وساطة إسلام آباد بين واشنطن وطهران: دور يتقدم أسرع من ضماناته
لا تبدو استضافة إسلام آباد لمسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران حدثًا دبلوماسيًا عابرًا يمكن إدراجه بسهولة ضمن سجل الوساطات الإقليمية المعتادة. فالمسألة، في جوهرها، ليست مجرد توفير مكان للقاء أو قناة لتبادل الرسائل، بل تتصل بمحاولة باكستانية واعية لاقتحام لحظة إقليمية بالغة الاضطراب، وتحويل موقعها من دولة تتلقى ارتدادات الأزمات إلى دولة تسعى إلى التأثير في مسارها. غير أن هذا الطموح، على وجاهته السياسية، يتحرك في بيئة شديدة القسوة؛ بيئة لا تكفي فيها النيات، ولا تضمن فيها الجغرافيا وحدها النجاح، ولا يحمي فيها الاعتراف بالدور من كلفة الفشل.
تكشف الوساطة الباكستانية، منذ بدايتها، عن مفارقة مركزية: فإسلام آباد تملك من المقومات ما يؤهلها للقيام بالدور، لكنها لا تملك بالقدر نفسه الأدوات التي تكفل تحصينه. فهي مقبولة نسبيًا لدى واشنطن، من دون أن تكون تابعة لها بالكامل. وهي مقبولة لدى طهران، من دون أن تكون جزءًا من محورها. ولديها صلة عضوية بالصين، كما تملك قدرة على مخاطبة المجال الإسلامي الأوسع. لكن هذه المزايا نفسها لا تلغي الحقيقة الأهم: أن الوسيط، مهما كانت أهميته، لا يقرر وحده مصير المسار إذا كانت الأطراف الأصلية نفسها مختلفة على معنى التفاوض، وعلى سقفه، وعلى وظيفته السياسية.
من هذه الزاوية، ينبغي النظر إلى الدور الباكستاني لا باعتباره تعبيرًا عن فائض قوة، بل عن حس استراتيجي بمحاولة التقاط فرصة داخل تهديد. فباكستان تعرف أن الحرب على إيران، إذا انفلتت، لن تبقى خارج حدودها السياسية والأمنية. هي لا تواجه فقط احتمال اضطراب على حدودها الغربية، بل أيضًا احتمال إعادة تشكيل بيئة إقليمية كاملة تزداد فيها ضغوط الهند، وتتوسع فيها الفوضى الآتية من جهة أفغانستان، ويتعمق فيها الضغط على الممرات والطاقة والتوازنات الداخلية. لذلك، فإن الوساطة ليست مبادرة أخلاقية أو استعراضية بقدر ما هي صيغة من صيغ الدفاع الوقائي عن المصلحة الوطنية.
لكن الدفاع الوقائي لا يكفي، وحده، لتفسير الحماسة الباكستانية للدخول في هذا الملف. ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية، هو بُعد المكانة. فإسلام آباد، التي كثيرًا ما قُدِّمت في العقود الأخيرة بوصفها ساحة تتقاطع فيها سياسات الآخرين، تحاول هنا أن تعكس الصورة: أن تصبح طرفًا يُطلب منه أن يستضيف، وأن يسهل، وأن يُعتدّ بقيمته في لحظة إقليمية فارقة. وهذا ليس تفصيلًا شكليًا. في السياسة الدولية، كثيرًا ما تكون الوظائف بوابة المكانة. والدولة التي تُستدعى لتيسير تفاوض بهذا الحجم لا تعود مجرد هامش جغرافي، بل تصبح، ولو مؤقتًا، عقدة ضرورية في هندسة المشهد.
غير أن كل دور يتقدم أسرع من ضماناته يبقى عرضة للارتطام بحدوده. وهذا ما ينطبق، على نحو دقيق، على الحالة الباكستانية. فإسلام آباد قد تكون قادرة على فتح الباب، لكنها ليست بالضرورة قادرة على منع الآخرين من إغلاقه بعنف. إنها تستطيع توفير منصة أقل استفزازًا للطرفين، لكنها لا تستطيع إجبار واشنطن على التفاوض بمنطق غير إملائي، ولا تستطيع إلزام إيران بتقديم تنازلات تتجاوز ما تراه منسجمًا مع موقعها، ولا تملك، قبل ذلك وبعده، القدرة على ضبط الفاعل الإسرائيلي الذي يبدو، في مثل هذه اللحظات، ميالًا إلى التعامل مع التهدئة بوصفها خطرًا لا يقل عن خطر الحرب.
