- أوروبا ومأزق الباب الروسي: أوكرانيا بين اختبار التفاوض وخطر التسوية الناقصة
- اختبار التفاوض في حرب أوكرانيا بين حماية السيادة ومنع تهميش الاتحاد الأوروبي
- إقفال البيانات: ٨ أيار/مايو ٢٠٢٦
- تقدّر هذه الورقة أن الانفتاح الأوروبي المحتمل على موسكو ليس اعترافًا متأخرًا بـ«واقعية» الغزو الروسي، ولا تغيّرًا في موقف الاتحاد من الحرب ذاتها. يكشف هذا الانفتاح تحولًا اضطراريًا في طريقة إدارة كلفة الحرب والبحث عن نهايتها. فالاتحاد الأوروبي يخشى أن يتحول من ممول رئيسي للصمود الأوكراني إلى متلقٍّ لنتائج تسوية تُصاغ خارج إرادته. لذلك يختبر الأوروبيون الاتصال لأنهم يريدون قياس حدود الموقف الروسي ومنع انفراد واشنطن وموسكو بمسار يعيد تشكيل الأمن الأوروبي. غير أن أي اتصال غير مضبوط يمنح الكرملين مكسبًا فوريًا في الصفة، حتى قبل أي تنازل في المضمون.
ملخص تنفيذي
يكشف الحديث الأوروبي عن إمكان فتح مسار مع فلاديمير بوتين تحولًا نفسيًا وسياسيًا في حسابات الاتحاد الأوروبي: من سؤال «كيف ندعم أوكرانيا لتصمد؟» إلى سؤال أدق: «كيف نمنع أن تخرج أوروبا خاسرة أيًّا كانت نهاية الحرب؟». لا يحمل هذا التحول معنى التراجع عن الحكم على الغزو الروسي، بل يعكس إدراكًا بأن أدوات الدعم والعقوبات تمنع الهزيمة لكنها لا تصنع، وحدها، نهاية استراتيجية للصراع.
يتوزع القلق الأوروبي بين خيارين كلاهما باهظ الكلفة: حرب استنزاف تُرهق الذخائر والموازنات وتُتعب الرأي العام، أو تسوية متعجلة تخفض مستوى القتال دون التعرض لجذور الصراع. في الحالتين، تبقى أوروبا مطالبة بتمويل أوكرانيا، وتدعيم ردعها الشرقي، وإدارة علاقة روسية لم تستقر على قاعدة أمنية واضحة.
يقع التنازل الأوروبي الممكن في الصفة السياسية لا في الجغرافيا. فالأرض الأوكرانية لا تقع ضمن نطاق صلاحيات القرار الأوروبي، أما إعادة بوتين من موقع المعزول إلى موقع المحاور اللازم فهي كلفة سياسية حقيقية، لأنها تمنح موسكو مكسبًا رمزيًا قبل اختبار أي تبدل في سلوكها.
تريد موسكو من أي اتصال أكثر من وقف النار. تريد تأكيدًا بأن عزلها لم يحسم الحرب، وتحويل السيطرة الميدانية إلى أصل تفاوضي، ونقل العقوبات من خانة الضغط إلى خانة المساومة، واختبار قابلية الغرب للانقسام.
تتعطل المبادرات لأن الأطراف تستخدم كلمة «السلام» بمعان مختلفة. أوروبا وأوكرانيا تقرآن السلام بوصفه حماية للسيادة وقاعدة عدم تغيير الحدود بالقوة، في حين تسعى روسيا إلى تسوية تمنح القوة أثرًا سياسيًا مستقرًا.
يرجّح هذا التقدير نشوء مسار اختبار محدود بين أوروبا وروسيا في الأمد القريب، من دون انتقال سريع إلى تسوية شاملة. يحقق هذا المسار مصلحة أوروبية في منع التهميش، ومصلحة روسية في كسر العزلة، لكنه يبقى هشًا إذا غابت المعايير التنفيذية.
يقاس نجاح المسار الأوروبي بثلاث عتبات صارمة: بقاء أوكرانيا شريكًا في التفويض والقرار، ربط كل حافز بفعل روسي قابل للتحقق، ومنع تحول وقف النار إلى إدارة طويلة للأمر الواقع تحت غطاء دبلوماسي.
سؤال التقدير
هل يستطيع الانفتاح الأوروبي المحتمل على بوتين أن يتحول إلى مسار اختبار منضبط يقرّب تسوية قابلة للتحقق في أوكرانيا، أم يكشف حدود القدرة الأوروبية أمام تسوية تُدار بين الولايات المتحدة وروسيا وتترك أوروبا أمام كلفة أمنية لا تملك شروطها كاملة؟
الحجة المركزية
تتحرك أوروبا الآن نحو اختبار قناة الاتصال مع روسيا، بعدما أدركت أن التمويل المستمر لأوكرانيا وتشديد العقوبات على موسكو لم يعودا كافيين لصياغة نهاية للحرب. الغياب عن التفاوض يفتح الباب أمام تسوية يديرها الآخرون وتتحمل أوروبا تبعاتها. الاتصال المشروط يحمل كلفة سياسية، لكنه يمنح الاتحاد فرصة لصوغ العتبات التي تمنع تحويل وقف النار إلى مكافأة للقوة. في المقابل، يحصل الكرملين من مجرد الاتصال الرفيع على مكسب أولي في الصفة: الانتقال من دولة معاقبة ومعزولة إلى طرف لا يكتمل بحث الأمن الأوروبي من دونه.
تفاوض أوروبا، في جوهر الأمر، ثلاثة ملفات متداخلة لا يمكن الفصل بينها: موقعها داخل النظام الأمني الأوروبي المقبل، وحدود اعتمادها على الولايات المتحدة في الضمانات والردع، ومصير قاعدة عدم تغيير الحدود بالقوة. تماسك هذه الملفات هو ما يمنح الورقة الأوروبية قيمتها؛ وانفصالها يحوّل الحضور الأوروبي إلى مشاركة شكلية في مسار يقرره الآخرون.
«أوروبا لا تفاوض روسيا على أوكرانيا فحسب؛ إنها تفاوض موقعها الخاص في النظام الأمني الأوروبي المقبل، وحدود اعتمادها على واشنطن، ومصير قاعدة عدم تغيير الحدود بالقوة.»
أوروبا لا تفاوض روسيا على أوكرانيا فحسب؛ إنها تفاوض موقعها الخاص في النظام الأمني الأوروبي المقبل، وحدود اعتمادها على واشنطن، ومصير قاعدة عدم تغيير الحدود بالقوة.
