- إسرائيل والغرب: حين يتآكل الفصل بين الشراكة والاحتلال
- كيف تنقل سياسات الاستيطان الضغط من هامش العلاقة إلى شروطها السياسية والقانونية
الملخص التنفيذي
المسألة ليست ما إذا كانت إسرائيل قد أصبحت معزولة دوليًا؛ فهذا الوصف يجمع في عبارة واحدة مستويات مختلفة من القوة والعلاقة. السؤال الأدق: هل ما تزال الصيغة التي أتاحت للغرب، وخصوصًا أوروبا، الجمع بين شراكة واسعة مع إسرائيل ورفض قانوني للاحتلال قابلة للاستمرار بالشروط نفسها؟
طوال سنوات أدت سياسة التمييز وظيفة مزدوجة: أبقت المستوطنات خارج الامتيازات الممنوحة لإسرائيل، وأبقت الخلاف نفسه خارج قلب الشراكة. تتعرض هذه الصيغة لضغط متزايد: وقائع استيطانية تتعاظم كلفة الرجوع عنها، وتشابك أوسع بين النشاط الاستيطاني وأدوات الدولة، وردود إسرائيلية تجعل القيود على المستوطنات مكلفة في العلاقة الثنائية. وأظهرت تسوية الخلاف البريطاني الإسرائيلي في ٨ تشرين الأول/أكتوبر أن الرد قد يغيّر شروط الحضور الدبلوماسي من دون أن يلغي الإجراء الذي أثار النزاع. [١][٣][٤][٩][١٠][١١][٢٨][٢٩]
مشروع إي١ (E1) هو التعبير الأوضح عن المشكلة، لا لأن عدد وحداته كبير فحسب، بل لأنه يختبر فرضية أوروبية أقدم: أن ما يحدث اليوم يمكن إصلاحه غدًا في تسوية سياسية. عندما ترتفع كلفة الرجوع عن الوقائع، يفقد الانتظار صفته المحايدة ويصبح في ذاته قرارًا يسمح للواقع بأن يسبق الدبلوماسية. [٣][١٢][١٧]
الانقسام الأوروبي لا يعني توقف الحركة. فالقيود الوطنية، وقواعد المنشأ، والعقوبات على أشخاص وكيانات، ومتطلبات الامتثال لدى الشركات، تهيئ لما يمكن تسميته «تقاربًا مجزأ»: قواعد وطنية مختلفة قد تدفع بعض الفاعلين إلى تبني احتياطات متشابهة. وقوع هذا التقارب في سلوك السوق على نطاق واسع يظل فرضية تحتاج إلى تتبع مستقل، لا نتيجة تثبتها النصوص القانونية وحدها. [١][٦][٧][٩]
حاولت إسرائيل رفع ثمن التمييز بين إسرائيل والمستوطنات عبر استهداف التمثيل السياسي للدول التي اتخذت إجراءات مقيدة. أمرت بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وسحبت الصفة الدبلوماسية عن ممثلي هولندا في رام الله. لكن أزمة القنصلية انتهت، في ٨ تشرين الأول/أكتوبر، إلى ترتيب أضيق: احتفظت بريطانيا بمبنى بعثتها وبوجود دبلوماسي محدود، مع تمسكها بالقيود المعلنة. الرد الإسرائيلي قلّص مجال الحركة الدبلوماسية، ولم يمحُ الخلاف الذي سببه. [١٠][١١][٢٨][٢٩]
الولايات المتحدة تضع حتى الآن سقفًا واضحًا لأي حديث عن عزلة غربية شاملة. الخلاف مع حكومة بعينها، أو مع رئيس وزراء بعينه، لا يساوي تراجعًا بنيويًا عن الشراكة الأميركية الإسرائيلية. في أفق التقدير، يبدو اتساع الكلفة الانتقائية على الاحتلال والاستيطان أرجح من فك ارتباط استراتيجي مع إسرائيل.
العتبة الفاصلة ليست بيانًا جديدًا ولا انضمام دولة أخرى إلى إعلان سياسي. قدمت المفوضية بالفعل مقترحًا يمس امتيازات الشراكة في ٢٠٢٥، لكن المقترح ليس قرارًا نافذًا. التغير النوعي الذي تُراقبه الورقة يقع حين تُعتمد وتُنفّذ أداة تمس امتيازًا أو مؤسسة تمثل العلاقة مع الدولة الإسرائيلية نفسها، لا نشاطًا محددًا في الأراضي المحتلة. عندها تبدأ كلفة الخلاف في إعادة تعريف شروط الشراكة. [١٦]
الإشكالية: لماذا تقود كلمة «العزلة» إلى السؤال الخطأ؟
قد تخسر دولة تصويتًا في الأمم المتحدة ولا تخسر سوقًا، وقد تتعرض حكومتها لإدانة واسعة بينما تبقى ترتيبات الأمن والتجارة والتكنولوجيا كما هي. والعكس ممكن أيضًا: تستمر السفارات والزيارات الرسمية فيما تعيد المصارف وشركات التأمين والجمارك تصنيف المخاطر، فتضيق الحركة الاقتصادية فعليًا. عدد المؤيدين والمعارضين، أو حدة اللغة المستخدمة، لا يكشف وحده أين يقع التغير الحقيقي.
التغير الذي يستحق القياس هو انتقال الكلفة من الخطاب إلى المؤسسة: رأي قانوني يتحول إلى قاعدة منشأ؛ القاعدة إلى حظر؛ الحظر إلى مساءلة شركة؛ ثم يقترب السؤال من الامتيازات التي تحصل عليها الدولة نفسها. هذا المسار ليس حتميًا، لكنه أدق من وضع كل هذه المستويات تحت عنوان واحد هو «العزلة الدولية».
طويلًا، قامت العلاقة الغربية الإسرائيلية على «معادلة فصل»: إسرائيل شريك، والاحتلال استثناء تضبطه حدود قانونية وجغرافية. هذه المعادلة أبقت الشراكة ممكنة من دون أن تضطر الحكومات الغربية إلى التصالح سياسيًا مع الاستيطان. موضع التآكل اليوم ليس الشراكة نفسها، بل القدرة على إبقاء ذلك الاستثناء بعيدًا عن مركزها.
