بعد تعثر إسلام آباد: واشنطن وطهران بين تفاوضٍ لم ينضج وتصعيدٍ لم يُحسم
المحادثات لم تنهَر، لكن الطريق إلى الاتفاق ما يزال أبعد مما توحي به اللغة الدبلوماسية. ما يجري الآن ليس سلامًا يتشكل، ولا حربًا عادت بعد؛ بل مساومة قاسية على شروط ما بعد الهدنة.
انتهت جولة إسلام آباد الأخيرة من دون اتفاق نهائي، لكن الخلاصة الأهم ليست في هذا التعثر نفسه، بل في ما لم يحدث بعده: لم تنقطع الاتصالات، ولم يُعلن انهيار المسار، ولم يغادر الوسطاء مواقعهم. هذا وحده يكفي للقول إن ما جرى ليس فشلًا نهائيًا، بل انتقالًا من لحظة بدت فيها التسوية ممكنة إلى لحظة أشد صعوبة، تُختبر فيها قدرة الطرفين على التفاوض تحت ضغط مرتفع، وقدرة الوسطاء على منع التعثر من التحول إلى استئناف للقتال. [1][3]
المشكلة، مع ذلك، أن هذا الوصف لا ينبغي أن يُفهم على أنه علامة اطمئنان. فبقاء قنوات التواصل مفتوحة لا يعني أن الفجوة ضاقت بالضرورة، كما أن استمرار الوساطة لا يعني أن صيغة الحل باتت في المتناول. ما تكشفه المعطيات حتى الآن هو أن واشنطن وطهران ما تزالان ترغبان في تجنب العودة الفورية إلى الحرب، لكنهما لا تملكان بعد تعريفًا مشتركًا لما يمكن أن يشكّل «اتفاقًا مقبولًا». هنا تحديدًا تكمن العقدة: ليس الخلاف على وقف النار بوصفه لحظة تهدئة مؤقتة، بل على ما الذي ينبغي أن يترتب عليه، وما الذي يجب أن تدفعه كل جهة ثمنًا للخروج من الحرب أو تعليقها. [1][2]
ليس تعثرًا تفاوضيًا عابرًا
القراءة السطحية لما جرى في إسلام آباد قد تختزل الصورة في عبارة سهلة: جولة فشلت وأخرى قد تُستأنف. غير أن ما حدث أعمق من ذلك. فالمحادثات لم تتعثر عند هامش إجرائي أو خلاف لغوي يمكن ردمه بجلسة مطولة أو بمداخلة من وسيط نشط؛ بل اصطدمت في النقطة التي يبدأ عندها أي تفاهم حقيقي في اتخاذ شكل ملموس: ما حدود التنازل؟ وما مدته؟ وما طبيعته التقنية والسيادية؟ [1][2]
بحسب المعطيات المتاحة، كان لدى الإيرانيين انطباع، في مرحلة من مراحل التفاوض، بأنهم يقتربون من اتفاق أولي، قبل أن تأتي الرسالة الأمريكية العلنية في اتجاه أكثر تشددًا، بما أوحى لطهران بأن سقف التفاهم إما تغيّر، وإما لم يكن واضحًا منذ البداية بالقدر الكافي. وهذه ليست مسألة شكلية. ففي المفاوضات الحساسة، وخصوصًا تلك التي تُدار فوق أرضية من انعدام الثقة المتراكم، لا يكون سوء التواصل تفصيلًا جانبيًا؛ بل قد يصبح جزءًا من الأزمة نفسها. [2]
هذا يعني أن المأزق الحالي ذو مستويين متداخلين. الأول موضوعي، ويتصل بجوهر الخلافات الفعلية. والثاني سياسي ـ تفاوضي، ويتعلق بطريقة إدارة هذه الخلافات، وبالفارق بين ما يقال في الغرف المغلقة وما يُرسل عبر المنابر والتسريبات والضغوط الموازية. وفي مثل هذه الملفات، كثيرًا ما يكون الانطباع الذي يخرج به كل طرف عن نيات الطرف الآخر حاسمًا بقدر أهمية النصوص المقترحة نفسها.
