Plugin Install : Cart Icon need WooCommerce plugin to be installed.

سعر الضمانة الأطلسية

قمة لاهاي وإعادة تسعير الحماية الأميركية داخل الناتو

RelatedPosts

لا يكمن الخطر في بلوغ هدف خمسة في المئة أو عدم بلوغه فقط، بل في تحوله إلى معيار ولاء سياسي بدل أن يكون مسارًا لبناء قدرة دفاعية فعلية

──────────────────────────────────

كلمات مفتاحية: الناتو، قمة لاهاي، الضمانة الأطلسية، الحماية الأميركية، الإنفاق الدفاعي، أوروبا، الولايات المتحدة، أوكرانيا، المادة الثالثة، المادة الخامسة، الصناعة الدفاعية.

──────────────────────────────────

تقرأ الورقة قمة الناتو في لاهاي باعتبارها لحظة نقلت العلاقة الأطلسية من لغة التضامن السياسي إلى معادلة أكثر صرامة: إنفاق أوروبي أعلى، قدرة صناعية أسرع، وجاهزية قابلة للقياس، مقابل ضمانة أميركية لم تعد تُفهم خارج ميزان الكلفة والقدرة والاعتمادية السياسية.

ملخص تنفيذي

انعقدت قمة الناتو في لاهاي يومي ٢٤ و٢٥ حزيران/يونيو ٢٠٢٥، لكنها لا تُقرأ هنا باعتبارها قمة إنفاق دفاعي فقط. تكشف القمة انتقالًا أعمق في معنى الضمانة الأطلسية: لم تعد الحماية الأميركية تُفهم كإرث سياسي ثابت، بل كالتزام يحتاج إلى قدرة أوروبية قابلة للقياس، وتمويل طويل، وقاعدة صناعية تستوعب زمن الحرب الطويلة. ١

اعتمد الحلفاء هدفًا سنويًا يصل إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول ٢٠٣٥. يتوزع الهدف بين ٣٫٥ في المئة للمتطلبات الدفاعية الأساسية وأهداف القدرات، وما يصل إلى ١٫٥ في المئة للبنى التحتية والمرونة والابتكار والصناعة الدفاعية. كما ألزم البيان الحلفاء بخطط سنوية ومسار مراجعة في ٢٠٢٩. ١ هذا التفصيل هو قلب الورقة، لأنه يحوّل الإنفاق من رقم إلى آلية رقابة سياسية.

تقدّر الورقة أن قمة لاهاي أعادت ترتيب العلاقة بين المادة الخامسة والمادة الثالثة في معاهدة واشنطن. فالمادة الخامسة تحافظ على وعد الدفاع الجماعي، أما المادة الثالثة فتفرض سؤال القدرة السابقة على لحظة الحرب. من دون هذه القدرة، يبقى الوعد قويًا قانونيًا لكنه أقل إقناعًا عملياتيًا.

لا يعيد هدف الخمسة في المئة توزيع الكلفة داخل الناتو فحسب، بل يعيد ترتيب معنى الثقة بين ضفتي الأطلسي. فالحليف لا يثبت جديته بإعلان الولاء السياسي أو التذكير بالمادة الخامسة وحدها، بل بإظهار قدرة مالية وصناعية يمكن قياسها ومراجعتها. هنا يتحول الإنفاق من بند في الموازنة إلى لغة اعتماد سياسي.

تعمل الولايات المتحدة داخل هذا التحول باعتبارها ضامنًا يريد تقليل الكلفة لا الانسحاب الكامل. لذلك تستخدم واشنطن هدف الإنفاق للضغط على الأوروبيين، بينما يستخدم الأوروبيون الزيادة الدفاعية لشراء استمرار المظلة الأميركية وتقوية موقعهم التفاوضي داخل الحلف.

يدعم مستجد خفض خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا في أيار/مايو ٢٠٢٦ فرضية الورقة. فالقرار لا يثبت انهيار الالتزام الأميركي، لكنه يثبت أن الحضور العسكري الأميركي في أوروبا بات أكثر قابلية لإعادة التموضع السياسي والعملياتي، وأن الضمانة لم تعد منفصلة عن الحسابات الداخلية في واشنطن. ٥

تظل أوكرانيا حاضرة، لكنها لم تعد وحدها مركز هندسة القمة. تحولت أوكرانيا إلى اختبار لقدرة الناتو على إدارة الاستنزاف: ذخائر، دفاع جوي، خطوط إنتاج، تعبئة سياسية، واستمرارية تمويل. لذلك يصبح دعم كييف جزءًا من سؤال أوسع حول اقتصاد الردع الأطلسي. ٩

الخطر الأكبر لا يتمثل في عدم بلوغ هدف خمسة في المئة فقط، بل في بلوغه بطريقة خاطئة. فقد يحقق الحلف رقمًا مرتفعًا من دون أن ينتج قدرة متجانسة إذا سبق الإنفاق قدرة المصانع، أو تشتتت المشتريات، أو تحولت بنود المرونة إلى مساحة محاسبية واسعة يصعب تدقيق أثرها العسكري. ٧

المسار الأرجح هو ناتو أكثر تمويلًا وأقل اطمئنانًا داخليًا. ستتحسن بعض عناصر الجاهزية، لكن كل مراجعة سنوية ستتحول إلى اختبار ثقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، لا سيما إذا تقدمت الأرقام أسرع من المخزون والدفاع الجوي وحركة القوات.