وهنا تكمن إحدى أعقد عقد المسار. فالمشكلة ليست فقط في العلاقة الأمريكية الإيرانية، بل في أن هذه العلاقة باتت محاطة بطبقات من الفاعلين والمصالح تجعل أي وساطة محكومة بسؤال مركب: هل التفاوض مطلوب فعلًا بوصفه مخرجًا، أم يُراد له فقط أن يكون أداة ضغط إضافية، أو مهلة لإعادة التموضع، أو غطاء لإدارة الانطباع الدولي؟ هذا السؤال ليس نظريًا. إنه يحدد، من اللحظة الأولى، مقدار الثقة الذي يمكن أن يمنحه كل طرف للمسار. فإذا دخلت طهران وهي تعتقد أن الحوار مجرد ستار، فإنها ستبقي يدها على الزناد السياسي والعسكري. وإذا دخلت واشنطن وهي ترى أن التفاوض جزء من الإكراه، لا جزء من التسوية، فإنها ستتعامل معه بمنطق الشروط لا بمنطق المقايضة. وفي الحالتين، يجد الوسيط نفسه يدير شكوكًا متقابلة أكثر مما يدير عملية تفاوضية مستقرة.
الذي يمنح باكستان قيمة في هذا السياق هو أنها لم تُدرج نفسها في المعسكر المعادي لإيران على نحو مباشر. هذه نقطة لا ينبغي التقليل من وزنها. فالدول لا تثق بالوسطاء لأنهم يعلنون الحياد، بل لأن سلوكهم السابق لا يقدّم دليلًا فاضحًا على الانحياز العملي. وبهذا المعنى، فإن امتناع إسلام آباد عن الانخراط في الحرب على إيران، وحرصها على إبقاء مساحة في علاقتها مع طهران، وفّر لها حدًا أدنى من الصلاحية السياسية. لكنها صلاحية هشة، لأن الحفاظ عليها يتطلب من باكستان أن تظل قادرة على إقناع إيران بأنها ليست فقط ساحة مناسبة، بل أيضًا طرفًا لن يُستغل دوره لتغطية ما يضر أمنها الاستراتيجي.
في المقابل، لا تستطيع باكستان أن تبني هذا الدور ضد الولايات المتحدة أو بمعزل عنها. فالعلاقة مع واشنطن، على ما فيها من تاريخ طويل من التوجس والخيبات، ما تزال تمثل عنصرًا أساسيًا في حسابات إسلام آباد. لذلك، فإن الوساطة تمنحها فرصة دقيقة: أن تعيد تنظيم هذه العلاقة من موقع أكثر نفعية وأقل تبعية. هي لا تقول للأمريكيين إنها بديل من سياساتهم، بل تقول إنها أصبحت جزءًا من شروط إدارتهم للأزمة. وهذا تحوّل مهم، لأنه يرفع كلفة تجاوز باكستان، لكنه لا يلغي في الوقت نفسه اختلال القوة بين الطرفين. ومن هنا، فإن المشكلة ليست في قدرة إسلام آباد على فتح القناة مع واشنطن، بل في قدرتها على منع واشنطن من إعادة تعريف الوساطة بصورة تجعلها أقرب إلى أداة ضغط أمريكية منها إلى مسار توازني.
وهذا تحديدًا ما يجعل العامل الإسرائيلي شديد الخطورة على أي دور باكستاني صاعد. فإسرائيل لا تحتاج إلى إعلان رفض رسمي للوساطة حتى تقوّضها. يكفي أن ترفع منسوب العمليات في الساحات المحيطة، أو أن تدفع نحو بيئة يتراجع فيها الإيمان بجدوى المسار، أو أن تضغط على واشنطن لإبقاء التفاوض تحت سقف لا يسمح بتفاهم فعلي. في مثل هذه الحالة، تصبح باكستان مهددة بأن تخسر من دون أن تخطئ مباشرة؛ تخسر لأن المسار الذي استثمرت فيه قد يُفجّر من خارجه، أو لأن قوى أخرى أقوى منها لا ترى في خفض التصعيد مصلحة متقدمة.
ولا يقل العامل الهندي أهمية، وإن كان يعمل بطريقة مختلفة. فالهند تنظر إلى أي ارتفاع في القيمة الإقليمية لباكستان بوصفه تطورًا ينبغي مراقبته بعين القلق، إن لم يكن بعين المواجهة غير المباشرة. المشكلة هنا ليست فقط في الملف الإيراني، بل في المعنى الأوسع لنجاح باكستان. فإذا استطاعت إسلام آباد أن تقدم نفسها وسيطًا معترفًا به في أزمة بهذا الحجم، فإنها تنتزع، ولو جزئيًا، من صورة البلد المحاصر بأزماته وتعيد تقديم نفسها بوصفها دولة قادرة على إنتاج منفعة سياسية عامة في الإقليم. ومن الطبيعي أن يزعج هذا نيودلهي، التي لا تنظر إلى باكستان كجار منافس فقط، بل كخصم يجب تقليص فرص صعوده كلما سنحت الإمكانية.
