لم تنهَر المحادثات الأمريكية ـ الإيرانية بعد جولة إسلام آباد، لكن هذا ليس مدعاة إلى الاطمئنان. ما حدث، في جوهره، ليس أكثر من انتقالٍ من لحظة بدا فيها الاتفاق ممكنًا إلى لحظة انكشفت فيها حدود هذا الإمكان. انتهت الجولة بلا اتفاق نهائي، غير أن الوسطاء لم يغادروا الميدان، والاتصالات لم تنقطع، وباكستان ما تزال تدفع، ومعها أطراف إقليمية أخرى، في اتجاه إعادة وصل المسار قبل أن تنفد صلاحية الهدنة الهشة. هذه ليست صورة اختراقٍ يقترب، ولا صورة قطيعةٍ كاملة؛ إنها صورة تفاوضٍ عالق في منطقة وسطى: لا يكفي فيها استمرار الاتصال للحكم بقرب التسوية، ولا يكفي فيها التعثر للقول إن الحرب عادت حتمًا. [1][3]
لكن الخطأ يبدأ حين تُقرأ هذه المنطقة الوسطى قراءة مريحة. فالمسألة لم تعد تتعلق بإحياء جولة تفاوضية أخرى وحسب، بل بالسؤال الذي أفشل الجولة السابقة أصلًا: ما الذي تريد كل جهة أن تخرجه من الحرب؟ هنا، تحديدًا، تظهر حقيقة الخلاف. واشنطن لا تسعى إلى وقف نارٍ يجمّد القتال فحسب؛ بل تريد أن يتحول وقف النار إلى قيد استراتيجي طويل على البرنامج النووي الإيراني. وطهران، في المقابل، لا تبدو مستعدة لأن تدفع ثمن التهدئة في الملف الذي تعدّه الأكثر اتصالًا بسيادتها وموقعها الردعي. ومن ثم، فالمواجهة الحقيقية ليست على مبدأ التفاوض، بل على مضمون التسوية نفسها. [1][2]
تفاصيل الخلاف التي خرجت إلى العلن تكفي لفهم عمقه. المقترح الأمريكي، كما تسرّب، يتضمن وقفًا طويل الأمد لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى عشرين عامًا، مع إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من إيران. أما الرد الإيراني، فذهب إلى اتجاه مختلف: فترة أقصر، وترتيب رقابي يخفف التخصيب، لا نزعًا فعليًا للقدرة أو إخراجًا للمخزون. هذه ليست فجوة تقنية يمكن للجنة خبراء أن تردمها ببضع ساعات إضافية من التفاوض؛ إنها فجوة تمس تعريف كل طرف لمعنى «الضمانة». فالضمانة عند واشنطن هي تقليص القدرة الإيرانية إلى أقصى حد ممكن لسنوات طويلة. وعند طهران، الضمانة هي ألا يتحول الاتفاق إلى صيغة تجريد سياسي واستراتيجي تُفرض عليها تحت النار. [2]
لهذا لا يبدو تعثر إسلام آباد حادثة تفاوضية عابرة. لقد اصطدمت المحادثات بالنقطة التي يبدأ عندها التفاوض الجدي فعلًا: النقطة التي يخرج فيها كل طرف من عموميات الدبلوماسية إلى حسابات الكلفة والهيبة والسردية الداخلية. فإيران، حتى لو أبدت مرونة ما في إدارة الأزمة، لا تستطيع بسهولة أن تقبل صيغة تبدو في الداخل تنازلًا عن جوهر القدرة النووية تحت ضغط الحرب. والولايات المتحدة، في المقابل، لا تريد وقفًا للنار يسمح لطهران بالتقاط الأنفاس ثم العودة بعد حين إلى المعادلة ذاتها. بهذا المعنى، لا يدور النقاش على «إنهاء الحرب» فقط، بل على شكل ما بعدها، وعلى من يملك حق تعريف هذا «ما بعد». [1][2]
