-
ليبيا بين ميزانين
-
التنافس الروسي ـ التركي وحدود السيادة في فراغ الضبط الأميركي
-
أثر التنافس الروسي ـ التركي على الأمن القومي الليبي
ملخص تنفيذي
تدرس هذه الورقة التنافس الروسي ـ التركي في ليبيا بوصفه بنية نفوذ مركبة، لا مجرد تنافس ثنائي بين قوتين خارجيتين. فمنذ عام ٢٠١٩، لم تعد ليبيا ساحة نزاع داخلي قابل للعزل عن محيطه، بل صارت عقدة تلتقي فيها حسابات المتوسط، والطاقة، والهجرة، والعمق الأفريقي، وموازنة النفوذ الغربي والروسي والتركي. تكمن الفرضية المركزية في أن هذا التنافس لم يخلق الأزمة الليبية من العدم، لكنه أعاد إنتاجها في مستوى أعلى من التعقيد، عبر تحويل الانقسام المؤسسي المحلي إلى مدخل دائم للتأثير الخارجي.
تخلص الورقة إلى أن روسيا وتركيا لا تتحركان بمنطقين متطابقين. فموسكو تبحث عن موطئ قدم متوسطي وأفريقي، وعن ورقة ضغط في مواجهة الغرب، وعن موقع قريب من عقد الطاقة والهجرة. أما أنقرة، فتتعامل مع ليبيا بوصفها امتدادًا لأمنها البحري في شرق المتوسط، وساحة لحماية اتفاقاتها مع طرابلس، ومجالًا لاستعادة عقود اقتصادية وتثبيت حضور سياسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. وبين المنطقين، تشكّل ما تسميه الدراسة «توازن التعطيل»: توازن يمنع الحسم العسكري، لكنه لا ينتج تسوية وطنية.
تقدّر الدراسة أن السياسة الأميركية في عهد إدارة ترامب الأولى لم تكن غيابًا كاملًا، بل انخراطًا انتقائيًا ركز على مكافحة الإرهاب، وأمن النفط، ومنع التمدد الروسي، مع ترك مساحة واسعة لتفاعلات القوى الإقليمية. هذا النمط أتاح لأنقرة أن تتحول إلى عامل موازنة للنفوذ الروسي، وأتاح لموسكو أن تستثمر هشاشة المؤسسات الليبية دون تحمل كلفة تدخل معلن ومباشر. ومن ثم، لم يكن الخلل في محدودية الحضور الأميركي وحدها، بل في غياب إطار دولي قادر على ربط وقف النار ببناء مؤسسات سيادية ليبية.
تنتهي الورقة إلى أن الأمن القومي الليبي لا يُقاس اليوم بغياب الحرب المفتوحة فقط، بل بقدرة الدولة على ضبط السلاح، وتوحيد القرار، وحماية النفط، وإدارة الحدود، ومنع تحويل الاتفاقات الخارجية إلى التزامات فئوية. وتوصي ببناء مقاربة وطنية لإدارة العلاقات مع موسكو وأنقرة وواشنطن وبروكسل والقوى الإقليمية، تقوم على السيادة المشروطة بالمؤسسات لا على الحياد اللفظي، وعلى تحويل التنافس الخارجي من مصدر ارتهان إلى مساحة تفاوض تخدم استعادة الدولة.
الكلمات المفتاحية
ليبيا؛ روسيا؛ تركيا؛ الأمن القومي؛ السيادة؛ شرق المتوسط؛ الطاقة؛ الولايات المتحدة؛ القوات الأجنبية؛ التسوية السياسية.
مقدمة: لماذا لم يعد التنافس الخارجي تفصيلًا في الأزمة الليبية؟
تملك ليبيا موقعًا لا يسمح لها بأن تكون ملفًا محليًا خالصًا. فهي تمتد على واجهة طويلة من الساحل الجنوبي للمتوسط، وتنفتح جنوبًا على عمق صحراوي أفريقي هش، وتملك احتياطيات نفطية تجعل استقرارها جزءًا من معادلة الطاقة الإقليمية والدولية. غير أن هذه المزايا لم تتحول بعد عام ٢٠١١ إلى قوة سيادية مستقرة؛ إذ تراجعت قدرة الدولة على احتكار العنف، وتعثر بناء المؤسسات، وانقسمت الشرعية السياسية والعسكرية، وتحوّل جزء من الجغرافيا الليبية إلى مساحة مفتوحة لاختبار نفوذ القوى الخارجية.
