ورقة تحليلية محكّمة
بين دبلوماسية الإكراه وحدود التسوية الممكنة في أزمة هرمز
ترمب والمفاوضات مع إيران: كيف تحوّل البحث عن وقف الحرب إلى محاولة لإعادة تعريف النصر؟
|
الملخص
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الانفتاح التفاوضي الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه إيران خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل ٢٠٢٦ لا يمثل انتقالًا مكتملًا من الحرب إلى الدبلوماسية، بل يعكس تحوّلًا في إدارة أدوات الإكراه بعد أن اصطدمت فرضية الحسم السريع بكلفة عسكرية واقتصادية وسياسية متصاعدة. فواشنطن لم توقف الضغط كي تفتح باب تسوية متوازنة، وإنما أعادت توزيعه بين التهديد المؤجل، والحصار البحري، والوساطة غير المباشرة، ومحاولة ضبط ارتدادات الأسواق والطاقة. [١][٢][٣]
وتجادل الورقة بأن تأجيل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ثم تمديد الهدنة مع الإبقاء على الحصار البحري والاستعداد لجولة محادثات في إسلام آباد، يكشف عن حاجة أميركية إلى مخرج سياسي يخفف كلفة الحرب من دون الاعتراف بفشل أهدافها الأولى. غير أن هذه الحاجة لا تزال محكومة بمنطق تفاوضي يرى في الاتفاق أداة لانتزاع ما عجزت الحرب عن تثبيته سريعًا، لا إطارًا لبناء توازن أمني مستقر وقابل للحياة. [٣][٤][٥]
وتخلص الورقة إلى أن العقدة المركزية لا تكمن في غياب القنوات أو الوسطاء، بل في التناقض بين سقف أميركي مرتفع يقترب من منطق الإملاء، وقراءة إيرانية ترى في التنازل الواسع مدخلًا إلى تجريد الدولة من أدوات الردع في بيئة لا توفر ضمانات موثوقة. ومن ثم، فإن الاحتمال الأرجح في الأجل القريب ليس التسوية الشاملة، بل استمرار وضع هجين يجمع بين هدنة ممددة، وحصار قائم، ومفاوضات متقطعة، واحتمال دائم لعودة التصعيد. [٤][٥][٦]
الكلمات المفتاحية
ترمب؛ إيران؛ دبلوماسية الإكراه؛ الحرب المحدودة؛ الحصار البحري؛ مضيق هرمز؛ الوساطة الباكستانية؛ إعادة تعريف النصر؛ الهدنة الهشة؛ التفاوض تحت الضغط.
مقدمة
حين هدّد ترمب، في الحادي والعشرين من آذار/مارس ٢٠٢٦، بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال مهلة قصيرة، بدا كأنه يدفع الحرب إلى عتبة جديدة تستهدف مركز الثقل الاقتصادي للدولة الإيرانية. غير أن تأجيل الضربات لاحقًا لم يكن عدولًا كاملًا عن منطق الحرب، بل انتقالًا من التهديد المباشر إلى الإكراه المركّب؛ أي الجمع بين تعليق الضربة، وتكثيف الرسائل عبر الوسطاء، ومراقبة الأسواق، والإبقاء على الجاهزية العسكرية. [١][٢]
تتجاوز أهمية هذا التحول حدود الحدث الآني؛ لأنه يفتح سؤالًا أوسع عن طبيعة السياسة الأميركية في هذه المرحلة. هل نحن أمام مراجعة فعلية لخيارات الحرب بعدما ظهرت حدودها وكلفتها، أم أمام استخدام التفاوض بوصفه صيغة أقل كلفة لتسويق أهداف الحرب ذاتها؟ لا تكفي التصريحات للإجابة عن هذا السؤال؛ فالمعيار الأدق هو فحص السلوك: ما الذي خُفف فعلًا؟ ما الذي بقي قائمًا؟ وما الذي تبدّل في تعريف النصر وشروطه؟