تتضح دلالة الانفتاح الأوروبي عند الفصل بين أربعة مستويات: الواقعة الموثقة، وتفسير دلالتها، وتقدير المسار المرجح، والحكم الاستراتيجي المستخلص منها. بهذا الفصل يصبح الاتصال المحتمل اختبارًا لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه وأدواته، من دون تقويض موقع أوكرانيا أو منح روسيا مكسبًا سياسيًا بلا مقابل.
أولًا: طبيعة التحول الأوروبي
دخل الاتحاد الأوروبي المرحلة الأولى من الحرب الواسعة بمنطق واضح: دعم كييف، تشديد العقوبات، الحفاظ على وحدة الغرب، ومنع تحويل الغزو الروسي إلى أمر واقع سريع. حقق هذا المنطق نتائج مهمة. بقيت الدولة الأوكرانية قائمة، وارتفعت كلفة الحرب على موسكو، وتكرس في الخطاب الأوروبي أن تغيير الحدود بالقوة لا يصنع شرعية.
تظهر حدود هذه المقاربة عند سؤال النهاية. العقوبات أضعفت قطاعات روسية وضيّقت حركة التمويل والتكنولوجيا، لكنها لم تدفع موسكو إلى تراجع استراتيجي. الدعم العسكري والمالي حافظ على صمود أوكرانيا، لكنه لم يمنحها قدرة حاسمة على فرض شروط السلام. أما العزل السياسي فلم يلغ حقيقة أن روسيا تبقى الطرف الذي يملك قرار استمرار الحرب أو وقفها. هذا التناقض دفع العواصم الأوروبية إلى مراجعة وظيفة الأدوات، لا إلى مراجعة الموقف من الغزو.
تشير تصريحات رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى وجود «إمكان» لحوار أوروبي مع بوتين، فيما رد الكرملين بأن الرئيس الروسي مستعد للتواصل مع الأوروبيين لكنه لن يبادر إليه، في حين يختبر الطرفان معنى المبادرة قبل مضمونها. أوروبا تريد أن تظهر بوصفها طرفًا يفتح مسارًا بشروطه، وموسكو تريد أن تظهر بوصفها الطرف الذي تعود إليه أوروبا بعد سنوات من العزل [١].
والواقع أن الدبلوماسية تبدأ هنا من سؤال الصفة قبل جدول الأعمال: من يطلب القناة؟ ومن يملك شروطها؟ دخول الاتحاد الأوروبي بلا تفويض واضح يمنح روسيا ربحًا في الشكل قبل أي تنازل في المضمون. أما ترك كل القنوات لواشنطن وموسكو فيضع أوروبا أمام نتيجة قد تكون ملزمة لها أكثر مما تكون صادرة عنها.
ثانيًا: ماذا يريد الأوروبيون؟
تبدو عبارة «أوروبا تريد السلام» قاصرة عن تفسير التحول الراهن. فكل طرف يستخدم الكلمة نفسها ويحمّلها معنى مختلفًا. يريد الاتحاد الأوروبي صيغة تحقق ثلاثة شروط متلازمة: حضورًا أوروبيًا في القرار، ومنعًا لمكافأة القوة، واختبارًا عمليًا للسلوك الروسي بدل الاكتفاء بوعود سياسية عامة.
١. منع انفصال القرار عن الكلفة
دفعت أوروبا كلفة الحرب في الطاقة، والدفاع، واللاجئين، والموازنات، والعقوبات، وإعادة ترتيب الصناعات العسكرية. وستدفع، على الأرجح، جزءًا كبيرًا من كلفة إعادة إعمار أوكرانيا وضمان استمرارها المالي والعسكري. لذلك ينظر الاتحاد الأوروبي إلى أي تسوية محتملة من زاوية العلاقة بين من يقرر ومن يتحمل النتائج. فإذا صيغت النهاية بين واشنطن وموسكو، سيبقى الأوروبيون أمام تبعاتها: تمويل طويل لكييف، حدود شرقية قلقة، وردع يحتاج إلى استثمار دائم.
يفسر ذلك إصرار أوروبا على الحضور السياسي. فالمقعد الأوروبي وسيلة لمنع انفصال القرار عن الكلفة. أي اتفاق يهمل هذه الكلفة سيعيد إنتاج الأزمة بعد وقف القتال؛ إذ ستحتاج أوكرانيا إلى موارد وضمانات وإدارة سياسية لعلاقة روسية أوكرانية لم تُعالَج جذورها. عندها يتحمل الاتحاد كلفة سلام لم يضع هندسته.
٢. منع السلام الذي يكافئ القوة
يشكّل مبدأ عدم جواز تغيير الحدود بالقوة قاعدة أمنية أوروبية أساسية، وليس مجرد صيغة قانونية شكلية. إذا انتهت الحرب بصيغة تجعل السيطرة العسكرية أصلًا لحل سياسي، ستصبح الرسالة أوسع من أوكرانيا: تستطيع القوة أن تنتج واقعًا سياسيًا إذا طال الزمن بما يكفي. لذلك يتمسك المجلس الأوروبي بسلام شامل وعادل ودائم يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مع ضمان أمن أوكرانيا وقدرتها الدائمة على الدفاع عن نفسها [٢].
يخشى الأوروبيون وقفًا للنار يحمل اسم التهدئة ويعمل كآلية تثبيت. الخط الذي تتوقف عنده المدافع لا يبقى عسكريًا فقط إذا طال الزمن. يصبح خط إدارة، ثم خط تفاوض، ثم مرجعًا عمليًا يُضيّق هامش النص القانوني. لذلك تحتاج أوروبا إلى صيغة تمنع انتقال الوقف من إجراء مؤقت إلى اعتراف صامت بما فرضته القوة.
«الخطر الحقيقي الذي يواجه أوروبا لا يكمن في استمرار الحرب الطويلة فحسب، بل في سلام ناقص يخفض وتيرة القتال ويترك القارة أمام كلفة أمنية وسياسية مطولة.»
