التفاوض بوصفه اختبارًا للدولة
-
لبنان بين هدنة الضرورة وشرعية القرار
-
لماذا لا تكفي قناة التفاوض ما لم تُبنَ قاعدة وطنية تضبط الهدف والحدود والضمانات؟
-
إقفال البيانات: ٤ أيار/مايو ٢٠٢٦
خلاصة
يدخل لبنان مسار التفاوض مع إسرائيل في لحظة لا تسمح بالترف السياسي. الحرب لم تعد واقعة حدودية قابلة للاحتواء بخطابات التعبئة، ولا تستطيع الدولة الاكتفاء بإدارة الخسائر من الخلف. في المقابل، لا يكفي أن تقول السلطة إن التفاوض ضرورة؛ فالضرورة لا تُنتج شرعية سياسية من تلقاء نفسها. تحتاج الضرورة إلى تفويض، ويحتاج التفويض إلى لغة واضحة تحدد ما يريده لبنان وما يرفضه وما يستطيع تنفيذه.
تقوم فرضية هذه الورقة على أن الخطر لا يكمن في التفاوض ذاته، بل في تفاوض يسبق بناء القاعدة الداخلية التي تحميه. فالتفاوض، عندما تضبطه الدولة، قد يتحول إلى أداة سيادية لوقف التدمير واستعادة جزء من القرار. أما التفاوض حين يجري فوق انقسام داخلي عميق، فإنه يصبح مادة إضافية للصراع بين من يرى فيه استعادة للدولة ومن يراه مدخلًا للتنازل.
صيغة «الهدنة المحدّثة» تبدو، في هذه اللحظة، السقف الأكثر واقعية. فهي لا تمنح إسرائيل اتفاق سلام سياسيًا، ولا تُبقي لبنان في هشاشة وقف نار متكرر الانهيار. وتستند هذه الصيغة إلى ذاكرة قانونية قائمة في اتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩، وإلى إطار أممي حاضر في القرار ١٧٠١، لكنها لا تنجح إلا إذا ارتبطت بانسحاب إسرائيلي واضح، وانتشار فعلي للجيش اللبناني، وآلية تحقق لا تكتفي بتسجيل الخروقات.
تحتاج الرئاسة والحكومة إلى إعادة ترتيب المسار قبل الذهاب أبعد. البداية ليست تشكيل وفد أو انتظار ضغط خارجي، بل صياغة وثيقة تفويض لبنانية قصيرة، تُحدّد الهدف والسقف والخطوط الحمراء وآلية العودة إلى المؤسسات. من دون هذه الوثيقة سيبقى التفاوض عرضة للاختطاف: إسرائيل ستوسّع معنى الأمن، وحزب الله سيقدّم الهدنة كاستهداف سياسي، وواشنطن قد تدفع نحو سقف يتجاوز قدرة الداخل اللبناني على الاحتمال.
الإشكالية والفرضية
السؤال المركزي ليس ما إذا كان لبنان يجب أن يفاوض إسرائيل أم لا. هذا السؤال، على أهميته، بات متأخرًا أمام اتساع الكلفة العسكرية والإنسانية والسياسية. السؤال الأدق هو: كيف يفاوض لبنان من دون أن يحوّل التفاوض إلى شرخ داخلي جديد؟ ومن يملك حق تعريف الهدف اللبناني على الطاولة: الرئاسة والحكومة وحدهما، أم المؤسسات مجتمعة، أم ميزان القوى الفعلي الذي يفرضه السلاح خارج الدولة؟
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن لبنان يحتاج إلى تفويض تفاوضي قبل أن يحتاج إلى وفد تفاوضي. الوفد ينقل موقفًا، أما التفويض فيصنع هذا الموقف ويمنحه قابلية الصمود. وإذا غاب التفويض، يتحول الوفد إلى قناة ضغط لا إلى أداة قرار. عندها لا تفاوض الدولة بوصفها دولة، بل تفاوض بوصفها سلطة منقسمة تحاول استعارة الشرعية من الخارج.
