبدأ بترتيبات خفض التصعيد وحرية الملاحة والضمانات الإجرائية، ثم ينتقل إلى الملف النووي ضمن دور فني مركزي للوكالة الدولية، ثم يفتح تدريجيًّا ملفات العقوبات والضمانات الأمنية. هذا لا يضمن النجاح، لكنه على الأقل يخرج العملية من وهم «الصفقة الشاملة تحت النار».

لهذا، فإن الحكم الأدق على تعثر «إسلام آباد» ليس أنه أغلق باب التسوية، بل أنه كشف حدود المقاربة التي حاولت فتح ذلك الباب بالقوة وحدها. فالقوة قد تدفع إلى التفاوض، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة اتفاق مستقر؛ والخصم قد يقبل الجلوس تحت الضغط، لكنه لن يقبل بسهولة أن يوقّع على معنى سياسي للهزيمة. وبين هذين الحدين ستبقى الأزمة مفتوحة على مساومات متقطعة، ما لم تتبدل بنية التفاوض نفسها.

المراجع

[1] المركز العربي الأوروبي للدراسات، «تعليق الباحثين: بين إنذار واشنطن ورفض طهران: هل تعطلت قناة إسلام آباد أم دخلت مرحلة الابتزاز المتبادل؟»، ورقة للنشر المؤسسي، تحديث حتى 20 نيسان/أبريل 2026.

[2] Reuters، “’Talks were almost dead’: Pakistan’s last-ditch effort to secure Iran war truce”، 8 April 2026.

[3] Reuters، “US military to block ships from Iranian ports after talks yield no agreement”، 11/12 April 2026.

[4] Reuters، “Iran-US talks turn to interim deal amid rifts over nuclear work, Iranian sources say”، 16 April 2026.

[5] Reuters، “Iran reopens Strait of Hormuz, but says U.S. must end naval blockade”، 17 April 2026.

[6] Reuters، “Exclusive: Iran negotiators, citing possible Israeli attack, got Pakistan escort home from peace talks”، 17 April 2026.

[7] Reuters، “Iran currently has no decision to send a negotiating delegation to Pakistan, Tasnim reports”، 19 April 2026.

[8] Reuters، “US seizes Iranian cargo ship as Tehran rejects a second round of peace talks”، 19 April 2026.

[9] Reuters، “Allies fear a rushed US–Iran framework deal could backfire, leaving technical deadlock”، 19 April 2026.

[10] Reuters، “Kremlin says US has rejected its proposal that Russia take Iranian uranium stocks”، 15 April 2026.

[11] Reuters، “Can the US and Iran bridge their differences in talks?”، 8/10 April 2026.

[12] AP News، “US seizes Iranian-flagged ship near Strait of Hormuz and Tehran vows to respond”، 19 April 2026.

[13] AP News، “Pakistani delegation meets in Tehran hoping for more US-Iran talks”، 15 April 2026.

[14] Al Jazeera، “US and Iran fail to reach a deal after marathon talks in Pakistan”، 12 April 2026.

[15] IAEA، “Director General’s Introductory Statement to the Board of Governors”، 2–6 March 2026.

[16] IAEA، “NPT Safeguards Agreement with the Islamic Republic of Iran”، GOV/2026/8، 27 February 2026.

[17] EEAS، “Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA)”؛ النص الأصلي للاتفاق، 14 July 2015.

[18] United Nations Security Council، “Resolution 2231 (2015) on Iran Nuclear Issue: Background”.

[19] U.S. Energy Information Administration، “Amid regional conflict, the Strait of Hormuz remains critical oil chokepoint”، 16 June 2025.

[20] Reuters، “Ships test Strait of Hormuz after opening, seek assurances on safety”، 17 April 2026.

[21] Reuters، “Over a dozen countries offer to play role in Hormuz mission, Starmer says”، 17 April 2026.

اسم: أمريكاأمن دوليإيرانالخليج العربيالصينالناتوتعليق الباحثينتقدير موقفلاتحاد الأوربي
يشاركTweetأرسليشارك
المنشور السابق

من هدنة هشة إلى تفاوض بالإكراه: لماذا تتعثر قناة إسلام آباد بين واشنطن وطهران؟

euarsc

euarsc

المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية منصة بحثية مستقلة تُعنى بإنتاج معرفة رصينة حول القضايا السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي تصل العالم العربي بأوروبا، وتؤثر في مساراته الراهنة والمستقبلية

متعلق بـتقرير ذو صلة

الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع التكنولوجيا وحدود القوة
علوم وتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين: صراع التكنولوجيا وحدود القوة

بواسطة euarsc
أبريل 19, 2026
0
اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران
ملفات بحثية

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

بواسطة euarsc
أبريل 18, 2026
1
اقتصادات الدفاع تحت الضغط
ملفات بحثية

اقتصادات الدفاع تحت الضغط

بواسطة euarsc
أبريل 18, 2026
0
أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
الصين

أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟

بواسطة euarsc
أبريل 18, 2026
0

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

I agree to the Terms & Conditions and سياسة الخصوصية.

أثبت أنك إنسان: 8   +   6   =  

المركز العربي الأوروبي للدراسات. السياسية والاجتماعية.

Facebook-f X-twitter Youtube Telegram Rss Instagram Soundcloud
© 2011 تأسس

معايير

  • أوراق سورية
  • بلاد الشام
  • ملفات بحثية
  • سوريون في المهجر

أوروبا النشر

  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • تعليقات الباحثين
  • حلف الناتو

العلاقات العربية

  • العلاقات العربية الأوروبية
  • الخليج العربي
  • دراسات إعلامية
  • ملفات بحثية

النشر اوروبا

  • الولايات المتحدة الامريكية
  • روسيا
  • أمن دولي
  • الأمن الإقليمي

© 2026 euarsc -كافة العلامات الخاصة بـ euarsc وكل ما تتضمنه من حقوق الملكية الفكرية  ملك لـ euarsc لا تستخدم إلا بتصريح مسبق euarsc.

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • الابلاغ عن الإساءة
  • تواصل معنا

مرحبًا بعودتك!

تسجيل الدخول إلى الحساب

نسيت كلمة المرور ?

استرجع كلمة مرورك

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • العلاقات العربية الأوروبية

© 2026 المركز - العربي ، الأوروبي للدراسات.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية الخصوصية.