- الدولة التي صارت غرفة عمليات: إيران بعد صعود مجتبى خامنئي
- كيف تكشف الحرب شراكة المؤسسة الدينية والحرس الثوري بدل أن تصنع قطيعة بينهما
كلمات مفتاحية: إيران، مجتبى خامنئي، الحرس الثوري، المرشد الأعلى، صنع القرار في طهران، الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، البرنامج النووي الإيراني، السياسة الإيرانية، مراكز الدراسات
تستحق التقارير الغربية الأخيرة عن بنية القيادة في إيران قراءة هادئة، لا لأنها تكشف وحدها حقيقة ما يجري داخل الدائرة العليا في طهران، بل لأنها تكشف، بالقدر نفسه، حدود المعرفة المتاحة عن نظام مغلق يعيش تحت ضغط حرب مفتوحة. منذ مقتل علي خامنئي في الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في 28 شباط/فبراير 2026، ثم صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى في آذار/مارس، تحوّل السؤال عن «من يحكم إيران فعليًا؟» من سؤال مؤجل إلى مدخل أساسي لفهم القرار الإيراني [1] [2].
غير أن شرعية السؤال لا تمنح كل إجابة قيمتها. فالرواية التي تصف مرشدًا جديدًا مصابًا، متواريًا، يبعث التعليمات عبر رسائل مكتوبة وينقل جزءًا من القرار إلى قادة الحرس الثوري، قد تكون قريبة من بعض الوقائع. لكنها، كما وردت في تقارير منسوبة إلى مسؤولين ومصادر غير معلنة، لا تكفي وحدها لبناء حكم قاطع على طبيعة التحول داخل النظام [3] [4]. هنا يبدأ التعليق البحثي: ليس من إنكار الرواية، ولا من التسليم بها، بل من اختبار الإطار الذي تُقرأ من خلاله.
أولًا: إشكال المصدر قبل إشكال الرواية
في حالات الحرب، لا يكون المصدر المحجوب تفصيلًا مهنيًا عابرًا. يصبح جزءًا من الحدث نفسه. فالنظام الذي يحدد من يتكلم، وما الذي يقال، ومتى تمرّ المعلومة إلى الإعلام الخارجي، لا يكتفي بنقل صورة عن نفسه؛ إنه يشارك في صناعة تلك الصورة. لذلك ينبغي التعامل مع كل رواية آتية من داخل منظومة مغلقة باعتبارها مادة للتحليل لا مادة للإيمان.
هذا لا يعني رفض المعلومات المنسوبة إلى دوائر إيرانية. الرفض المسبق كسول معرفيًا مثل التصديق المسبق. الأدق أن تُقرأ هذه المعلومات ضمن سؤال المصلحة: من يستفيد من صورة مرشد جريح لكنه حاضر ذهنيًا؟ من يستفيد من الإيحاء بأن تفويض الحرس الثوري إجراء اضطراري لا انتقال في مركز الثقل؟ ومن يستفيد، في المقابل، من تضخيم صورة عسكرٍ ابتلعوا الدولة دفعة واحدة؟ بين هذه الأسئلة تتحدد قيمة الخبر السياسية، لا في غرابته أو قابليته للانتشار.
ثانيًا: ثنائية مضللة: رجال دين في مواجهة حرس ثوري
أضعف ما في بعض القراءات المتداولة أنها تتعامل مع المؤسسة الدينية والحرس الثوري كأنهما قوتان منفصلتان جذريًا: الأولى حارسة شرعية قابلة للبراغماتية، والثانية جهاز عسكري متصلب استولى على القرار. هذه الثنائية جذابة صحفيًا، لكنها فقيرة تحليليًا. فالدستور الإيراني نفسه يمنح المرشد الأعلى موقع رأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بما في ذلك الحرس الثوري، ويجعله صاحب سلطة واسعة في تحديد السياسات العامة وتعيين مفاصل أمنية وقضائية وإعلامية حساسة [5].
بهذا المعنى، لم يكن الحرس الثوري طوال عقود جسمًا خارج النظام الديني، بل كان أداته الأشد تنظيمًا وقدرة على تحويل العقيدة السياسية إلى نفوذ أمني وإقليمي واقتصادي. ولم تكن المؤسسة الدينية مجرد غطاء رمزي لقوة عسكرية مستقلة؛ لقد منحتها الشرعية، وضبطت موقعها، واستخدمتها في الداخل والخارج. العلاقة بين الطرفين لم تكن علاقة تنافر بنيوي، بل علاقة توزيع أدوار داخل مشروع واحد، وإن شهدت صراعات نفوذ، وتباينات تكتيكية، وتنافسًا على الموارد والقرب من مركز القرار.
