-
هدنة أيار/مايو في حرب أوكرانيا: اختبار الإرادة أم هندسة تسوية مؤجلة؟
-
تقدير استراتيجي في فرص تمديد وقف النار، وحدود الوساطة الأميركية، وموقع أوروبا بين الضغط على موسكو وخطر الخروج من هندسة الأمن القاري
-
إقفال البيانات: ٩ أيار/مايو ٢٠٢٦، وفق آخر الوقائع المنشورة والمتاحة حتى لحظة إعداد النسخة.
-
تقدّر الورقة أن هدنة أيار/مايو في حرب أوكرانيا ليست وعدًا بسلام قريب، بل اختبارًا لآلية وقف النار، ولقدرة واشنطن على ضبط المسار، ولقدرة أوروبا على منع تحويل الهدنة إلى تفاوض على أمنها من خارجها.
-
كلمات مفتاحية مقترحة: الحرب الروسية الأوكرانية، هدنة أوكرانيا، وقف إطلاق النار، ترامب وبوتين، الموقف الأوروبي، دونيتسك، الأمن الأوروبي، تبادل الأسرى.
-
ملخص تنفيذي
تقدّر هذه الورقة أن هدنة ٩–١١ أيار/مايو ٢٠٢٦ لا تمثل انتقالًا ناجزًا إلى تسوية، بل اختبارًا مكثفًا لثلاث إرادات متداخلة: إرادة واشنطن في تحويل التوقف القصير إلى مسار تفاوضي، وإرادة موسكو في انتزاع قيمة سياسية من الهدنة من دون تقديم تنازل جوهري، وإرادة كييف في قبول المكسب الإنساني من غير فتح باب التنازل عن الأرض.
تأتي الهدنة في لحظة لا يملك فيها أي طرف رفاهية الرفض الكامل. ترامب يحتاج إلى دليل سريع على فاعلية الوساطة الأميركية، وبوتين يريد أن يظهر قادرًا على منح التهدئة من موقع قوة، وزيلينسكي يبحث عن استعادة الأسرى وتثبيت الدعم الغربي، بينما تخشى أوروبا أن تتحول من شريك في صناعة القرار إلى جهة تموّل نتائج قرار صيغ خارجها.
العقدة الحاكمة ليست في عدد أيام الهدنة، بل في طبيعتها: هل تبقى إعلانًا سياسيًا مؤقتًا، أم تتحول إلى آلية قابلة للتحقق؟ من دون مراقبة، وخط اتصال عسكري، وتعريف واضح للخروق، ستبقى الهدنة أداة لإدارة الصورة لا أداة لتغيير مسار الحرب.
الترجيح الأساسي أن المسار الأقوى ليس سلامًا قريبًا ولا انهيارًا حتميًا، بل تمديد محدود ومشروط، إذا اكتمل تبادل الأسرى ولم يقع خرق واسع. غير أن هذا التمديد سيظل هشًا ما لم يحافظ على ثلاثة شروط: بقاء أوكرانيا طرفًا كاملًا، دخول أوروبا في التنسيق لا في التلقي، وعدم مكافأة موسكو بتخفيف الضغط قبل التزام قابل للقياس.
التوصية المركزية هي التعامل مع الهدنة بوصفها اختبارًا لبناء آلية، لا مناسبة لإعلان تفاؤل سياسي. كل تمديد لا يضيف تحققًا ورقابة وتنسيقًا سيحوّل الهدوء القصير إلى مساحة لإعادة التموضع، لا إلى مدخل لتسوية عادلة.
-
سؤال التقدير
هل تفتح هدنة أيار/مايو ٢٠٢٦ مسارًا قابلًا للتمدد نحو وقف نار أوسع، أم أنها توقف مؤقت توظفه الأطراف لاختبار النيات، وتخفيض الكلفة، وتحسين شروط التفاوض؟
تقدّر الورقة أن الهدنة تحمل قابلية محدودة للتمدد، لكنها لا تحمل بذاتها شروط التسوية. فالوقف القصير للنار لا يعالج جوهر الصراع ما دام ملف الأرض، ومستقبل دونيتسك، والضمانات الأمنية، وموقع أوروبا في هندسة الاتفاق، خارج صيغة ملزمة.
أولًا: السياق والتحليل
-
١. الهدنة بوصفها اختبارًا لا استراحة
ليست هدنة أيار/مايو تفصيلًا بروتوكوليًا في هامش الحرب. قيمتها أنها ظهرت عند تقاطع رمزية روسية، وضغط أميركي، وحاجة أوكرانية إنسانية، وارتباك أوروبي حيال موقعه في مسار قد يبدأ من واشنطن وموسكو ثم يصل إلى أوروبا بوصفه أمرًا واقعًا. لذلك لا يكفي النظر إليها كفترة هدوء؛ الأهم أن تُقرأ بوصفها اختبارًا لمن يستطيع تحويل توقف محدود إلى قاعدة تفاوضية.