تبدو المسألة، للوهلة الأولى، كأنها صراع بين أطراف ليبية متنافسة تستعين بحلفاء خارجيين. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن العلاقة بين الداخل والخارج لم تعد علاقة دعم عابر، بل علاقة إنتاج متبادل. فالانقسام الداخلي يستدعي الحماية الخارجية، والحماية الخارجية تعيد تغذية الانقسام الداخلي. وكلما عجزت المؤسسات الليبية عن إنتاج تسوية وطنية، ازداد وزن الفاعل الخارجي في تحديد سقف الحرب وسقف التفاوض معًا.
في هذا السياق، برز التنافس الروسي ـ التركي بوصفه أحد أكثر تعبيرات التدخل الخارجي أثرًا في الأمن القومي الليبي. فقد دخلت روسيا إلى الملف الليبي من بوابة دعم الشرق وشبكات عسكرية وأمنية غير نظامية، مع خطاب دبلوماسي يقدّمها بوصفها طرفًا قادرًا على التواصل مع الجميع. ودخلت تركيا من بوابة الاتفاقات الموقعة مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، ومن بوابة الدفاع عن طرابلس، وترسيم مناطق الاختصاص البحري في شرق المتوسط. وقد سُجلت مذكرة التفاهم البحرية التركية ـ الليبية لدى الأمم المتحدة تحت رقم تسجيل ٥٦١١٩، بعد توقيعها في إسطنبول في ٢٧ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٩.٤
لا تكمن أهمية هذا التنافس في أنه أدخل قوتين خارجيتين إلى ليبيا فحسب، بل في أنه أعاد تعريف معنى الأمن القومي الليبي. فالأمن لم يعد يساوي منع سقوط العاصمة أو وقف الاشتباكات على خطوط التماس. صار الأمن يعني القدرة على منع تحويل الموارد والحدود والقواعد والموانئ والقرار السياسي إلى أوراق في تفاوض خارجي. بهذا المعنى، تصبح ليبيا أمام معضلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى الخارج لضبط جزء من توازناتها، لكنها تتضرر حين يتحول الخارج إلى بديل من مؤسساتها.
تطرح الدراسة السؤال المركزي الآتي: كيف أثّر التنافس الروسي ـ التركي، في ظل سياسة أميركية انتقائية خلال إدارة ترامب الأولى وامتداد آثارها اللاحقة، على محددات الأمن القومي الليبي؟ وتنطلق من فرضية مفادها أن هذا التنافس أضعف الأمن القومي الليبي لأنه ثبّت الانقسام بدل أن يلغيه، ورفع كلفة الحسم دون أن يخفض كلفة التعطيل، وجعل التسوية الوطنية مشروطة بدرجة من التفاهم الخارجي لا تملك المؤسسات الليبية وحدها التحكم بها.
منهجية الدراسة وحدودها
تعتمد الدراسة منهج دراسة الحالة، لأن ليبيا تمثل حالة كثيفة التداخل بين الانقسام الداخلي والتنافس الخارجي. كما تستخدم التحليل الجيوسياسي المقارن لفهم اختلاف المقاربتين الروسية والتركية في دوافع النفوذ وأدواته ونتائجه. ولا تتعامل الدراسة مع روسيا وتركيا بوصفهما كتلتين ثابتتين، بل بوصفهما فاعلين يغيّران أدواتهما وفق البيئة الدولية وتحولات الميدان الليبي.