المبالغة في «العزلة» تفترض قطيعة لا تسندها موازين القوة. وفي الطرف الآخر، فإن اختزال ما يجري في ضآلة تجارة المستوطنات أو الانقسام الأوروبي يتجاهل تغيرًا مؤسسيًا يمكن تراكمه. بين القراءتين تتضح الصورة أكثر: الشراكة باقية، لكن الكلفة التي تعمل داخلها لم تعد من النوع نفسه.
معادلة الفصل: الصيغة التي حمت الشراكة من الخلاف
لم يكن استبعاد منتجات المستوطنات من المعاملة التفضيلية مجرد تفصيل جمركي. فقد سمح لأوروبا بأن ترسم حدًا بين نطاقين من المسؤولية: ما يقع داخل إسرائيل يُعامل وفق قواعد الشراكة، وما يقع في الأراضي المحتلة لا يستفيد تلقائيًا من مزاياها. [٥][٨] بهذه الصيغة أمكن إبقاء النزاع على الاحتلال داخل إطار قانوني خاص، من دون أن يتحول كل خلاف إلى مراجعة للعلاقة الثنائية بكاملها.
قيمة هذا الترتيب سياسيًا كانت في قدرته على استيعاب تناقض مكلف: أوروبا تصف المستوطنات بأنها غير قانونية، وتعاقب مستوطنًا متورطًا في العنف، ثم تواصل التعاون العلمي والأمني والتجاري مع إسرائيل. وإسرائيل، من جهتها، ترفض الموقف الأوروبي من الأراضي المحتلة من دون أن تُجبر على الاختيار بين قبوله وخسارة الشراكة.
بقاء «معادلة الفصل» يتوقف على قابليتها للعمل، لا على اتساقها النظري فقط. فهي تحتاج إلى حد يمكن للإدارة والمحكمة والشركة التعرف إليه. ومع تشابك المستوطنات أكثر بالمناقصات الرسمية والتمويل والطرق والحماية والخدمات، يفقد السؤال بساطته: أين ينتهي «النشاط الاستيطاني» وأين تبدأ «سياسة الدولة»؟
لهذا يكتسب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام ٢٠٢٤ وزنًا يتجاوز أثره القضائي المباشر. هو لا يصنع سياسة أوروبية بمفرده، لكنه يجعل الاكتفاء بعبارة «نحن لا نعترف» أكثر كلفة. فالمعضلة العملية هي ما إذا كان يمكن لدولة أن تنكر قانونية وضع ما، ثم تسمح لشركاتها وتمويلها وخدماتها بالإسهام في استمراره من دون أن تواجه سؤال الاتساق القانوني. [٤]
الانتقال من «عدم الاعتراف» إلى «عدم الإسهام» يبدل مركز الثقل. الأول يرسم موقفًا من الخريطة؛ والثاني يفرض سؤالًا على السلوك. وبمجرد أن يصبح السلوك قابلًا للتتبع في عقد أو تمويل أو خدمة أو تأمين، يكتسب الامتثال قدرة تراكمية لا يوفرها الضغط الدبلوماسي وحده.
ما يتآكل ليس الشراكة الغربية مع إسرائيل، بل الصيغة التي أبقت رفض الاحتلال خارج قلب تلك الشراكة.
الزمن كعامل استراتيجي: حين تسبق الوقائع قدرة السياسة على الرد
مشروع إي١ يختبر هذه المعادلة من زاوية لا تظهر في الأرقام وحدها. في أيلول/سبتمبر اكتمل طرح مناقصات تغطي ٣٤٠١ وحدة، وترافقت الخطوات مع جدل إسرائيلي حول توقيت العطاءات قبل انتخابات ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر. [٣] وفي ٤ تشرين الأول/أكتوبر أظهرت متابعة «فايننشال تايمز» أن وتيرة دفع مشروعات استيطانية وتسويات إدارية تتسارع قبل الاقتراع، في محاولة لجعل بعض القرارات تتجاوز «نقطة البداية» قبل احتمال تغير الحكومة. [١٢]
الدافع الانتخابي وحده لا يفسر كل قرار. الأهم هو عدم تماثل الزمن بين طرفين: سلطة تخطيط تستطيع إنشاء التزام إداري ومالي خلال أسابيع، بينما يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى دورات أطول لصياغة خيار قانوني، وبناء ائتلاف سياسي، ثم تحويله إلى قاعدة قابلة للتنفيذ. وحين تسبق الوقائع الاستجابة، يتحول البطء المؤسسي نفسه إلى أفضلية للطرف الذي يغير الأرض.
من هنا تأتي أهمية «القابلية للعكس» في حالة إي١. فقد افترضت السياسة الغربية طويلًا أن التسوية النهائية ستعيد التفاوض على كثير من وقائع المرحلة الانتقالية. وكلما ارتفعت الكلفة القانونية والمالية والسياسية للتراجع عن قرار ما، ضاق مجال هذا الافتراض. يصبح السؤال عندئذ أقل تعلقًا بإعلان المعارضة، وأكثر تعلقًا بما إذا كان مرور الوقت سيحوّل المشروع إلى واقع أعلى كلفة عند محاولة إزالته.
- حظر تجارة المستوطنات، بهذه القراءة، لا تُقاس قيمته بحجم التجارة وحده. وظيفته أن تظهر الكلفة أثناء صنع الواقع، لا بعد اكتماله؛ ولهذا قد يكون أثره السياسي والتنظيمي أهم من أثره المالي المباشر.
- اختلاف «القابلية للعكس» يفسر تفاوت ردود الفعل بين مشروع وآخر. فالبناء الجديد لا يحمل الوزن الاستراتيجي نفسه في كل موقع؛ الأثقل هو ما يغير شروط التفاوض المستقبلي أو يرفع كلفة الرجوع عن الوقائع بعد تثبيتها.