بدأت الجولة بإعلان روسي مرتبط بعيد النصر، ثم دفعت واشنطن نحو صيغة أوسع من ٩ إلى ١١ أيار/مايو، تتضمن تعليق النشاطات القتالية وتبادل ألف أسير من كل طرف. بذلك انتقلت الهدنة من مبادرة ذات توقيت روسي إلى اختبار أميركي لمسار أشمل. غير أن الانتقال في الشكل لم يلغِ العطب في الجوهر: لم تُحل عقدة دونيتسك، ولم تُعلَن آلية مراقبة مكتملة، ولم يتضح ما إذا كان التمديد المحتمل سيقوم على تفاهم سياسي أو على إدارة مؤقتة للضجيج العسكري.
هذا هو الفارق بين وقف النار والتهدئة. وقف النار يوقف الحركة العسكرية مؤقتًا؛ أما التهدئة السياسية فتحتاج إلى أطراف ضامنة، ومؤشرات التزام، وتعريف واضح لما لا يجوز فعله خلال الهدنة. من دون هذه العناصر تصبح الهدنة قابلة للتأويل، والتأويل في الحرب غالبًا يتحول إلى اتهام، ثم إلى ذريعة لاستئناف التصعيد.
-
٢. موسكو: قبول الهدنة من داخل خطاب النصر
قبول موسكو بالهدنة لا يعني أنها غادرت خطاب الحسم. بوتين تعامل مع التوقف المؤقت من داخل سردية القوة، لا من داخل اعتراف بالحاجة إلى تنازل. الهدنة هنا تمنحه فرصة لإظهار أنه يملك قرار التصعيد والتهدئة، وأنه ليس مضطرًا إلى وقف النار إلا حين يخدم ذلك موقعه السياسي. هذه القراءة تفسر لماذا تظل شروط الأرض حاضرة بقوة، خصوصًا في دونيتسك، حيث تطالب روسيا بما لم تحصل عليه كاملًا في الميدان.
في الوقت نفسه، تكشف الهدنة حدود الثقة الروسية في أمن العمق الداخلي. العرض العسكري المخفف في موسكو، وغياب بعض المظاهر الثقيلة المعتادة، لا يقدمان دليلًا على ضعف شامل، لكنهما يكشفان أن الحرب لم تعد بعيدة عن المجال الرمزي الروسي. حين يصبح الاحتفال نفسه بحاجة إلى حسابات أمنية مكثفة، تفقد موسكو جزءًا من قدرتها على عرض الحرب بوصفها معركة تجري خارج الحياة الروسية اليومية.
لذلك يبدو موقف موسكو مزدوجًا: تريد استخدام الهدنة لتثبيت صورتها بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه، لكنها لا تريد تحويلها إلى مسار يقيّد يدها قبل أن تحصل على ثمن سياسي. هنا بالضبط تقع هشاشة التمديد. موسكو قد تقبل أيامًا إضافية إذا وجدت فيها مكسبًا تفاوضيًا، لكنها ستقاوم أي صيغة تجعلها خاضعة لمراقبة تقلص هامش المناورة.
-
٣. كييف: مكسب الأسرى وحدود التنازل
تدخل كييف الهدنة من زاوية مختلفة. المصلحة الأوكرانية المباشرة هي استعادة الأسرى، وإثبات أن أوكرانيا لا ترفض التهدئة عندما تكون متبادلة وقابلة للفحص. غير أن القبول الأوكراني لا يعني قبولًا بسردية موسكو أو بشروطها. المسافة بين «قبول وقف النار» و«قبول التنازل» هي جوهر الموقف الأوكراني في هذه المرحلة.
تظهر عقدة دونيتسك حدود أي تمديد. فموسكو تطالب بانسحاب أوكراني من مناطق لم تسيطر عليها روسيا، بينما ترى كييف أن أي تنازل تحت ضغط الهدنة سيقلب وظيفة وقف النار من خفض التصعيد إلى إعادة رسم السيادة. لهذا السبب لا تستطيع القيادة الأوكرانية أن تتعامل مع الهدنة بوصفها ممرًا آمنًا إلى تسوية سريعة؛ هي تقبلها ما دامت تخفف الكلفة الإنسانية، لكنها ستقاومها إذا تحولت إلى أداة لفرض نتائج سياسية لم تُحسم في الميدان ولا في القانون.