تغطي الدراسة المرحلة الممتدة من إدارة ترامب الأولى بين عامي ٢٠١٧ و٢٠٢١، مع امتداد تحليلي إلى ما بعد عام ٢٠٢١، لأن آثار التنافس لم تتوقف عند نهاية تلك الإدارة. فقد بقي اتفاق وقف إطلاق النار في ٢٣ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٠ نقطة مرجعية، وبقيت مسألة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة أحد البنود المركزية في مسار التسوية، كما تؤكد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في حديثها عن توحيد المؤسسات الأمنية وتنفيذ خطة العمل الليبية الخاصة بانسحاب القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة.٢
تلتزم الدراسة بالفصل بين الواقعة والتفسير والتقدير. فالواقعة تثبتها الوثائق أو المصادر الرسمية أو التقارير المعتمدة. أما التفسير، فيقرأ العلاقة بين الفاعلين والأدوات. والتقدير، يحدد المسار الأكثر احتمالًا بناء على المؤشرات المتاحة. ويُستخدم هذا الفصل لتجنب القفز من المعطى إلى الحكم، ولمنع تحويل الرغبة السياسية إلى نتيجة تحليلية.
تسمح هذه المقاربة بتجنب التعميم المتعسف. فلا تُحمّل الدراسة روسيا وتركيا كل أسباب الانقسام، ولا تبرئ الفاعلين الليبيين من مسؤولية إدامته. كما لا تفترض أن الولايات المتحدة تستطيع وحدها حل الأزمة إذا زادت انخراطها. الخلاصة المفهومية أن الأمن القومي الليبي يتضرر عندما يلتقي انقسام داخلي قابل للتوظيف مع تنافس خارجي قابل للتوسع. وعليه، فإن إصلاح الداخل من دون ضبط الخارج يبقى ناقصًا، وضبط الخارج من دون بناء مؤسسات وطنية يبقى مؤقتًا.
من الناحية المنهجية، تفصل الدراسة بين النفوذ والهيمنة. النفوذ يعني قدرة فاعل خارجي على التأثير في القرار أو المسار أو توازنات القوة. أما الهيمنة، فتعني قدرة أكثر استقرارًا على فرض الخيارات وإقصاء البدائل. لا تملك روسيا ولا تركيا هيمنة كاملة على ليبيا. لكن كلًا منهما يملك نفوذًا كافيًا لتعطيل مسارات لا تناسبه، أو لتثبيت ترتيبات تخدمه. هذا الفارق مهم لأن الخطر الليبي لا يتمثل في استعمار مباشر، بل في تعدد نفوذ خارجي يمنع قيام مركز سيادي واحد. ومن هنا يصبح هدف السياسة الليبية الواقعية تقليص قدرة التعطيل الخارجي قبل الحديث عن إنهائها بالكامل.
تساعد أدبيات الأمن المركب على فهم الحالة الليبية بصورة أدق. فالأمن هنا ليس قطاعًا واحدًا، بل شبكة قطاعات: عسكري، سياسي، اقتصادي، اجتماعي، وحدودي. قد يتحسن أحد هذه القطاعات جزئيًا، كما يحدث عند انخفاض الاشتباكات، بينما يتدهور قطاع آخر، كما يحدث عند استمرار الانقسام المالي أو اتساع نفوذ المرتزقة. ولذلك لا يجوز قياس الأمن القومي الليبي بمؤشر واحد. فاستقرار الجبهات لا يعني سلامة الدولة، وارتفاع إنتاج النفط لا يعني عدالة توزيع الريع، ووجود اعتراف دولي بحكومة ما لا يعني أنها تملك قدرة فعلية على ضبط كامل المجال الوطني.
تقوم القراءة الواقعية التقليدية على أن الدول تبحث عن القوة وتوسيع مجال التأثير حين تسمح البيئة بذلك. هذه القراءة تفسر جزءًا من السلوك الروسي والتركي؛ فكل من موسكو وأنقرة وجدت في ضعف الدولة الليبية فرصة لتوسيع الحركة. لكنها لا تفسر وحدها لماذا يستمر النفوذ الخارجي رغم كلفته على الليبيين. التفسير الأعمق يرتبط بعجز المؤسسات الوطنية عن بناء ضمانات داخلية. حين تفشل الدولة في إنتاج الضمانة، يبحث الفاعل المحلي عن ضمانة خارجية. وحين تصبح الضمانة الخارجية جزءًا من توازن الداخل، يصعب تفكيكها حتى لو تضررت السيادة.
