مضيق هرمز ومعركة تعريف العبور
قراءة في الرسوم، والمرور العابر، ومأزق الحصار الأمريكي ـ الإيراني
| إقفال البيانات: ٢ أيار/مايو ٢٠٢٦
|
الحجة المركزية
تقدّر هذه الورقة أن أزمة هرمز لم تعد نزاعًا على ممر بحري فحسب، بل صارت معركة على تعريف العبور نفسه: هل يبقى حقًا دوليًا مفتوحًا لا يُعلّق ولا يُباع، أم يتحول في زمن الحرب إلى خدمة مشروطة تُدار عبر التصاريح والرسوم والضغط البحري؟ لا تملك إيران، وفق المعايير القانونية الراجحة، سندًا كافيًا لتحويل المضيق إلى بوابة جباية أو نظام عبور انتقائي. ولا تملك الولايات المتحدة، في المقابل، موقعًا قانونيًا وسياسيًا خاليًا من الالتباس وهي تدافع عن حرية الملاحة بالتوازي مع حصار وعقوبات وضغط بحري. لذلك تبدو النتيجة الأكثر ترجيحًا تسوية رمادية: رفض رسمي للرسوم، فتح تدريجي للممر، وترتيبات أمنية غير معلنة تتيح خفض الكلفة من دون استعادة الثقة كاملةً في النظام البحري الدولي.
مدخل: من الممر البحري إلى سلطة التفاوض
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر ضيق بين إيران وسلطنة عُمان. في الأزمة الراهنة، صار اختبارًا لقدرة النظام البحري الدولي على حماية قاعدة تبدو بسيطة في النص، لكنها شديدة التعقيد عند التطبيق: المضائق الدولية ليست ممتلكات داخلية للدول المشاطئة، وحرية العبور فيها لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز مدفوع كلما اشتد الصراع. لذلك لا يكفي سؤال: هل أُغلق المضيق أم بقي مفتوحًا؟ السؤال الأدق هو: هل تنجح طهران في نقل العبور من خانة الحق إلى خانة الخدمة المشروطة، وهل تستطيع واشنطن منع ذلك من دون أن تصبح هي نفسها طرفًا في إضعاف القاعدة التي تدافع عنها؟
توضح بيانات الطاقة حجم الرهان. أفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية بأن تدفقات النفط ومشتقاته عبر مضيق هرمز في عام ٢٠٢٤ بلغت نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا، أي قرابة خُمس استهلاك سوائل البترول عالميًا، وأن المضيق استوعب أيضًا نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العام نفسه. وتفيد البيانات ذاتها بأن البدائل العملية محدودة، وأن أي تعطل واسع يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويضغط على الأسعار العالمية (١). هذه المعطيات تجعل هرمز ملفًا دوليًا لا ثنائيًا: آسيا أكثر تعرضًا، أوروبا أكثر حساسية لسلاسل الإمداد، والخليج أكثر التصاقًا بالكلفة الأمنية المباشرة.
لهذا تقتضي القراءة المؤسسية خفض البلاغة ورفع الدقة. المجاز الذي يقارن بين صبر إيران التراكمي وإيقاع القوة الأمريكية قد يضيء اختلاف الأسلوبين، لكنه لا يبني حكمًا كافيًا.
إيران تتحرك عبر مفردات السيادة والرسوم والتصاريح والتمييز بين الصديق والخصم. والولايات المتحدة تتحرك عبر الحصار والعقوبات والتحذيرات والانتشار البحري. لكن المضيق لا يخضع لأي من الإيقاعين بالكامل؛ لأنه مساحة تختلط فيها السيادة بالقانون، والطاقة بالأمن، والتفاوض بالحرب.
أولًا: الاختناق أخطر من إعلان الإغلاق
التمييز بين «الإغلاق» و«الاختناق» ليس تفصيلًا لغويًا. الإغلاق قرار رسمي واضح يسهل تحميل المسؤولية عنه. أما الاختناق فهو حالة رمادية: سفن قليلة تعبر، وشركات تمتنع، ومخاطر تأمين ترتفع، وموانئ تنتظر، بينما يستطيع كل طرف أن يقول إن الممر لم يُغلق قانونيًا. في هذه المنطقة الرمادية تتآكل القاعدة الدولية من دون إعلان إسقاطها.