وإذا كان هذا هو قلب الخلاف، فإن ما يفاقمه هو أن التفاوض لم يعد منفصلًا عن أدوات الإكراه الميداني. فالولايات المتحدة قررت، بالتوازي مع إبقاء القنوات مفتوحة، بدء حصار بحري على حركة السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها. هذه الخطوة ليست مجرد ورقة ضغط إضافية؛ إنها رسالة تقول إن واشنطن لا تفاوض من موقع التهدئة، بل من موقع رفع الكلفة. أي إنها تعرض على طهران، في الوقت نفسه، بابًا إلى التفاهم وعقابًا متصاعدًا على التأخير أو الرفض. [4][5]
غير أن هذا النوع من الضغط لا يعمل دائمًا بالطريقة التي يتخيلها من يفرضه. نعم، قد يرفع كلفة الرفض الإيراني، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على المساومة. لكنه قد يضيّق، في الوقت نفسه، المساحة السياسية التي يمكن لطهران أن تناور داخلها. فكلما اقترب الضغط من صورة الإملاء العسكري، تراجعت قابلية الطرف المقابل لتقديم تنازل يمكن تسويقه داخليًا. وهذه معضلة قديمة في التفاوض تحت الإكراه: ما يزيد الورقة التفاوضية وزنًا قد يقلل إمكان استخدامها. ذلك أن الخصم، حين يشعر بأن المطلوب ليس تعديل سلوك بل إعادة صياغة موقعه الاستراتيجي كله، يميل إلى التشدد، حتى عندما تكون خياراته الفعلية أضيق مما يبدو. [4][5] ([ [5]
من هنا، يصعب الفصل بين المسارين العسكري والدبلوماسي كما لو أن أحدهما مجرد خلفية للآخر. الحصار البحري ليس هامشًا على التفاوض؛ إنه جزء من معناه. إنه يعيد تعريف الوقت، ويضغط على الأعصاب، ويختبر حدود الرد الإيراني، ويضع الوسطاء أمام مهمة أشد تعقيدًا من مجرد جمع الطرفين إلى طاولة واحدة. فالمطلوب الآن ليس إحياء الشكل التفاوضي فقط، بل إنتاج مساحة آمنة للتفاوض نفسه؛ مساحة لا تبتلعها الرسائل المتشددة، ولا يفسدها تفاوت التوقعات، ولا تقضي عليها خطوة ميدانية تُقرأ على أنها انتقال من الضغط السياسي إلى الإكراه العسكري المباشر. [1][4]
وهنا بالذات تبرز وظيفة الوسطاء. فباكستان لا تبدو، في هذه المرحلة، وسيط تسوية نهائية بقدر ما تبدو وسيط منع انهيار. وتركيا ومصر لا تنخرطان لأنهما تملكان وصفة سحرية للخروج من المأزق، بل لأنهما تدركان أن استمرار التوتر في هرمز، مع تعثر التفاوض، يفتح الباب أمام أزمة أوسع من الملف الأمريكي ـ الإيراني نفسه. لذلك فإن القيمة الفعلية للوساطة الآن لا تقاس بقدرتها على إنتاج اتفاق كبير سريع، بل بقدرتها على تأخير لحظة الانفجار، وإعادة الخلاف إلى مستوى تقني يمكن ضبطه، بدل تركه يتحول إلى مبارزة إرادات في البحر وعلى المنابر السياسية. [1][3][6]
ولعل النقطة التي تستحق الانتباه أكثر من غيرها هي أن معظم الأطراف المعنية لا تريد، على الأرجح، استئناف الحرب الآن. لكن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالأزمات الكبرى لا تنفجر دائمًا لأن الجميع قرروا الحرب سلفًا؛ بل كثيرًا ما تنفجر لأن كل طرف اعتقد أن بوسعه توسيع الضغط خطوة إضافية من دون أن تنكسر التوازنات الهشة. وحين يصبح سقف التحمل غير واضح، وتصبح الخطوط الحمراء متحركة، ويختلط التفاوض بالردع والعقاب، فإن سوء التقدير يتحول من احتمال جانبي إلى جزء من بنية الأزمة نفسها. وصف بكين للهدنة بأنها «هشة جدًا» ليس مجرد مجاملة دبلوماسية لباكستان؛ إنه توصيف دقيق لمرحلة يمكن أن تتماسك أيامًا إضافية، لكنها قابلة أيضًا للتآكل السريع إذا فُهمت الرسائل على غير ما قصد مرسلوها. [3][4][6]