تنبع أهمية هذه الفرضية من طبيعة النظام اللبناني. فالدستور يمنح المؤسسات الشرعية الشكلية، لكن الواقع السياسي يوزع القدرة على القرار بين قوى رسمية وغير رسمية. لذلك لا يكفي أن يكون القرار قانونيًا كي يصبح قابلًا للتنفيذ. يحتاج القرار، في ملفات الحرب والسلم، إلى شرعية اجتماعية وسياسية تمنع القوى المتضررة أو المعترضة من إسقاطه في الشارع أو في الميدان أو في البرلمان.
أولًا: معنى التفاوض في دولة منقسمة
في الدولة المستقرة، يُفهم التفاوض بوصفه امتدادًا للقرار السيادي. أما في لبنان، فيُقرأ التفاوض غالبًا بوصفه اختبارًا لمن يملك الدولة. هذه هي العقدة الأولى. فالرئاسة والحكومة تستطيعان القول إنهما تفاوضان لحماية السيادة ووقف التدمير. غير أن حزب الله يستطيع، في المقابل، أن يعيد تعريف التفاوض بوصفه مسارًا لتقييد المقاومة أو إخراج البيئة الشيعية من معادلة القرار. بين التعريفين تضيع المصلحة العامة إذا لم تُصغ بلغة سياسية جامعة.
تُظهر الوقائع الميدانية الحديثة أن وقف النار لم يُنهِ الحرب، بل خفّض وتيرتها. فقد أفادت رويترز بأن الضربات الإسرائيلية توسعت إلى مناطق خارج الجنوب رغم ترتيبات وقف النار، بينما استمرت إسرائيل في تبرير عملياتها بملاحقة بنى حزب الله. هذا المعطى لا يبرر الاندفاع غير المحسوب، لكنه يضع الدولة أمام مسؤولية مباشرة: ترك المسار بلا تفاوض يعني قبول استمرار التدمير، والتفاوض بلا غطاء يعني قبول تفجير الداخل.
الخلل إذن ليس في مبدأ القناة التفاوضية، بل في غياب النص السياسي المؤسس لها. كان ينبغي أن يسبق أي اتصال مباشر أو شبه مباشر إعلان لبناني داخلي يجيب عن أربعة أسئلة: هل الهدف وقف الأعمال العدائية أم اتفاق سياسي أوسع؟ هل يلتزم لبنان بسقف الهدنة لا السلام؟ ما العلاقة بين أي ترتيب أمني وبين انسحاب إسرائيل؟ وما دور الجيش اللبناني في اليوم التالي؟ عندما لا تُطرح هذه الأسئلة مبكرًا، يملأ الخصوم الفراغ بتفسيراتهم.
يمتلك الرئيس جوزيف عون حجة قوية حين يسأل عن الإجماع في قرار الحرب كما يُسأل هو عن الإجماع في قرار التفاوض. غير أن هذه الحجة تكشف المشكلة ولا تحلها. فإذا كان قرار الحرب اتُّخذ خارج الدولة، فإن الرد الأصح لا يكون بتفاوضٍ يظل ناقص الشرعية، بل بتفاوض يُظهر الفرق بين منطق الدولة ومنطق الفصيل. الدولة لا تقابل خطأ السلاح بخطأ الغموض، بل تبني تفويضًا معلنًا يضع السلاح أمام اختبار سياسي لا أمام سجال شعاري.
ثانيًا: الهدنة المحدّثة لا السلام المؤجل ولا وقف النار الهش
تحتاج بيروت إلى مصطلح يضبط المعنى قبل أن يضبط الورق. كلمة «السلام» تتجاوز الطاقة الداخلية اللبنانية الراهنة، لأنها تستحضر التطبيع، والقضية الفلسطينية، وتوازنات الإقليم، وموقع حزب الله، وحسابات سوريا وإيران. وكلمة «وقف النار» تبدو أضيق من الحاجة، لأنها تشير إلى توقف عسكري قابل للخرق ولا تؤسس بالضرورة لقواعد حدودية جديدة. بين الكلمتين تبرز صيغة «الهدنة المحدّثة» بوصفها مفهومًا عمليًا وسياسيًا في آن واحد.