أعمق ما تكشفه الهدنة لأوكرانيا هو أن الدعم الغربي لا يتوقف فقط على استمرار السلاح والتمويل، بل على طريقة إدارة التفاوض. فإذا تقدمت واشنطن وحدها في قناة مباشرة مع موسكو، سيصبح الخطر على كييف سياسيًا بقدر ما هو عسكري. أما إذا بقي التنسيق الأميركي ـ الأوروبي ـ الأوكراني متماسكًا، فستملك كييف هامشًا أوسع لقبول التهدئة من دون أن تظهر بمظهر الطرف الذي يُدفع إلى التنازل.
-
٤. واشنطن: وساطة تبحث عن أثر سريع
تتعامل إدارة ترامب مع الهدنة بوصفها فرصة لإثبات أن الاتصال المباشر مع موسكو قادر على إنتاج نتائج. هذا لا يعني أن واشنطن أنجزت مسار سلام، بل يعني أنها استطاعت جمع الطرفين على توقف قصير وتبادل واسع للأسرى. الفرق بين الإنجازين كبير. الأول قابل للتسويق السياسي السريع، أما الثاني فيحتاج إلى صبر تفاوضي وتفاصيل قانونية وعسكرية لا تزال غائبة أو غير ناضجة.
المعضلة الأميركية أن الضغط على الطرفين لا يتوزع بالتساوي. تستطيع واشنطن الضغط على كييف أكثر مما تستطيع إلزام موسكو، لأن اعتماد أوكرانيا على الدعم الغربي كبير. لكنها إذا أفرطت في الضغط على كييف خسرت الأساس الأخلاقي والسياسي لموقفها منذ بداية الحرب. وإذا لم تضغط على موسكو بما يكفي، بقيت الهدنة مجرد توقف عابر. لذلك ستقاس فاعلية واشنطن لا بإعلان التمديد، بل بقدرتها على جعل التمديد مشروطًا ومراقبًا.
-
٥. أوروبا: الخشية من تمويل نتيجة لم تصغها
الموقف الأوروبي لا يتذبذب بين الحرب والسلام بالمعنى المبسط. أوروبا تريد خفض التصعيد، لكنها لا تريد تسوية تقفز فوق مبدأ السيادة، ولا تريد أن تتحول إلى ممول وضامن لترتيب وُلد في قناة أميركية ـ روسية مغلقة. من هنا تأتي ازدواجية الموقف الأوروبي: استمرار العقوبات والدعم العسكري والمالي لأوكرانيا من جهة، واستكشاف قنوات اتصال محسوبة مع موسكو من جهة أخرى.
الحزمة العشرون من العقوبات الأوروبية على روسيا لا تُقرأ فقط كأداة ضغط اقتصادي، بل كرسالة سياسية تقول إن التهدئة لا تعني رفع الكلفة عن موسكو قبل التزام مثبت. غير أن أوروبا تعرف في الوقت نفسه أن الغياب عن المسار التفاوضي قد يكون أخطر من مخاطرة الاتصال. إذا صاغت واشنطن وموسكو الإطار العام، ستجد أوروبا نفسها أمام خيارين كلاهما مكلف: قبول ترتيب لا تملكه، أو عرقلته وهي تعتمد على واشنطن أمنيًا وتدعم كييف ماليًا وسياسيًا.
الأثر الاستراتيجي الأوسع أن الهدنة تختبر موقع أوروبا في أمنها، لا موقفها من الحرب وحدها. فإذا دخلت أوروبا المسار منسقة مع كييف وواشنطن، حافظت على قدرة التأثير. وإذا دخلت متأخرة أو منفردة، منحت موسكو فرصة لتفكيك الموقف الغربي. وإذا بقيت خارجه، تحولت من فاعل سياسي إلى جهة تتحمل تكلفة ما يقرره الآخرون.
-
ثانيًا: الفاعلون ومصالحهم وأدواتهم
روسيا تريد أن تجعل الهدنة اعترافًا ضمنيًا بأن إنهاء الحرب يمر عبرها لا عبر أوكرانيا وحدها. مصلحتها الأساسية هي نقل النقاش من سؤال الانسحاب إلى سؤال شروط التهدئة. أداتها هي الضغط العسكري، وسردية النصر، واشتراط الأرض، وفتح الباب أمام تفاوض انتقائي مع واشنطن أو أوروبا. قيدها أن الحرب صارت تكلفها سياسيًا داخل العمق الروسي، وأن أي هدنة مراقبة قد تحد من قدرتها على المناورة.