تحاجج هذه الورقة بأن فهم المفاوضات الجارية يقتضي النظر إليها باعتبارها امتدادًا لإدارة الحرب لا قطيعة معها. فالحصار البحري بقي قائمًا، والمطالب الأميركية الكبرى لم تنخفض جوهريًا، والوساطة الباكستانية تحركت في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية. لذلك لا تكمن المسألة المركزية في وجود محادثات من عدمه، بل في الوظيفة التي تؤديها هذه المحادثات داخل استراتيجية أميركية تحاول الخروج من حرب مكلفة من دون التخلي عن وهم الحسم الأحادي. [٤][٥][٦]
الإشكالية والفرضية وحدود المقاربة
تتمثل إشكالية الورقة في تفسير معنى الانعطاف الأميركي نحو التفاوض في لحظة لم تتوقف فيها أدوات الإكراه الفعلية، ولم تتراجع فيها واشنطن عن شروطها الكبرى، بل واصلت الجمع بين الهدنة المؤقتة والحصار البحري والضغط السياسي. ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: هل يعكس الانفتاح التفاوضي الأميركي بحثًا حقيقيًا عن تسوية توقف الحرب، أم محاولة لإعادة إنتاج أهداف الحرب في صورة تفاوضية قابلة للإدارة داخليًا وخارجيًا؟
تنطلق الورقة من فرضية مزدوجة. فمن جهة أولى، ثمة حاجة أميركية فعلية إلى مخرج سياسي يحد من كلفة الحرب الاقتصادية والعسكرية والانتخابية، ويمنع تحولها إلى استنزاف طويل يناقض الخطاب الترمبي التقليدي الرافض للتورط المفتوح في الشرق الأوسط. ومن جهة ثانية، لا يعني البحث عن المخرج استعدادًا لعقد تسوية متوازنة؛ إذ لا تزال الإدارة تنظر إلى التفاوض بوصفه امتدادًا للحرب بوسائل أخرى، وتتعامل مع الاتفاق الممكن باعتباره وسيلة لترجمة فائض القوة إلى التزامات إيرانية بعيدة المدى. [٢][٣][٥]
تعتمد الورقة مقاربة تحليلية تجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى القرار الأميركي الداخلي وما يحكمه من حسابات السوق والسياسة والشرعية؛ ومستوى التفاعل الإقليمي حيث تتداخل مصالح دول الخليج وإسرائيل والوسطاء؛ ومستوى البنية الاستراتيجية للنزاع، ولا سيما ما يتصل بمضيق هرمز والحصار البحري وإعادة تعريف معنى النصر. وتميّز الورقة بين الواقعة المثبتة في المصادر، والتفسير التحليلي، والتقدير المرجح، بحيث لا تتحول القراءة السياسية إلى ادعاء قطعي يتجاوز ما تسمح به المعطيات.
أولًا: دبلوماسية الإكراه وحدود تحويل الحرب إلى تفاوض
يفيد مفهوم «دبلوماسية الإكراه» في تفسير السلوك الأميركي الراهن؛ إذ يقوم على استخدام التهديد القابل للتنفيذ، أو القوة المحدودة، أو العقوبات، أو الحصار، لدفع الخصم إلى قبول شروط لم يكن ليقبلها في سياق تفاوضي اعتيادي. وفي الحالة الأميركية ـ الإيرانية لا يظهر التفاوض بوصفه عملية تبادلية متدرجة، بل بوصفه جزءًا من بنية ضغط أوسع تستخدم الحرب نفسها لصناعة لحظة تفاوضية أكثر ملاءمة للولايات المتحدة. [١][٤]
غير أن هذا النمط التفاوضي يحمل معضلة بنيوية. فالإكراه قد يدفع الطرف المقابل إلى الجلوس على الطاولة، لكنه يضعف في الوقت نفسه الثقة بأن الطاولة ليست مجرد استراحة بين جولتين من الضغط. والطرف الذي يفاوض تحت التهديد لا يقرأ العرض عادة باعتباره فرصة متوازنة، بل باعتباره محاولة لترجمة اختلال القوة إلى التزام دائم. لذلك لا يكفي وجود قنوات اتصال أو وسطاء كي تتحول الأزمة إلى عملية تسوية؛ لأن انعدام الثقة يصبح جزءًا من بنية التفاوض ذاتها.