نقلت رويترز في ٢٩ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ أن ست سفن تقريبًا عبرت المضيق خلال أربع وعشرين ساعة، مقارنةً بمعدلات يومية سابقة تراوحت بين ١٢٥ و١٤٠ عبورًا قبل اندلاع الحرب في ٢٨ شباط/فبراير ٢٠٢٦. وذكرت أن الحركة ظلت في الأيام الأخيرة عند مستوى يقارب سبع سفن يوميًا، مع استمرار القيود والارتباك في قرارات الشحن (٢). هذه ليست واقعة تقنية هامشية، بل مؤشر على أن المضيق قد يبقى مفتوحًا في الخطاب ومختنقًا في الواقع.
في هذا الموضع تظهر قوة السردية الإيرانية وضعفها معًا.
فهي تتجنب كلفة إعلان إغلاق شامل، لكنها تسعى إلى تثبيت حق انتقائي في السماح والمنع والجباية. وهذا الحق الانتقائي هو موضع الاعتراض القانوني الأشد؛ لأن المضيق الدولي لا يحتمل قاعدة تُجزّئ العبور بحسب جنسية السفينة، أو مالكها، أو موقف حكومتها من العقوبات، إلا ضمن حالات ضيقة تتصل بالنزاع المسلح وبضوابط صارمة لا تسمح بتحويل السفن المدنية المحايدة إلى أدوات ضغط.
ثانيًا: الرسوم ليست بندًا ماليًا، بل سابقة نظامية
لا تكمن خطورة رسوم العبور في قيمتها المالية وحدها، بل في التعريف السياسي والقانوني الذي تقترحه للمضيق. فإذا أصبح المرور خدمة تُشترى، لا حقًا يمارس، فلن يبقى الأثر محصورًا في الخليج. ستتحول السابقة إلى مادة قابلة للاستدعاء في باب المندب وملقا وجبل طارق وسائر نقاط الاختناق. عندئذ لا تعود التجارة البحرية قائمة على ممرات مفتوحة، بل على شبكة من البوابات القابلة للتسعير السياسي كلما تبدلت موازين القوة.
جاء موقف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية حادًا في هذا السياق. فالسؤال الشائع رقم ١٢٤٩ يقرر أن دفع أي مبالغ للحكومة الإيرانية أو للحرس الثوري، مباشرةً أو بصورة غير مباشرة، مقابل المرور الآمن عبر مضيق هرمز غير مصرح به للأشخاص الأمريكيين والمؤسسات المالية الأمريكية والكيانات الأجنبية المملوكة أو الخاضعة للسيطرة الأمريكية (٣). كما نقلت رويترز أن التحذير لا يقتصر على رسوم مباشرة، بل يشمل صيغًا ملتوية مثل التبرعات، والمقايضات، والأصول الرقمية، والمدفوعات غير النقدية (٤).
غير أن التحذير الأمريكي لا يحسم المشكلة وحده. فالسؤال العملي ليس هل تُسمّى المدفوعات «رسومًا»، بل هل يمكن أن تنشأ سوق عبور رمادية تحت مسميات أمنية أو تأمينية أو خدمية أو إنسانية. هنا تظهر حدود العقوبات: يمكنها منع الاعتراف العلني بالرسوم، لكنها لا تكفي وحدها لمنع التحايل إذا كانت حاجة الشحن والطاقة أقوى من قدرة الرقابة المالية.
ثالثًا: القانون لا يمنح إيران حقًا عامًا، ولا يمنح واشنطن براءة كاملة
ينبغي ضبط الحكم القانوني من دون إفراط. إيران، بوصفها دولة مشاطئة ومهددة أمنيًا، تملك مصالح أمنية مشروعة في مياهها القريبة. لكن هذه المصالح لا تمنحها حقًا عامًا في تعليق المرور العابر، أو فرض رسوم انتقائية، أو التعامل مع السفن المدنية المحايدة كأنها امتداد للخصم. وفي المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحتكر خطاب حرية الملاحة وهي تستخدم الحصار البحري والعقوبات المالية لإضعاف قدرة إيران على تحويل النفط إلى مورد سياسي.