توصي الورقة بتحويل مراجعة ٢٠٢٩ إلى اختبار قدرة لا إلى محاسبة مالية، وبربط الزيادة الأوروبية بتصنيع وتوريد مشتركين، وببناء شرعية داخلية للإنفاق، وبإطلاق مسارات خفض مخاطر مع روسيا حتى لا يتحول الردع إلى اقتصاد خوف مفتوح بلا نقطة توقف سياسية.

الإشكالية وسؤال التقدير

تتعامل قراءات كثيرة مع قمة لاهاي باعتبارها استجابة مباشرة لضغط أميركي على أوروبا، أو باعتبارها تحديثًا رقميًا لهدف الإنفاق الدفاعي الذي ظل موضع جدل منذ قمة ويلز عام ٢٠١٤. هذا التوصيف يلتقط سطح الحدث، لكنه لا يفسر التحول الأعمق. فالسؤال لم يعد: كم ستدفع أوروبا؟ بل: كيف يصبح الدفع دليلًا على قابلية الحليف للاعتماد عليه؟

السؤال المركزي هو: هل كشفت قمة لاهاي انتقال الناتو من منطق الحماية الجماعية المفتوحة إلى منطق الضمانة المشروطة، حيث يصبح الإنفاق الأوروبي وقدرته على إنتاج الجاهزية ثمنًا سياسيًا لاستمرار الولايات المتحدة في مركز الردع الأطلسي؟

تطرح الورقة فرضية رئيسة مفادها أن قمة لاهاي أعادت تسعير الضمانة الأطلسية. لم يُلغ الحلف وعد الدفاع الجماعي، لكنه جعل هذا الوعد أكثر ارتباطًا بقدرة الحلفاء على تحويل الالتزام إلى مخزون، وصناعة، وبنية تحتية، ودفاع جوي، ومرونة مدنية، وتحمل سياسي داخلي.

أما الفرضية المضادة فتقول إن لاهاي لا تكشف تغيرًا في هوية الناتو، بل تمثل ردًا طبيعيًا على حرب أوكرانيا، والتهديد الروسي، وتآكل المخزونات، والحاجة إلى بناء جاهزية بعد سنوات من الإنفاق الأوروبي المحدود. تختبر الورقة الفرضيتين عبر آليات التحول لا عبر الشعارات: الآلية المالية، والآلية السياسية، والآلية الصناعية، والآلية التفاوضية.

منهج الورقة وحدودها

لا تبحث الورقة في مشروع جيش أوروبي موحد، ولا في تفاصيل برامج التسلح الوطنية، ولا في المقارنة التقنية بين الأسلحة. نطاقها محدد: قمة لاهاي باعتبارها لحظة كاشفة للعلاقة بين الإنفاق الأوروبي والضمانة الأميركية داخل الناتو.

تلتزم الورقة بالفصل بين الواقعة والتفسير والتقدير والتوصية. تثبت الواقعة من البيانات الرسمية والمصادر الموثوقة. يشرح التفسير آلية التحول. يقدّر التحليل المسار الأرجح مع إبقاء البدائل قائمة. تحدد التوصية الجهة، والأداة، والعائق، والبديل، ومؤشر القياس. هذه البنية تمنع القفز من المعلومة إلى الحكم، وتحوّل كل فقرة إلى حلقة تحليل لا إلى خبر مستقل.

أولًا: من رقم مالي إلى معيار ثقة سياسية

تثبت الواقعة الأولى أن قمة لاهاي منحت الحلف إطارًا ماليًا جديدًا. فقد اتفق الحلفاء على التزام سنوي يصل إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول ٢٠٣٥، مع تخصيص ٣٫٥ في المئة للمتطلبات الدفاعية الأساسية وأهداف القدرات، وما يصل إلى ١٫٥ في المئة للبنى التحتية والمرونة والابتكار والصناعة الدفاعية. ١

تظهر دلالة الواقعة في أن الناتو نقل النقاش من إعلان الالتزام إلى إثبات القدرة. لم يعد الرقم يقيس العدالة في تقاسم الأعباء فقط، بل صار يقيس قدرة الحليف على تحويل الانتماء السياسي إلى مساهمة قابلة للمراجعة. لذلك لا يعمل هدف خمسة في المئة كحد مالي فقط، بل كآلية لإنتاج الثقة داخل الحلف.

تعمل هذه الآلية عبر ثلاث حلقات. تبدأ الحلقة الأولى من الميزانية، حيث تلتزم الحكومة بمسار إنفاق طويل. تنتقل الحلقة الثانية إلى التخطيط، حيث يطلب الحلف خططًا سنوية تظهر مسارًا موثوقًا. ثم تصل الحلقة الثالثة إلى الرقابة، حيث تصبح مراجعة ٢٠٢٩ اختبارًا مبكرًا للفجوة بين التعهد والقدرة. ١

هنا يتحول الرقم إلى معيار سياسي. فالدولة التي ترفع إنفاقها لكنها لا تزيد مخزونها أو قدرتها على الحركة العسكرية أو دفاعها الجوي لا تقدم للحلف ضمانة فعلية. والدولة التي تنفق أقل لكنها تثبت قدرة محددة قد تفتح نقاشًا صعبًا حول الفرق بين الرقم والقدرة. من هذا التوتر تولد إشكالية لاهاي: هل يريد الناتو رقمًا موحدًا أم قدرة قابلة للتحقق؟