من الجغرافيا إلى المؤسسة: كيف يتسع نطاق المسؤولية؟
يبدأ التمييز بسؤال عن المنشأ: أين صُنعت السلعة؟ غير أن السؤال يتغير مع اتساع النشاط. دخول الوساطة والتمويل والتأمين والمناقصات الرسمية ينقل الفحص من المكان إلى الفاعل. والحظر الهولندي النافذ منذ ٢٢ أيلول/سبتمبر لا يقف عند الاستيراد؛ بل يشمل الشراء والبيع وخدمات الوساطة ومحاولات الالتفاف. [٩] هنا تنتقل القاعدة من نقطة الحدود إلى سلسلة النشاط الاقتصادي.
ومع كل صلة قابلة للإثبات تتسع دائرة المسؤولية: منتج، وسيط، ممول، شركة خدمات، ثم مؤسسة عامة. لا يعني ذلك أن جميع هذه الدوائر ستُعاقب أو أن القانون سيقود إلى النتيجة نفسها في كل دولة. لكنه يغير أسئلة الشركة نفسها؛ فبدل الاكتفاء بمصدر البضاعة، يدخل العميل والعقد والموقع والغرض من الخدمة في حساب المخاطر.
قوة الامتثال لا تحتاج إلى الظهور في بيان سياسي. يكفي أن ترى المؤسسة أن المخاطرة القانونية، أو مخاطر السمعة، أو كلفة إثبات المنشأ، تجاوزت الفائدة المتوقعة. وعندها يستطيع إجراء وطني محدود أن يتجاوز حدوده إذا فضلت الشركات معيارًا أكثر تشددًا في أسواق أخرى على إدارة قواعد مختلفة لكل سوق.
«التقارب المجزأ» وصف لاحتمال تلاقي السلوك رغم غياب سياسة أوروبية موحدة: يمكن للشركة العاملة في أكثر من سوق أن تختار احتياطًا أشد من الحد الأدنى المطلوب في كل بلد. ميزة هذا المسار أنه لا ينتظر الإجماع، لكن إثبات اتساعه يحتاج معلومات عن قرارات الشركات والجهات الرقابية، وهي أدلة لا توفرها قرارات الحظر وحدها. كما تبقى فروق التطبيق ومخاطر الالتفاف والاحتكاك داخل السوق الموحدة قائمة.
توجد عتبتان ينبغي عدم الخلط بينهما. الأولى انتقال سؤال الامتثال من «هل السلعة من مستوطنة؟» إلى «هل المؤسسة تساعد مباشرة في نشاط استيطاني؟». والثانية اعتماد أداة ملزمة تمس امتيازًا للدولة الإسرائيلية نفسها. سبق أن طُرحت على المستوى الأوروبي مقترحات من هذا النوع؛ الجديد الذي سيغير التقدير هو إقرارها ونفاذها وأثرها الفعلي، لا مجرد تكرار النقاش بشأنها. [١٦]
هذا التحول من المكان إلى البنية حاضر أيضًا في النقاش البحثي الأوروبي. يرى معهد IAI الإيطالي أن معاقبة المستوطن الفرد لا تلتقط كامل المشكلة عندما تتقاطع أعمال العنف مع حماية مؤسسية وتوسع إقليمي وسياسات رسمية؛ وفي نقاش قانوني بالمعهد الجامعي الأوروبي طُرح سؤال موازٍ: هل يكفي استبعاد بضائع المستوطنات من الامتيازات ووضع بطاقات المنشأ إذا كانت هذه الأدوات لم تُصمم أصلًا لوقف العلاقة الاقتصادية بالمستوطنات؟ [٢٠][٢١] ليست هذه قواعد قانونية جديدة، لكنها تنقل النقاش من مسؤولية «فعل منفرد» إلى البيئة التي تسمح للفعل بأن يتكرر ويُموّل ويتحول إلى واقع يصعب عكسه.
حين تسبق الوقائع القرار الأوروبي، لا يعود البطء المؤسسي مجرد عيب إجرائي؛ يصبح مورد قوة للطرف القادر على تغيير الأرض أولًا.
الرد الإسرائيلي: رفع سعر التمييز ومفارقة النتيجة
تعاملت إسرائيل مع القيود الغربية المتعلقة بالمستوطنات بوصفها إجراءات تستهدفها سياسيًا، لا نشاطًا محصورًا في الأراضي المحتلة. ففي أيلول/سبتمبر أمرت بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية عقب إعلان لندن قيودًا تجارية، وسحبت الصفة الدبلوماسية عن ممثلي هولندا في رام الله بعد نفاذ الحظر الهولندي. [١٠][١١][١٥] وفي ٨ تشرين الأول/أكتوبر انتهت مهلة الإغلاق إلى تفاهم غير متكافئ في توصيفه: أعلنت إسرائيل انتهاء عمل القنصلية وسمحت لسبعة دبلوماسيين بالعمل من المبنى في نطاق محدود؛ وأعلنت بريطانيا استمرار المبنى بعثةً مستقلة تحت اسم «البعثة البريطانية في القدس»، مع سحب جزء من موظفيها مؤقتًا. [٢٨][٢٩] وقع الرد، في الحالتين، على القدرة على العمل الدبلوماسي في الملف الفلسطيني، لا على السلعة موضوع الخلاف.
الهدف من رفع الكلفة مفهوم: إذا بقي الحظر محصورًا في تجارة ضيقة، فقد يسهل تكراره في عواصم أخرى. أما حين يُربط بوجود دبلوماسي أو مشاركة في ترتيبات سياسية، فإن كل حكومة تفكر في إجراء مشابه تصبح مطالبة بحساب ثمن آخر. ما جرى مع لندن يوضح فاعلية هذا الضغط وحدوده؛ فقد تقلص الحضور البريطاني فعلًا، لكن القيود المعلنة لم تُسحب، ولم تتوقف المحادثات الثنائية. [٢٨][٢٩]
المشكلة أن هذا الرد يضغط على «معادلة الفصل» التي يفترض أنه يريد الدفاع عنها. فالحكومات الغربية تقول إن القيود تستهدف نشاطًا في أرض محتلة، لا إسرائيل ضمن حدودها المعترف بها. وعندما يكون الرد في العلاقة السياسية نفسها، تضيق عمليًا المسافة بين المجالين؛ ما كان استثناءً في الخطاب الغربي يُعامل إسرائيليًا بوصفه جزءًا من السيادة والمصلحة الوطنية.