أوكرانيا تريد استثمار الهدنة إنسانيًا من دون خسارة معناها السيادي. مصلحتها هي استعادة الأسرى، والحفاظ على تماسك الدعم الغربي، ومنع تحويل وقف النار إلى بداية مقايضة على مناطق لا تزال تحت سيطرتها. أداتها هي الشرعية الدولية، والقدرة على ضرب العمق الروسي، وصلابة خطاب السيادة. قيدها أن الاعتماد على الدعم الخارجي يجعلها حساسة لأي تفاهم أميركي ـ روسي لا تشارك في صياغته كاملًا.
الولايات المتحدة تريد اختبار إمكان خفض كلفة الحرب وتحويل الوساطة إلى نتيجة قابلة للتسويق. أداتها هي قناة الاتصال مع موسكو، ونفوذها على كييف، وقدرتها على جمع ملف الأسرى ووقف النار في صيغة واحدة. قيدها أن أي ضغط غير متوازن على أوكرانيا سيضرب صدقية الوساطة، وأن أي تمديد بلا مراقبة سيظهر واشنطن كمن ينتج إعلانًا لا التزامًا.
أوروبا تريد ألا تخسر مبدأ السيادة ولا موقعها في التفاوض. أدواتها هي العقوبات، والدعم المالي والعسكري، والغطاء السياسي لأي تسوية قابلة للحياة. قيدها أن وحدة الموقف الأوروبي ليست سهلة، وأن تأثيرها العسكري المباشر أقل من تأثير واشنطن، وأن موسكو تفضّل غالبًا التفاوض مع الطرف الأميركي عندما تريد تقليل ثقل أوروبا وكييف في الصياغة النهائية.
-
ثالثًا: المخاطر والفرص
الخطر الأول هو تمديد الهدنة قبل بناء آلية تحقق. مثل هذا التمديد سيبدو إنجازًا سياسيًا، لكنه قد يصبح ضعفًا عمليًا إذا لم يحدد معنى الخرق، ومن يرصده، وكيف تُعالج الاتهامات. الهدنة غير المراقبة قد تهدئ اللغة أيامًا، لكنها لا تمنع إعادة التموضع ولا تقلص فجوة الثقة.
الخطر الثاني هو انفصال المسار الأميركي عن المسار الأوروبي ـ الأوكراني. إذا تحول التفاوض إلى قناة ثنائية بين واشنطن وموسكو، فقد تُدفع أوكرانيا إلى قبول إطار لا يعكس موقفها، وقد تُستدعى أوروبا لاحقًا لضمان حدود ترتيب لم تشارك في صياغته. هذا هو الخطر الأكثر استراتيجية، لأنه لا يمس وقف النار وحده، بل يمس قاعدة الأمن الأوروبي بعد الحرب.
الخطر الثالث هو استهلاك ملف الأسرى في صورة دعائية. تبادل ألف أسير من كل طرف إنجاز إنساني كبير إذا اكتمل، لكنه يفقد أثره إذا لم يتحول إلى قناة ثابتة تشمل المفقودين والجثامين والمعتقلين المدنيين. الملف الإنساني يمكن أن يكون الجسر الأول بين الجبهتين، أو أن يتحول إلى مشهد إعلامي عابر.
أما الفرصة الأولى فهي بناء اختبار محدود للثقة لا يتطلب حلًا شاملًا. الملفات الإنسانية تصلح كبداية لأنها تمنح كل طرف مكسبًا داخليًا ولا تفرض تنازلًا مباشرًا عن السيادة. الفرصة الثانية هي تحويل الهدنة إلى نموذج صغير لوقف نار مراقب، يبدأ بقطاعات محددة بدل القفز إلى جبهة كاملة. الفرصة الثالثة هي إعادة أوروبا إلى موقع الشريك في الصياغة، لا الاكتفاء بدور الداعم المالي والسياسي.
رابعًا: السيناريوهات
-
السيناريو الأول: تمديد محدود ومشروط يتحول إلى اختبار قابل للتكرار
يقوم هذا السيناريو على منطق بسيط: حين ينجح ملف الأسرى في إنتاج مكسب إنساني متبادل، يصبح تمديد الهدنة أقل كلفة من إنهائها السريع. فواشنطن تستطيع تقديم التمديد بوصفه دليلًا على فاعلية الوساطة، وموسكو تستطيع قبوله من دون أن تعترف بتراجع سياسي، وكييف تستطيع الدفاع عنه أمام جمهورها لأنه يعيد أسرى ويخفف الضغط عن الجبهة من دون أن يمس السيادة. هنا لا ينشأ التمديد من الثقة، بل من حاجة كل طرف إلى مكسب محدود لا يفتح ملف الأرض فورًا.