ثانيًا: المادة الثالثة تعيد تشغيل المادة الخامسة

تقوم هوية الناتو العامة على المادة الخامسة، أي على قاعدة أن الهجوم على عضو واحد يستدعي ردًا جماعيًا. غير أن قمة لاهاي أعادت إبراز المادة الثالثة التي تطلب من كل عضو تطوير قدرته الفردية والجماعية على مقاومة الهجوم. هذه النقلة لا تلغي المادة الخامسة، لكنها تضع قبلها شرطًا عملياتيًا: لا تكفي الضمانة إذا لم توجد قدرة تستند إليها.

يظهر التحول هنا في العلاقة بين النص والقدرة. المادة الخامسة تمنح الشرعية السياسية والقانونية للدفاع الجماعي، أما المادة الثالثة فتحدد ما إذا كان الحلف قادرًا على ترجمة تلك الشرعية إلى فعل. فإذا افتقرت أوروبا إلى الذخائر، أو إلى الدفاع الجوي، أو إلى خطوط نقل آمنة، أو إلى شبكات قادرة على الصمود، فإن وعد الحماية يبقى قائمًا، لكنه يفقد جزءًا من قوة الردع في عين الخصم.

لذلك لا تعتمد فرضية الضمانة المشروطة على خطاب ترامب وحده. صحيح أن ترامب جعل لغة الفاتورة أكثر خشونة، لكن بيان لاهاي نفسه أعاد وضع القدرة الوطنية والجماعية في مركز الحلف. بهذا المعنى، يتغير تشغيل الحلف من الداخل: الحماية تبقى جماعية، لكنها تتطلب من كل عضو أن يثبت مساهمته قبل لحظة الاختبار.

ثالثًا: اقتصاد الردع وعنق الزجاجة الصناعي

لم تعد مشكلة الناتو مقتصرة على عدد القوات أو حجم الميزانيات. أدخلت قمة لاهاي الصناعة الدفاعية والبنى التحتية والمرونة المدنية في تعريف الردع. وفي منتدى الصناعة الدفاعية المنعقد على هامش القمة، دعا الأمين العام للناتو الحلفاء والشركاء والصناعة إلى الاتحاد والابتكار والإنجاز من أجل كسب حرب الإنتاج الجديدة. ٤

هذه العبارة تكشف تحولًا مهمًا. الردع لم يعد يتحقق فقط من خلال قوات جاهزة عند الحدود، بل من خلال قدرة اقتصادية على إنتاج الذخائر، وتعويض الخسائر، وحماية الموانئ والسكك والطرق، ومواصلة عمل الشبكات تحت الضغط. في حرب طويلة، يصبح المصنع جزءًا من الجبهة، وتصبح سلسلة الإمداد جزءًا من القرار السياسي.

تحذر قراءة SIPRI من أن هدف خمسة في المئة يرسل إشارة سياسية قوية، لكنه يحمل تحديات مالية وعملياتية. تكمن أهمية هذا التحذير في أنه يفصل بين الإنفاق والقدرة. قد تكبر الميزانية أسرع من خطوط الإنتاج، وقد ترتفع الاعتمادات أسرع من قدرة الجيوش على الامتصاص، وقد تدخل بنود واسعة في خانة المرونة من دون أن تضيف قوة عسكرية واضحة. ٧

إذن لا تكمن المعضلة في سؤال هل يزيد الحلف إنفاقه، بل في سؤال كيف ينتقل من المال إلى القدرة. إذا بقي الإنفاق مشتتًا بين برامج وطنية متنافسة، فإن الحلف سيحصل على ارتفاع مالي لكنه لن يحصل بالضرورة على ردع متجانس. أما إذا تحولت الزيادة إلى طلب موحد ومواصفات متقاربة ومخزون قابل للاستخدام، فقد يصبح هدف خمسة في المئة بداية فعلية لاقتصاد ردع مستدام.

رابعًا: ترامب ومنطق الفاتورة داخل الحلف

لا يمكن فصل لاهاي عن أثر ترامب في العلاقة الأطلسية. ليست مطالبة واشنطن للأوروبيين بإنفاق أكبر جديدة، لكن إدارة ترامب جعلت العلاقة بين الدفع والحماية أكثر مباشرة. صارت اللغة الأميركية تسأل ضمنيًا: لماذا تظل الضمانة الأميركية واسعة إذا لم تتحمل أوروبا كلفة أكبر في الدفاع عن نفسها؟

تعمل هذه اللغة كآلية تفاوض داخلية. واشنطن لا تنسحب من الناتو، لكنها تريد إعادة تسعير دورها. أوروبا لا تريد فقدان المظلة الأميركية، لذلك تستخدم رفع الإنفاق لشراء وقت استراتيجي ولمنع تحول الشك الأميركي إلى قرار انسحاب أوسع. أما الناتو فيحاول تحويل هذه المقايضة غير المعلنة إلى برنامج مؤسسي طويل الأمد حتى لا يبقى الحلف رهينة مزاج سياسي في واشنطن أو عواصم أوروبا.