العقدة الحقيقية: شكل ما بعد الحرب.
جوهر الخلاف لا يكمن في مسألة الهدنة وحدها، ولا في الرغبة المعلنة في استئناف التفاوض، بل في الملف النووي بوصفه قلب المساومة كلها. واشنطن، وفق ما رشح من تفاصيل، لا تريد مجرد وقفٍ للقتال يجمّد الأزمة ثم يتركها قابلة للانفجار مجددًا بعد أشهر أو سنوات قليلة. ما تطلبه، في جوهره، هو ترجمة عسكرية ـ سياسية للحرب في صورة قيد استراتيجي طويل على البرنامج النووي الإيراني: وقف طويل الأمد للتخصيب، وإخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد. [2]
من زاوية واشنطن، هذا مطلب منطقي: إذا كانت الحرب قد فُتحت أصلًا على خلفية البرنامج النووي وتداعياته، فإن أي تسوية لا تُنتج تقليصًا فعليًا للقدرة الإيرانية على استئناف التخصيب بسرعة ستكون، في الحساب الأمريكي، مجرد هدنة مؤجلة الانفجار. لكن المسألة تبدو مختلفة تمامًا من الجانب الإيراني. فطهران لا تنظر إلى هذه الشروط بوصفها ترتيبات تقنية يمكن التفاوض حول تفاصيلها فقط؛ بل تراها، على الأرجح، طلبًا يتجاوز ضبط البرنامج إلى المساس بحق سيادي ورمز سياسي وأداة ردع كامنة في آن واحد. ولهذا جاء ردها في اتجاه آخر: قبول مبدأ القيود، ولكن بصيغة أقصر زمنيًا، وضمن رقابة، لا عبر نزع القدرة من أصلها. [2]
الفارق هنا ليس بين تشدد ومرونة فحسب، بل بين تصورين مختلفين لمعنى التسوية. واشنطن تريد اتفاقًا يعيد تعريف البيئة النووية الإيرانية لسنوات طويلة. أما طهران فتسعى، على ما يبدو، إلى اتفاق يخفف الضغط والحرب من دون أن يتحول إلى سابقة استراتيجية تُقرأ داخليًا وإقليميًا باعتبارها تنازلًا بنيويًا. وهذا ما يجعل الحديث عن «تقارب» أو «تقدم» صحيحًا من جهة الشكل، لكنه ناقص من جهة المضمون. قد يتقدم الطرفان في اللغة، في آليات المتابعة، في تفعيل الوسطاء، أو حتى في بعض التفاصيل الإجرائية؛ لكن المسافة الحقيقية تُقاس في السؤال الأصعب: هل اقتربا فعلًا من تعريف مشترك لما يجب أن تخرجه هذه الحرب؟ حتى الآن، لا يبدو الجواب حاسمًا. [1][2]
التفاوض تحت الإكراه.