ومن هنا، فإن الانتقال الأميركي من التهديد بضرب منشآت الطاقة إلى تمديد الهدنة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتقالًا من الحرب إلى السياسة بالمعنى الصارم، بل باعتباره انتقالًا من طور صاخب من الإكراه إلى طور أكثر تركيبًا. فالحرب لم تُرفع من المعادلة، وإنما أُعيد توزيع أدواتها بين الحصار والتهديد المؤجل ورسائل الوسطاء والضغط السوقي. هذه النقطة جوهرية لأنها تجعل التفاؤل السريع بوجود «اختراق دبلوماسي» تفاؤلًا غير مؤسس ما دامت البنية العميقة للضغط لم تتغير. [٣][٤][٥]
ثانيًا: من تهديد الطاقة إلى تأجيل الضربة، لماذا احتاج ترمب إلى الانعطاف؟
لم يكن قرار ترمب تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية تعديلًا تكتيكيًا محدودًا فحسب، بل عكس إدراكًا متأخرًا بأن توسيع الحرب إلى هذا المستوى قد يفتح سلسلة تداعيات يصعب التحكم في إيقاعها. فاستهداف البنية الطاقية الإيرانية لا يعني زيادة الضغط على طهران وحدها؛ بل يرفع احتمالات الرد على منشآت الطاقة في الخليج، ويزيد المخاطر على الملاحة والإمدادات، ويجعل كلفة الحرب أكثر مباشرة على الأسواق العالمية والحلفاء الإقليميين. [١][٢]
وتظهر حسابات السوق عاملًا ضاغطًا لا يمكن فصله عن القرار السياسي. فقد ارتبط إعلان التأجيل بانحسار نسبي في مخاوف أسواق النفط والمال، بما دلّ على أن كل تهديد جديد للبنية التحتية الإيرانية لم يعد يُقرأ بوصفه تطورًا عسكريًا فقط، بل بوصفه صدمة اقتصادية عابرة للحدود. ومن منظور البيت الأبيض، لا يمكن خوض حرب بهذا الحجم مع تجاهل أثرها في التضخم وكلفة الطاقة ومزاج الناخب الأميركي، ولا سيما مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. [٢][٣]
كما أن التراجع الجزئي حمل إقرارًا ضمنيًا بأن فرضيات البداية لم تتحقق كما رُوّج لها. فالحرب التي انطلقت على رهانات تتصل بإضعاف إيران سريعًا لم تُنتج انهيارًا سياسيًا داخليًا، ولم تُغلق الملف بعملية خاطفة، بل فتحت ساحة استنزاف متعددة المستويات. لذلك لم يكن مستغربًا أن تبحث الإدارة عن طريقة تعيد بها احتواء الكلفة من دون أن تظهر بمظهر المتراجع. في هذا السياق صار التفاوض مفيدًا لواشنطن لا لأنه يناقض الحرب، بل لأنه يتيح تسويق التهدئة بوصفها ثمرة للقوة لا اعترافًا بحدودها. [٣][٥]
ثالثًا: السوق بوصفها جزءًا من مسرح الحرب
من الخطأ تفسير الانعطاف الأميركي انطلاقًا من الاعتبارات العسكرية وحدها. فالأزمة الحالية أظهرت أن الحرب في الخليج لا تبقى داخل جغرافيا الصواريخ والسفن؛ بل تنتقل فورًا إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين والتمويل. ومادام مضيق هرمز ممرًا حاسمًا في التجارة العالمية للطاقة، فإن أي اضطراب فيه يتحول إلى واقعة سياسية داخلية في الولايات المتحدة نفسها؛ لأن أثره يقاس في الأسعار والنمو وثقة الأسواق بقدرة الإدارة على الضبط. [٥][٧]
تتضاعف حساسية المسألة في حالة ترمب بالذات؛ إذ تقوم شرعيته السياسية، جزئيًا، على ادعاء القدرة على إدارة القوة الأميركية من دون الانزلاق إلى حروب تستنزف الداخل. لذلك فإن استمرار الحرب من دون أفق واضح، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتعثر الملاحة، لا يهدد صورة الرئيس في السياسة الخارجية وحدها، بل يهدد السردية الاقتصادية التي يحتاج إليها في الداخل. ومن هنا تصبح تهدئة السوق جزءًا من إدارة الحرب نفسها، لا نتيجة جانبية لها.
غير أن ارتباط السوق بالقرار لا يعني أن الإدارة تتجه تلقائيًا إلى تسوية متوازنة. فقد يدفعها ضغط السوق إلى إنتاج ترتيب سريع يمكن تسويقه باعتباره نجاحًا استراتيجيًا، ولو بقي هشًا من الناحية البنيوية. بمعنى آخر، لا يحوّل ضغط السوق منطق الإكراه بالضرورة إلى منطق تسوية؛ بل قد يدفع إلى صفقة مرتفعة السقف هدفها تمكين الرئيس من القول إن الحرب حققت ما يكفي لإعادة الاستقرار من دون استكمال التصعيد المفتوح.