أضاف خفض خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا في أيار/مايو ٢٠٢٦ مؤشرًا مهمًا. نقلت رويترز أن برلين حاولت التقليل من ربط القرار بخلاف سياسي مباشر مع ترامب، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن الخطوة تعيد طرح مسؤولية أوروبا الدفاعية. ٥

لا تعني هذه الواقعة أن الولايات المتحدة تغادر أوروبا. معناها الأدق أن الوجود الأميركي نفسه لم يعد خارج المساومة. فالقواعد والقوات والقدرات الأميركية في أوروبا ما زالت مركزية، لكنها تدخل أكثر فأكثر في حسابات إعادة التوزيع والضغط السياسي وتقاسم الأعباء. بهذا المعنى، يصبح الحضور الأميركي جزءًا من معادلة مشروطة، لا ثابتًا خارج السياسة.

خامسًا: أوكرانيا اختبار لاستدامة الإنتاج لا عنوان تضامن فقط

بقيت أوكرانيا حاضرة في قمة لاهاي، لكن القمة لم تُبْنَ حول أوكرانيا وحدها. أكدت تقارير وكالة أسوشيتد برس أن الأمين العام للناتو شدد على بقاء أوكرانيا موضوعًا حيويًا رغم خفض حضورها الدبلوماسي قياسًا ببعض القمم السابقة. ٩

لا يدل ذلك على خروج أوكرانيا من الحسابات، بل على تغير وظيفتها داخل خطاب الحلف. لم تعد أوكرانيا قضية تضامن سياسي فقط، بل أصبحت اختبارًا لطاقة الإنتاج الغربية. السؤال لم يعد هل يدعم الناتو كييف، بل هل يستطيع دعمها من دون أن يستنزف مخزوناته ومن دون أن يكشف بطء قاعدته الصناعية.

بهذا المعنى، تعمل أوكرانيا كمرآة للردع الأطلسي. إذا عجز الحلف عن تعويض الذخائر التي يستهلكها دعم كييف، فكيف سيقنع روسيا أو غيرها بأنه قادر على إدارة مواجهة أطول وأوسع؟ وإذا استطاع أن يحول الدعم إلى دورة إنتاج وتمويل واستبدال منتظمة، فإن أوكرانيا تصبح جزءًا من بناء الردع لا فقط ملف أزمة.

سادسًا: أوروبا بين شراء الوقت وبناء النفوذ

لا تسعى أوروبا عمليًا إلى خروج سريع من الناتو. السؤال الواقعي هو كيف تستخدم زيادة الإنفاق كي تحفظ المظلة الأميركية وتزيد في الوقت نفسه قدرتها على التأثير داخل الحلف. هنا يظهر الفرق بين دفع الفاتورة وبناء النفوذ. دفع الفاتورة يرضي واشنطن مؤقتًا، أما بناء النفوذ فيحتاج إلى صناعة وتنسيق ومشتريات مشتركة وقدرة على تقليل التبعية في مفاصل محددة.

إذا تحولت الزيادة إلى مشتريات متفرقة من الخارج، فستدفع أوروبا أكثر من دون أن تملك قرارًا أكبر. وإذا تحولت إلى طلب أوروبي موحد، ومخزون مشترك، وتطوير مشترك للدفاع الجوي والذخائر والنقل العسكري، فإنها قد تنتج ركيزة أوروبية أقوى داخل الناتو لا خارجه.

تشير بيانات SIPRI الحديثة إلى أن الإنفاق العسكري في أوروبا ارتفع بقوة عام ٢٠٢٥، بينما بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستوى قياسيًا جديدًا. ٨ هذا الاتجاه يمنح الورقة نقطة اختبار إضافية: أوروبا تزيد إنفاقها فعلًا، لكن السؤال الحاسم هو هل يتجه هذا الإنفاق نحو قدرة أوروبية منسقة، أم نحو توسع مالي تلتهمه الأسعار والازدواجية وتشتت الطلب؟

سابعًا: إسبانيا وحدود الإجماع الأطلسي

أظهرت إسبانيا أن إجماع لاهاي لم يكن كاملًا، بل مُدارًا بعناية. فقد أعلنت مدريد أنها تستطيع الوفاء بمتطلبات الناتو عند مستوى إنفاق أدنى من هدف خمسة في المئة، وسعت إلى صيغة مرنة تحفظ التزامها السياسي من دون قبول الرقم كاملًا. ٦

تكشف هذه الواقعة أن هدف خمسة في المئة لا يختبر الخزائن فقط، بل يختبر العقد الاجتماعي داخل الدول الأعضاء. الحكومة التي ترفع الإنفاق الدفاعي لا تتعامل مع موسكو وواشنطن وحدهما، بل مع ناخبين وبرلمانات ونقابات وقطاعات اجتماعية تخشى انتقال الموارد من الرفاه إلى الأمن.

لهذا لا ينبغي تصوير التحفظ الإسباني كاستثناء مالي بسيط. إنه مؤشر مبكر على أن الشرعية الداخلية للردع ستصبح جزءًا من الردع نفسه. إذا فشلت الحكومات في شرح الإنفاق على أنه حماية للبنى التحتية والطاقة والشبكات والمجتمع، فقد يتحول الرقم إلى مادة استقطاب داخلي تضعف الثقة التي أرادت القمة ترميمها.