التفاهم البريطاني يقدم اختبارًا عمليًا لهذه المفارقة. دفعت لندن كلفة دبلوماسية ملموسة، بينما احتفظت بموقفها القانوني وبوجود محدود في القدس. وحرص الطرفان، رغم اختلافهما على الصفة القانونية للمبنى، على تجنب تصعيد متبادل أوسع. لا تثبت هذه النتيجة أن الردع فشل أو نجح نهائيًا؛ إنها تكشف أن التصعيد يمكن أن يُدار بالتفاوض، مع بقاء الخلاف الأصلي قائمًا. [٢٨][٢٩]
لهذا تستحق نهاية الأزمة، بقدر بدايتها، المتابعة. هل تعود البعثة البريطانية إلى نطاق أوسع من العمل، أم يتحول التقليص إلى سابقة دائمة؟ وهل تتكرر كلفة مماثلة مع دول أخرى؟ الجواب العملي أهم من مقارنة البيانات شديدة اللهجة؛ فهو يكشف مقدار النفوذ الذي تغير فعلًا.
رفع كلفة الحظر قد يردع على المدى القصير، لكنه يجعل الفصل بين المستوطنات والعلاقة مع الدولة أصعب على المدى الأبعد.
أوروبا: انقسام في القرار وتقارب في الممارسة
تملك أوروبا أساسًا قانونيًا واضحًا ومفردات سياسية مستقرة تجاه المستوطنات، لكن تحويل ذلك إلى قرار موحد ما يزال عسيرًا. في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥ اقترحت المفوضية تعليق بعض الامتيازات التجارية في اتفاقية الشراكة، ثم عرضت في ٢٠٢٦ خيارات أشد تخصيصًا لتجارة المستوطنات، بينما بقيت الدول الأعضاء منقسمة بشأن الاختيار والتنفيذ. [٦][١٦] وفي ١٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٦ أقرت أورسولا فون دير لاين بأن بناء الأغلبية اللازمة للاستجابة الأوروبية الموحدة ما يزال متعثرًا. [٢]
تظهر فجوة بين القاعدة والقرار، لكنها لا تعني انعدام الحركة. ففي بيان ٨ أيلول/سبتمبر، عبّرت اثنتا عشرة دولة عن مواقف تتراوح بين نية فرض قيود وطنية أو تأييد قيود أوروبية والنظر في إجراءات إضافية؛ ولم يقل البيان إن الدول جميعًا أقرت حظرًا نافذًا. [١] هذا التفاوت مهم: مسار الضغط يضم دولًا بدأت التنفيذ وأخرى ما تزال عند مستوى الالتزام السياسي أو الدراسة، ولا يصح جمع المراحل في نتيجة واحدة.
السوابق المتفرقة قد تهيئ لسياسة أوسع، لكنها لا تصنعها تلقائيًا. الدولة التي تنفذ قاعدة تتيح اختبار كلفتها، والشركات التي تعمل عبر أسواق عدة قد تعدل إجراءاتها استجابةً لذلك. إذا ثبت أن الحظر قابل للتطبيق من دون كلفة داخلية مرتفعة، فقد يصبح تبنيه أيسر للدولة التالية؛ وإذا نشأت نزاعات تجارية أو ردود دبلوماسية مؤلمة، فقد يتباطأ المسار. لا تتوافر في الأدلة المستخدمة هنا دراسة سوقية تتيح الجزم باتجاه سلوك الشركات ككل.
لهذا لا يحسم سؤال «هل الاتحاد موحد؟» اتجاه المسار. الاتحاد منقسم، لكن الانقسام لم يمنع حتى الآن تراكم الأدوات؛ ما فعله أساسًا هو إبطاء انتقال الضغط من المستوطنات إلى العلاقة العامة وإبقاء فروق كبيرة في السرعة بين الدول.
يزيد جدول تشرين الأول/أكتوبر أهمية حساب التوقيت الأوروبي. يناقش وزراء الخارجية في ١٢ تشرين الأول/أكتوبر غزة والضفة في ضوء الدورة الانتخابية المقبلة في المنطقة؛ ثم يجتمع المجلس الأوروبي في ١٥–١٦ من الشهر، وتُعقد القمة الثانية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في السعودية يوم ٢٤، قبل الانتخابات الإسرائيلية في ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر بثلاثة أيام. [١٨][٢٥][٢٦][٢٧] صدرت دعوة المجلس الأوروبي في ٨ تشرين الأول/أكتوبر مركزةً على الاقتصاد وأوكرانيا والهجرة والتوسع، مع بحث أوضاع الشرق الأوسط وأمن الملاحة، من دون الإعلان عن مسار محدد لعقوبات جديدة على إسرائيل. [٣٠] لا توجد في هذه المواعيد قرينة على خطة ضغط منسقة. ومع ذلك، تظل لدى بروكسل مصلحة مفهومة في عدم استنفاد أدواتها قبل اتضاح الحكومة الإسرائيلية التالية؛ إنه تفسير سياسي ممكن لغياب قرار كبير، إلى جانب تفسير أبسط هو استمرار الانقسام واختلاف الأولويات. ولا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بأن إدارة التوقيت هي السبب الحاسم.
هذا الأسلوب يتيح اختبار أدوات محددة من دون القفز إلى عقوبات شاملة، لكنه ينتج خريطة قانونية معقدة ورسالة سياسية أقل صفاءً. وقد تقبل الحكومات هذا الثمن إذا كان البديل إجراءً أسرع في الإعلان وأضعف في الصمود.