رابعًا: إخفاق فرضية الحسم السريع وإعادة تعريف النصر
بُنيت الحرب، أو سُوّقت في مراحلها الأولى على الأقل، على فرضية أن الضغط العسكري المركز، إذا اقترن باستهداف القيادة والبنية الاستراتيجية، قد يفضي إلى انكشاف سريع للنظام الإيراني أو إلى قبوله شروطًا قصوى. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه الفرضية لم تصمد بالقدر المتوقع. فإيران لم تنهَر، ومضيق هرمز لم يُفتح بصورة طبيعية، والاشتباك الإقليمي لم يُغلق، بل اتسع أثره على الاقتصاد العالمي وشبكات الأمن الإقليمي. [٤][٥][٧]
تتجاوز أهمية هذه النقطة الحساب الميداني إلى تعريف النصر نفسه. فإذا كان النصر قد صُوّر في البداية باعتباره انهيارًا أو خضوعًا سريعًا، ثم اتضح أن هذا الهدف غير قريب المنال، فلا بد من إعادة تعريفه سياسيًا. وهذا ما يبدو أن الإدارة الأميركية تحاوله الآن: استبدال مفهوم الحسم الكامل بمفهوم أكثر قابلية للتسويق، يقوم على فتح هرمز، وانتزاع تنازلات نووية واستراتيجية، ثم إعلان أن التفاوض نفسه أثبت نجاح الحرب.
غير أن إعادة تعريف النصر بهذه الطريقة تخلق مأزقًا جديدًا. فكلما ارتفع الحد الأدنى من النتائج المطلوبة كي يظهر الاتفاق بوصفه انتصارًا أميركيًا، تقلصت احتمالات قبول إيران به. والعكس صحيح: كلما اقترب الاتفاق من صيغة عملية قابلة للتفاوض، ضعفت قيمته السياسية داخل الخطاب الأميركي المتشدد. هذا التوتر بين الممكن تفاوضيًا والمطلوب دعائيًا يفسر جانبًا من التذبذب الراهن بين خطاب التفاؤل وخطاب التهديد. [٥][٦]
خامسًا: الموقف الإيراني ومشكلة الثقة
يُقرأ السلوك الإيراني في ضوء تصور يعتبر الحرب القائمة تهديدًا لبنية الدولة لا مجرد نزاع تفصيلي حول الملاحة أو الملف النووي. ومن هذه الزاوية لا يبدو العرض الأميركي، كما يرد في التصريحات والتسريبات، عرضًا تقنيًا يقتصر على وقف إطلاق النار أو تنظيم المرور في هرمز، بل مشروعًا أوسع لتقليص مصادر القوة الإيرانية الاستراتيجية. لذلك يصعب افتراض أن طهران ستتعامل معه بوصفه نافذة مريحة للخروج، ما لم يتضمن ضمانات معتبرة بشأن عدم العودة إلى الحرب ورفع الضغوط بصورة قابلة للتحقق. [٥][٦][٧]
تتفاقم أزمة الثقة بفعل السوابق القريبة. فالمحادثات غير المباشرة السابقة لم تمنع اندلاع الحرب، واللغة الأميركية الحالية لا تزال تمزج بين الحديث عن التفاوض والإصرار على إبقاء الحصار البحري وتشديد الرقابة على الممرات والموانئ. في مثل هذا السياق لا يصبح السؤال الإيراني: ماذا يمكن أن نكسب من الاتفاق؟ فحسب، بل: ما الذي سيُطلب التخلي عنه قبل التأكد من أن الاتفاق لن يتحول إلى محطة عابرة في مسار ضغط أطول؟
وما يعمق هذه المعضلة أن الدولة الواقعة تحت ضغط شديد تميل إلى قراءة التنازل الواسع بوصفه مخاطرة وجودية، لا بوصفه براغماتية تفاوضية. فإذا كانت القيادة الإيرانية ترى أن خصومها يريدون نزع أوراق الردع الأساسية، فلن يكفي الوعد بتحسين البيئة الأمنية لاحقًا لإقناعها. ومن هنا، فإن الموقف الإيراني لا يعبر فقط عن تشدد تفاوضي، بل عن منطق دولة تعتقد أن قبولها بشروط قصوى الآن قد يفتح الباب أمام ضغوط أكبر غدًا.