٣. اختبار روسيا بدل الثقة بها
يدخل الاتحاد الأوروبي فكرة الاتصال من موقع اختبار، لا من موقع اطمئنان. الأسئلة الحاكمة واضحة: هل تقبل روسيا وقفًا كاملًا وقابلًا للمراقبة؟ هل تفصل وقف النار عن الاعتراف بالأرض؟ هل تقبل آلية تحقق؟ هل تتعامل مع العقوبات كحوافز مرتبطة بسلوك محدد، أم تطلبها ثمنًا لمجرد الجلوس؟
يفرض هذا المنطق أن يمتلك المسار معايير نجاح وفشل. القناة التي لا تقيس السلوك الروسي ستعيد تدوير الشروط الروسية بدل اختبارها. أما المسار المنضبط فيبدأ من سؤال محدد: ما الفعل الروسي الذي يبرر استمرار الاتصال أو رفع مستواه؟ وما الفعل الذي يستدعي خفضه أو إغلاقه؟
ثالثًا: حدود التنازل الأوروبي الممكن
ينبغي إخراج سؤال «التنازلات الأوروبية» من الالتباس. الأرض الأوكرانية ليست ورقة أوروبية، وأي اعتراف بشرعية ضم أو سيطرة فرضتها الحرب يهدم الموقف القانوني الأوروبي. مع ذلك، تمتلك أوروبا أوراقًا تتحول إلى تنازلات في الصفة، والأداة، وجدول الأعمال، والتوقيت.
١. التنازل في الصفة السياسية
منذ عام ٢٠٢٢، شكّل عزل بوتين جزءًا من الرد السياسي على الحرب. فتح مسار أوروبي معه لا يعني قبول مطالبه، لكنه يعيد إليه صفة المحاور اللازم. هذه الصفة مكسب روسي مستقل عن تفاصيل الطاولة؛ لأنها تبدل صورة موسكو من دولة معاقبة بسبب الغزو إلى طرف مطلوب لإنتاج السلام. سيقدم الكرملين هذا التحول لجمهوره وللخارج بوصفه دليلًا على أن سياسة العزل لم تحسم الحرب.
«التنازل الأوروبي الأخطر لا يُرسم على الخريطة، بل يتحقق حين يخرج بوتين من موقع «المعزول» إلى موقع «المحاور الذي لا تُبنى أي تسوية من دونه».»
يحتاج الاتصال الأول إلى مقابل واضح. يرتبط المستوى الرفيع من الاتصال بسؤال محدد: هل تقبل روسيا وقفًا قابلًا للتحقق؟ هل تقبل آلية مراقبة؟ هل توقف استهداف البنية المدنية؟ غياب هذا الربط يحول فتح الباب إلى تنازل في الصفة بلا ثمن.
٢. التنازل في أداة العقوبات
العقوبات هي الورقة الأوروبية الأثقل. واصل مجلس الاتحاد الأوروبي توسيعها في نيسان/أبريل ٢٠٢٦ عبر الحزمة العشرين، مستهدفًا قطاعات الطاقة، والصناعة العسكرية، والتجارة، والخدمات المالية، بما في ذلك أدوات الأصول الرقمية ومسارات التحايل [٣].
إدخال العقوبات في مسار تفاوضي يغيّر وظيفتها جذريًا: تنتقل من أداة ضغط مفتوحة إلى ورقة مساومة. يصبح هذا التحول مشروعًا عندما يرتبط بفعل روسي قابل للتحقق، ويصبح خطرًا عندما يبدأ مقابل نيات أو تصريحات. قد يكون ثمن التخفيف المحدود سياسيًا أكبر من قيمته الاقتصادية إذا منح موسكو إشارة مبكرة بأن الضغط الأوروبي قابل للمراجعة قبل تبدل السلوك.
٣. التنازل في جدول الأعمال
ستحاول موسكو توسيع جدول البحث ليشمل مستقبل أوكرانيا الأمني، وانتشار القوات، والقيود على التسليح، والعلاقة مع حلف شمال الأطلسي، وربما معادلة أوسع للأمن الأوروبي. لا تستطيع أوروبا تجاهل هذه الملفات إذا أرادت وقفًا مستدامًا؛ غير أن قبولها بصيغة تمنح روسيا حق الفيتو على خيارات أوكرانيا سيعني انتقال التفاوض من إدارة الحرب إلى إعادة إنتاج مناطق النفوذ.
الفاصل العملي واضح: آليات المراقبة، وخفض الاحتكاك، والشفافية العسكرية، وترتيبات منع تجدد القتال تدخل ضمن إدارة الأزمة. أما ربط سيادة أوكرانيا بموافقة موسكو فيحوّل التفاوض إلى أداة لتقييد الدولة التي تعرضت للغزو.
٤. التنازل في التوقيت
مال المنطق الأوروبي، في المراحل السابقة، إلى ربط العودة السياسية إلى موسكو بتغير ملموس في السلوك الروسي. بحث القناة قبل هذا التغير يمثل تنازلًا زمنيًا. فهو يفتح الباب قبل أن تقدم روسيا ما يثبت تبدل نيتها. لذلك ينبغي أن يعوض الأوروبيون هشاشة التوقيت بصلابة الشروط، لأن التوقيت المبكر بلا شروط يمنح موسكو فرصة لتسويق العودة الأوروبية بوصفها تراجعًا لا اختبارًا.
رابعًا: ماذا تريد روسيا؟
تنظر موسكو إلى المسار الأوروبي كأداة لإعادة ترتيب صفتها السياسية بعد سنوات من العقوبات والعزل، أكثر من كونه قناة تقنية لإنهاء القتال. يعمل الحساب الروسي على أربعة مستويات مترابطة: الاعتراف بالموقع، وتحويل الأرض إلى أصل تفاوضي، ونقل العقوبات إلى حيز المساومة، وتفكيك الغرب عبر تعدد المسارات.
١. الاعتراف بالموقع قبل المطالب
لا تحتاج موسكو في المرحلة الأولى إلى اعتراف أوروبي رسمي بمطالبها.
يكفيها أن يقبل الأوروبيون بأنها طرف لا يمكن تجاوزه. هذه النقلة تكسر سردية العزل وتعيد تقديم روسيا بوصفها شريكًا إجباريًا في الأمن الأوروبي. قول الكرملين إن بوتين لن يبادر إلى الاتصال يخدم هذه الرواية؛ إذ يريد أن يبدو الاتحاد الأوروبي هو الطرف الذي يعود إلى باب موسكو [١].
٢. تحويل الأرض إلى أصل تفاوضي
تكشف مطالب موسكو في الدونباس جوهر رؤيتها للتسوية. لا تريد روسيا وقفًا يعيد النقاش إلى قاعدة الانسحاب والسيادة، بل وقفًا يعترف بأن خطوط السيطرة أو المطالب الروسية أصبحت جزءًا من أي حل. أعلن الكرملين في نيسان/أبريل ٢٠٢٦ أن أوكرانيا كان ينبغي أن تسحب قواتها من الدونباس «بالأمس»، في سياق شروط روسية مشددة حول المنطقة [٤].