ألمانيا: وزن الشرعية لا «فيتو» مطلق
تكتسب ألمانيا وزنًا استثنائيًا لأنها تجمع ثلاثة عناصر: مكانة سياسية داخل الاتحاد، علاقة تاريخية خاصة بإسرائيل، وحجمًا اقتصاديًا يجعل موقفها مؤثرًا في حسابات السوق والشرعية. لكنها لا تستطيع وحدها منع كل أداة أوروبية، ولا ينبغي اختزال السياسة الأوروبية كلها في قرار برلين.
في أيلول/سبتمبر أكدت الحكومة الألمانية عدم قانونية المستوطنات واستمرار استبعاد منتجاتها من المعاملة التفضيلية، لكنها لم تنضم إلى مبادرة الدول الدافعة نحو الحظر. [٥] هذه المسافة هي موضع برلين الحالي: إدانة الاستيطان من دون اعتبار العقوبة التجارية الإضافية أداة مناسبة في هذه المرحلة.
وزن الموقف الألماني لا يأتي من عدد الأصوات فقط. إذا دعمت برلين حظرًا وطنيًا أو أوروبيًا فسيتغير معنى «الموقف الوسطي» داخل الاتحاد؛ عندها تدخل القيود قلب التيار المؤسسي بدل بقائها مرتبطة بالدول الأكثر تشددًا. وبالعكس، استمرار ألمانيا في موقعها الحالي يضع سقفًا سياسيًا على نقل الكلفة إلى اتفاقية الشراكة أو إلى مصالح أوسع.
نوع الأداة، لا حدة التصريح، هو ما يكشف تغير برلين. لغة أشد لا تكفي. التحول يبدأ إذا انتقلت ألمانيا من حماية التمييز القائم إلى قبول منع التجارة، ثم إلى قبول مراجعة امتيازات أوسع. جمع هذه الدرجات في مؤشر واحد يخفي الفارق بين تغير الخطاب وتغير السياسة.
غزة والضفة: مصدران مختلفان للضغط
وضع غزة والضفة تحت عنوان واحد هو «العزلة» يختصر الصورة إلى حد يفسدها. غزة تراكم أثرًا إنسانيًا وقانونيًا وسياسيًا يضعف استعداد الحكومات للدفاع عن بقاء العلاقة بصورتها السابقة؛ أما الضفة فتقدم موضوعات أكثر قابلية للضبط الإجرائي: أرض، منشأ، مستوطنة، مناقصة، شركة، شخص أو جهة تمويل.
لهذا يعمل الملفان بطريقتين مختلفتين ومتصلتين في الوقت نفسه. غزة ترفع الاستعداد السياسي لاستخدام الضغط، والضفة توفر الأدوات التي يمكن تحويلها إلى قانون أو لائحة أو تعليمات جمركية. حين يلتقي الاستعداد بقابلية التنفيذ، يصبح مفهومًا أن تظهر العقوبات أولًا في ملف المستوطنات حتى لو كانت الكلفة السياسية للحرب في غزة أكبر.
فصلهما تمامًا يضلل بالقدر نفسه. تراجع الثقة السياسية بسبب غزة يجعل أدوات كانت تبدو قبل سنوات شديدة أو غير ضرورية أسهل في التسويق داخليًا؛ وحين تكون الأداة جاهزة قانونيًا في الضفة، يجد السياسي وسيلة عملية لتحويل الضغط العام إلى قرار قابل للشرح والتنفيذ.
استمرار الحوار الأوروبي مع إسرائيل بشأن غزة والعلاقة الثنائية لا ينفي هذا المسار. [١٤] الحوار يحافظ على القدرة على التأثير، بينما تبقى أدوات الضغط قائمة. في هذه الحالة، التعاون والضغط ليسا بديلين متعارضين؛ كلاهما يعمل داخل العلاقة نفسها.
وتوجد قرينة مقابلة تمنع قراءة المشهد كمسار عقابي صرف. ففي ٢٨ أيلول/سبتمبر جدد مجلس الاتحاد الأوروبي ولايتي بعثتي EUBAM Rafah وEUPOL COPPS حتى ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٧، بعد مراجعة استراتيجية وبالاستناد إلى رسائل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل. [١٩] التمديد ليس تفصيلًا إداريًا فقط؛ فالاتحاد الذي يرفع كلفة بعض السياسات يبني في الوقت نفسه حضورًا يحتاج إلى التعاون مع الطرفين ويؤهله لدور في اليوم التالي للحرب. أوروبا تحاول هنا أن تفعل الأمرين معًا: تضغط على ما ترفضه، وتبقى داخل الترتيبات التي تريد التأثير فيها. هذا التوتر ليس هامشًا في العلاقة، بل جزء من طريقة إدارتها.
غزة توسع الاستعداد السياسي للضغط؛ والضفة تمنحه أدوات قابلة للتحديد والتنفيذ.
واشنطن: سقف العزلة وفصل إسرائيل عن حكومتها
أي حديث عن عزلة غربية لإسرائيل يبقى ناقصًا إذا خرجت الولايات المتحدة من مركز الحساب. فالشراكة الأميركية الإسرائيلية أعمق من التفاهم مع حكومة بعينها، وممتدة في مؤسسات الأمن والسياسة والاقتصاد. خلاف مع بنيامين نتنياهو، أو امتناع عن تبني كل رد إسرائيلي، لا يعني تلقائيًا أن المظلة الأميركية تراجعت بالمقدار نفسه.
التمييز بين إسرائيل وحكومتها ضروري هنا. التوتر الشخصي أو الانتخابي يمكن أن يكون حادًا من دون أن يتحول إلى مراجعة استراتيجية. تستطيع واشنطن الاعتراض على خطوة استيطانية أو توقيت سياسي، ثم تبقى رافضة لعزل إسرائيل أو إخراجها من شبكة الشراكات الغربية.