سادسًا: مضيق هرمز والحصار البحري، جوهر الأزمة لا هامشها
يُظهر استمرار الحصار البحري، رغم الحديث عن الهدنة واحتمال استئناف التفاوض، أن القضية لا تتعلق بوقف القتال المباشر وحده، بل بإعادة تنظيم المجال البحري في الخليج تحت سلطة ردعية أميركية. فحين يعلن المسؤولون الأميركيون أن المرور من هرمز أو إلى الموانئ الإيرانية يخضع لموافقة البحرية الأميركية، فإنهم لا يوجهون رسالة إلى إيران وحدها، بل يعيدون تعريف قواعد الحركة في ممر دولي بالغ الحساسية. [٤][٥]
ولهذا المعنى آثار تتجاوز الصراع الثنائي. فاقتصاد الطاقة العالمي لا يقيس المخاطر بعدد السفن المستهدفة فقط، بل بدرجة استقرار القواعد التي تحكم المرور والتأمين والتسعير. وإذا تحول الممر البحري إلى مجال يخضع لإرادة قسرية أحادية، فإن ذلك يرفع كلفة التجارة حتى في لحظات الهدوء النسبي. ومن هنا بقيت الأسواق شديدة الحساسية تجاه كل خبر يتعلق بالحصار أو المحادثات أو احتمالات فتح هرمز. [٧]
كما أن الحصار، في بعده السياسي، يقوض الفكرة القائلة إن الطرفين دخلا فعلًا في مسار تسوية. فالهدنة التي تتعايش مع خنق الموانئ وإعادة السفن وتشديد الرقابة على الشحن لا تبدو تسوية ناشئة، بل ترتيبًا مؤقتًا لإدارة الأزمة من موقع تفوق. وهذا ما يجعل هرمز قلب المسألة لا هامشها: فمن يحدد شروط الملاحة يحدد، عمليًا، جزءًا من معنى السيادة والأمن والاقتصاد في الخليج كله.
سابعًا: الوساطة الباكستانية، وظيفة الجسر وحدود التأثير
برزت باكستان في نيسان/أبريل ٢٠٢٦ وسيطًا رئيسًا بين واشنطن وطهران، لا لأنها تملك القدرة على فرض تسوية نهائية، بل لأنها توفر ما يحتاج إليه الطرفان في هذه اللحظة: قناة اتصال مقبولة نسبيًا، ومنصة سياسية لا تبدو امتدادًا مباشرًا لأي من طرفي الاستقطاب، وقدرة على تدوير الرسائل في مرحلة يتعذر فيها التفاوض المباشر الموثوق. [٥][٦]
مع ذلك، ينبغي فهم وظيفة الوساطة بدقة. فهي وظيفة جسر لا وظيفة حسم. قد تنجح في ترتيب اللقاءات، وتثبيت وقف مؤقت للتدهور، وإبقاء المجال مفتوحًا أمام اختبار النيات، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة القضايا البنيوية التي تعطل التسوية: سقف المطالب الأميركية، وشروط الضمان الإيرانية، ومصير الحصار البحري، وحدود التوافق الأميركي الإسرائيلي على إنهاء الحرب. [٦][٧]
لذلك تبدو الهدنة التي رافقت هذه الوساطة أقرب إلى «غرفة انتظار» استراتيجية منها إلى بداية سلام مستقر. فهي تمنح واشنطن فرصة لاختبار ما إذا كانت طهران مستعدة لتقديم عرض أقل تصلبًا، وتمنح إيران وقتًا لتخفيف الضغط الفوري ورصد النيات الأميركية، وتمنح الوسطاء فرصة لتأجيل الانهيار الكامل. لكنها لا تنتج، بذاتها، آلية ملزمة تمنع العودة إلى التصعيد ما لم يتغير مضمون التفاوض نفسه.
ثامنًا: التباين الأميركي ـ الإسرائيلي، اختلاف في نقطة الاكتفاء لا في أصل المقاربة
لا تشير المعطيات المتاحة إلى شرخ استراتيجي بين واشنطن وتل أبيب في أصل الحرب على إيران، لكن ثمة ما يرجح وجود تباين في ترتيب الأولويات وفي تعريف نقطة الاكتفاء. فالولايات المتحدة تبدو معنية، على نحو مباشر، بإعادة انسياب الملاحة، وضبط الكلفة الاقتصادية والسياسية، وإنتاج اتفاق يمكن تسويقه داخليًا. أما إسرائيل فيُرجح أنها ترى في اللحظة الحالية فرصة لإطالة الاستنزاف ما دام ذلك يفضي إلى إضعاف أعمق للبنية الصلبة للقدرة الإيرانية. هذا تقدير تحليلي مبني على تباين السلوك والأولويات، لا على وجود قطيعة بين الطرفين.