ليست قضية الدونباس مجرد خلاف على الحدود. إنها تجسيد لصراع بين منطقين متعارضين: أوروبا وأوكرانيا ترفضان أن تصنع القوة حقًا سياسيًا، وروسيا ترى أن الوقائع التي صنعتها القوة لا يمكن تجاوزها. لذلك تتعطل التسوية عند الأرض لأنها تختبر القاعدة المؤسسة للأمن الأوروبي: هل يبقى القانون أعلى من القوة، أم تتحول القوة إلى طريق نحو قانون جديد؟
٣. تفكيك العقوبات بدل إسقاطها دفعة واحدة
ستسعى موسكو إلى تفكيك العقوبات قطاعيًا. تطلب مرونة في الطاقة، أو النقل، أو التأمين، أو الخدمات المالية، أو الأصول، أو التكنولوجيا، أو الاستثناءات المرتبطة بأطراف محددة. لا تحتاج روسيا إلى رفع شامل في البداية؛ يكفي أن تنتقل العقوبات من وضع الثبات إلى وضع المراجعة. عندها تستطيع موسكو تقديم تهدئات محسوبة لا تغير جوهر السلوك، لكنها تُمهّد لطلب تنازلات متدرجة.
٤. التفاوض مع التناقضات الغربية
لا تحتاج روسيا إلى إقناع الغرب كله. يكفي أن تخلق مسارات متنافسة: مسارًا أميركيًا روسيًا، ومسارًا أوروبيًا روسيًا، وتنسيقًا غربيًا أوكرانيًا متوترًا، وخلافات داخل الاتحاد بين دول ترى روسيا تهديدًا مباشرًا ودول تريد خفض كلفة الحرب. عندئذ لا تفاوض موسكو موقفًا غربيًا موحدًا، بل تتحرك عبر فجواته. لذلك تمثل القنوات غير المنسقة خطرًا استراتيجيًا لا خللًا إداريًا فقط.
خامسًا: لماذا لم تنجح المبادرات السابقة؟
طرقت أوروبا باب الحل أكثر من مرة. غير أن العثرة لم تكن في عدد الاجتماعات أو أسماء الوسطاء، بل في تعريف الأزمة. هل هي نزاع حدودي قابل للإدارة، أم صراع على موقع أوكرانيا داخل النظام الأمني الأوروبي؟
١. مينسك: غموض العلاقة بين الأمن والسياسة
قدمت اتفاقات مينسك عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥ أول إطار أوروبي كبير لإدارة الحرب في الدونباس. شاركت فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في هذا المسار، الذي استهدف وقف القتال وتنظيم ترتيبات أمنية وسياسية. غير أن الاتفاق حمل تفسيرين متعارضين. أرادت كييف الأمن أولًا: وقف النار، وسحب السلاح، واستعادة السيطرة على الحدود. أرادت موسكو السياسة أولًا: ترتيبات خاصة للمناطق المتنازع عليها تمنحها نفوذًا داخل القرار الأوكراني قبل استعادة كييف السيطرة الفعلية [٦].
لم يكن الخلاف تقنيًا على بند أو جدول زمني. دار الخلاف حول معنى السيادة: هل تستعيد الدولة سيطرتها ثم تناقش ترتيبات سياسية داخلية، أم تُفرض الترتيبات تحت ضغط السلاح ثم تسمى حلًا سياسيًا؟ تستخلص الورقة من تجربة مينسك قاعدة واضحة: أي اتفاق يترك العلاقة بين الأمن والسياسة غامضة سيعيد إنتاج الأزمة، لأن الغموض يتحول عند التنفيذ إلى أداة ضغط لا إلى جسر للحل.
٢. دبلوماسية ما قبل الغزو: إدارة تصعيد أمام مشروع إعادة ترتيب
قبل شباط/فبراير ٢٠٢٢، حاولت عواصم أوروبية منع الحرب. تعاملت أوروبا مع الأزمة كتصعيد يمكن خفضه عبر القنوات السياسية، في حين تعاملت روسيا معها كمدخل لإعادة طرح بنية الأمن الأوروبي: وضع أوكرانيا، وحدود توسع الناتو، وموقع موسكو في جوارها. تنجح الوساطة عندما يريد الطرفان خفض التصعيد. أما إذا اعتبر أحدهما التصعيد وسيلة لإعادة ترتيب النظام، فإن الدبلوماسية وحدها تفقد فعاليتها.
٣. قمة سويسرا: شرعية بلا قناة إلزامية
ثبّتت قمة السلام في سويسرا عام ٢٠٢٤ إطارًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا، قائمًا على مبدأ السلام الشامل والعادل والدائم، لكنها لم تكن قناة تفاوض مباشرة مع روسيا. بنت القمة مرجعية ولم تنتج مسارًا تنفيذيًا ملزمًا [٥]. تكشف التجربة أن الشرعية بلا قناة تبقى محدودة الأثر، وأن القناة بلا شرعية تتحول إلى مساومة على نتائج القوة. التحدي الأوروبي الحالي هو الجمع بين الاثنين: مسار مع موسكو لا يهدم قاعدة السيادة، ومرجعية قانونية لا تبقى خارج السياسة.
سادسًا: المعضلة الحقيقية التي تعطل الحل
لا تقع العقدة في عدد المبادرات ولا في أسماء الوسطاء. تستخدم الأطراف كلمة «السلام» بمعان مختلفة. تطلب أوروبا سلامًا يحمي القاعدة القانونية ويمنع مكافأة الغزو. وتطلب أوكرانيا سلامًا يحفظ الدولة ولا يحول فقدان الأرض إلى واقع مستقر. وتسعى الولايات المتحدة إلى خفض الكلفة وإدارة أولوياتها العالمية. أما روسيا فتطلب سلامًا يعترف بأن القوة غيّرت الوقائع.
ينتج هذا الاختلاف أربع عقد صلبة: الأرض، والضمانات، والعقوبات، والتمثيل.
١. عقدة الأرض: خط تماس أم واقع سياسي؟
أي وقف نار سيجمّد القتال عند خط ما. يمكن أن يبقى هذا الخط إجراءً مؤقتًا ومراقبًا، ويمكن أن يتحول مع الزمن إلى واقع سياسي. تخشى كييف ودول أوروبية كثيرة أن يصبح وقف النار بابًا خلفيًا لقبول الأمر الواقع. لا يحتاج الأمر إلى اعتراف قانوني صريح إذا تحولت الإدارة اليومية إلى اعتراف عملي. كل شهر إضافي يمر في هذا الوضع المعلّق يزيد كلفة تغييره لاحقًا، ويجعل المؤقت أقرب إلى الدائم.