بهذا الدعم تضع واشنطن حدًا أعلى لما يستطيع المسار الأوروبي بلوغه في الأجل المنظور. أوروبا قادرة على رفع الكلفة الانتقائية، لكن تحويلها إلى فك ارتباط غربي أصعب ما دامت العلاقة الأميركية الأساسية ثابتة. الأرجح إذن علاقة غربية أكثر تجزؤًا، تجمع تعاونًا استراتيجيًا قويًا وخلافًا قانونيًا واقتصاديًا متزايدًا على الاحتلال، لا عزلة شاملة.
لا يجعل ذلك السقف الأميركي دائمًا أو يلغي أثر أوروبا. لكنه يفرض فصلًا بين تراجع المساحة السياسية المتاحة للحكومة الإسرائيلية في ملفات محددة وبين تراجع الالتزام بإسرائيل كشريك استراتيجي. المعطيات الحالية تثبت الأول بدرجات متفاوتة، ولا تثبت الثاني.
الانتخابات الإسرائيلية: سباق على الزمن لا تفسير شامل
انتخابات ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر تضغط على سلوك الأطراف من دون أن تفسره كله. داخل إسرائيل ترتفع الكلفة السياسية لأي تراجع تحت ضغط خارجي إذا استطاعت الحكومة تقديمه لجمهورها بوصفه تدخلًا في السيادة أو في الاقتراع. وقد استُخدمت صورة القيادة الحامية في خطاب حملة نتنياهو. [١٣] بهذا الحساب يصبح التشدد قبل الانتخابات مفهومًا سياسيًا حتى إذا بدت كلفته الخارجية قابلة للاحتواء.
أما تسريع مشروعات الاستيطان قبل الانتخابات فيعكس حسابًا مختلفًا: الهدف ليس إكمال المشروع قبل الاقتراع، بل دفعه إلى مرحلة يصبح الرجوع عنها أصعب بعده. [١٢] هذه هي «سياسة التثبيت المسبق»: استخدام الإدارة والجدول الزمني لتقييد خيارات الحكومة التالية، بصرف النظر عن بقاء الائتلاف الحالي أو تغيره.
مع ذلك، لا يجوز تفسير الاستيطان والردود الدبلوماسية كلها بالانتخابات. بعض السياسات أقدم من الدورة الانتخابية، وبعض الردود يعكس تصورًا أعمق للسيادة والعلاقة مع الفلسطينيين. الانتخابات تسرع قرارات قائمة أصلًا؛ لا تنشئها من الصفر.
الجدل البحثي الأوروبي يضع قيدًا مهمًا على انتظار ٢٧ تشرين الأول/أكتوبر كأنه يعيد ضبط المشهد. فدراسة خاصة لـECFR منشورة في ١ تشرين الأول/أكتوبر تقرأ الصراع على هوية إسرائيل بوصفه أعمق من الانتخابات ومن نتنياهو، وترى أن أفكارًا قومية ودينية كانت هامشية أصبحت أوسع حضورًا في التيار السياسي. [٢٢] وفي تشاتام هاوس يلفت تحليل منشور في أيلول/سبتمبر إلى مفارقة أخرى: تراجع المكانة الدولية أوضح خارج إسرائيل منه في قلب الأجندة الانتخابية، وتبدل القيادة قد يخفض حرارة الخلاف من دون أن يزيل ضيق المسافة بين المرشحين الرئيسيين في بعض القضايا الأمنية. [٢٣] هذه قراءات بحثية لا حقائق مقررة، لكنها تضعف افتراضًا بأن تغيير الأشخاص يعيد معادلة العلاقة القديمة تلقائيًا. وإذا لم تتحول الكلفة الخارجية إلى كلفة انتخابية داخلية، فقد يتراكم الضغط من دون تعديل سريع في السلوك. وفي ٨ تشرين الأول/أكتوبر انعقدت جلسة لتشاتام هاوس حول الخيارات الخارجية للحكومة التالية وعلاقاتها بأوروبا والولايات المتحدة والجوار؛ دلالة انعقادها في موضوع النقاش، لا في إثبات اتفاق المشاركين على نتيجة بعينها. [٢٤]
الاختبار الأهم يأتي بعد الاقتراع. استمرار التثبيت والردع الدبلوماسي مع حكومة جديدة أو ائتلاف معدل سيضعف تفسير السلوك بوصفه اندفاعًا انتخابيًا مؤقتًا. أما تباطؤه فلن يمحو الآثار القانونية التي تراكمت في أوروبا، حتى لو خف الزخم السياسي الذي أنتجها.
التفسير المنافس: ضغط رمزي أم تحول مؤسسي؟
أقوى اعتراض على هذا التقدير يقول إن الإجراءات الغربية منخفضة الكلفة، ومصممة أساسًا لاستيعاب غضب الرأي العام من دون المساس بالمصالح الحقيقية مع إسرائيل. تجارة المستوطنات محدودة قياسًا بالتجارة الكلية، والعلاقة الأمنية باقية، والانقسام الأوروبي لم يُحل. إذا صح ذلك، فنحن أمام ضغط رمزي محسوب أكثر من تحول في بنية العلاقة.
في هذا الاعتراض قدر من الحقيقة. اختيار المستوطنات يتيح للحكومات إظهار موقف من دون تحمل كلفة مواجهة اقتصادية كاملة مع إسرائيل، واستمرار التعاون يؤكد أن عواصم كثيرة تريد ضبط الخلاف لا تفكيك الشراكة.