ليست الهدنة المحدّثة اختراعًا خارج التاريخ اللبناني. اتفاقية الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية لعام ١٩٤٩ منحت نموذجًا مبكرًا لفصل الترتيب العسكري عن التسوية السياسية النهائية. وقد نصت الاتفاقية على الامتناع عن استخدام القوة، وعلى اعتماد خط الهدنة وفق الحدود الدولية، وعلى إنشاء آلية مشتركة لمعالجة الشكاوى. صحيح أن السياق تبدل جذريًا، لكن الفكرة الأصلية ما زالت صالحة: يمكن ضبط النزاع عسكريًا من دون ادعاء حله سياسيًا.
غير أن استدعاء ١٩٤٩ لا ينبغي أن يتحول إلى حنين قانوني. البيئة الحالية أعقد بكثير. حزب الله ليس جيشًا نظاميًا يوقّع وينسحب. إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب كخط حدودي فقط، بل كمساحة أمنية تريد التحكم بها عن بعد أو عبر القوة. والولايات المتحدة لا ترى المسار اللبناني منفصلًا تمامًا عن حساباتها تجاه إيران. لذلك لا تكفي العودة إلى النص القديم؛ المطلوب تحديث فلسفته: وقف الأعمال العدائية، منع التوغل، انتشار الدولة، مراقبة أممية، وتدرج داخلي في معالجة السلاح.
قوة مفهوم الهدنة المحدّثة تكمن في أنه يخاطب الأطراف كلها بحد أدنى من الواقعية. يقول لإسرائيل إن أمن الحدود لا يتحقق عبر احتلال أجزاء من لبنان أو فرض منطقة عازلة داخل أراضيه. ويقول لحزب الله إن حماية الجنوب لا تعني إبقاءه منصة مفتوحة لحسابات إيران أو لردود فعل غير محسوبة. ويقول للدولة إن السيادة لا تُستعاد بخطاب، بل بقدرة فعلية على الانتشار والمراقبة والإعمار.
ثالثًا: نبيه بري والشرعية الشيعية — جسر ضروري لا حق نقض دائم
لا يستطيع أي مسار تفاوضي أن يصمد إذا تجاهل موقع البيئة الشيعية. هذه البيئة ليست هامشًا اجتماعيًا في الأزمة، بل هي ساحة الكلفة الأولى. الجنوب والبقاع والضاحية دفعوا العبء الأكبر من النزوح والدمار والخسائر، ولذلك يتعامل جزء واسع من الجمهور الشيعي مع أي نقاش حول التفاوض أو السلاح بصفته نقاشًا حول الأمن الجماعي والموقع السياسي، لا مجرد نقاش حول تقنية حدودية.
في هذا الموضع يبرز دور نبيه بري. فهو لا يملك تفويضًا مفتوحًا باسم كل الشيعة، ولا يستطيع أن يحل محل الدولة، لكنه يمثل قناة سياسية لا يمكن تجاوزها. قوته لا تنبع من قدرته على فرض اتفاق، بل من قدرته على تحويل الخوف من التهميش إلى قبول مشروط بمسار يوقف الحرب. وعندما نقلت رويترز عنه رفضه التفاوض قبل توقف الحرب، عكست العبارة حدود المناورة التي يتحرك داخلها: لا يستطيع منح غطاء لتفاوض يبدو كأنه يجري تحت النار، لكنه لا يستطيع أيضًا تجاهل الكلفة المتزايدة لاستمرار النار.
ينبغي التعامل مع بري بوصفه جسرًا لا بوصفه فيتو. وظيفة الجسر أن ينقل الدولة إلى بيئة متوجسة، وأن ينقل مطالب هذه البيئة إلى الدولة بلغة قابلة للتفاوض. أما الفيتو فيمنح أي طرف قدرة على تعطيل القرار الوطني بلا بديل. نجاح المسار يتوقف على ضبط هذا الفارق. فإذا حصل بري على دور سياسي محدد ضمن وثيقة تفويض واضحة، يمكنه أن يخفف حدة اعتراض حزب الله وأن يربط الهدنة بحماية الجنوب. وإذا تُرك الدور غائمًا، سيتحول إلى مجال مساومة مفتوح بين الدولة والحزب.