تستخدم الدراسة مفهوم التنافس الخارجي بمعنى أوسع من تزاحم دولتين على النفوذ. فالتنافس في الحالة الليبية ليس حركة خارجية منفصلة عن الداخل، بل عملية تتفاعل فيها مطالب الحماية المحلية مع رغبات التموضع الإقليمي والدولي. لهذا لا تكفي الأدبيات التي تفسر ليبيا بوصفها ساحة «حرب بالوكالة» فقط. صحيح أن الوكالة حاضرة، غير أن الأطراف المحلية ليست أدوات صامتة. فهي تفاوض الخارج، وتستخدمه، وتستند إليه، ثم تجد نفسها مقيدة بشروطه. هنا ينتقل التنافس من مستوى الدعم إلى مستوى الارتهان المتبادل.
إطار مفاهيمي وأدبيات مركزة: من التنافس إلى الارتهان
أولًا: الأمن القومي الليبي بوصفه قدرة على ضبط المجال لا مجرد غياب للحرب
لا يكفي في الحالة الليبية تعريف الأمن القومي باعتباره حماية الحدود من اختراق خارجي. فالحدود نفسها لم تعد مجالًا جغرافيًا محضًا، بل صارت شبكة عبور للهجرة، والتهريب، والسلاح، والفاعلين غير النظاميين، وشبكات النفوذ التي تصل جنوب ليبيا بالساحل الأفريقي والسودان وتشاد والنيجر. كما أن الساحل الليبي لا يمثل واجهة بحرية فقط، بل يمثل نقطة تماس مع أوروبا، ومع أمن الطاقة، ومع التنافس على شرق المتوسط.
الأمن القومي الليبي، في هذه الدراسة، يعني قدرة الدولة على أداء خمس وظائف متداخلة. الأولى احتكار القرار الأمني ومنع تعدد الجيوش وشبه الجيوش. الثانية حماية الموارد السيادية، وفي مقدمتها النفط والغاز والبنية المالية العامة. الثالثة ضبط العلاقة مع القوى الخارجية حتى لا تتحول الاتفاقات إلى بدائل من الشرعية الوطنية. الرابعة إدارة الحدود بوصفها مجالًا للتنمية والرقابة لا هامشًا مهملًا. والخامسة بناء شرعية سياسية تسمح بتوحيد المؤسسات وتوزيع الموارد وفق قواعد مقبولة.
من هذا المنظور، لا يصبح وقف إطلاق النار نهاية الأزمة، بل يصبح اختبارًا لطبيعة المرحلة التي تليه. فإذا قاد وقف النار إلى دمج المؤسسات وسحب القوات الأجنبية وتوحيد القرار المالي والأمني، فإنه يمثل مدخلًا إلى ترميم الأمن القومي. أما إذا ثبت خطوط النفوذ ومنح الأطراف المحلية وقتًا لإعادة التموضع، فإنه يتحول إلى هدنة تنتج انقسامًا أطول عمرًا.
تكمن خطورة التنافس الروسي ـ التركي في أنه لم يعمل خارج هذه الوظائف فحسب، بل دخل إلى قلبها. فهو أثر في المؤسسة العسكرية، وفي شرعية الحكومات، وفي أمن النفط، وفي التوازن بين الشرق والغرب، وفي قدرة ليبيا على التحدث بصوت واحد أمام الخارج. لذلك لا ينبغي اختزال أثره في عدد المقاتلين أو نوع السلاح، لأن الأثر الأعمق يظهر في تغيير طريقة اتخاذ القرار داخل ليبيا.