مع ذلك، لا يفسر الضغط الرمزي وحده طبيعة الأدوات التي ظهرت. منع خدمات الوساطة، وتجريم الالتفاف على الحظر، وإدخال الشركات في حساب الامتثال، إجراءات قابلة للتراكم مؤسسيًا. والرد الإسرائيلي يدل على أن تل أبيب لم تتعامل معها كإشارات عديمة الأثر. غير أن تسوية أزمة البعثة البريطانية تضع قيدًا على هذا الاستنتاج: رفع ثمن الإجراء لا يضمن إلغاءه، وقد يفضي بدلًا من ذلك إلى مساومة على مستوى التمثيل السياسي. [٩][١٠][١١][٢٨][٢٩]
الأرجح أن الإجراءات تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه. اختيار المستوطنات يمنح الحكومات مساحة لإظهار موقف سياسي بكلفة أدنى من مواجهة شاملة مع إسرائيل؛ لكن قواعد الحظر والامتثال وخدمات الوساطة تترك وراءها أدوات يمكن أن تصبح أشد أثرًا إذا اتسع نطاقها. لهذا بدأت الإجراءات من الحلقة الأقل كلفة سياسيًا، ولهذا أيضًا لا يصح اختزالها في ضوضاء إعلامية: محدودية الأداة عند البداية لا تمنعها من بناء سابقة قابلة للتوسيع لاحقًا.
أما فرضية أن الغرب بدأ فك ارتباط بنيوي مع إسرائيل فتذهب أبعد مما تسمح به الأدلة الحالية. حجم التجارة، واستمرار قنوات التعاون، وثقل الولايات المتحدة، والانقسام داخل أوروبا، كلها عوامل تناقض هذا الحكم. الأقرب إلى المعطيات هو تغير شروط الشراكة، لا نهايتها.
المخاطر والفرص: أين يمكن أن تتغير المرحلة؟
في أفق الأشهر الستة، الاحتمال الأعلى ليس عقوبات شاملة، بل ترسخ شبكة من القيود الانتقائية يصعب تفكيكها لاحقًا. وقد يبقى أثرها الاقتصادي المباشر محدودًا، فيما يتسع أثرها المؤسسي لأنها تدخل مزيدًا من الفاعلين في دائرة التحقق والمسؤولية. ومع كل قاعدة جديدة تصبح القاعدة التالية أقل استثنائية.
أما الخطر الأعلى أثرًا، وإن كان أقل ترجيحًا، فيبدأ عندما يصل الخلاف إلى امتيازات العلاقة مع الدولة: اتفاقية الشراكة، برامج تعاون، أو مؤسسات حكومية مرتبطة مباشرة بتنفيذ سياسات الاستيطان. عندها يخرج الضغط من الاستثناء الجغرافي إلى مركز العلاقة، ويختلف معنى المرحلة نفسها.
لأوروبا أيضًا كلفة محتملة من اتساع القيود خارج مسار مشترك. تفاوت القواعد الوطنية قد يخلق احتكاكًا داخل السوق الموحدة ويصعب معه شرح حدود الإجراءات للرأي العام. وتبين التسوية البريطانية الإسرائيلية أن الضغط المضاد قد يُدار بتفاهم جزئي، لكنه قد يفرض تراجعًا في القدرة الدبلوماسية من دون حل النزاع القانوني. لذلك ينبغي قياس نتيجة كل أزمة بما بقي من صلاحيات وحضور، لا بمجرد إعلان احتوائها. [٢٨][٢٩]
الفرصة الأكثر واقعية تقع في المنطقة الأقل صخبًا: إجراءات دقيقة، قابلة للتتبع، مرتبطة بسلوك محدد، ولا تفترض قطيعة مسبقة مع إسرائيل. قدرتها على جذب العناوين أقل، لكنها أصلب في بناء ائتلاف وفي مواجهة المراجعة القانونية، وأقل قابلية للتحول إلى صراع هوية شامل.
المسارات المرجحة حتى نهاية الربع الأول من ٢٠٢٧
الأرجح خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة هو «فصل أكثر صرامة»: تتوسع القيود على منتجات المستوطنات والأشخاص والكيانات والخدمات المرتبطة بها، وربما تنضم دول جديدة، فيما تبقى التجارة العامة والتعاون الأمني والتكنولوجي خارج نطاق العقوبة. يظل هذا المسار قائمًا ما دامت ألمانيا في موقعها الحالي، والقنوات السياسية مع إسرائيل مفتوحة، والنقاش الأوروبي بعيدًا عن شروط اتفاقية الشراكة.
المسار الثاني، «انتقال الكلفة إلى الدولة»، لا يفترض مقاطعة شاملة. شرطه أن تنتقل أداة ذات وزن من مستوى المستوطنات إلى امتياز فعلي للعلاقة مع إسرائيل. والمقترح الذي قدمته المفوضية في ٢٠٢٥ لم يعبر هذه العتبة بمجرد طرحه. [١٦] وقد يدفع نحوها اجتماع تقدم يصعب عكسه في إي١ أو مشاريع مماثلة، وردود إسرائيلية توسع الخلاف، وتغير موقف دولة أوروبية محورية. المؤشر الحاسم هو اعتماد إجراء ملزم يمس امتيازات الشراكة أو جهة حكومية مرتبطة مباشرة بالنشاط المعني، ثم بدء تنفيذه. أثر هذا المسار مرتفع، لكنه ليس السيناريو الأرجح بعد.
أما «التباطؤ السياسي مع بقاء التراكم القانوني» فقد يظهر إذا تغيرت الحكومة بعد الانتخابات، أو جُمدت مشاريع حساسة، أو نشأ تفاهم يخفف التوتر في الضفة. وقد أظهرت تسوية ٨ تشرين الأول/أكتوبر بين لندن وتل أبيب صورة أضيق من هذا الاحتمال: خف خطر التصعيد المتبادل مع استمرار القيود والخلاف على الصفة الدبلوماسية. [٢٨][٢٩] في هذا المسار تتراجع وتيرة الإجراءات الجديدة من دون أن تُمحى القواعد القائمة أو كلفة الامتثال.
الثقة في ترجيح المسار الأول متوسطة. موضع عدم اليقين ليس المواقف الحالية بقدر ما هو متغيران لم يُحسما: شكل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، وما إذا كانت القيود الوطنية ستبقى سوابق منفصلة أم تبدأ في التحول إلى معيار أوروبي أوسع.