المعادلة العملية التي يمكن لبري أن يشتغل عليها بسيطة من حيث الصياغة وصعبة من حيث التنفيذ: لا سلام شامل الآن، لا تفاوض تحت استمرار التدمير، لا قبول ببقاء إسرائيلي في الجنوب، ولا إبقاء للجبهة مفتوحة خارج سلطة الدولة. هذه المعادلة لا تُرضي جميع الأطراف، لكنها تمنح كل طرف ما يكفي لتجنب الانفجار. وهذا، في السياسة اللبنانية، قد يكون إنجازًا واقعيًا لا تسوية ناقصة.
رابعًا: حزب الله — كيف تُسحب الذرائع بدل إنتاجها من جديد
تدل تقارير حديثة على أن حزب الله دفع كلفة عسكرية وسياسية كبيرة منذ انخراطه في المواجهة. وقد أشارت رويترز إلى خسائر واسعة في صفوف مقاتليه، وإلى نزوح واسع داخل بيئته، وإلى تراجع في قدرته على فرض روايته وحدها داخل لبنان. لكن هذه الخسائر لا تعني العجز الكامل. فالحركات المسلحة لا تفقد قدرتها على التعطيل لمجرد تعرضها للضرب. قد تصبح أكثر ميلًا إلى إعادة بناء شرعيتها عبر خطاب الخطر الوجودي، خصوصًا إذا شعرت أن الدولة تستخدم لحظة الضعف لإقصائها لا لاستعادة القرار العام.
لذلك يجب أن تميز الدولة بين تفكيك حجة حزب الله وبين إذلاله. ويتحقق تفكيك الحجة عبر معالجة عناصر القوة التي يستند إليها خطابه: استمرار الوجود الإسرائيلي أو التوغل، ضعف الجيش، غياب ضمانات دولية، وتردد الدولة في إعادة الإعمار. إذا عالجت الدولة هذه العناصر، تراجع منطق السلاح تدريجيًا. أما الإذلال، فيدفع الحزب إلى تحويل المسألة من نقاش حول الدولة إلى معركة حول الهوية والطائفة والكرامة.
لا تعني هذه القراءة منح حزب الله حقًا دائمًا في تقرير الحرب والسلم. على العكس، جوهر المسار هو إخراج هذا الحق من يد أي فصيل. لكن إخراجه يحتاج إلى هندسة انتقالية. فلا يجوز طرح نزع السلاح كشرط فوري على طاولة إسرائيلية، لأن ذلك يمنح الحزب أفضل ذريعة لرفض الهدنة. ولا يجوز أيضًا إهمال السلاح بالكامل، لأن ذلك يجعل الهدنة فارغة من مضمونها الأمني. الحل الأكثر اتزانًا هو فصل المرحلتين: التزام أمني عاجل جنوب الليطاني، ثم مسار داخلي محدد بزمن يبحث السلاح ضمن معادلة انسحاب إسرائيلي وقدرة جيش وضمانات مراقبة.
بهذه الصيغة لا يصبح السلاح بندًا مؤجلًا إلى الأبد، ولا يتحول إلى قنبلة تفجر الهدنة قبل ولادتها. ويصبح النقاش حوله جزءًا من بناء الدولة لا جزءًا من إملاء خارجي. هذا التفريق ضروري لأن كثيرًا من المسارات اللبنانية تفشل عندما تخلط بين الهدف النهائي والخطوة الأولى. الهدف النهائي هو حصر قرار الحرب والسلم بالدولة. أما الخطوة الأولى فهي وقف التدمير وخلق شروط تجعل هذا الهدف قابلًا للنقاش والتنفيذ.
خامسًا: واشنطن وتل أبيب — وساطة ضرورية وضغط لا ينبغي التسليم له
تملك الولايات المتحدة نفوذًا فعليًا على إسرائيل، وهذا يجعل حضورها ضروريًا في أي مسار حدودي أو أمني. لبنان لا يستطيع تجاهل هذه الحقيقة، لأن أي تعهد إسرائيلي بالانسحاب أو وقف الضربات يحتاج إلى ضامن قادر على الضغط. لكن الضرورة هنا لا تعني التسليم. فواشنطن قد تقيس نجاح المسار اللبناني بمعايير تختلف عن معايير بيروت. قد ترى فيه جزءًا من إعادة ترتيب إقليمي أو من ضغط أوسع على حزب الله وإيران، بينما يحتاج لبنان إلى مسار أضيق يوقف الحرب ويحمي وحدته الداخلية.