ثانيًا: الجغرافيا الليبية بين الامتياز الاستراتيجي والانكشاف المؤسسي
تمنح الجغرافيا ليبيا قيمة استراتيجية عالية، لكنها تمنحها أيضًا قابلية للانكشاف حين تضعف الدولة. فالمساحة الواسعة، والكثافة السكانية المحدودة، والتركز السكاني في الشريط الساحلي، واتساع الجنوب الصحراوي، كلها عناصر تجعل السيطرة الإدارية والأمنية صعبة في غياب مؤسسات قادرة على الربط بين المركز والأطراف. وتزداد المشكلة حين تكون الثروة النفطية مركزة في بنى إنتاج وتصدير يمكن تعطيلها أو استخدامها سياسيًا.
تؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، بنحو ٤٨ مليار برميل، الأمر الذي يجعل النفط عنصر جذب خارجي ومصدر هشاشة داخلية في آن واحد.٣ فالنفط يمنح الدولة موردًا مركزيًا، لكنه يصبح أداة صراع حين تنقسم المؤسسات التي تدير الإنتاج والتصدير والإيرادات والإنفاق. وكلما عجزت السلطة المركزية عن تحويل النفط إلى عقد اجتماعي جامع، تحوّل النفط إلى ساحة مساومة بين الفاعلين المحليين والخارجيين.
أما الموقع المتوسطي، فيجعل ليبيا قريبة من أوروبا بما يكفي لإثارة قلقها، وبعيدة عنها مؤسسيًا بما يكفي لأن تفشل في ضبطها وحدها. ولهذا تتعامل أوروبا مع ليبيا من زوايا متعددة: الطاقة، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، والحد من النفوذ الروسي، واستقرار شمال أفريقيا. غير أن تعدد المقاربات الأوروبية، ولا سيما اختلاف حسابات إيطاليا وفرنسا واليونان ومالطا، أضعف القدرة على إنتاج سياسة أوروبية موحدة.
تستفيد القوى الخارجية من هذا الانكشاف لا لأنها أقوى عسكريًا فقط، بل لأنها تجد داخل ليبيا فجوات جاهزة للتوظيف. فالفراغ المؤسسي في الجنوب يسمح لشبكات عابرة للحدود بالحركة. والانقسام السياسي يسمح ببناء علاقات منفصلة مع سلطات متنافسة. والانقسام العسكري يجعل التدريب والتسليح الخارجيين أدوات نفوذ. وتنازع الشرعية يسمح لكل طرف خارجي بأن يختار شريكًا محليًا يمنحه بوابة قانونية أو سياسية أو ميدانية.
ثالثًا: المقاربة الروسية في ليبيا: نفوذ منخفض الكلفة وعائد مرتفع
تنظر روسيا إلى ليبيا من خلال ثلاثة مستويات متداخلة. المستوى الأول متوسطي، ويتصل برغبة موسكو في امتلاك حضور قريب من الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، وفي تعويض محدودية خياراتها في البحر الأسود والمتوسط الشرقي. المستوى الثاني أفريقي، لأن ليبيا تمثل ممرًا نحو الساحل والصحراء ووسط أفريقيا، حيث تسعى روسيا إلى بناء شبكات نفوذ أمنية واقتصادية وسياسية. المستوى الثالث تفاوضي، لأن الوجود في ليبيا يمنح موسكو ورقة إضافية في علاقاتها المتوترة مع الغرب، ولا سيما بعد الحرب الأوكرانية.
لم تعتمد موسكو، في الحالة الليبية، على تدخل عسكري رسمي واسع. استخدمت بدلًا من ذلك أدوات مرنة: علاقات سياسية مع الشرق وبعض قنوات التواصل مع الغرب، دعمًا أمنيًا غير مباشر، حضورًا لشبكات عسكرية خاصة أو شبه خاصة، خطابًا دبلوماسيًا يتحدث عن الحل السياسي، واهتمامًا بقطاع الطاقة والبنى العسكرية. وقد أشارت القيادة الأميركية في أفريقيا عام ٢٠٢٠ إلى استمرار نشاط مجموعة فاغنر وروسيا في ليبيا، واعتبرت أن موسكو تستخدم هذا الحضور لتعزيز موقعها في شمال أفريقيا وعلى المتوسط.٥
تكشف هذه المقاربة عقلانية روسية واضحة. فموسكو لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على ليبيا كي تحقق مكاسب مهمة. يكفيها أن تحتفظ بموطئ قدم في الشرق والجنوب، وأن تبقى قريبة من عقد النفط والموانئ والقواعد، وأن تجعل أي تسوية سياسية مضطرة إلى أخذ مصالحها في الحسبان. هذا النوع من النفوذ منخفض الكلفة نسبيًا، لأنه لا يلزم روسيا بإدارة البلاد أو تحمل عبء إعادة الإعمار، لكنه يمنحها قدرة على التعطيل والمساومة.