لذلك فإن الحديث عن انتقال إيران من «حكم رجال الدين» إلى «حكم الحرس الثوري» يحتاج إلى تدقيق. الأصح، وفق المعطيات المتاحة، أن الحرب عجّلت بانتقال مركز التشغيل اليومي من واجهات سياسية ودينية أوسع إلى نواة أمنية أضيق. هذا تحول مهم، لكنه لا يساوي انقلابًا في هوية النظام. إنه يكشف البنية حين تتعرى، لا يخلقها من عدم.
ثالثًا: الحرب بوصفها كاشفًا لا منشئًا
الحرب تُقصّر المسافة بين الخطاب والقرار. في زمن السلم النسبي، تستطيع الأنظمة المركبة أن توزع وظائفها: واجهة انتخابية هنا، خطاب ديني هناك، دبلوماسية ناعمة في الخارج، وأذرع أمنية تتحرك عند اللزوم. أما في لحظة الخطر الوجودي، فإن هذه الطبقات تنكمش. يصبح القرار أسرع، واللغة أصلب، والسلطة أقرب إلى غرفة عمليات.
من هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة صعود الحرس الثوري في المشهد الإيراني الراهن بوصفه مفاجأة كاملة. فقد نشأ هذا الجهاز بعد ثورة 1979 بوصفه قوة عقائدية لحماية النظام، ثم توسعت أدواره العسكرية والسياسية والاقتصادية والإقليمية حتى صار أحد أعمدة الجمهورية الإسلامية [6]. وخلال عهد علي خامنئي تحديدًا، لم يكن الحرس الثوري نقيضًا للمرشد، بل أحد أهم أدوات تثبيت سلطته. ومن ثم فإن بروزه بعد مقتل خامنئي الأب وإصابة خامنئي الابن لا يثبت بالضرورة أن النظام انتقل من اعتدال إلى تشدد؛ بل يرجّح أن النظام استدعى أداته الأكثر ملاءمة لإدارة لحظة بقاء.
هنا يجب تجنب خطأين متقابلين. الأول هو التقليل من أثر الحرب في إعادة توزيع السلطة داخل طهران، وقد أشارت تقارير حديثة إلى تقدم وزن الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي الأعلى في إدارة القرار اليومي [7]. والثاني هو المبالغة في هذا الأثر إلى حد تصوير ما يجري كأنه ولادة نظام جديد. بين الخطأين تقف قراءة أكثر اتزانًا: الحرب لم تغيّر جوهر الجمهورية الإسلامية، لكنها خفّضت مساحة التجميل السياسي، ودفعت مركز القرار إلى الشكل الأكثر صلابة ووضوحًا.
رابعًا: ماذا تعني «العقلانية» في سلوك الخصم؟
عندما يذهب بعض صانعي القرار الغربيين إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة قد تكون أكثر قابلية للتفاوض، ينبغي عدم تحويل العبارة إلى حكم أخلاقي أو سياسي. «العقلانية» هنا ليست مرادفًا للاعتدال، ولا دليلًا على تغير أيديولوجي. إنها توصيف محتمل لحسابات كلفة. فقد يجد صانع القرار في طهران أن طاولة التفاوض، بعد ضربات واسعة وتراجع في هامش الحركة، أقل كلفة من استمرار التصعيد، من دون أن يعني ذلك تخليه عن أهدافه الأساسية.
هذه النقطة حاسمة في التحليل. النظام قد يفاوض لأنه ضعيف، أو لأنه يريد شراء الوقت، أو لأنه يسعى إلى تثبيت مكاسب، أو لأنه يخشى انكشافًا داخليًا. وقد يجمع بين أكثر من دافع في اللحظة نفسها. لذلك فإن الحكم على السلوك الإيراني يجب أن ينطلق من مؤشرات قابلة للاختبار: ما الذي تعرضه طهران فعليًا؟ ما مصير برنامجها النووي وموادها عالية التخصيب؟ كيف تتصرف أذرعها الإقليمية؟ وهل يقود التفاوض إلى قيود قابلة للتحقق أم إلى هدنة لغوية بلا مضمون؟ [8]
بهذا المعنى، لا يكفي أن تبدو إيران مضطرة إلى التفاوض كي تُقرأ بوصفها أكثر اعتدالًا. الاضطرار ليس فضيلة سياسية. إنه معطى استراتيجي. وحسن استخدامه لا يكون بإنتاج سردية مطمئنة، بل ببناء سياسة تختبر النيات عبر الأفعال، وتربط أي تخفيف للضغط بتغيّر قابل للقياس في السلوك.