تدور المعركة القانونية حول الفرق بين «المرور العابر» و«المرور البريء». الأول يخص المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ويمنح السفن والطائرات حق عبور متواصل وسريع لا يجوز إعاقته. والثاني يمنح الدولة الساحلية مساحة أوسع للتنظيم في البحر الإقليمي. صحيح أن إيران والولايات المتحدة ليستا طرفين مصادقين على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، غير أن تحليل تشاتام هاوس يوضح أن حق المرور العابر في المضائق الدولية يعامل على نطاق واسع كقاعدة عرفية ملزمة حتى لغير الأطراف في الاتفاقية (٥).
وعليه، فالقاعدة المحكمة هي الآتية: لإيران حق أمني محدود، لا حق سيادي مطلق في إعادة تسعير العبور. ولواشنطن مصلحة مشروعة في منع تحويل المضيق إلى نظام جباية، لا تفويض مفتوح في حصار طويل يُعرض قانونيًا كما لو كان خارج نطاق الأعمال العدائية. هذه الثنائية هي مفتاح القراءة: كلا الطرفين يستدعي القانون حين يخدم موقفه، ويضعف التزامه به حين يصبح عائقًا أمام أدوات القوة.
رابعًا: المدنيون والبحارة ليسوا هامشًا إنسانيًا
تخفي اللغة الاستراتيجية البشر خلف كلمات كبيرة: المضيق، الردع، الحصار، الرسوم، حرية الملاحة. لكن السفن ليست خرائط عائمة؛ هي طواقم مدنية، وشركات شحن، وعائلات بحارة، وسلاسل غذاء ودواء وطاقة. لذلك فإن أي نظام تصاريح أو تهديد أو احتجاز أو تعطيل طويل لا يضغط على الحكومات وحدها، بل ينقل عبء الصراع إلى مدنيين لا يملكون قرار الحرب ولا قرار التسوية.
أدان مجلس المنظمة البحرية الدولية في آذار/مارس ٢٠٢٦ الهجمات والتهديدات التي طالت السفن التجارية، ودعا إلى تنسيق دولي يحمي الشحن المدني في مضيق هرمز (٦). وفي ٢٧ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، شدد الأمين العام للمنظمة أمام مجلس الأمن على أن حرية الملاحة ليست قابلة للمساومة، وأنه لا يوجد أساس قانوني لفرض مدفوعات أو رسوم أو شروط تمييزية على المضائق الدولية. وأشار كذلك إلى بقاء نحو ٢٠ ألف بحار عالقين في الخليج، وإلى أن أي انحراف عن المبادئ المستقرة سيُنشئ سابقة سلبية تُقوض استقرار الشحن العالمي (٧).
يترتب على ذلك حكم واضح: لا يجوز تحويل السفن المدنية إلى رهائن تفاوضية. ولا يكفي أن يقول أي طرف إنه لا يستهدف المدنيين إذا كانت سياساته تجعل المرور مشروطًا أو محفوفًا بخطر يتعذر التأمين عليه. سلامة البحارة ليست تفصيلًا أخلاقيًا يضاف إلى التحليل في آخره؛ إنها اختبار مركزي لشرعية أي إجراء بحري في مضيق دولي.
خامسًا: آسيا مركز الكلفة وإن بقي الغرب مركز الخطاب
تتحدث العواصم الغربية كثيرًا عن حرية الملاحة، لكن الكلفة الطاقوية الأسرع تقع على آسيا. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية أكثر تعرضًا لاختناق تدفقات النفط والغاز عبر هرمز. ولهذا تبدو العواصم الآسيوية أقل ميلًا إلى الخطاب العالي وأكثر انشغالًا بضمان التدفق. لا يعني ذلك قبولًا بالشروط الإيرانية، بل يعني أن كلفة التعطيل لديها تظهر أسرع وبأثر أعمق.