٢. عقدة الضمانات: من يمنع الحرب التالية؟
لا تخشى أوكرانيا وقف القتال في ذاته، بل تخشى هدنة تمنح روسيا وقتًا لإعادة بناء القدرة. لذلك لا يحمل وقف النار معنى مستقرًا من دون ضمانات قابلة للتنفيذ: تسليح طويل الأمد، دفاع جوي، تدريب، تمويل مستقر، مراقبة، وآلية رد على الخرق. الضمانات الضعيفة تجعل الهدنة استراحة تكتيكية، بينما تحتاج التسوية إلى قيود استراتيجية على العودة إلى الحرب.
٣. عقدة العقوبات: ضغط أم مكافأة؟
العقوبات حافز إذا ربطتها أوروبا بفعل روسي قابل للتحقق، ومكافأة إذا استخدمتها مبكرًا مقابل تصريحات أو نيات. لذلك يجب أن يكون أي تخفيف محددًا، مؤقتًا، قابلًا للعكس، ومربوطًا بفعل روسي واضح. بهذه الصيغة تبقى العقوبات أداة ضبط. من دون هذه الصيغة تصبح العقوبات ثمنًا سياسيًا تدفعه أوروبا لتستمر القناة.
٤. عقدة التمثيل: من يملك التفويض؟
إذا تحدثت أوروبا مع روسيا من دون أوكرانيا، ستكسب قناة وتخسر شرعية. وإذا تركت واشنطن وحدها تدير المسار، سيتراجع موقع أوروبا. وإذا دخل الجميع بلا تنسيق، ستربح روسيا التناقضات. لا يقل سؤال من يجلس إلى الطاولة أهمية عن سؤال ما الذي يُطرح عليها. التفويض شرط للمعنى، لا تفصيلًا إجرائيًا.
الفاعلون: المصالح والأدوات والقيود
الاتحاد الأوروبي
يريد الاتحاد الأوروبي منع تسوية تجعله مسؤولًا عن كلفة سلام هش من دون أن يملك شروطه. يملك العقوبات، والتمويل، وإعادة الإعمار، والشرعية المؤسسية، والدعم السياسي لكييف. تقيده تباينات الدول الأعضاء، والاعتماد الأمني النسبي على الولايات المتحدة، وضغط الرأي العام، وصعوبة تحويل القوة الاقتصادية إلى نفوذ أمني حاسم. تظهر معضلته في أنه قوي اقتصاديًا ومؤسسيًا، وأقل قدرة على فرض الضمانات الأمنية الكبرى منفردًا.
أوكرانيا
تريد أوكرانيا منع تحويل وقف النار إلى خسارة سيادية طويلة. أدواتها هي شرعية الدفاع، والصمود، والدعم الغربي، والقدرة على رفض تسوية لا تمر عبرها. يقيدها الاعتماد على الدعم الخارجي وخطر تحول تعب الحلفاء إلى ضغط سياسي. ستقبل كييف بدور أوروبي يحميها من صفقة ثنائية، وستقاوم أي مسار يعرض عليها نتائج تفاوضية بوصفها «الواقعية الممكنة».
روسيا
تسعى روسيا إلى تحويل الحرب إلى اعتراف سياسي. أدواتها هي السيطرة الميدانية، والاستنزاف، والتصعيد، والطاقة، والحرب النفسية، واستثمار الانقسام الغربي. يحدّ من قدرتها أن الاعتراف الكامل بمطالبها ما يزال بعيدًا، وأن استمرار الحرب يراكم كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية. ومع ذلك، لا تحتاج موسكو إلى نصر عسكري شامل؛ يكفيها أن تمنع أوكرانيا من استعادة سيادتها الكاملة، وأن تفتح ملف العقوبات، وأن تظهر الغرب منقسمًا أمام شروطها.
الولايات المتحدة
تريد واشنطن خفض كلفة الحرب من دون خسارة موقعها القيادي. تملك السلاح، والضمانات، والاستخبارات، والقدرة على التفاوض المباشر مع موسكو. تقيدها أولويات عالمية لا تتطابق دائمًا الحسابات الأوروبية أو الأوكرانية. الخطر الأوروبي أن تنظر واشنطن إلى التسوية من زاوية إدارة العبء، في حين تراها أوروبا من زاوية بنية الأمن القاري لعقد مقبل.
المخاطر والفرص
يتمثل الخطر الأول في تطبيع الأمر الواقع من دون الاعتراف به. يحدث ذلك عبر تراكم إجراءات صغيرة: اتصال محدود، وقف نار غامض، مراقبة ناقصة، استثناءات إنسانية تتحول إلى استثناءات اقتصادية، ثم تعامل عملي مع خطوط السيطرة. عندها لا تعترف أوروبا قانونيًا بما فرضته روسيا، لكنها تديره سياسيًا وأمنيًا كواقع شبه دائم.
يتعلق الخطر الثاني بانقسام أوروبا على وظيفة المسار. إذا قرأت بعض العواصم الاتصال بوصفه اختبارًا، ورأته أخرى مخرجًا سريعًا من الكلفة، وعدّته دول الشرق تهديدًا للردع، ستذهب أوروبا إلى موسكو من دون موقف واحد. موسكو تفاوض التناقضات بمهارة أكبر مما تفاوض الكتل المتماسكة.
ينشأ الخطر الثالث من تراجع أوكرانيا من طرف مقرر إلى موضوع تفاوض. لا يكفي تأكيد الأوروبيين أنهم لن يتجاوزوا كييف. المعيار العملي هو مشاركتها في التفويض، وموافقتها على جدول الأعمال، وامتلاكها حق الاعتراض، وقدرتها على الدفاع عن أي صيغة أمام جمهورها ومؤسساتها.
تكمن الفرصة الأساسية في استعادة أوروبا لوظيفتها السياسية. إذا دخل الاتحاد الأوروبي المسار بتفويض واضح، وبشراكة أوكرانية كاملة، وبعقوبات مشروطة، يستطيع منع احتكار واشنطن وموسكو للملف، واختبار السلوك الروسي، وربط الحوافز بتغيرات قابلة للتحقق. من دون هذه الشروط يتحول المسار إلى إعادة تأهيل سياسية لروسيا باسم الواقعية.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: مسار اختبار محدود لا ينتج تسوية شاملة
في السيناريو الأرجح، تفتح أوروبا اتصالًا سياسيًا أو أمنيًا محدودًا مع روسيا، مباشرة أو عبر وسيط، من دون انتقال فوري إلى مفاوضات سلام شاملة. تؤدي القناة وظيفة اختبارية: قياس استعداد موسكو لوقف قابل للتحقق، وفحص حدود مطالبها في الأرض والعقوبات والضمانات، وتثبيت حضور أوروبي يمنع احتكار المسار.