آلية الانتقال في هذا السيناريو تمر عبر ثلاث حلقات مترابطة: اكتمال تبادل الأسرى، ثم تثبيت تهدئة قصيرة قابلة للفحص، ثم تحويل التهدئة إلى صيغة تمديد مشروط. لا ينجح هذا المسار إذا بقي إعلانًا عامًا؛ ينجح فقط إذا صار كل طرف يعرف ما الذي سيُعدّ خرقًا، ومن يملك توثيقه، وما الكلفة السياسية المترتبة على تجاوزه. لذلك يبقى التمديد المحدود أرجح من السلام الشامل لأنه يطلب من الأطراف أقل مما لا تستطيع تقديمه الآن: لا يطلب حل دونيتسك، بل يطلب منع تحويل دونيتسك إلى سبب فوري لإفشال الهدنة.
تظهر مؤشرات هذا السيناريو في استمرار الاتصالات الأميركية ـ الأوكرانية، وفي تراجع الخروق الكبرى، وفي صدور لغة روسية لا ترفض التمديد صراحة، وفي قبول أوروبي بتهدئة لا تفرّط بمبدأ السيادة. أثره أنه يمنح الأطراف وقتًا سياسيًا قصيرًا، لكنه لا يغيّر طبيعة الحرب. حدّه الصلب هو عقدة الأرض: فإذا حاولت موسكو تحويل التمديد إلى انسحاب أوكراني من مناطق لم تسيطر عليها، سينتقل السيناريو من تمديد مشروط إلى ضغط سيادي، وعندها تفقد الهدنة وظيفتها الأصلية.
نص بارز: التمديد المحدود لا يعني نضج التسوية؛ يعني فقط أن الأطراف وجدت، مؤقتًا، أن كلفة الهدوء أقل من كلفة إفشاله العلني.
-
السيناريو الثاني: انهيار سريع يعيد الحرب إلى منطق الاتهام والرد
ينشأ هذا السيناريو عندما تفشل الهدنة في إنتاج كلفة على من يخرقها. فإذا تعثر تبادل الأسرى، أو وقع هجوم واسع، أو تعمّد طرف استخدام حادث ميداني لتفجير الهدنة، ستنهار الصيغة لأنها لا تستند بعد إلى جهاز تحقق مستقل. المشكلة هنا ليست في وقوع الخرق وحده؛ الحروب تعرف خروقًا دائمة. المشكلة أن غياب آلية متفق عليها يجعل كل خرق مادة دعائية، لا واقعة قابلة للتحقيق. وبذلك يتحول وقف النار من أداة خفض تصعيد إلى ساحة جديدة لتبادل الاتهامات.
تتحرك آلية الانهيار عبر مسار متدرج: حادث ميداني، اتهام سياسي، تعطيل جزئي لتبادل الأسرى أو لقنوات الاتصال، ثم عودة الضربات بوصفها ردًا لا تصعيدًا. موسكو ستستثمر الفشل لتقول إن كييف والغرب لا يريدان السلام، وكييف ستستخدمه لإثبات أن روسيا لا تلتزم إلا تحت ضغط عسكري، بينما تجد واشنطن نفسها أمام اختبار صدقية وساطتها. هذا السيناريو لا يحتاج إلى قرار كبير؛ يكفي أن تغيب الكلفة الواضحة عن الخرق كي يصبح الانهيار خيارًا سهلًا.
مؤشراته هي ارتفاع حدة الاتهامات، وتعليق بعض ترتيبات الأسرى، وعودة الضربات بعيدة المدى، وتراجع التفاؤل الأميركي، واشتداد اللغة الأوروبية حول العقوبات. أثره الأوسع أنه سيجعل أي هدنة لاحقة أكثر صعوبة، لأن فشل الاختبار الأول سيضيف طبقة جديدة من عدم الثقة. حدّه الزمني قصير؛ قد يظهر خلال أيام قليلة إذا لم تنتج الهدنة آلية مراقبة أو إذا حاول أي طرف تحسين موقعه الميداني تحت غطاء الهدوء.
-
السيناريو الثالث: مسار تفاوضي أوسع يقيّد الثنائية الأميركية ـ الروسية
يفترض هذا السيناريو أن تدرك أوروبا وكييف أن أخطر ما في الهدنة ليس توقف النار، بل احتمال أن تنفرد واشنطن وموسكو بتحديد معنى هذا التوقف. عندئذ يتحول الدخول الأوروبي المنسق من تفصيل دبلوماسي إلى شرط استراتيجي. لا يكون المطلوب فتح قناة أوروبية منفصلة مع موسكو، بل بناء ضلع ثالث داخل هندسة التفاوض: واشنطن تملك الضغط والاتصال، كييف تملك الشرعية والسيادة، وأوروبا تملك العقوبات والضمانات الاقتصادية والأمنية اللاحقة.