ما يعقّد المشهد أكثر أن التفاوض لا يجري في مناخ تهدئة مستقرة، بل تحت ضغط تصعيدي متزايد. فالولايات المتحدة لم تكتفِ بالإبقاء على القناة السياسية مفتوحة، بل أتبعت ذلك بإجراء بحري ضاغط، هو بدء حصار حركة السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها. وهذه خطوة لا ينبغي التقليل من دلالتها السياسية. فهي تعني أن واشنطن اختارت التفاوض من موقع رفع الكلفة لا من موقع تجميدها؛ أي إنها تحاول أن تقول لطهران إن نافذة التفاهم لا تزال موجودة، لكن ثمن عدم عبورها سيزداد. [4][7]
هذا النوع من الضغط قد ينجح في بعض السياقات، لكنه ليس مضمون الأثر هنا. لأن الإكراه حين يقترب كثيرًا من الحافة العسكرية قد ينتج واحدًا من نتيجتين متعاكستين: إما أن يدفع الطرف المقابل إلى مراجعة حساباته، وإما أن يضيّق عليه الهامش إلى الحد الذي يصبح معه أي تنازل مستحيلًا سياسيًا. والمشكلة أن الحالة الإيرانية مرشحة لاحتمال النوع الثاني بقدر احتمال النوع الأول. ذلك أن أي اتفاق يبدو في الداخل الإيراني وكأنه جاء استجابة مباشرة لحصار أو تهديد قد يفقد قيمته السياسية حتى لو كان مقبولًا تقنيًا. وبعبارة أكثر وضوحًا: ما يزيد من وزن الورقة الأمريكية على طاولة التفاوض قد يضعف في المقابل قابلية الطرف الإيراني لالتقاطها. [2][4]
من هنا، لا يصح النظر إلى الحصار البحري على أنه مجرد خلفية ضاغطة للمفاوضات؛ بل هو جزء من مضمونها الفعلي. إنه يعيد ترتيب ميزان الوقت والكلفة والنفس التفاوضي. وإذا كانت واشنطن تعتقد أن الضغط سيدفع طهران إلى الاقتراب من شروطها، فإن طهران قد تقرأ الخطوة بوصفها محاولة لانتزاع استسلام مقنّع بلغة التفاوض. وفي البيئات المشحونة، يكفي هذا الاختلاف في القراءة لكي يتحول التصعيد المحسوب إلى شرارة كسر.
الوسطاء: من منع الانهيار إلى صناعة المسافة الآمنة
هنا تظهر أهمية الدور الباكستاني، ومعه الدوران التركي والمصري. فالوسطاء لا يعملون الآن على إنتاج تسوية كبرى بقدر ما يحاولون أولًا منع المسار من الانهيار. وهذه وظيفة أقل بريقًا لكنها أكثر إلحاحًا. ففي لحظة كهذه، يصبح إنقاذ الإطار التفاوضي هدفًا بحد ذاته، لأن فقدانه يعني عودة الملف إلى معادلة بسيطة وخطرة: ضغط عسكري في مواجهة تصلب سياسي، من دون قناة قادرة على امتصاص سوء الفهم أو إعادة تدوير الرسائل. [1][3][6]
والواضح أن الوسطاء باتوا يدركون أن الجولة المقبلة، إن عُقدت، لن تكون ناجحة إذا أعيدت بالشكل نفسه. فالمطلوب ليس لقاءً سياسيًا جديدًا يكرر السقوف العامة، بل انتقالًا إلى مستوى أدنى وأكثر تقنية ودقة، تُناقش فيه تفاصيل المدد والرقابة والمخزون وآليات الالتزام والتحقق. أي إن الوساطة الجدية الآن لا تقوم على جمع الطرفين في صورة تفاوضية جديدة، بل على هندسة مساحة تفاوضية أضيق، أقل صخبًا، وأكثر قابلية للبناء التدريجي.
ذلك أن أخطر ما في الجولات السياسية العليا أنها تُنتج، أحيانًا، توقعات أكبر من قدرتها على الإنجاز. وما إن تصطدم هذه التوقعات بالتفاصيل حتى يبدو التعثر وكأنه انهيار، مع أنه قد يكون في الحقيقة انتقالًا طبيعيًا من السياسة العامة إلى التفاوض الحقيقي. لكن هذا الانتقال يحتاج إلى قدر كبير من الانضباط في إدارة الرسائل، وهو ما بدا مختلًا في الجولة السابقة.
لا أحد يريد الحرب… وهذا لا يكفي.