تنبع قوة هذا المسار من أنه يمنح كل طرف مكسبًا محدودًا من دون إلزام نهائي. تحصل أوروبا على موقع داخل المسار، وتكسر روسيا جزءًا من العزلة، وتقبله أوكرانيا إذا ضمن عدم تجاوزها، وتراه واشنطن مفيدًا إذا لم يقيد حركتها. غير أن هشاشته تظهر عندما يتحول استمرار الاتصال إلى هدف قائم بذاته؛ عندها قد تدافع أوروبا عن بقاء المسار أكثر مما تدافع عن شروطه.
- من مؤشرات هذا السيناريو: استخدام الخطاب الأوروبي الرسمي كلمات مثل «اختبار»، و«تحقق»، و«تفويض» بدلًا من عبارات عامة عن «الحوار»؛ إعلان تشاور مسبق مع كييف قبل أي اتصال رفيع؛ بقاء الحزمة العقابية قائمة من دون تخفيف افتتاحي؛ واستمرار موسكو في إظهار نفسها منفتحة من دون مبادرة مباشرة. السلوك الروسي الدال على المناورة سيكون رفع شروط الأرض مع إبقاء الاتصال مفتوحًا، أو طلب بحث العقوبات قبل تقديم التزام ميداني.
- تمتد الآثار إلى وحدة أوروبا، وموقع أوكرانيا، والعقوبات، والردع. يُحسّن السيناريو موقع أوروبا سياسيًا، لكنه يمنح موسكو مكسبًا رمزيًا. يحمي أوكرانيا إذا شاركت في التفويض، ويضعفها إذا تحولت المشاركة إلى إبلاغ لاحق. يحافظ على العقوبات إذا بقيت مشروطة، ويهزها إذا صار استمرار المسار سببًا لمراجعتها. أما أثره في الردع فيبقى محدودًا؛ فهو يمنع الغياب الأوروبي ولا يصنع سلامًا.
- الأفق الزمني: شهران إلى ستة أشهر. الترجيح: مرتفع. نقطة الفشل: استمرار الاتصال بلا معيار يقيس السلوك الروسي أو يحدد متى تخفض أوروبا مستوى المسار.
السيناريو الثاني: وقف نار مشروط ينزلق إلى تجميد طويل
ينتقل المسار إلى هذا السيناريو عندما تتجاوز قناة الاختبار حدود الاتصال السياسي وتبدأ في بحث وقف إطلاق النار. يحدث ذلك عادة عند تقاطع ثلاثة ضغوط: تعب أوروبي داخلي، وحاجة أميركية إلى نتيجة قابلة للتسويق، وحساب روسي يرى في الهدنة فرصة لتثبيت خطوط السيطرة. هنا تتحول القناة من وسيلة قياس إلى بداية مسار قد يجمّد الحرب بدل أن يحلها.
يمتلك السيناريو جاذبية مباشرة لأنه يخفض الكلفة البشرية والعسكرية والسياسية. غير أن جاذبيته تخفي خطرًا بنيويًا: خط وقف النار يمكن أن يتحول مع الزمن إلى حقيقة سياسية. فإذا غابت الضمانات وآلية التحقق ومسار واضح للأرض، تصبح الهدنة إطارًا لتجميد السيطرة لا خطوة نحو الحل. بذلك يعيد السيناريو منطق مينسك في صيغة أشد خطورة: تعليق الحرب من دون معالجة مصدرها.
- من مؤشرات هذا السيناريو: نقاشٌ تفصيلي حول آلية مراقبة، وتراجعٌ في العمليات الكبرى، وخطابٌ غربي عن «مرحلة انتقالية»، وطلبٌ روسي لحوافز مرتبطة بالهدوء، وضغطٌ متزايد على كييف لقبول وقف يبدأ من خطوط التماس. السلوك الروسي الدال على المناورة سيكون قبول تهدئة قصيرة مع رفض آلية تحقق صارمة أو ضمانات دفاعية لأوكرانيا.
- تمتد الآثار إلى أربعة مستويات. يخفف الوقف الضغط الداخلي في أوروبا، لكنه يهدد وحدة الموقف عندما تراه دول الشرق مقدمة لتثبيت مكاسب روسيا. يريح أوكرانيا عسكريًا في المدى القصير، ويضعف موقفها سياسيًا عند غياب الضمانات. ويفتح ملف العقوبات لمراجعة جزئية. أما الردع الأوروبي فيتضرر عندما تتحول السيطرة العسكرية الممتدة إلى وضع تفاوضي جديد.
- الأفق الزمني: ستة أشهر إلى عام. الترجيح: متوسط. نقطة الفشل: قبول وقف النار قبل الاتفاق على آلية تحقق، وضمانات دفاعية، وسلّم عقوبات قابل للعكس.
السيناريو الثالث: فشل المسار وعودة حرب الإرادات
يظهر هذا السيناريو عندما يبدأ الاتصال من دون تعريف مشترك لوظيفته. تطلب روسيا تثبيتًا سياسيًا لمطالبها في الدونباس، وترفض أوكرانيا أي مساس بالسيادة، وتنقسم أوروبا حول التفويض، وتتحرك واشنطن في قناة موازية. عندئذ لا ينتهي الاتصال بالضرورة، لكنه يفقد قيمته. يتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات وإعادة بناء السرديات.
- يتخذ الفشل شكلًا تدريجيًا. ترفع موسكو سقف شروطها، وتتهم أوروبا بأنها لا تريد السلام. ترد العواصم الأوروبية بأن روسيا تطلب استسلامًا أوكرانيًا. تقرأ كييف المشهد بوصفه ضغطًا عليها لا على موسكو. تستعيد الجبهات العسكرية مركزها، بينما تتراجع الثقة بين الحلفاء. كل طرف يستخدم فشل المسار لتثبيت روايته، لا لتعديل موقفه.
- من مؤشرات هذا السيناريو: تشددٌ روسي علني حول الدونباس، واعتراضاتٌ أوكرانية على أي قناة لا تمر عبرها، وخلافٌ أوروبي حول من يمثل الاتحاد، وتزامنُ الاتصالات مع تصعيد ميداني أو استهداف للبنية المدنية. السلوك الروسي الدال على التعطيل سيكون إبقاء الخطاب التفاوضي مفتوحًا مع طلب شروط يعرف الكرملين أنها غير قابلة للقبول أوكرانيًا.