تكمن حساسية هذا التباين في أن واشنطن لا تستطيع تجاهله تمامًا، لكنها لا تستطيع أيضًا رهن حساباتها كلها لإيقاع الحرب الذي قد تفضله تل أبيب. ومن هنا يتولد جزء من التذبذب الأميركي: فتح باب التفاوض بما يكفي لالتقاط فرصة الخروج، والإبقاء على منسوب عال من الضغط بما يكفي لطمأنة الحلفاء المتشددين ولمنع إيران من الاعتقاد أن عامل الزمن يعمل لصالحها.
غير أن مثل هذه الموازنة نادرًا ما تنتج سياسة مستقرة. فهي، في الغالب، تفضي إلى خطاب مزدوج: تفاؤل دبلوماسي في الإعلام، وتشدد ميداني في الأدوات، وإحالة مستمرة إلى أن البديل عن الاتفاق هو تصعيد أكبر. لذلك تبقى كل جولة تفاوضية معرضة للاهتزاز بفعل حسابات ليست محصورة في قناة التفاوض نفسها، بل تمتد إلى مواقف الحلفاء ورهاناتهم على ما ينبغي أن تنتجه الحرب قبل الانتقال إلى التسوية.
تاسعًا: الانعكاسات الإقليمية والدولية
لا تنحصر آثار الحرب الجارية في العلاقة الأميركية ـ الإيرانية. فالدول الخليجية، بحكم موقعها الجغرافي واعتمادها الهيكلي على أمن المنشآت وممرات التصدير، تنظر إلى أي توسيع للهجمات على البنية التحتية الإيرانية بوصفه مخاطرة قد تستدرج ردودًا على أراضيها أو مصالحها الحيوية، حتى إن لم تكن طرفًا مباشرًا في قرار التصعيد. ومن هنا تُفهم حساسية الحلفاء الإقليميين تجاه استهداف قطاع الطاقة الإيراني على نحو قد يفتح باب الرد المتبادل على المنشآت المدنية والاستراتيجية في الإقليم. [١][٧]
وعلى المستوى الدولي، أظهرت الأزمة مرة أخرى أن الخليج ليس مسرحًا محليًا لصراع إقليمي، بل عقدة تتقاطع فيها مصالح القوى الصناعية الكبرى وسلاسل الإمداد وشبكات النقل البحري وأسعار الطاقة. لذلك لا يمكن فصل الحرب عن حسابات أوروبا وآسيا، ولا عن القلق المتزايد من عسكرة الممرات البحرية العالمية. فكل اضطراب مستمر في هرمز ينعكس على كلفة التأمين والشحن، وعلى خيارات التخزين والطاقة البديلة، وعلى مزاج الأسواق العالمية. [٧]
يفسر اتساع الأثر لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة إدارة الحرب بمنطق عسكري صرف. فهي، حتى لو امتلكت فائض القدرة الميدانية، لا تستطيع تجاهل أن استمرار الأزمة يستهلك شرعيتها لدى الحلفاء، ويرفع منسوب القلق الدولي من استخدام الممرات البحرية في صراعات القوة. ومن ثم، فإن البحث عن مخرج لا ينبع من الاعتبارات العسكرية فحسب، بل من اتساع الكلفة الجيوسياسية للأزمة على النظامين الإقليمي والدولي معًا.
مصفوفة تقدير المخاطر والفرص
تعرض المصفوفة التالية تقديرًا تحليليًا للمخاطر والفرص في الأجل القريب، مع التمييز بين الاحتمال والأثر. وهي لا تقدم تنبؤًا قطعيًا، بل إطارًا عمليًا للمراقبة والتحقق.
| البند | الاحتمال | الأثر | المؤشرات الدالة | التقدير |
| استدامة الوضع الهجين | مرتفع | مرتفع | تمديد الهدنة مع بقاء الحصار؛ محادثات متقطعة؛ حوادث بحرية محدودة | المسار الأرجح في الأجل القريب |
| تسوية جزئية قابلة للتسويق | متوسط | متوسط ـ مرتفع | خفض نسبي للسقف الأميركي؛ ضمانات أولية لإيران؛ آلية رقابة بحرية محددة | ممكن لكنه يحتاج تنازلات متبادلة |
| عودة التصعيد الواسع | متوسط | مرتفع جدًا | فشل محادثات إسلام آباد؛ حادث بحري كبير؛ توسيع الضربات على الطاقة أو الموانئ | خطر قائم بسبب هشاشة الهدنة |
| تآكل الثقة لدى الحلفاء | متوسط | متوسط | ارتفاع كلفة التأمين؛ تردد خليجي؛ قلق أوروبي وآسيوي من عسكرة الممرات | يتسع كلما طال الحصار |
| فرصة ضبط محدود للأزمة | متوسط | متوسط | قناة باكستانية نشطة؛ تخفيف جزئي للحصار؛ تعهدات متدرجة | فرصة مشروطة بتغيير مضمون الضغط |
السيناريوهات المرجحة
يمكن حصر المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسة. وتكمن أهميتها في أنها تساعد على متابعة المؤشرات العملية لا التصريحات وحدها.