خريطة الفاعلين والمصالح

تتحرك الولايات المتحدة بين مصلحتين متلازمتين: حفظ قيادة الناتو وتقليل كلفة تلك القيادة. أداتها هي الضغط على الإنفاق، وربط الثقة بالقدرة، وإعادة توزيع بعض الوجود العسكري عند الحاجة. مأزقها أن الإفراط في الضغط قد يحول الضمانة إلى علاقة مساومة دائمة، فيضعف أثرها الردعي حتى إن بقيت قانونيًا قائمة.

تتحرك الدول الأوروبية بين مصلحتين: حفظ الغطاء الأميركي وتوسيع القدرة الذاتية. أداتها رفع الإنفاق وتطوير القاعدة الصناعية وتنسيق المشتريات. مأزقها أن الكلفة السياسية والمالية قد تصطدم بالرأي العام وبأولويات الرفاه، وأن الزيادة قد تعمق التبعية إذا تحولت إلى مشتريات غير منسقة.

يعمل الناتو كمؤسسة على تحويل التوتر بين واشنطن وأوروبا إلى قواعد وخطط ومراجعات. أداته هدف الخمسة في المئة ومراجعة ٢٠٢٩ والخطط السنوية. مأزقه أن المؤسسة قد تنجح في جمع التعهدات، لكنها قد تفشل في ضمان أن تتحول التعهدات إلى قدرة متجانسة.

تستخدم روسيا هذا التوتر لاختبار إرادة الحلف وكلفة قراراته. أداتها حرب الاستنزاف والضغط السياسي والردع المضاد. مأزقها أن إطالة الضغط قد تدفع أوروبا إلى استثمار دفاعي أعمق، فيتحول الابتزاز إلى سبب لتقوية الردع الأطلسي.

يمثل الرأي العام الأوروبي فاعلًا لا يمكن تجاوزه. مصلحته أمن فعلي من دون انهيار في العقد الاجتماعي. أداته الانتخابات والمساءلة البرلمانية والضغط الإعلامي. مأزقه أن الخطر الروسي يبدو حقيقيًا في الشرق الأوروبي، لكنه أقل إلحاحًا في مجتمعات أخرى تواجه أزمات معيشية ومالية.

المخاطر والفرص

الخطر الأول هو تحول هدف خمسة في المئة إلى معيار ولاء سياسي لا إلى مسار قدرة. يحدث ذلك إذا ركزت واشنطن وبعض العواصم على الرقم وحده، وإذا استخدمت المراجعات السنوية لإدانة الحلفاء المتأخرين بدل تشخيص فجوات القدرة. أثره سيكون تآكل الثقة داخل الحلف، لأن النقاش سينتقل من سؤال الجاهزية إلى سؤال الطاعة السياسية.

الخطر الثاني هو اتساع الفجوة بين التعهد والتنفيذ. يبدأ الخطر حين تعلن الحكومات مسارات مالية طموحة، ثم تعجز الصناعة عن تلبية الطلب، أو تتباطأ العقود، أو ترتفع الأسعار، أو تتعدد المواصفات. عندئذ تكبر الميزانيات من دون أن تكبر القدرة بالوتيرة نفسها.

الخطر الثالث هو دخول الحلف في اقتصاد ردع مفتوح بلا نقطة توقف. إذا لم يحدد الناتو ما الذي يكفي لردع روسيا وما الذي يزيد التصعيد بلا عائد أمني واضح، فقد تتحول الزيادة الدفاعية إلى بديل عن السياسة. لا يعني ذلك خفض الردع، بل يعني ربطه بتعريف سياسي للنجاح.

الفرصة الأولى هي بناء قاعدة صناعية أوروبية أكثر تماسكًا. تتحقق هذه الفرصة إذا استخدمت أوروبا هدف الإنفاق لتوحيد الطلب والذخائر والدفاع الجوي والنقل العسكري. عندها تصبح الزيادة وسيلة نفوذ داخل الحلف، لا فاتورة امتثال فقط.

الفرصة الثانية هي تحويل مراجعة ٢٠٢٩ إلى لحظة تصحيح مبكر. فإذا قاس الحلف الجاهزية والمخزون وحركة القوات ومرونة الشبكات، يستطيع أن يكتشف الفجوات قبل ٢٠٣٥. أما إذا اكتفى بمراجعة النسب، فسيفقد فرصة منع الفجوة بين المال والقدرة.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: حلف أكثر تمويلًا وأقل اطمئنانًا داخليًا

هذا هو السيناريو الأرجح في أفق ٢٠٢٦ ـ ٢٠٢٩. ينطلق من فرضية أن معظم الحلفاء سيقدمون خططًا مالية مقبولة، لكن تحويل هذه الخطط إلى قدرات متجانسة سيكون أبطأ من نمو الأرقام. تبدأ سلسلة الانتقال من اعتماد موازنات أعلى، ثم تنتقل إلى ضغوط توريد على الذخائر والدفاع الجوي والنقل العسكري، ثم تظهر فجوة بين الدول التي تملك قاعدة صناعية وقدرة تنفيذ، والدول التي ترفع الإنفاق من دون قدرة امتصاص كافية.