- تتجاوز آثاره فشل الاتصال. تعود الحرب إلى منطق الاستنزاف، ويتراجع ثقل أوروبا السياسي، وترتفع احتمالات الصفقات الجانبية، وتزداد صعوبة بناء موقف غربي موحد لاحقًا. كما يمنح الفشل موسكو فرصة للقول إن أوروبا عادت إلى الخطاب العقابي لأنها عجزت عن التفاوض.
- الأفق الزمني: ثلاثة إلى تسعة أشهر. الترجيح: متوسط إلى مرتفع إذا غاب التنسيق الغربي الأوكراني. نقطة الفشل: دخول المسار من دون تفويض أوروبي وعتبات تحقق واضحة.
الترجيح العام
يرجّح هذا التقدير السيناريو الأول: مسار اختبار محدود. يقوم الترجيح على كلفة الخيارات لا على قرب السلام. فروسيا لا تبدو مستعدة للتراجع عن شروطها الأساسية، وأوكرانيا لا تستطيع قبول وقف يثبت خسارة الأرض، وأوروبا لا تملك تفويضًا داخليًا لتقديم تنازلات كبيرة، والولايات المتحدة تميل إلى مسار يخفض عبء الإدارة من دون التزام مفتوح.
سيظهر المسار الأرجح، لذلك، كاختبار طويل لا كمفاوضات نهائية. يدخل الاتحاد الأوروبي هذا الاختبار لتثبيت موقعه ومنع تهميشه، وتدخل روسيا المسار نفسه لكسر العزلة ورفع سقفها التفاوضي. معيار النجاح لن يكون انعقاد لقاء، وإنما قدرة أوروبا على إبقاء المسار تحت السيطرة: لا تفاوض بلا أوكرانيا، لا حوافز بلا تحقق، لا وقف نار بلا ضمانات، ولا بحث أمني يمنح موسكو حق الفيتو.
النتائج الاستراتيجية
النتيجة الأولى: دخلت أوروبا مرحلة لا تكفي فيها أدوات الدعم والعقاب. الحرب لم تعد سؤالًا عن منع سقوط أوكرانيا فقط، بل عن منع صناعة نهاية تُحمّل أوروبا الكلفة وتترك القرار لغيرها.
النتيجة الثانية: يحمل الاتصال ببوتين مكسبًا روسيًا فوريًا في الصفة، حتى قبل أي مكسب في المضمون. لذلك تحتاج أوروبا إلى مقابل سياسي أو ميداني واضح لكل خطوة اتصال رفيعة، وإلا تحولت الضرورة الدبلوماسية إلى إعادة تأهيل غير معلنة.
النتيجة الثالثة: كل وقف نار لا يملك آلية تحقق وضمانات دفاعية لأوكرانيا سيعيد إنتاج منطق مينسك بصيغة أكثر خطورة: تعليق الحرب من دون حل مصدرها، وتحويل الخط الميداني إلى مرجع سياسي بحكم الزمن.
«كل وقف نار بلا تحقق وضمانات دفاعية سيعيد إنتاج منطق مينسك بصيغة أخطر: تعليق الحرب من دون حل مصدرها، وتحويل الخط الميداني إلى مرجع سياسي بحكم الزمن.»
كل وقف نار بلا تحقق وضمانات دفاعية سيعيد إنتاج منطق مينسك بصيغة أخطر: تعليق الحرب من دون حل مصدرها، وتحويل الخط الميداني إلى مرجع سياسي بحكم الزمن.
النتيجة الرابعة: تحولت العقوبات من ملف اقتصادي إلى اختبار لصلابة التفاوض الأوروبي. استخدامها المبكر يضعف موقع الاتحاد، أما استخدامها وفق سلّم تحقق قابل للعكس فيمنحه نفوذًا نادرًا داخل مسار يصعب ضبطه عسكريًا.
النتيجة الخامسة: تمثل أوكرانيا شرط الاستقرار السياسي لأي اتفاق، لا طرفًا أخلاقيًا في المسار فحسب. كل صيغة تتجاوزها قد تبدو واقعية في العواصم الكبرى، لكنها ستولد أزمة شرعية قابلة للانفجار لاحقًا.
النتيجة السادسة: تكشف اللحظة الراهنة حدود القوة الأوروبية. يستطيع الاتحاد الأوروبي تمويل الحرب ومعاقبة روسيا، لكنه يحتاج إلى تفويض داخلي وشراكة أميركية وأوكرانية كي يتحول من دافع كلفة إلى صانع تسوية.
النتيجة السابعة: جوهر المعضلة أن روسيا تطلب من التفاوض اعترافًا بنتائج القوة، بينما تطلب أوروبا منه منع القوة من إنتاج شرعية. ضبط هذه الفجوة شرط لتحويل القنوات من أدوات إدارة للأزمة إلى أدوات حل.
النتيجة الثامنة: معيار نجاح أوروبا لا يكمن في فتح القناة، بل في قدرتها على إغلاقها أو خفض مستواها عند غياب التحقق. المسار الذي لا يملك آلية خروج يتحول من أداة ضغط إلى التزام سياسي يحدّ من حرية الحركة الأوروبية.
التوصيات التنفيذية
١. تفويض أوروبي مكتوب قبل أي اتصال رفيع
ينبغي للمجلس الأوروبي، بالتنسيق مع المفوضية والدول الأكثر تماسًا مع الملف، أن يقر خلال أسابيع وثيقة تفويض مختصرة تحدد وظيفة المسار وحدوده. تعالج الوثيقة ثلاثة أسئلة: ما الهدف الأول للاتصال؟ ما الملفات التي لا تُبحث نيابة عن أوكرانيا؟ ما الشروط التي تجعل استمرار المسار مبررًا؟
المطلوب أن تعرّف الوثيقة القناة بوصفها اختبارًا لوقف قابل للتحقق، لا تفاوضًا شاملًا على مستقبل أوكرانيا. تكلفتها السياسية تكمن في صعوبة إجماع الدول الأعضاء. البديل العملي هو مجموعة اتصال أوروبية أوكرانية مصغرة إذا تعذر الإجماع الكامل. مؤشر النجاح هو صدور موقف أوروبي واحد لا تستطيع موسكو تفكيكه بين العواصم.