| السيناريو | وصف مختصر | مؤشرات تحقق | الأثر المتوقع | الأفق الزمني |
| تسوية جزئية تحت الضغط | اتفاق محدود حول الملاحة وبعض القيود الرقابية مع تخفيف انتقائي للضغط. | رسائل أميركية أكثر مرونة؛ ترتيبات مراقبة؛ تعهدات متبادلة مكتوبة. | خفض فوري للتوتر مع بقاء هشاشة بنيوية. | أسابيع إلى شهرين |
| استدامة الوضع الهجين | هدنة قابلة للتمديد، حصار قائم، محادثات متقطعة، وحوادث محدودة. | غياب اتفاق نهائي؛ استمرار لغة الردع؛ بقاء الحصار البحري. | إدارة الأزمة بدل حلها، مع كلفة اقتصادية مستمرة. | شهر إلى ثلاثة أشهر |
| انهيار الهدنة والتصعيد | عودة الضربات أو توسع المواجهة البحرية بعد فشل التفاوض أو وقوع حادث كبير. | انسحاب من المحادثات؛ تهديدات علنية؛ زيادة الانتشار العسكري. | صدمة إقليمية وسوقية وارتفاع خطر امتداد المواجهة. | فوري إلى شهر |
عاشرًا: هل يريد ترمب السلام أم مخرجًا من داخل منطق الحرب؟
لا يبدو السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كان ترمب يريد الحرب أو يريد التفاوض؛ لأن سلوكه يوحي بأنه يريد الاثنين في آن واحد ولكن بوظيفتين مختلفتين. فهو يحتاج إلى الحرب كي ينتج ضغطًا يبرر مطالبه، ويحتاج إلى التفاوض كي يوقف الكلفة قبل أن تتحول إلى عبء داخلي واستراتيجي أكبر. ومن ثم، فإن التفاوض في المقاربة الترمبية لا يمثل نقيض الحرب، بل صيغتها السياسية حين يصبح استمرارها المفتوح أقل قابلية للتحمل.
هذا يعني أن ما تبحث عنه الإدارة الأميركية ليس سلامًا بالمعنى الصلب، بل «خروجًا بالقوة»؛ أي مخرجًا يتيح إعلان أن الحرب أنجزت ما يكفي، من غير الاضطرار إلى استكمالها حتى النهاية التي وُعد بها أولًا. لذلك يظل الاتفاق المقبول أميركيًا هو ذاك الذي يسمح بإعادة سرد الحرب بوصفها نجاحًا: تُفتح الممرات، وتُنتزع التزامات جوهرية، ويقال إن الخصم جاء إلى الطاولة لأنه عجز عن احتمال الضغط.
لكن هذا التعريف نفسه يجعل الاتفاق أصعب؛ لأنه يرفع كلفته السياسية على الطرف الإيراني. فكل بند يُقدَّم في واشنطن بوصفه دليلًا على انتصار الضغط، قد يُقرأ في طهران بوصفه تنازلًا يمس بقاء الدولة أو مكانتها أو قدرتها على الردع. وما لم يتغير هذا المنطق، سيظل كل تقدم تفاوضي محدودًا؛ لأن أحد طرفي الأزمة على الأقل سيبقى مقتنعًا بأن الطاولة ليست سوى امتداد مقلق لساحة القتال.
استنتاجات رئيسة
الاستنتاج الأول: الانعطاف الأميركي نحو التفاوض لا يمثل قطيعة مع الحرب، بل طورًا آخر من أطوارها. فالانتقال من الإكراه الصاخب إلى الإكراه المركب لا يلغي الضغط؛ بل يعيد تنظيمه عبر الحصار والوساطة والتهديد المؤجل وضبط الكلفة السياسية والاقتصادية.
الاستنتاج الثاني: العقدة المركزية ليست غياب القنوات، بل تناقض وظيفة التفاوض لدى الطرفين. تريده واشنطن آلية لترجمة فائض القوة إلى تنازلات، فيما تريده طهران ضمانة لوقف الضغط ورفع الكلفة الوجودية عن الدولة.