أما إسرائيل فتفاوض، أو تضغط كي تُفاوض، من موقع قوة ميدانية. استمرار الضربات، وطرح منطقة عازلة، وربط أي هدوء بنزع سلاح حزب الله، كلها أدوات لرفع السقف. المشكلة أن بعض هذه المطالب قد يبدو أمنيًا في الصياغة، لكنه سياسي في الأثر. فإذا قبل لبنان بمنطقة أمنية داخل أرضه، خسر معنى الهدنة قبل أن تبدأ. وإذا قبل بتعهدات أمنية بلا انسحاب متزامن، بدا كأنه يمنح إسرائيل حقًا في استمرار الضغط. وإذا رفض كل شيء، بقيت الحرب مفتوحة.
تحتاج بيروت، لذلك، إلى ورقة تفاوضية مكتوبة لا إلى نيات عامة. يجب أن تقول الورقة إن أمن الحدود يتحقق من خلال انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني، وتعزيز آلية المراقبة، ومنع العمليات من جنوب الليطاني، لا من خلال احتلال أو منطقة عازلة أو ضربات دورية. كما يجب أن تقول إن أي نقاش سياسي أوسع يحتاج إلى تفويض لبناني مستقل، ولا يدخل تلقائيًا في اتفاق الهدنة.
هذه الورقة ضرورية أيضًا لمخاطبة واشنطن. فكلما دخل لبنان بعبارات عامة عن السيادة ووقف الحرب، استطاعت القوى الخارجية أن تعيد تعريف المصلحة اللبنانية. أما حين يدخل بمحددات مكتوبة، يصبح الضغط أكثر كلفة سياسيًا على الوسيط نفسه. الدبلوماسية لا تكتفي بحسن النية؛ تحتاج إلى نص قصير ومتماسك يمنع تمدد التأويل.
سادسًا: القرار ١٧٠١ واليونيفيل — من مرجعية جامدة إلى آلية تحقق
يمثل القرار ١٧٠١ مرجعية لا يستطيع لبنان القفز فوقها، لكنه لا يستطيع أيضًا الاكتفاء بترديدها. فالقرار دعا إلى وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب، ومنع وجود سلاح أو سلطة خارج الدولة اللبنانية. غير أن التجربة أثبتت أن النص وحده لا يمنع الانهيار إذا غابت القدرة على التنفيذ، وإذا تحولت الرقابة إلى تسجيل للخروقات بدل إنتاج كلفة سياسية على المخالف.
تؤكد اليونيفيل أن مهمتها هي دعم لبنان وإسرائيل في تنفيذ القرار ١٧٠١ ومراقبة الانتهاكات والإبلاغ عنها. هذه المهمة ضرورية، لكنها تحتاج إلى تحديث وظيفي داخل أي هدنة جديدة. فالمنطقة لا تحتاج إلى قوة دولية أكثر حضورًا في الصور، بل إلى آلية أكثر وضوحًا في التحقق: من خرق؟ أين؟ ما طبيعة الخرق؟ ما الأثر السياسي؟ وكيف ينتقل التقرير من أرشيف أممي إلى أداة ضغط دبلوماسي؟
لا ينبغي تحميل اليونيفيل ما لا تستطيع فعله. فهي لا تحل محل الجيش اللبناني، ولا تنتزع السلاح، ولا تمنع إسرائيل من استخدام القوة إذا غاب الردع السياسي. لكنها تستطيع أن تمنح الدولة اللبنانية غطاءً ميدانيًا، وأن تساعد في تثبيت خط فاصل بين الانتهاك والادعاء، وأن تجعل الخرق مرئيًا أمام مجلس الأمن والرأي العام الدولي. هذا الدور يصبح أكثر أهمية إذا قرر لبنان بناء هدنة محدّثة بدل الاكتفاء بوقف نار هش.
يتطلب ذلك ربط الهدنة بخطة انتشار لبنانية قابلة للقياس. عبارة «تعزيز الجيش» لا تكفي. المطلوب تحديد مناطق المسؤولية، وتوقيت الانتشار، واحتياجات التمويل، وقواعد التنسيق، ومؤشرات النجاح. من دون ذلك سيبقى الجيش عنوانًا سياسيًا، بينما تبقى الأرض موزعة بين ضغط إسرائيلي وحسابات حزب الله وحضور أممي محدود القدرة.