بعد عام ٢٠٢٣، لم يعد وصف الحضور الروسي بعبارة «فاغنر» وحدها كافيًا. فالشبكات الروسية في أفريقيا اتجهت إلى صيغ أكثر التصاقًا بالدولة الروسية، وإن بقيت البنى السابقة جزءًا من الإرث الميداني. دلالة ذلك بالنسبة إلى ليبيا أن الخطر لا يقتصر على وجود مقاتلين أجانب، بل يمتد إلى احتمال تحويل الحضور الأمني إلى بنية استراتيجية طويلة الأمد. هذا التحول يُصعّب على ليبيا استعادة السيطرة إذا لم تقترن أي تسوية سياسية بآلية واضحة لحصر السلاح والوجود الأجنبي تحت رقابة وطنية ودولية.
لا يعني ذلك أن روسيا تملك القدرة على فرض حل ليبي منفرد. قدرتها أقرب إلى القدرة على منع الحلول التي تستبعدها. وهنا تكمن أهميتها: ليست روسيا القوة التي تستطيع وحدها إعادة بناء ليبيا، لكنها قوة قادرة على جعل أي تسوية غير مكتملة إذا تجاهلت مصالحها ومواقعها. لذلك يمثل النفوذ الروسي تحديًا بنيويًا للأمن القومي الليبي لأنه يعمل على مستوى التوازن لا على مستوى السيطرة المباشرة وحدها.
رابعًا: المقاربة التركية في ليبيا: الشرعية الاتفاقية وسؤال البحر
تختلف المقاربة التركية عن المقاربة الروسية في الشكل القانوني وفي مركز الثقل الجيوسياسي. فقد استندت أنقرة إلى اتفاقات موقعة مع حكومة الوفاق الوطني، ثم بنت عليها حضورًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا في غرب ليبيا. وجاء التدخل العسكري التركي في مطلع عام ٢٠٢٠ بوصفه نقطة تحول حالت دون سقوط طرابلس، وأعادت رسم ميزان القوة على الأرض.
لكن تركيا لا ترى ليبيا من زاوية طرابلس وحدها. فليبيا، بالنسبة إلى أنقرة، جزء من معادلة شرق المتوسط. وقد منحها اتفاق ترسيم مناطق الاختصاص البحري مع حكومة الوفاق أساسًا سياسيًا وقانونيًا للمطالبة بدور في ترتيبات الطاقة والحدود البحرية. لذلك ربطت أنقرة بين الدفاع عن طرابلس والدفاع عن مصالحها البحرية. لا ينفصل هذا الربط عن شعورها بأنها استُبعدت من بعض ترتيبات غاز شرق المتوسط، ولا عن توتراتها مع اليونان وقبرص ومصر.
تمتلك تركيا أيضًا دافعًا اقتصاديًا مهمًا. فقد كانت الشركات التركية حاضرة بقوة في ليبيا قبل عام ٢٠١١، ولا تزال تنظر إلى مشاريع البنية التحتية والإعمار والطاقة والخدمات بوصفها مجالًا طبيعيًا للعودة. بهذا المعنى، يصبح الحضور العسكري والسياسي مدخلًا لحماية استثمارات محتملة، لا غاية منفصلة عن الاقتصاد. ويظهر ذلك في سعي أنقرة لاحقًا إلى فتح قنوات مع الشرق الليبي، لأن تثبيت المصالح الطويلة المدى لا يمكن أن يعتمد على طرف واحد في بلد منقسم.