الاستنتاج الثالث: مضيق هرمز ليس تفصيلًا ميدانيًا، بل مركز الثقل السياسي والاقتصادي للأزمة. فمن يحدد قواعد المرور يحدد جزءًا من معنى السيادة والأمن والتجارة في الخليج.
الاستنتاج الرابع: الوساطة الباكستانية مهمة في منع الانهيار، لكنها ليست كافية لإنتاج تسوية ما لم يتغير مضمون المطالب وآليات الضمان. قدرتها الحقيقية تكمن في إبقاء الجسر مفتوحًا، لا في فرض نتيجة نهائية.
الاستنتاج الخامس: المسار الأرجح في الأجل القريب هو استمرار الوضع الهجين، لا الحرب الشاملة ولا التسوية المكتملة. هذا المسار قابل للاستدامة مؤقتًا، لكنه شديد الهشاشة، لأن أي حادث بحري كبير أو خطاب تصعيدي محسوب على أنه اختبار قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهة.
خاتمة
تفضي القراءة المتأنية للمشهد إلى نتيجة أساسية مفادها أن الانعطاف الأميركي نحو التفاوض لا يمثل خروجًا كاملًا من الحرب، بل محاولة لإدارتها بوسائل أقل كلفة وأكثر قابلية للتسويق. فالإدارة الأميركية لم تنتقل من منطق القوة إلى منطق التسوية، وإنما انتقلت من الإكراه الصاخب إلى الإكراه المركب؛ أي إلى إدارة الضغط عبر مزيج من الحصار والوساطة والتهديد المؤجل وضبط الكلفة السياسية والاقتصادية.
وتبين الورقة كذلك أن التناقض البنيوي بين عرض أميركي مرتفع السقف وقراءة إيرانية مشبعة بانعدام الثقة هو ما يفسر هشاشة الهدنة وحدود الوساطة واستمرار الحصار والتفاوت بين التفاؤل الخطابي والجمود الفعلي. لذلك ينبغي مراقبة ما يتغير في بنية الضغط لا في نبرة التصريحات فقط: هل سيُخفف الحصار البحري فعلًا؟ هل ستنخفض المطالب الأميركية إلى سقف قابل للتفاوض؟ وهل ستنتج الوساطة آلية موثوقة تمنع الانهيار السريع للهدنة؟
إذا بقي الجواب سلبيًا، فسيظل المسار الأرجح هو استمرار الوضع الهجين: تفاوض يدير الحرب بدل أن ينهيها، وهدنة تؤجل الانفجار بدل أن تؤسس للسلام، وحصار يحافظ على الضغط لكنه يعمق، في الوقت نفسه، أسباب انعدام الثقة. بهذا المعنى، ليست المفاوضات الراهنة نهاية الحرب، بل اختبارًا لقدرة الأطراف على مغادرة منطقها. وحتى الآن، لا تزال المؤشرات ترجح إدارة الحرب لا تجاوزها.
المراجع المختارة
١. رويترز، «إيران تهدد بإغلاق هرمز كليًا إذا نفذ ترمب تهديداته المتعلقة بمنشآت الطاقة»، ٢٢ آذار/مارس ٢٠٢٦.
٢. رويترز، «ترمب يقول إن هناك نقاط اتفاق رئيسة في المحادثات مع إيران»، ٢٣ آذار/مارس ٢٠٢٦.
٣. رويترز، «ترمب يعلّق الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية ويقول إن المحادثات تسير على نحو جيد»، ٢٦ آذار/مارس ٢٠٢٦.
٤. رويترز، «ترمب يكرر تحذير إيران بفتح مضيق هرمز»، ٣٠ آذار/مارس ٢٠٢٦.
٥. رويترز، «إيران ستقدم عرضًا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية، بحسب ترمب»، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
٦. رويترز، «ويتكوف وكوشنر يتوجهان إلى باكستان لإجراء محادثات بشأن إيران»، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
٧. مكتبة مجلس العموم البريطاني، «الهدنة والمحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في عام ٢٠٢٦»، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
٨. مكتبة مجلس العموم البريطاني، «الصراع الإسرائيلي ـ الأميركي مع إيران في عام ٢٠٢٦: إعادة فتح مضيق هرمز»، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
٩. أسوشيتد برس، «ترمب يرسل ويتكوف وكوشنر إلى باكستان لإجراء محادثات مع وزير الخارجية الإيراني»، ٢٥ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.