خريطة المخاطر النصية
تعرض الورقة المخاطر الأساسية بصياغة نصية تربط بين الاحتمال والأثر، لأن الأزمة لا تتحرك وفق خطوط منفصلة، بل ضمن تفاعل متداخل بين الميدان والسياسة والشرعية الداخلية.
- خطر انهيار الهدنة قبل تثبيتها مرتفع إذا استمرت الضربات الإسرائيلية بالتوازي مع اتصالات سياسية غير معلنة. أثر هذا الخطر شديد، لأنه يعيد كل طرف إلى روايته الأولى: إسرائيل تقول إن القوة وحدها تضبط الحدود، وحزب الله يقول إن التفاوض غطاء للاستسلام، والدولة تبدو عاجزة عن حماية خيارها.
- خطر تحوّل التفاوض إلى انقسام داخلي متوسط إلى مرتفع. يزداد هذا الخطر إذا استخدمت السلطة مصطلحات فضفاضة مثل السلام أو الاتفاق النهائي من دون تفويض واضح. أثره سياسي عميق لأنه يمنح المعترضين قدرة على تعبئة جمهورهم ضد المسار بدل مناقشة شروطه.
- خطر توسع السقف الأميركي أو الإسرائيلي قائم. يظهر هذا الخطر إذا حاولت واشنطن أو تل أبيب ربط الهدنة بنزع سلاح فوري أو بترتيبات سياسية أوسع. أثره مزدوج: يربك الحكومة، ويعيد حزب الله إلى موقع المدافع عن السيادة في نظر جمهوره.
- خطر بقاء الجنوب بلا إعادة إعمار فعالة مرتفع إذا انفصل المسار الأمني عن المسار الاجتماعي. أثره شديد لأن السكان لا يقيسون الهدنة بالنصوص، بل بعودتهم إلى بيوتهم وطرقهم ومزارعهم ومدارسهم. هدنة بلا إعادة إعمار ستبدو هدنة مفروضة على المتضررين لا هدنة لصالحهم.
- فرصة بناء شرعية جديدة للدولة قائمة، لكنها مشروطة. تتحقق إذا ربطت الدولة بين وقف الحرب وانتشار الجيش والتعويض وإعادة الخدمات. عندها يصبح التفاوض دليل قدرة لا علامة ضعف، وتبدأ الدولة بسحب وظائف الأمن والتمثيل من الفاعلين المسلحين تدريجيًا.
المسارات المرجحة
المسار الأول: هدنة محدّثة بغطاء داخلي محدود لكنه كافٍ
هذا هو المسار الأفضل واقعيًا، لا لأنه مثالي، بل لأنه يجمع بين الحاجة إلى وقف الحرب وحدود التوازن الداخلي. يتحقق إذا أصدرت الرئاسة والحكومة، بالتشاور مع رئاسة البرلمان والكتل الأساسية، وثيقة تفويض مختصرة، وإذا قبل بري بلعب دور الجسر داخل البيئة الشيعية، وإذا ضغطت واشنطن على إسرائيل للانسحاب مقابل التزام أمني لبناني قابل للتحقق. أثر هذا المسار أنه يخفف الكلفة العسكرية، ويفتح باب إعادة الإعمار، ويمنح الدولة فرصة لاختبار حضورها في الجنوب.
المسار الثاني: تفاوض بلا تفويض وانهيار سياسي تدريجي
يتحقق هذا المسار إذا استمرت الاتصالات تحت ضغط النار ومن دون إعلان لبناني واضح للسقف والحدود. عندها تتسع فجوة التأويل. المؤيدون يتحدثون عن إنقاذ الدولة، والمعارضون يتحدثون عن تنازل تحت الإكراه، وإسرائيل تستثمر الغموض لرفع مطالبها. أثر هذا المسار أنه لا يؤدي بالضرورة إلى حرب شاملة فورًا، لكنه يضعف الدولة ويجعل كل خطوة تفاوضية موضوع أزمة داخلية جديدة.