التوصيات: كيف تُدار اللحظة من دون تضخيم أو تبديد للنفوذ؟
أول ما تحتاجه الجهات العربية العاملة في السياسة الخارجية هو ضبط الوصف. عبارة «عزلة إسرائيل» تسبق الأدلة وتجعل الحجة سهلة النقض. خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، الأدق استخدام «اتساع الكلفة الانتقائية» وقياسه بنوع الأداة ونطاقها وقابلية تنفيذها. تقع المسؤولية على وحدات التقدير والاتصال السياسي في وزارات الخارجية ومراكز صنع القرار. الكلفة منخفضة، والمخاطرة أن يبدو الخطاب أقل حدة؛ ويعالج ذلك بالفصل الصريح بين العزلة الدبلوماسية والعزلة الاستراتيجية في الرسائل العامة.
الأولوية التالية هي بناء ملفات قليلة العدد وعالية الإثبات. خلال ستة أشهر، تركز فرق القانون والاقتصاد والدبلوماسية على المناقصات والتمويل والتأمين والخدمات الوسيطة وسلاسل التوريد التي يمكن إثبات صلتها بالنشاط الاستيطاني. الكلفة معرفية وبشرية، والخطر هو تسييس المادة أو الاعتماد على بيانات لا تصمد عند التدقيق. البديل العملي هو انتقاء عدد محدود من الحالات القوية وتحديثها باستمرار.
ينبغي أن تتابع وحدات الإنذار المبكر والتحليل شهريًا أربعة أمور: هل تغير الموقف الألماني من الحظر؟ هل اعتُمد ونُفّذ إجراء يمس امتيازًا في اتفاقية الشراكة، بدل الاكتفاء باقتراحه؟ هل امتد نطاق العقوبات أو الالتزامات إلى مؤسسة حكومية؟ وهل غيّرت الردود الإسرائيلية سلوك الدول المعنية أم اقتصرت على تقليص الحضور الدبلوماسي؟ الحالة البريطانية تصلح لاختبار السؤال الأخير؛ وما يستحق القياس فيها هو نطاق عمل البعثة بعد التفاهم، لا صيغة البيان وحدها. [٢٨][٢٩] وتُرفق المتابعة بتفسير لماذا تغير الحكم أو لم يتغير.
دبلوماسيًا، لا مصلحة عربية في دفع الشركاء الغربيين إلى اختيار ثنائي بين إسرائيل وفلسطين إذا كان ذلك سيفكك الائتلاف الحالي قبل أن تترسخ أدواته. الأكثر فاعلية في الأجل القريب هو توسيع المسافة القانونية والاقتصادية بين إسرائيل داخل حدودها المعترف بها وبين النشاط في الأراضي المحتلة. هذا الطريق أبطأ، لكنه يجمع دولًا تختلف جذريًا على العقوبات الشاملة. وإذا انتقلت دولة محورية لاحقًا إلى مستوى أعلى، يمكن رفع سقف المطالب عندها.
بعد الانتخابات الإسرائيلية ينبغي أن تأتي مراجعة خلال أول ستين يومًا، لا افتراض مسبق بالاستمرار أو التغيير. بقاء وتيرة التثبيت في إي١ والردع الدبلوماسي على حالها يرفع خطر انتقال الكلفة إلى العلاقة الثنائية؛ أما قرارات التجميد القابلة للتحقق فيجب اختبارها قبل استثمار رأس مال سياسي في تصعيد لا تدعمه الوقائع. ميزة هذا النهج أنه يربط القرار بالسلوك، ومخاطرُه احتمال تفويت نافذة ضغط قصيرة؛ لذلك تبقى أدوات الضغط جاهزة من دون تفعيل آلي.
الخلاصة التقديرية
المشهد لا يسير من الشراكة إلى العزلة في خط مستقيم. الذي يتآكل هو ترتيب أتاح للغرب أن يعيش طويلًا مع تناقضه: علاقة طبيعية نسبيًا مع إسرائيل، ورفض قانوني وسياسي لاحتلال لم يُرِد إدخال كلفة مواجهته إلى قلب العلاقة. استقر هذا الترتيب ما دامت حدوده معروفة وما دام جزء كبير من الوقائع قابلًا للتأجيل إلى تسوية مستقبلية.
خلال ٢٠٢٦ تعاظم وزن الزمن مع محاولة تثبيت وقائع قبل أن تلحق بها السياسة، واتسعت المسؤولية من منشأ السلعة إلى الفاعل والخدمة والمؤسسة. وأضاف الرد الإسرائيلي طبقة ثالثة: دخل التمثيل الدبلوماسي في حساب ثمن القيود. وما حدث في القدس يوم ٨ تشرين الأول/أكتوبر كشف أن هذا الثمن قابل للتفاوض، لكنه قد يبقى ملموسًا حتى حين تتجنب الحكومات القطيعة. صارت إدارة الفصل القديم أصعب، من دون أن تكون الشراكة قد انهارت. [٢٨][٢٩]
الحكم المركزي يبقى محددًا: الغرب لا يفك ارتباطه بإسرائيل، لكنه يعيد التفاوض على حدود المقبول داخل العلاقة معها. إذا ظلت القيود نافذة أساسًا على أنشطة المستوطنات، فالأقرب شراكة أكثر تجزؤًا وقابلة للاستمرار. أما اعتماد وتنفيذ أداة ذات وزن تسحب امتيازًا تمنحه الشراكة للدولة الإسرائيلية نفسها، لا مجرد اقتراحها، فسيكون الدليل الأقوى على أن الخلاف بدأ يمس تعريف العلاقة.
لهذا تستحق طبيعة الأداة المراقبة أكثر من عدد البيانات والقمم. السؤال الحاسم هو: هل تغيرت قاعدة، أو ارتفعت كلفة، أو تبدل سلوك مؤسسة؟ من دون ذلك تبقى كثافة المواقف السياسية مؤشرًا ناقصًا.
المراجع





