يعطي الاعتماد الآسيوي طهران هامش مناورة، لكنه يضع عليها حدًا في الوقت نفسه. فإذا بالغت إيران في تحويل المضيق إلى بوابة جباية، فإن أول المتضررين سيكونون من المشترين الذين تحتاجهم اقتصاديًا وسياسيًا. وإذا اختارت العواصم الآسيوية ترتيبات ثنائية صامتة بدل موقف جماعي واضح، فقد تنشأ قاعدة عملية أخطر من الإعلان الرسمي: عبور انتقائي بلا اعتراف قانوني، لكنه كافٍ لتآكل المبدأ.
من هنا، لا يكفي النظر إلى الأزمة من زاوية واشنطن وطهران وحدهما. أمن هرمز سيُحسم أيضًا في قرارات شركات التأمين، ومصارف التمويل، ومشتري الطاقة الآسيويين، وقدرة دول الخليج على منع انتقال الأزمة من الممر إلى الموانئ والمنشآت وسلاسل الإمداد.
سادسًا: واشنطن بين حرية الملاحة وكلفة الحصار
يظهر التناقض الأمريكي في نقطة محددة: واشنطن ترفض الرسوم وتدافع عن حرية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تستخدم الحصار والعقوبات لحرمان إيران من تحويل النفط إلى سيولة سياسية. هذا التناقض لا يبرر إجراء إيران، لكنه يمنع الولايات المتحدة من احتكار لغة القانون بلا مساءلة. فحين ترافق حرية الملاحة حصارًا طويلًا، يصبح القانون جزءًا من الصراع لا مرجعًا محايدًا فوقه.
تعزز تصريحات بريطانيا في مجلس الأمن هذا المعنى من زاوية أخرى. فقد شددت لندن على ضرورة حماية البحارة والممرات الدولية من التعطيل، وعلى خطورة حرمان السفن من المرور أو تعريضها للخطر، خصوصًا حين يطال الأثر الغذاء والدواء والسلع الحيوية (٨). هذا موقف قانوني متماسك في ذاته، لكنه لا يعفي المعسكر الغربي من سؤال مواز: كيف يمكن الدفاع عن ممر مفتوح بالتوازي مع إجراءات بحرية ومالية تخنق طرفًا بعينه؟
ازدادت العقدة مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ١ أيار/مايو ٢٠٢٦. فقد نقلت رويترز أنه غير راضٍ عن المقترح الإيراني، وأن طهران تطلب أمورًا لا يستطيع الموافقة عليها، مع استمرار الاتصالات وتفضيله المعلن للصفقة على المسار العسكري. هذه الصياغة لا تعلن حربًا، لكنها تبقي هرمز داخل منطق التفاوض القسري: لا تسوية بلا ضغط، ولا ضغط بلا خطر انفلات، ولا قانون واضح حين تتحرك الأطراف بين الهدنة والحصار والتلويح العسكري (٩).
سابعًا: العدوى الجيوسياسية هي الخطر الأبعد
لو بقيت أزمة هرمز محصورة في مواجهة أمريكية إيرانية، لكان احتواؤها أيسر. الخطر الحقيقي هو العدوى الجيوسياسية. كل دولة تملك ممرًا حساسًا يمكن أن تستنتج من سابقة هرمز أن الجغرافيا مورد مالي وسياسي، لا مسؤولية دولية. بهذا المعنى، قد يكون تثبيت رسوم أو تصاريح انتقائية أخطر من إغلاق عابر؛ لأنه يرسخ نموذجًا لا مجرد واقعة.
باب المندب هو الساحة الأقرب من حيث القابلية الأمنية والسياسية، وملقا هو الأكثر كلفة بسبب ارتباطه المباشر بالصين وشرق آسيا، وجبل طارق يظل مثالًا على أن المضائق الدولية ليست ملفًا محليًا للدول المشاطئة وحدها. كل سابقة في هرمز ستنتقل، ولو بعد حين، إلى ممر آخر. ولذلك يتعامل المجتمع الدولي مع رسوم هرمز كمسألة نظامية لا كخلاف إجرائي مع إيران.