آلية الانتقال في هذا السيناريو تبدأ ببلورة موقف أوروبي ـ أوكراني مشترك حول شروط أي تمديد: لا تخفيف للعقوبات بلا التزام مثبت، لا بحث في الأرض تحت ضغط الهدنة، ولا ترتيب أمني من دون دور أوروبي واضح. بعدها يمكن فتح قناة محسوبة مع موسكو، لا بوصفها عودة إلى التطبيع، بل بوصفها اختبارًا لمقدار ما يمكن ربطه بسلوك روسي قابل للقياس. هذا المسار أبطأ من التفاوض الثنائي، لكنه أكثر قدرة على إنتاج ترتيب قابل للحياة؛ لأن أي وقف نار يحتاج إلى من يموله، ويراقبه، ويضمن أثره بعد الإعلان.
مؤشراته هي صدور خطاب أوروبي متماسك مع كييف، وبقاء العقوبات أداة تفاوض لا عقوبة رمزية فقط، وقبول واشنطن بتنسيق مسبق ولاحق مع الأوروبيين، وظهور نقاش حول آلية مراقبة لا حول صورة سياسية للهدنة. أثره أنه يمنع تحويل أوكرانيا إلى موضوع تفاوض بين الآخرين، ويحافظ على موقع أوروبا داخل أمنها القاري. غير أن احتماله أدنى من السيناريو الأول؛ لأن موسكو تفضّل قناة أميركية مباشرة، ولأن التوافق الأوروبي الداخلي يحتاج إلى سرعة لا تضمنها مؤسسات الاتحاد دائمًا.
نص بارز: لا تكون أوروبا شريكًا في الهدنة عندما تؤيد وقف النار فقط؛ تكون شريكًا حين تدخل في تعريف شروطه، وكلفته، وضماناته، وحدود استخدامه سياسيًا.
-
خامسًا: الترجيح
المسار الأرجح هو تمديد محدود ومشروط، لا لأن التسوية نضجت، بل لأن كلفة إفشال الهدنة فورًا تبدو مرتفعة على جميع الأطراف. ترامب يحتاج إلى نتيجة قابلة للعرض، وبوتين لا يخسر من تهدئة قصيرة تمنحه صورة الطرف القادر على التفاوض، وزيلينسكي يريد استعادة الأسرى من دون التخلي عن خط السيادة، وأوروبا تحتاج إلى وقت كي لا تُدفع إلى هامش التسوية.
لكن كل نتيجة تلزم عن مقدماتها. مقدمات المشهد تقول إن الحرب لم تبلغ لحظة سلام، لكنها بلغت لحظة اختبار للكلفة. القبول المؤقت، والرغبة الأميركية في التمديد، وتردد الكرملين في بحث ما بعد ١١ أيار/مايو، وصلابة كييف في ملف الأرض، وقلق أوروبا من التهميش، كلها تقود إلى نتيجة واحدة: التمديد ممكن، لكنه لن يكون دليل سلام إلا إذا حمل معه آلية تحقق. من دون ذلك سيبقى تمديدًا إداريًا للصمت، لا تحولًا في منطق الحرب.
لذلك لا تكون القراءة المهنية بسؤال: هل ستنجح الهدنة أم تفشل؟ السؤال الأشد دقة هو: هل ستُنتج الهدنة كلفة على من يخرقها؟ إذا لم تنشأ هذه الكلفة، فلن يكون الصمت إلا استراحة قصيرة بين جولتين. وإذا نشأت، ولو جزئيًا، فستفتح الهدنة أول ثغرة جدية في جدار الحرب الطويلة.
-
سادسًا: النتائج الاستراتيجية
١. الهدنة لا تكشف استعدادًا كاملًا للسلام، بل تكشف إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب بلا نافذة تفاوضية يرفع الكلفة على الجميع.
٢. الوساطة الأميركية نجحت في إنتاج توقف قصير، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على تحويله إلى هندسة سياسية قابلة للحياة.
٣. موسكو تستخدم الهدنة لتوسيع شرعيتها التفاوضية، لا لتخفيف مطالبها الجوهرية في ملف الأرض.
٤. كييف تقبل التهدئة عندما تخدم هدفًا إنسانيًا، لكنها سترفضها إذا تحولت إلى مسار يضغط على السيادة تحت عنوان الواقعية.
٥. أوروبا تواجه اختبار موقعها في أمنها القاري: إما أن تكون شريكًا في صياغة الترتيب، أو تتحول إلى جهة تتحمل نتائجه بعد اكتماله.
٦. آلية التحقق هي الحد الفاصل بين وقف نار قابل للبناء عليه وهدنة إعلامية قصيرة العمر.