من السهل التعلق بمؤشر مريح نسبيًا: لا واشنطن ولا طهران تبدوان راغبتين، حتى الآن، في استئناف الحرب فورًا. لكن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا ينبغي المبالغة في الاطمئنان إليها. فالتاريخ القريب مليء بأزمات لم تبدأ لأن أحدًا أرادها بالكامل، بل لأن الجميع اعتقد أنه قادر على توسيع الضغط من دون أن يكسر الخط الأحمر. والمشكلة في اللحظة الراهنة أن الخطوط الحمراء نفسها لم تعد واضحة بما يكفي، لا في البحر، ولا في الملف النووي، ولا في السقف الذي يمكن أن تتحمله الهدنة الهشة. [4][5]
ثم إن عدم الرغبة في الحرب لا يعني بالضرورة تراجع الاستعداد للمخاطرة. وقد يكون الطرفان، في هذه المرحلة، مقتنعين بأن مزيدًا من الضغط لن يُفضي إلى انفجار شامل، بل إلى تحسين الشروط فقط. وهذه واحدة من أخطر لحظات الأزمات: حين يراهن الجميع على أن الآخر لن يذهب بعيدًا، فيكتشفون متأخرين أن التصعيد تراكم أسرع من القدرة على احتوائه.
التقدير الأرجح
الراجح، في المدى القصير، ليس اتفاقًا سريعًا ولا انهيارًا فوريًا، بل استمرار **التفاوض تحت الإكراه**. أي إن القنوات ستبقى مفتوحة، والوسطاء سيواصلون مساعيهم، وقد تظهر جولة تقنية أو تحضيرية جديدة، لكن من دون اختراق نهائي قريب. هذا الترجيح يستند إلى واقعين متلازمين: كلفة العودة إلى الحرب ما تزال مرتفعة على الطرفين، لكن كلفة التراجع عن الشروط الجوهرية ما تزال مرتفعة أيضًا. [1][2][4]
أما السيناريو الأفضل، وهو تمديد الهدنة والانتقال إلى تفاهم أولي محدود، فيظل ممكنًا، لكنه يحتاج إلى صيغة وسط لم تتبلور بعد في الملف النووي. وفي المقابل، يبقى خطر الانزلاق قائمًا بجدية، لا لأن أحد الطرفين قرر الحرب بالفعل، بل لأن بيئة التفاوض الحالية تخلط بين الرسالة السياسية والضغط العسكري على نحو يجعل الخطأ في التقدير احتمالًا دائمًا.
الخلاصة أن ما بعد إسلام آباد ليس نهاية المسار، لكنه ليس بدايته الجديدة أيضًا. إنه منطقة وسطى مضطربة: تفاوض لم ينضج، وضغط لم يُحسم، وهدنة لا تزال قائمة من حيث الشكل، لكنها لم تتحول بعد إلى مسار مستقر. وفي مثل هذه المناطق، لا تُقاس الأمور بما يقال عن «التقدم» فقط، بل بما إذا كان الطرفان يقتربان حقًا من صيغة يمكن لكل منهما أن يراها تسوية، لا هزيمة مؤجلة. حتى الآن، لا يزال هذا الشرط بعيدًا، وإن لم يصبح مستحيلًا بعد. [1][2][3][4]
المصادر
[1] أكسيوس، تقارير حول استمرار القنوات الخلفية بين واشنطن وطهران ومساعي الوسطاء بعد تعثر جولة إسلام آباد.
[2] أكسيوس، تفاصيل الخلاف بشأن وقف تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون عالي التخصيب.
[3] رويترز، تصريحات باكستان بشأن استمرار الجهود لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.
[4] رويترز، إعلان بدء حصار حركة السفن إلى الموانئ الإيرانية ومنها.
[5] رويترز، توصيف الهدنة بأنها هشة والتحذير من التصعيد.
[6] رويترز، الموقف التركي من التصعيد البحري وأثره على أمن الملاحة.
[7] أسوشيتد برس، إعلان أمريكي بشأن تشديد الضغط على الموانئ الإيرانية.