خامسًا: أثر السردية في القرار الغربي
ليست السرديات الإعلامية مسألة لغوية هامشية. في الملفات الصلبة، تتحول اللغة إلى مقدمة للسياسة. فإذا تلقى صانع القرار الغربي الرواية على أن إيران كانت تضم تيارًا دينيًا أكثر اعتدالًا أطاحته الحرب ومكّن مكانه متشددين عسكريين، فإن النتيجة العملية قد تكون تحميل الضغط الخارجي مسؤولية تصلب النظام، لا قراءة التصلب بوصفه جزءًا من تركيبته الأصلية. وهذه بالضبط هي الزاوية التي يمكن أن ترتاح لها طهران.
الأخطر أن هذه السردية تمحو تاريخًا طويلًا من التداخل بين القرار الديني والأمني. البرنامج النووي، وتطوير الصواريخ، ودعم الوكلاء المسلحين في الإقليم، وقمع الاحتجاجات الداخلية، لم تكن سياسات أنتجها الحرس الثوري منفردًا في مواجهة مؤسسة دينية معتدلة. لقد جرت هذه المسارات ضمن نظام واحد، وتحت مظلة قيادة واحدة، وبمزيج من الشرعية الثورية والقرار الأمني. قد تختلف الواجهات، وقد تتبدل أسماء الرؤساء والوزراء والمفاوضين، لكن خط الاستمرارية كان أوضح من خط القطيعة.
من هنا تأتي أهمية التمييز بين القدرة والإرادة. قد تتراجع قدرة إيران على التصعيد في مرحلة معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع إرادتها الاستراتيجية. وقد تضطر إلى التهدئة، لكن التهدئة لا تساوي تسوية. وقد تفاوض، لكن التفاوض ليس دليلًا تلقائيًا على تغير في الغاية. أي قراءة تغفل هذه الفوارق تمنح الانطباع بأن المشكلة نشأت فقط حين صعد العسكريون، لا حين تأسست بنية حكم تجعل الأمن والعقيدة والسياسة الخارجية أجزاء من منظومة واحدة.
خلاصة
المسألة، في نهاية المطاف، ليست إن كان مجتبى خامنئي يحكم مباشرة أم عبر شبكة ضيقة من القادة. هذه مسألة مهمة، لكنها ليست كافية. السؤال الأعمق هو: ماذا يكشف هذا النمط من الحكم عن الجمهورية الإسلامية في لحظة الخطر؟ تشير المعطيات إلى أن الحرب لم تستبدل نظامًا بآخر، بل عرّت منطق النظام حين وجد نفسه أمام تهديد غير مسبوق. عندها تقدمت الأداة الأمنية، وتقلصت الواجهة، وبدا الحكم أقرب إلى غرفة عمليات منه إلى نظام مؤسسات مفتوح.
لذلك ينبغي أن يتعامل التحليل الغربي والعربي مع التحول الإيراني الراهن باعتباره انكشافًا لا انقلابًا. فالفصل الحاد بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري يريح السرديات، لكنه لا يخدم الفهم. أما القراءة الأكثر صرامة فتقول إن طهران لم تفقد فجأة جناحًا معتدلًا كان يقودها إلى البراغماتية؛ لقد أظهرت، تحت ضغط الحرب، أن الشراكة بين الشرعية الدينية والقوة الأمنية كانت أعمق من الصورة التي أرادت تصديرها، وأقوى من الوهم الذي أراد بعض المراقبين تصديقه.
مصادر مفتوحة
[1] Reuters، «Iran’s supreme leader Khamenei killed, Iranian state media confirm»، 1 آذار/مارس 2026.
[2] UK House of Commons Library، «Iran: Introductory country profile»، 20 آذار/مارس 2026.
[3] Reuters، «Iran’s new supreme leader has severe and disfiguring wounds, sources say»، 11 نيسان/أبريل 2026.
[4] Arab News / AFP، نقلًا عن The New York Times، «Iran’s Mojtaba Khamenei ‘gravely wounded’ but ‘mentally sharp’»، 23 نيسان/أبريل 2026.
[5] The Constitution of the Islamic Republic of Iran / Article 110، «Powers and duties of the Supreme Leader»، نص دستوري.
[6] Council on Foreign Relations، «The Islamic Revolutionary Guard Corps (IRGC)»، 30 كانون الثاني/يناير 2026.
[7] Reuters، «Iran’s Guards seize wartime power, weakening Supreme Leader’s role»، 28 نيسان/أبريل 2026.
[8] Reuters، «US intelligence indicates limited new damage to Iran’s nuclear program, sources say»، 4 أيار/مايو 2026.

