سابعًا: التوصيات التنفيذية
١. تحويل ملف الأسرى إلى قناة إنسانية دائمة لا حدث إعلامي
المشكلة التي تعالجها هذه التوصية هي هشاشة الثقة بين الطرفين. لا يستطيع المسار السياسي أن يبدأ من ملفات السيادة والأرض، لأنها الأعلى كلفة والأكثر حساسية، لكنه يستطيع أن يبدأ من ملف الأسرى لأنه يمنح كل طرف مكسبًا داخليًا يصعب رفضه. لذلك يجب على واشنطن وكييف وموسكو، مع إشراك جهة إنسانية معترف بها متى أمكن، تحويل التبادل الحالي إلى قناة دورية تشمل الأسرى، والمفقودين، والجثامين، والمعتقلين المدنيين.
تعمل الآلية عبر فصل الملف الإنساني عن المساومة الإقليمية: تُحدّد قوائم، وتُنشأ مواعيد تبادل متكررة، وتُعتمد جهة تحقق، ويُمنع ربط الإفراج عن الأسرى بمطلب انسحاب أو اعتراف سياسي. كلفتها السياسية محدودة لأنها تمنح كل طرف صورة داخلية إيجابية. خطرها أن تستخدمها موسكو أو كييف كورقة ضغط عند كل تعثر. البديل الاحتياطي، إذا تعذر المسار الواسع، هو البدء بفئات محددة: الجرحى، والمرضى، وصغار السن، والجثامين. مؤشر النجاح ليس عدد الأسرى في الدفعة الأولى فقط، بل انتظام القناة بعد انتهاء الهدنة.
٢. رفض أي تمديد لا يضيف آلية تحقق
المشكلة هنا أن التمديد غير المراقب يخلق مساحة رمادية. في هذه المساحة يستطيع كل طرف إعادة التموضع، ثم اتهام الآخر بخرق لا يمكن حسمه. لذلك يجب على واشنطن، بالتنسيق مع كييف وبروكسل، ألا تتعامل مع التمديد بوصفه هدفًا قائمًا بذاته. الهدف هو تحويل الهدنة من وعد سياسي إلى التزام قابل للفحص.
تبدأ الآلية بتحديد قطاعات جغرافية محدودة بدل محاولة مراقبة الجبهة كلها دفعة واحدة، ثم إنشاء خط اتصال عسكري، وتعريف واضح للخروق، وتوثيق يومي مختصر، وربط أي تمديد جديد بانخفاض الخروق الموثقة. الخطر أن ترفض موسكو رقابة صارمة أو تعدّها أداة غربية. البديل هو صيغة تحقق مرحلية تبدأ بمناطق أقل اشتعالًا، ثم تتوسع إذا ثبتت فاعليتها. مؤشر النجاح هو تراجع الخروق القابلة للتوثيق، لا انخفاض التصريحات العدائية في الإعلام.
نص بارز: التمديد بلا مراقبة لا يطيل الهدنة؛ يطيل الغموض الذي يسمح لكل طرف بتحويل الهدوء إلى استعداد للجولة التالية.
٣. تثبيت كييف وأوروبا داخل المسار الأميركي ـ الروسي
تعالج هذه التوصية خطرًا سياسيًا لا عسكريًا فقط: أن تتحول أوكرانيا وأوروبا إلى طرفين يُبلَّغان بنتائج تفاوض جرى فوقهما. على الإدارة الأميركية أن تربط أي اتصال مع موسكو بتنسيق مسبق ولاحق مع كييف وبروكسل، لا لأن ذلك يرضي الحلفاء فحسب، بل لأن أي صيغة لا تقبلها أوكرانيا ولا تستطيع أوروبا ضمانها ستولد هشة ولو بدت جذابة في لحظة الإعلان.
تعمل الآلية عبر ثلاث خطوات: موقف مشترك قبل التفاوض، قراءة مشتركة بعد كل اتصال أميركي ـ روسي، وخطوط حمراء منشورة بقدر محسوب حول السيادة، والعقوبات، وآلية التحقق. كلفة ذلك أنه يبطئ الحركة الأميركية ويحد من قدرة واشنطن على المناورة المنفردة. غير أن البديل أشد كلفة: تفاهم سريع لا يصمد لأن الطرفين الأكثر تضررًا منه لا يملكان الدفاع عنه. مؤشر النجاح هو تقارب اللغة السياسية بين واشنطن وكييف وبروكسل عند كل محطة تمديد.