إن ما يضاعف حساسية الدور الباكستاني هو أن الجميع تقريبًا يريد شيئًا مختلفًا من المسار نفسه. باكستان تريد احتواء الخطر وتكريس الدور. الولايات المتحدة تريد اختبار إمكانات الضغط والتفاوض معًا. إيران تريد التفاوض من دون الوقوع في فخ الإذعان أو الخديعة. إسرائيل تريد ألا تتحول التهدئة إلى فرصة لترميم خصمها. والهند لا تريد أن يتحول الملف إلى رصيد سياسي إضافي لإسلام آباد. حين تتعدد هذه الأهداف المتعارضة إلى هذا الحد، يصبح النجاح الكامل احتمالًا ضعيفًا، ويصبح النجاح الجزئي هو الصيغة الأكثر واقعية.
ولهذا، فإن التقدير الأرجح ليس أن باكستان قادرة على إنتاج تسوية كبرى بين واشنطن وطهران، بل أنها قادرة، إذا أحسنت إدارة الملف، على منع الأسوأ أو تأجيله، وعلى تثبيت قناة اتصال تقلل خطر الانفجار الشامل. هذا ليس إنجازًا صغيرًا. ففي الأزمات الإقليمية المركبة، كثيرًا ما تكون القيمة الحقيقية للوساطة في منع التدهور لا في حل التناقضات من الجذور. لكن الوصول حتى إلى هذا المستوى يتطلب من إسلام آباد قدرًا كبيرًا من الانضباط السياسي: أن تخفض سقف التوقعات، وأن ترفض تحويل دورها إلى غطاء لأي مغامرة، وأن تبني حول الوساطة مظلة أوسع من مجرد العلاقة الثنائية مع الطرفين.
هنا، تبرز أهمية العامل الصيني، لا بوصفه وصيًا على القرار الباكستاني، بل بوصفه عنصر توازن يمنح إسلام آباد عمقًا سياسيًا واستراتيجيًا. فباكستان، حين تتحرك في ملف بهذه الخطورة، لا تستطيع أن تفعل ذلك من دون احتساب أثره في علاقتها مع بكين، ولا من دون الاستفادة من كون الصين نفسها معنية بعدم انفلات الإقليم نحو حرب أطول وأوسع. والواقع أن وجود هذا العمق يرفع قدرة باكستان على المناورة، ويقلل احتمالات ابتلاعها سياسيًا من طرف واحد، لكنه يحمّلها أيضًا مسؤولية أكبر في ألا تُظهر دورها وكأنه اصطفاف مغلّف ضد واشنطن أو ضد أي طرف آخر. مرة أخرى، التوازن هو جوهر اللعبة.
في هذا السياق، يبدو أن التحدي المركزي أمام إسلام آباد ليس كيف تجمع الأمريكيين والإيرانيين فقط، بل كيف تحمي نفسها من نتائج ما يجري بينهما. فالوساطة، في مثل هذه الحالات، قد تتحول من رصيد إلى عبء إذا لم تُحط بقيود واضحة. وإذا أرادت باكستان ألا تصبح كبش فداء لفشل الآخرين، فعليها أن تنتقل من منطق «استضافة المحادثات» إلى منطق «هندسة شروط الاستضافة». أي أن تربط دورها بضمانات إجرائية، وأن تحيطه بداعمين إقليميين، وأن تصيغ هدفه بواقعية شديدة: ليس إنهاء الصراع، بل إدارة مخاطره، وفتح القنوات، وتخفيف احتمالات الانفجار.
الخلاصة أن وساطة إسلام آباد تملك قيمة حقيقية، لكنها لا تملك حصانة ذاتية. إنها فرصة باكستانية نادرة، لكنها أيضًا اختبار صعب لقدرتها على العمل داخل تناقضات تفوقها حجمًا. وإذا كان صحيحًا أن الجغرافيا والسياسة منحتاها موقعًا يسمح لها بأن تكون وسيطًا، فإن النجاح لن يتوقف على الموقع وحده، بل على حسن تعريف الدور وحدوده. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على دخول الملفات الكبرى، بل بقدرتها على الخروج منها من دون أن تُسحق بين أطرافها.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن السؤال الفعلي ليس ما إذا كانت باكستان ستنجح في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران بالمعنى الكامل للكلمة، بل ما إذا كانت ستنجح في حماية نفسها، وفي تحويل مجرد قدرتها على فتح المسار إلى مكسب استراتيجي دائم. فإذا فعلت ذلك، تكون قد حققت أكثر مما يبدو في الظاهر. أما إذا اندفعت أبعد مما تسمح به أدواتها، فقد تكتشف أن حقل الألغام لم يكن محيطًا بالمحادثات فقط، بل كان مزروعًا في فكرة الدور نفسها.