٢. شراكة أوكرانية في التفويض لا إبلاغ لاحق
يتعين على الاتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية الأساسية أن تشرك القيادة الأوكرانية في صياغة التفويض قبل أي اتصال رفيع. لا يكفي إبلاغ كييف بالنتائج أو التشاور معها بعد اللقاء. تمتلك أوكرانيا حقًا سياسيًا وعمليًا في تحديد حدود المسار؛ لأنها الطرف الذي سيتحمل نتائج أي وقف أو ضمان أو تسوية.
تكلفة هذا الخيار هي بطء الحركة واحتمال رفض روسي لمشاركة أوكرانية مبكرة. البديل هو تفويض أوكراني مسبق وخط رجعة إلزامي إلى كييف قبل أي التزام. مؤشر النجاح أن لا تظهر صيغة أوروبية لا تستطيع أوكرانيا الدفاع عنها علنًا أمام مجتمعها ومؤسساتها.
٣. سلّم عقوبات قائم على التحقق
ينبغي أن يضع مجلس الاتحاد الأوروبي والمفوضية سلّمًا واضحًا يربط أي تخفيف بفعل روسي محدد. لا تخفيف مقابل لقاء، ولا تخفيف مقابل تصريح، ولا تخفيف مقابل تهدئة قصيرة بلا مراقبة. يبدأ المسار فقط بعد فعل قابل للقياس: وقف نار شامل، قبول مراقبة، وقف استهداف البنية المدنية، خطوة إنسانية موثقة، أو ترتيب ميداني يمكن التحقق منه.
تتمثل الكلفة في احتمال رفض موسكو مسارًا لا يقدم حوافز مبكرة. البديل هو حوافز إنسانية وإجرائية محدودة لا تمس قطاعات الطاقة والمال والتكنولوجيا. مؤشر النجاح أن تبقى كل خطوة تخفيف مؤقتة وقابلة للعكس، وأن لا تحصل روسيا على مكسب اقتصادي أو سياسي قبل تحقق ميداني.
٤. آلية تنسيق غربية أوكرانية تمنع المسارات المتنافسة
ينبغي إنشاء آلية تنسيق ثابتة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأوكرانيا قبل أي اتصال كبير مع موسكو. لا تقتصر الآلية على تبادل المعلومات؛ وظيفتها تنسيق الرسائل والعتبات والخطوط الحمراء. فروسيا ستستثمر أي فرق بين واشنطن وبروكسل وكييف.
تكلفة هذا الخيار هي بطء القرار واختلاف الأولويات. البديل هو وثيقة حد أدنى مشتركة تتضمن أربع قواعد: لا تفاوض على أوكرانيا من دون أوكرانيا، لا اعتراف بتغيير الحدود بالقوة، لا حوافز بلا تحقق، ولا وقف نار بلا ضمانات دفاعية. مؤشر النجاح هو تطابق الرسائل في ملفات الأرض والعقوبات والضمانات.
٥. فصل إدارة الأزمة عن حل الأزمة
ينبغي أن يعلن الاتحاد الأوروبي أن المسار الأول، إذا فُتح، مخصص لإدارة التصعيد واختبار وقف النار، لا لصياغة تسوية نهائية. تشمل إدارة الأزمة وقفًا مراقبًا، وتبادل أسرى، وملفات إنسانية، وخفض احتكاك. أما الحل السياسي فيحتاج إلى ضمانات، وترتيبات أمنية، وموقف واضح من الأرض، وآلية تمنع تكرار الحرب.
تتمثل كلفة هذا الفصل في اتهام أوروبا بالتردد أو غياب رؤية نهائية. البديل هو خريطة مراحل: اختبار، وقف قابل للتحقق، ضمانات، ثم تفاوض سياسي. مؤشر النجاح أن لا يتحول وقف النار إلى نهاية سياسية مقنّعة أو إلى اسم جديد للأمر الواقع.
خاتمة تقديرية
تكشف لحظة الانفتاح الأوروبي المحتمل على موسكو أن حرب أوكرانيا دخلت طورًا جديدًا. لم يعد التحدي محصورًا في منع سقوط كييف أو رفع كلفة الحرب على روسيا؛ صار التحدي في منع نهاية سيئة تخفض القتال وتُبقي مصدر الحرب، وتُلزم أوروبا بتمويل نتائج لم تضع شروطها.
تدل هذه اللحظة أيضًا على أن الحوار ليس قيمة مستقلة. قد يصبح أداة ضبط، أو يتحول إلى أداة إعادة تأهيل. الفارق لا تصنعه النيات المعلنة، بل التفويض والشروط وآليات التحقق. مسار بلا أوكرانيا يفقد شرعيته، ومسار يفتح العقوبات مبكرًا يفقد ورقته، ومسار يوقف النار بلا ضمانات يؤجل الحرب ولا ينهيها.
الأرجح أن يفتح الاتحاد الأوروبي مسارًا ضيقًا مع موسكو مع احتفاظه بقدرة خفض مستوى الاتصال أو إغلاقه. يمنع هذا المسار تهميش أوروبا ويكشف حدود الموقف الروسي إذا بقي مشروطًا. أما اتساعه بلا تفويض فيحوله إلى مكسب روسي في الصفة قبل أي تغيير في السلوك. تقاس صلابة المسار، لذلك، بقدرة أوروبا على خفض مستوى القناة أو إغلاقها عندما يغيب التحقق.
بهذا المعنى، تفاوض أوروبا روسيا وتفاوض نفسها في آن واحد: موقعها في الأمن الأوروبي المقبل، وحدود اعتمادها على الولايات المتحدة، ومصير قاعدة عدم تغيير الحدود بالقوة. وعي هذه المستويات الثلاثة يجعل الاتصال اختبارًا منضبطًا؛ تجاهلها يحوله إلى بداية تنازل سياسي تحت اسم الواقعية.
المراجع المختارة
١. رويترز، ٨ أيار/مايو ٢٠٢٦، «بوتين مستعد للحوار مع الأوروبيين لكنه لن يبادر». الرابط
٢. المجلس الأوروبي، ١٩ آذار/مارس ٢٠٢٦، خلاصات أوكرانيا والسلام العادل والدائم وضمانات الأمن. الرابط
٣. مجلس الاتحاد الأوروبي، ٢٣ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، الحزمة العشرون من العقوبات ضد روسيا. الرابط
٤. رويترز، ١ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، مطالب الكرملين المتعلقة بانسحاب أوكرانيا من الدونباس. الرابط
٥. مجلس الاتحاد الأوروبي، ١٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٤، البيان المشترك لقمة السلام في أوكرانيا. الرابط
٦. المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ١٩ شباط/فبراير ٢٠٢٤، قراءة تحليلية لاتفاقات مينسك ومآلاتها. الرابط

