٤. إبقاء العقوبات الأوروبية أداة تفاوض مشروطة
لا تُحوَّل العقوبات إلى شعار ثابت لا يتصل بسلوك روسيا، ولا إلى ورقة تُمنح مقابل هدنة قصيرة. وظيفتها الأفضل هي بناء كلفة قابلة للرفع المشروط. على الاتحاد الأوروبي إعداد مسار واضح يقول لموسكو إن أي تخفيف لاحق لا يرتبط بحسن النية، بل بخطوات محددة: تمديد مراقب، خفض الهجمات على البنية المدنية، تقدم ثابت في الملفات الإنسانية، وقبول صيغة تحقق لا تسمح بإخفاء الخروق.
تعمل هذه التوصية لأنها تربط الجزاء بالسلوك، لا بالانطباع. خطرها أن تستغل موسكو أي حديث عن تخفيف لاحق لتفكيك الإجماع الأوروبي أو لإظهار أن العقوبات بدأت تفقد صلابتها. البديل هو إعلان أوروبي مزدوج: لا تخفيف الآن، لكن توجد خريطة مشروطة إذا تغير السلوك. مؤشر النجاح هو بقاء العقوبات موحدة داخل الاتحاد، وتحولها من موقف عقابي عام إلى أداة تفاوض دقيقة.
٥. حماية السيادة الأوكرانية عبر الفصل بين الترتيبات الميدانية والتنازلات السياسية
هذه هي التوصية الأكثر حساسية؛ لأنها تمنع استخدام الهدنة لتغيير وظيفة وقف النار. يمكن بحث خطوط تماس، ومناطق خفض تصعيد، وتدابير أمنية انتقالية، لكن لا يجوز أن تتحول هذه الأدوات إلى اعتراف ضمني بتغيير الحدود بالقوة. على كييف وحلفائها صياغة قاعدة واضحة: الترتيب الميداني مؤقت وقابل للمراجعة، أما السيادة فلا تدخل في مساومة تنتج عن ضغط الهدنة.
تعمل الآلية عبر لغة تفاوضية منضبطة تميّز بين «عدم إطلاق النار في منطقة» و«الاعتراف بوضع سياسي جديد في المنطقة». الخطر أن تتهم موسكو هذا الفصل بأنه تعطيل للتسوية. البديل هو قبول إجراءات أمنية عملية من دون أي صياغة قانونية أو سياسية تمس وضع الأرض النهائي. مؤشر النجاح هو بقاء أي وثيقة تمديد خالية من عبارات تمنح روسيا مكسبًا سياديًا، وبقاء أوكرانيا طرفًا كاملًا في كل صياغة لا موضوعًا للتفاوض بين الآخرين.
-
خاتمة
لا تقف هدنة أيار/مايو عند حدود الحرب الروسية ـ الأوكرانية. إنها تكشف لحظة أوسع في إدارة الحروب الحديثة: لم يعد وقف النار إعلانًا عسكريًا فقط، بل اختبارًا لمن يملك تعريف معنى الهدوء. روسيا تريد أن تجعل الهدنة مدخلًا لشرعية تفاوضية أوسع، وأوكرانيا تريد أن تحصرها في تخفيف الكلفة الإنسانية من دون مساس بالسيادة، وواشنطن تريد تحويلها إلى دليل على قدرة الوساطة، وأوروبا تريد ألا تُستدعى بعد اكتمال الترتيب لتمويل نتائجه وضمان حدوده.
تبيّن السيناريوهات أن المسألة ليست اختيارًا بين سلام قريب وحرب مفتوحة فقط. بينهما مساحة ثالثة: تمديد محدود، هش، قابل للبناء عليه إذا صار مراقبًا، وقابل للانهيار إذا بقي إعلانًا. وتبيّن التوصيات أن عمق السياسة لا يظهر في الدعوة إلى وقف النار، بل في تحديد ما الذي يجعل وقف النار ملزمًا، ومن يدفع ثمن خرقه، وكيف لا يتحول إلى غطاء لمساومة على الأرض.
تقدير الورقة أن الطريق الأرجح هو تمديد محدود ومشروط، لأن مقدمات المشهد تقود إليه: قبول مؤقت، حاجة أميركية إلى نتيجة، مصلحة أوكرانية في المسار الإنساني، رغبة روسية في اختبار المكاسب، وقلق أوروبي من التهميش. غير أن هذه المقدمات نفسها تمنع القفز إلى استنتاج السلام؛ فالحرب لم تبلغ لحظة تسوية، بل بلغت لحظة اختبار للكلفة. لذلك يكون الحكم النهائي أن الهدنة ستكتسب قيمتها فقط إذا صنعت آلية، أما إذا بقيت بلا تحقق وبلا ضمان وبلا تنسيق أوروبي ـ أوكراني، فستتحول إلى محطة قصيرة بين جولتين من الحرب.
