المشكلة أن القانون أوضح من أدوات إنفاذه. فالقاعدة تقول إن المضائق الدولية ليست بوابات جباية، لكن منع تحولها إلى ذلك يحتاج إلى توافق سياسي وتكاليف مقبولة. إذا تعذر التوافق، تنشأ ترتيبات هجينة: لا اعتراف بالرسوم، لكن قبول بأشكال تنسيق؛ لا إغلاق رسمي، لكن حركة منخفضة؛ لا حرب شاملة، لكن حصار وتهديد. وهذه الترتيبات هي البيئة المثالية لتآكل القواعد.
لا انتصار كاملًا لأي طرف
النتيجة الأكثر ترجيحًا ليست انتصارًا إيرانيًا كاملًا ولا حسمًا أمريكيًا صافيًا. تستطيع إيران تعطيل التدفق وإجبار الآخرين على التعامل معها كطرف لا يمكن تجاوزه، لكنها لا تستطيع بسهولة شرعنة نظام رسوم وتمييز في مضيق دولي من دون الاصطدام بمصالح شركائها قبل خصومها. وتستطيع الولايات المتحدة منع تثبيت الرسوم عبر العقوبات والضغط البحري، لكنها لا تستطيع استعادة النظام القديم بالقوة وحدها من دون كلفة قانونية وسياسية واقتصادية.
لذلك تميل الأزمة إلى تسوية خشنة أكثر من ميلها إلى حل نظيف: فتح تدريجي، ترتيبات عبور، ضمانات أمنية، تخفيف محدود لبعض القيود، وربما قنوات تنسيق لا تُسمى رسومًا ولا تمنح إيران اعترافًا رسميًا بما تطلبه. هذه الصيغة لن ترضي القانونيين تمامًا، لكنها قد تكون الحد الأقصى الذي تسمح به موازين القوة حين يخشى الجميع كلفة الانهيار الكامل.
الحكم المؤسسي الأهم أن هرمز لم يعد مجرد مضيق. لقد صار نموذجًا مبكرًا لعالم تتحول فيه الجغرافيا إلى سلطة تفاوض، وتتحول القواعد القانونية إلى ميدان اختبار يومي بين من يملك حق العبور ومن يملك القدرة على تعطيله. وكل أزمة مقبلة في الممرات البحرية ستبدأ من هذه النقطة: كيف نحمي حرية الملاحة من أن تصبح امتيازًا مدفوعًا، وكيف نمنع القوة من أن ترتدي ثوب القانون كلما احتاجت إليه؟
خلاصة
تكشف أزمة مضيق هرمز أن النظام البحري الدولي لم يعد محصنًا بقوة النصوص وحدها. النص يقول إن المرور في المضائق الدولية يجب أن يبقى حرًا ومستمرًا، لكن الواقع يقول إن الدولة المشاطئة التي تملك قدرة التعطيل تستطيع فرض تفاوض على معنى هذا النص. لا تسقط القاعدة دفعة واحدة؛ بل تتآكل عبر الاستثناءات، والتسميات، والاختناق العملي.
لا تملك إيران شرعية عامة لفرض رسوم أو تصاريح انتقائية، لكنها تملك قدرة كافية لجعل الآخرين يتفاوضون معها. ولا تملك الولايات المتحدة براءة قانونية كاملة وهي تمارس الحصار، لكنها تملك قدرة كافية لمنع تحويل الرسوم إلى قاعدة معلنة. بين هذين الحدين سيتحرك الحل: لا سيادة إيرانية كاملة على العبور، ولا عودة أمريكية كاملة إلى نظام مفتوح بلا كلفة.
الدرس الأوسع أن أمن المضائق لم يعد قضية بحرية فقط. إنه قضية طاقة وغذاء وتأمين وشركات وبحارة ونظام دولي. وإذا لم تُحسم أزمة هرمز بقاعدة واضحة تمنع تحويل الممرات إلى أدوات جباية، فسيبقى العالم أمام سؤال يتكرر في كل نقطة اختناق: من يملك الجغرافيا، ومن يدفع ثمن عبورها؟

