لذلك، لا يبدو مرجحًا أن يحمل المدى القصير اتفاقًا حاسمًا، كما لا يبدو مرجحًا، في المقابل، أن يعود القتال الشامل فورًا. الأقرب هو استمرار ما يمكن وصفه بـ«التفاوض تحت الإكراه»: قنوات مفتوحة، ووسطاء نشطون، ورسائل متبادلة، وربما جولات أدنى مستوى وأكثر تقنية، لكن من دون اختراق نهائي قريب. سبب ذلك بسيط، وإن كان قاسيًا: كلفة الحرب ما تزال مرتفعة على الطرفين، لكن كلفة التراجع عن الشروط الجوهرية ما تزال مرتفعة أيضًا. وهذا هو تعريف المأزق الحقيقي: أن تكون التسوية ضرورية، لكنها لم تصبح بعد ممكنة بالشروط التي يتمسك بها اللاعبان الرئيسيان. [1][2][4]
أما السيناريو الأفضل، أي تمديد الهدنة والانتقال إلى تفاهم أولي، فلا يزال مشروطًا بتراجع الطرفين، ولو جزئيًا، عن منطق الشروط القصوى. وهذا لم يظهر بعد بما يكفي. وفي المقابل، يبقى خطر الانزلاق قائمًا، لا لأن قرار الحرب قد اتُّخذ، بل لأن البيئة التي تعمل فيها الدبلوماسية الحالية بيئة شديدة القابلية لإنتاج أخطاء تقدير. ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المفاوضات ستستأنف شكليًا، بل ما إذا كانت ستدخل إلى منطقة مختلفة فعلًا: منطقة يهبط فيها السقف السياسي، ويرتفع فيها منسوب العمل التقني، وتتوقف فيها أدوات الضغط عن تخريب الهدف الذي يُفترض أنها تخدمه. [1][2][4][6]
الخلاصة
أن ما بعد إسلام آباد لا يصح قراءته بلغة التفاؤل الدبلوماسي السهل، ولا بلغة الحسم العسكري الوشيك. نحن أمام لحظة أكثر التباسًا: الحرب لم تعد الخيار المفضل، لكنها لم تُستبعد؛ والتفاوض لم يعد وهمًا، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار قابل للحياة. وبين هذين الحدين، تتحرك واشنطن وطهران في ممر ضيق، كلتاهما تحاول أن تحسن شروطها قبل أن تنضج التسوية. والسؤال الذي سيحسم الأسابيع المقبلة ليس إن كان الباب قد أُغلق أم لا؛ بل أيّ بابٍ سيُفتح أولًا: باب الترتيبات التقنية التي تُبقي الهدنة حيّة، أم باب التصعيد الذي يجعلها مجرد استراحة قصيرة في حرب لم تقل كلمتها الأخيرة. [1][3][4]
الإحالات
[1] أكسيوس، تقارير حول استمرار القنوات الخلفية بين واشنطن وطهران، ومساعي الوسطاء لإحياء المحادثات بعد تعثر جولة إسلام آباد.
[2] أكسيوس، تقرير حول الخلافات الخاصة بوقف تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون عالي التخصيب.
[3] رويترز، تصريحات باكستان والصين بشأن استمرار الجهود الدبلوماسية وهشاشة الهدنة.
[4] رويترز، تقارير بشأن الحصار البحري الأمريكي على حركة السفن إلى الموانئ الإيرانية ومنها.
[5] أسوشيتد برس، إعلان الرئيس الأمريكي تشديد الضغط البحري على إيران وربطه بالتفاوض.
[6] رويترز، الموقف التركي من أمن الملاحة في هرمز والدفع نحو مقاربة دبلوماسية.