المسار الثالث: عودة الحرب المفتوحة تحت عنوان فشل الهدنة
يتحقق هذا المسار إذا ربطت إسرائيل أي تهدئة بشروط قصوى، أو إذا قرر حزب الله أن كلفة الهدنة على موقعه السياسي أعلى من كلفة التصعيد، أو إذا عجزت واشنطن عن ضبط اندفاعة تل أبيب. أثر هذا المسار شديد على لبنان: مزيد من النزوح والدمار، تراجع قدرة الدولة على التفاوض، وتعاظم ارتباط الملف اللبناني بحسابات إقليمية لا يملك لبنان السيطرة عليها.
توصيات تنفيذية
١. إصدار وثيقة تفويض تفاوضي من خمس نقاط
تعد الرئاسة والحكومة وثيقة سياسية قصيرة تحدد هدف التفاوض وسقفه ومرجعيته وخطوطه الحمراء وآلية العودة إلى المؤسسات. تعالج هذه الخطوة غموض البداية، وتمنع تحويل المسار إلى قناة شخصية أو أمنية. تنجح الوثيقة إذا حصلت على قبول عابر للطوائف وعلى غطاء شيعي كافٍ، لا على إجماع كامل مستحيل.
٢. اعتماد مصطلح «الهدنة المحدّثة» في الخطاب الرسمي
يوفر هذا المصطلح سقفًا سياسيًا قابلًا للدفاع عنه. فهو لا يفتح باب السلام الشامل، ولا يحصر النقاش في وقف نار هش. وظيفة المصطلح ليست تجميلية؛ إنه يحدد مجال التفاوض ويمنع الخصوم من جر الدولة إلى معجم لا تريده.
٣. تكليف نبيه بري بدور محدد ومكتوب
ينبغي أن يكون دور بري بناء غطاء سياسي داخل البيئة الشيعية وربط حماية الجنوب بوقف الحرب، لا منح حزب الله حق تعطيل القرار الوطني. ينجح الدور إذا كان جزءًا من تفويض مؤسسي، ويفشل إذا تُرك مفتوحًا للمساومات.
٤. ربط أي التزام أمني لبناني بتزامن واضح
لا تقبل بيروت التزامات جنوب الليطاني من دون انسحاب إسرائيلي وجدول تحقق. التزام بلا تزامن سيُقرأ داخليًا كتراجع، وتزامن بلا تحقق سيبقى وعدًا قابلًا للانهيار. لذلك يجب أن تكون كل خطوة لبنانية مرتبطة بخطوة مقابلة قابلة للقياس.
٥. تحويل الجيش اللبناني إلى أداة تنفيذ لا إلى رمز
تحتاج خطة الانتشار إلى وحدات محددة، وموارد، ومناطق مسؤولية، وتنسيق مع اليونيفيل، ومؤشرات متابعة شهرية. من دون قدرة تنفيذية سيبقى الحديث عن الجيش لغة سيادية جميلة لا تغير ميزان الأرض.
٦. فصل مسار السلاح عن الطاولة الإسرائيلية وربطه بحوار داخلي محدد بزمن
لا يجوز إهمال السلاح، ولا يجوز تحويله إلى شرط فوري للهدنة. المطلوب مسار لبناني يبدأ بعد تثبيت التهدئة، ويربط مستقبل السلاح بانسحاب إسرائيل وقدرة الجيش وضمانات المراقبة وإعادة الإعمار.
٧. إطلاق برنامج عاجل لإعادة الإعمار والخدمات في الجنوب
لا تصمد أي هدنة إذا شعر السكان أنها ترتب أمن الحدود وتتركهم وحدهم مع الركام. يجب ربط الهدنة بصندوق شفاف للتعويضات وإعادة الطرق والجسور والخدمات الأساسية. بهذا المعنى، تصبح إعادة الإعمار جزءًا من الأمن الوطني لا ملفًا إنسانيًا لاحقًا.
نتائج مركزة
- التفاوض ليس خطأً في ذاته؛ الخطأ أن تبدأ الدولة مسارًا سياديًا من دون تفويض داخلي يحميه من الانقسام.
- الهدنة المحدّثة هي الصيغة الأكثر قابلية للحياة لأنها أوسع من وقف النار وأضيق من السلام الشامل.