الفاعل المحرك في هذا السيناريو هو التفاعل بين واشنطن والناتو والحكومات الأوروبية. تضغط واشنطن باتجاه رقم واضح، وتحاول المؤسسة الأطلسية ترجمة الرقم إلى خطط، بينما تواجه الحكومات الأوروبية برلمانات وأسواقًا صناعية محدودة. نقطة الانكسار ستكون مراجعة ٢٠٢٩. إذا كشفت المراجعة ارتفاع الإنفاق مع بقاء فجوات المخزون والحركة والدفاع الجوي، سيكسب الحلف مظهرًا أقوى لكنه سيبقى أقل اطمئنانًا داخليًا.

مؤشرات تحقق هذا السيناريو هي صدور خطط سنوية مقبولة من دون تقدم مماثل في العقود الصناعية، وتكرار الخلاف حول احتساب بنود المرونة، وبقاء واشنطن في موقع المراقب القاسي لا الضامن الهادئ. أثره هو ردع أفضل من مرحلة ما قبل لاهاي، لكنه ردع يظل معلقًا بسؤال الثقة بين الحلفاء.

السيناريو الثاني: اقتصاد ردع مفتوح واحتكاك أطلسي ـ روسي ممتد

يتحقق هذا السيناريو إذا تحولت الزيادة الدفاعية إلى سباق سياسي وعسكري مفتوح مع روسيا من دون قنوات كافية لضبط المخاطر. يبدأ المسار من توسع الإنفاق الأطلسي، ثم ترد روسيا بخطاب تعبئة وانتشار وإشارات ردع مقابلة، ثم تتكرر الحوادث العسكرية أو السيبرانية أو البحرية في مناطق تماس حساسة. عند هذه النقطة يصبح اقتصاد الردع نفسه مولدًا للتوتر، لا أداة لاحتوائه فقط.

الفاعل المحرك هنا ليس الناتو وحده ولا روسيا وحدها، بل حلقة الفعل ورد الفعل. يرفع الحلف قدرته ليمنع العدوان، فتقرأ موسكو بعض الخطوات باعتبارها تحضيرًا لتفوق طويل، فتزيد ضغطها أو تلجأ إلى اختبارات محدودة. نقطة الانكسار هي حادث عسكري أو سيبراني كبير يفرض على الحلف ردًا سريعًا، بينما لا تكون قنوات الاتصال كافية لمنع سوء الحساب.

مؤشرات هذا السيناريو هي اتساع الخطاب العسكري، وتراجع قنوات الاتصال، وزيادة المناورات قرب مناطق التماس، وتصاعد الجدل حول نشر قدرات بعيدة المدى. أثره سيكون رفع كلفة الأمن الأوروبي، وتعميق الاستقطاب الداخلي حول الإنفاق، وتحويل هدف خمسة في المئة إلى أرضية لسباق طويل لا يملك تعريفًا واضحًا للنجاح.

السيناريو الثالث: احتواء منضبط عبر قدرة قابلة للقياس وقنوات خفض مخاطر

هذا السيناريو أقل احتمالًا لكنه أكثر فائدة للحلف. ينطلق من نجاح الناتو في ربط الإنفاق بمؤشرات قدرة محددة، مع إبقاء قنوات اتصال أمنية مفتوحة مع روسيا. تبدأ السلسلة من مراجعة جدية للخطط السنوية، ثم توحيد بعض الطلبات الصناعية، ثم تقوية الدفاع الجوي والمخزون والحركة العسكرية، بالتوازي مع بروتوكولات اتصال تمنع سوء الحساب.

الفاعل المحرك هنا هو توافق أميركي ـ أوروبي على أن الردع لا ينجح بالإنفاق وحده، ولا بالتصعيد وحده. يحتاج الحلف إلى قدرة صلبة كي يمنع الإكراه، ويحتاج في الوقت نفسه إلى تعريف سياسي لنقطة التوقف كي لا يتحول الردع إلى مشروع مفتوح بلا سقف. نقطة الانكسار الإيجابية ستكون مراجعة ٢٠٢٩ إذا تحولت إلى قياس قدرة لا إلى محاكمة مالية.

مؤشرات تحقق هذا السيناريو هي اعتماد مؤشرات جاهزية مشتركة، وتوسيع العقود الأوروبية المشتركة، وتحسن ملموس في المخزون والدفاع الجوي وحركة القوات، واستمرار قنوات الاتصال العسكرية في أوقات الأزمة. أثره سيكون ردعًا أقوى، لكنه أقل قابلية للانزلاق، لأن الحلف يربط القوة بضبط المخاطر لا بتغذية الخوف الدائم.

النتائج الاستراتيجية

١ ـ لم تغيّر قمة لاهاي هوية الناتو القانونية، لكنها غيّرت طريقة تشغيل هذه الهوية. بقي الدفاع الجماعي قائمًا، لكنه صار أكثر ارتباطًا بقدرة كل حليف على الإسهام في الردع قبل لحظة الاختبار.

٢ ـ تحول الإنفاق من معيار لتقاسم الأعباء إلى معيار لإنتاج الثقة. هذه النقلة ترفع كلفة العضوية رمزيًا وماليًا، لأنها تجعل الحليف مطالبًا بإثبات جديته لا بإعلانها فقط.

٣ ـ الضمانة الأميركية لم تختف، لكنها لم تعد مستقلة عن الحساب السياسي الأميركي. خفض القوات من ألمانيا يوضح أن الوجود الأميركي في أوروبا قابل لإعادة الوزن والضغط والتوظيف السياسي.

٤ ـ أوكرانيا بقيت مركزية، لكن وظيفتها تغيرت. لم تعد فقط قضية تضامن مع دولة تتعرض للغزو، بل صارت اختبارًا لقدرة الحلف على الإنتاج والتعويض والاستمرار.

٥ ـ لن تكسب أوروبا نفوذًا أكبر من الإنفاق وحده. تكسب النفوذ عندما يتحول الإنفاق إلى تصنيع مشترك، وتوريد منسق، ومخزون قابل للاستخدام، وقدرة تفاوضية داخل الناتو.

٦ ـ مراجعة ٢٠٢٩ ستكون نقطة فاصلة. قد تكشف أن هدف الخمسة في المئة يصنع قدرة، أو تفضح أنه ينتج رقمًا سياسيًا واسعًا بلا أثر عملياتي كاف.

٧ ـ الخطر الأعمق هو غياب تعريف سياسي لنقطة التوقف. إذا لم يعرف الحلف متى يصبح الردع كافيًا، فقد تتحول زيادة القوة إلى بديل عن السياسة لا أداة لها.

التوصيات التنفيذية

التوصية الأولى: تحويل مراجعة ٢٠٢٩ إلى اختبار قدرة لا إلى محاسبة مالية

المشكلة أن هدف خمسة في المئة قد يمنح الحلف مظهرًا رقميًا قويًا من دون أن يضمن قدرة عملياتية فعلية. لذلك ينبغي أن تعتمد مراجعة ٢٠٢٩ على مؤشرات محددة: جاهزية القوات، حجم المخزون القابل للاستخدام، سرعة نقل القوات عبر أوروبا، قدرة الدفاع الجوي، ومرونة الشبكات والبنى التحتية.

لا يكمن الخطر في بلوغ هدف خمسة في المئة أو عدم بلوغه فقط، بل في تحوله إلى معيار ولاء سياسي بدل أن يكون مسارًا لبناء قدرة دفاعية فعلي

يتولى الناتو وضع إطار القياس، وتقدم الحكومات خططًا وطنية قابلة للمقارنة، وتراجع النتائج داخل الحلف عبر مستويين: مستوى علني للرأي العام يشرح الاتجاه العام، ومستوى عملياتي مغلق يعالج الفجوات الحساسة. العائق المتوقع هو مقاومة بعض الدول للقياس التفصيلي لأنه يكشف فجواتها. البديل الاحتياطي هو تطبيق القياس تدريجيًا على القدرات الأكثر إلحاحًا. يقاس النجاح عندما تنخفض فجوات القدرة لا عندما ترتفع الموازنات فقط.

التوصية الثانية: ربط الزيادة الأوروبية بتصنيع وتوريد مشتركين

المشكلة أن أوروبا قد تدفع أكثر من دون أن تبني نفوذًا أكبر إذا تحولت الزيادة إلى مشتريات وطنية متفرقة. الآلية المطلوبة هي تجميع الطلب في مجالات الذخائر والدفاع الجوي والنقل العسكري والمرونة السيبرانية، مع توحيد المواصفات حيث يسمح الواقع العملياتي بذلك.

تقع المسؤولية على الحكومات الأوروبية داخل الناتو، وعلى الاتحاد الأوروبي في أدوات التمويل والصناعة، وعلى شركات الدفاع في توسيع الطاقة الإنتاجية. يبدأ التنفيذ من العقود التي تعالج اختناقات فورية، ثم ينتقل إلى برامج متعددة السنوات. العائق هو تنافس الصناعات الوطنية وحساسية السيادة في المشتريات الدفاعية. البديل هو اعتماد ائتلافات توريد بين مجموعات أصغر من الدول بدل انتظار إجماع أوروبي شامل. يقاس النجاح بارتفاع حصة الإنتاج المنسق داخل الإنفاق الجديد، وبانخفاض زمن التسليم.

التوصية الثالثة: منع تحول بند المرونة إلى مساحة محاسبية فضفاضة

المشكلة أن بند الواحد ونصف في المئة الخاص بالبنى التحتية والمرونة والابتكار قد يتحول إلى مساحة واسعة تضعف المقارنة بين الحلفاء. الآلية المقترحة هي وضع تعريفات دقيقة لما يدخل في هذا البند: حماية الموانئ والسكك والطرق العسكرية، أمن الشبكات الحيوية، الجاهزية المدنية، وسلاسل الإمداد الدفاعية.

يتولى الناتو صياغة دليل تصنيف مشترك، وتستخدمه الحكومات في خططها السنوية. العائق أن بعض الدول قد تفضّل المرونة الواسعة لتسهيل بلوغ الرقم سياسيًا. البديل هو قبول هامش وطني محدود، مع إلزام كل دولة ببيان الأثر العملياتي لكل بند. يقاس النجاح بانخفاض الخلاف حول ما يُحتسب ضمن الإنفاق، وبزيادة ارتباط البنى التحتية بالحركة العسكرية الفعلية.