- دور نبيه بري حاسم لأنه يختبر قدرة النظام اللبناني على تحويل الزعامة الطائفية من مصدر تعطيل إلى جسر انتقال.
- إضعاف حجة حزب الله يتطلب انسحابًا إسرائيليًا، وجيشًا قادرًا، وآلية تحقق واضحة، لا خطابًا إقصائيًا يخلط السلاح بالهوية.
- الوساطة الأميركية ضرورية، لكنها تصبح خطرًا إذا دخل لبنان بلا نص تفاوضي مستقل يحدد معنى النجاح اللبناني.
- القرار ١٧٠١ واتفاقية ١٩٤٩ يوفران ذاكرة قانونية، لكن قيمة أي إطار قانوني تتوقف على القدرة التنفيذية لا على قوة النص وحدها.
خاتمة تركيبية
تبدو الأزمة في ظاهرها تفاوضًا لبنانيًا مع إسرائيل، لكنها في جوهرها تفاوض لبناني مع معنى الدولة. فإذا استطاعت المؤسسات أن تحدد الهدف، وأن تبني تفويضًا، وأن تربط الهدنة بانسحاب وتحقق وانتشار وإعمار، فقد يتحول التفاوض إلى لحظة استعادة جزئية للسيادة. وإذا بقي المسار غامضًا ومنقسمًا، فستتحول كل قناة تفاوض إلى سبب إضافي لتآكل الشرعية.
لا يحتاج لبنان إلى خطاب كبير عن السلام، ولا إلى خطاب تعبوي جديد عن الحرب. يحتاج إلى صيغة باردة ودقيقة: لا حرب مفتوحة، لا سلام مفروض، لا منطقة عازلة داخل الأرض اللبنانية، لا سلاح خارج النقاش إلى الأبد، ولا تفاوض بلا غطاء داخلي. في هذه المنطقة الضيقة توجد فرصة سياسية حقيقية: هدنة لا تدّعي حل الصراع، لكنها تمنع الصراع من ابتلاع الدولة.
الاختبار النهائي لن يكون في توقيع ورقة، بل في اليوم التالي لها. هل يعود سكان الجنوب إلى أرضهم؟ هل ينتشر الجيش بقدرة فعلية؟ هل تُسمى الخروقات بوضوح؟ هل يتراجع حق الفصيل في جر الدولة إلى الحرب؟ إذا كانت الإجابة نعم، تصبح الهدنة بداية مسار. وإذا كانت الإجابة لا، فلن تكون سوى هدنة مؤقتة فوق دولة لم تستعد قرارها بعد.
مصادر ومراجع
١. رويترز، «أرفع سياسي شيعي في لبنان يقول لا للمفاوضات مع إسرائيل قبل توقف الحرب»، ٤ أيار/مايو ٢٠٢٦.
٢. رويترز، «حزب الله يدفع ثمنًا باهظًا في معركة استعادة موقعه»، ٣ أيار/مايو ٢٠٢٦.
٣. رويترز، «ضربات إسرائيلية تطال شرق لبنان رغم وقف إطلاق النار»، ٢٧ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
٤. وكالة أسوشيتد برس، «ضربات إسرائيلية في جنوب لبنان ومسيّرة لحزب الله تصيب جنودًا إسرائيليين»، ١ أيار/مايو ٢٠٢٦.
٥. هيومن رايتس ووتش، «لبنان: ضربات إسرائيلية تقتل المئات وتلحق ضررًا بجسر حيوي»، ١٠ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
٦. اليونيفيل، «ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان»، صفحة رسمية محدثة في ٤ شباط/فبراير ٢٠٢٦.
٧. مجلس الأمن الدولي، القرار رقم ١٧٠١ لعام ٢٠٠٦، ١١ آب/أغسطس ٢٠٠٦.
٨. الأمم المتحدة، «اتفاقية الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل»، ٢٣ آذار/مارس ١٩٤٩.
٩. مشروع أفالون ـ جامعة ييل، «اتفاقية الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية العامة»، ٢٣ آذار/مارس ١٩٤٩.
١٠. تقرير مجلس الأمن، «لبنان: التوقعات الشهرية لشهر أيار/مايو ٢٠٢٦»، ١ أيار/مايو ٢٠٢٦.




