التوصية الرابعة: بناء شرعية داخلية للإنفاق الدفاعي

المشكلة أن الزيادة الدفاعية قد تتحول إلى مادة استقطاب داخلي إذا قُدمت للجمهور على أنها امتثال لضغط أميركي. الآلية المطلوبة هي خطاب حكومي يربط الإنفاق بأمن المجتمع لا بالمؤسسة العسكرية وحدها: حماية الطاقة، والموانئ، والشبكات، والدفاع المدني، واستمرارية الخدمات عند الأزمة.

تنفذ الحكومات والبرلمانات هذه الآلية عبر تقارير دورية مبسطة، لا عبر بيانات دعائية. العائق أن الرأي العام قد يشك في تحويل الأموال من الإنفاق الاجتماعي إلى الدفاع. البديل هو ربط بعض بنود المرونة بمشروعات بنى تحتية تخدم المجتمع والسلم والحرب معًا. يقاس النجاح بثبات الدعم البرلماني والشعبي، وبانخفاض قدرة الأحزاب الشعبوية على تصوير الإنفاق كفاتورة خارجية بلا عائد داخلي.

التوصية الخامسة: فتح مسارات خفض مخاطر مع روسيا بالتوازي مع رفع الردع

المشكلة أن رفع الإنفاق من دون قنوات اتصال قد يزيد خطر سوء الحساب. لا يعني خفض المخاطر تقديم تنازل لروسيا، بل يعني حماية الردع من الانزلاق غير المقصود. الآلية المطلوبة هي بروتوكولات اتصال عسكرية، وقنوات أزمة، وترتيبات منع احتكاك في المناطق الحساسة، بالتوازي مع استمرار دعم أوكرانيا وتقوية الجاهزية.

يتولى الحلفاء الرئيسيون والمؤسسة الأطلسية إطلاق هذه القنوات عند الحد الأدنى العملي الممكن. العائق هو انعدام الثقة ورغبة بعض الأطراف في قراءة الحوار كضعف. البديل هو قنوات تقنية محدودة لا تمس الموقف السياسي من الحرب. يقاس النجاح بانخفاض الحوادث، واستمرار الاتصال في أوقات الأزمة، وبقاء الردع أداة لمنع الحرب لا مقدمة غير مقصودة لها.

الخاتمة

تكشف قمة لاهاي أن الناتو لا يبحث عن مبرر جديد لوجوده بقدر ما يعيد تسعير مبرره القديم. ظل الحلف قائمًا على وعد الحماية الجماعية، لكن هذا الوعد يدخل الآن مرحلة أكثر محاسبية: لا يكفي أن يعلن الحليف انتماءه، بل يجب أن يثبت قدرته على تمويل الردع وإنتاجه وتحمل كلفته السياسية.

لا يعني ذلك أن الناتو أصبح حلفًا مختلفًا بالكامل. المادة الخامسة باقية، والتهديد الروسي حاضر، وأوكرانيا لا تزال جزءًا حاسمًا من البيئة الأمنية. غير أن العلاقة بين واشنطن وأوروبا لم تعد محكومة بالثقة التاريخية وحدها. دخلت لغة الفاتورة إلى قلب الضمانة، وأصبح الإنفاق وسيلة لإدارة الشك قبل أن يكون أداة لمواجهة الخصم.

القانون التحليلي الذي تتركه الحالة واضح: حين تعجز التحالفات عن تعريف نقطة توقفها، تتحول الزيادة في القوة إلى بديل عن السياسة. أما نجاح الناتو بعد لاهاي فلن يُقاس ببلوغ خمسة في المئة فقط، بل بقدرته على تحويل المال إلى قدرة، والقدرة إلى ردع مضبوط، والردع إلى أمن لا يحتاج إلى خوف دائم كي يبرر نفسه.

 

المراجع

١ ـ الناتو، إعلان قمة لاهاي، ٢٥ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.

٢ ـ الناتو، الإنفاق الدفاعي والتزام الخمسة في المئة، تحديث ١٠ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.

٣ ـ الناتو، عرض عام لقمة لاهاي ٢٠٢٥، ٢٤ و٢٥ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.

٤ ـ الناتو، منتدى الصناعة الدفاعية في قمة لاهاي: وقت الاتحاد والابتكار والإنجاز، ٢٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.

٥ ـ رويترز، المستشار الألماني يقلل من أثر الخلاف مع ترامب بعد إعلان خفض القوات الأميركية من ألمانيا، ٣ أيار/مايو ٢٠٢٦.

٦ ـ رويترز، إسبانيا تتفق مع الناتو على عدم الالتزام بهدف إنفاق دفاعي يبلغ خمسة في المئة، ٢٢ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.

٧ ـ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، هدف الإنفاق الجديد في الناتو: تحديات ومخاطر مرتبطة بإشارة سياسية، ٢٧ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.

٨ ـ معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي مع صعود الإنفاق الأوروبي والآسيوي، ٢٧ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.

٩ ـ أسوشيتد برس، الأمين العام للناتو يؤكد أن أوكرانيا تظل ملفًا حيويًا رغم خفض حضورها في القمة، ٢٣ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.

١٠ ـ البنك المركزي الأوروبي، الجوانب المالية للإنفاق الدفاعي الأوروبي، النشرة الاقتصادية، ٢٠٢٥.

مرحبًا بعودتك!

تسجيل الدخول إلى الحساب

استرجع كلمة مرورك

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.