غير أن الشرعية الاتفاقية لا تلغي أثر الوجود التركي على الأمن القومي الليبي. فحتى حين يستند الوجود إلى اتفاقات مع سلطة معترف بها، يبقى السؤال قائمًا: هل يخدم هذا الوجود بناء مؤسسات ليبية موحدة، أم يتحول إلى ضمانة لطرف في مواجهة طرف آخر؟ إذا بقيت الاتفاقات محصورة في منطق الحماية الفئوية، فإنها تعمق الانقسام. أما إذا رُبطت بتوحيد الجيش، وضبط السلاح، ودمج المؤسسات، فقد تصبح جزءًا من عملية انتقالية أوسع.
تكمن قوة تركيا في ليبيا في وضوح أهدافها وفي قدرتها على الجمع بين الأداة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. لكنها تواجه حدًا مهمًا: أي نفوذ تركي لا يستطيع الاستقرار طويلًا إذا ظل قائمًا على غرب ليبيا وحده. لذلك تحاول أنقرة الانتقال من سياسة الاصطفاف الصريح إلى سياسة الانفتاح البراغماتي. هذا التحول لا يخرجها من التنافس مع روسيا، لكنه يخفف من صلابة الانقسام ويمنحها هامشًا أوسع في مرحلة التسوية.
خامسًا: من الصدام إلى توازن التعطيل
لا يفسر مفهوم الصراع المباشر طبيعة العلاقة الروسية ـ التركية في ليبيا. فالعلاقة بين الطرفين تقوم على مزيج من التنافس والتفاهم. يتواجهان عبر أطراف محلية، لكنهما يتجنبان المواجهة المباشرة. يختلفان حول النفوذ، لكنهما يعرفان أن إخراج أحدهما للآخر بالكامل قد يرفع كلفة الصراع. لذلك تبدو ليبيا نموذجًا لما يمكن تسميته «توازن التعطيل»: توازن يمنع الحسم، ويحد من الحرب الشاملة، لكنه يبقي الدولة معلقة بين تسوية ناقصة وانقسام قابل للتجدد.
ظهر هذا التوازن بعد فشل هجوم حفتر على طرابلس وتوقف خطوط القتال. لم تنتصر تركيا انتصارًا يسمح لها بإعادة تشكيل ليبيا كلها، ولم تخسر روسيا خسارة تُخرجها من المشهد. بقيت موسكو قريبة من الشرق والجنوب، وبقيت أنقرة فاعلًا ضامنًا في الغرب. وبقيت الأطراف الليبية تعتمد على هذا التوازن بدل أن تتجاوزه نحو عقد سياسي وطني.
للتوازن المعطّل ثلاث نتائج خطرة. النتيجة الأولى أنه يخفض احتمال الحرب الكبرى دون أن يبني السلام. والنتيجة الثانية أنه يجعل القرار الليبي محكومًا بسقف توافق خارجي غير معلن. أما النتيجة الثالثة فهي أنه يمنح الأطراف المحلية حافزًا للاستمرار في التعطيل، لأن كل طرف يعتقد أن داعمه الخارجي قادر على تحسين موقعه في جولة لاحقة.
هنا يجب التمييز بين الاستقرار الأمني والاستقرار السياسي. قد تتوقف الجبهات، وقد تنخفض الاشتباكات الكبرى، وقد تتحسن مستويات إنتاج النفط، لكن ذلك لا يعني أن الدولة استعادت أمنها القومي. فالدولة لا تستعيد أمنها إلا حين يصبح قرار الحرب والسلم والمال العام والعلاقات الخارجية في يد مؤسسات واحدة مسؤولة أمام الليبيين. أما الهدوء الذي يقوم على توازن قوى خارجية، فهو هدوء قابل للانقلاب عند تغير حسابات تلك القوى.
سادسًا: السياسة الأميركية في عهد ترامب: الانخراط الانتقائي لا الغياب الكامل
يُختزل الدور الأميركي في ليبيا أحيانًا بعبارة الانسحاب أو الفراغ. غير أن هذا الوصف يحتاج إلى ضبط. لم تكن واشنطن غائبة بالكامل عن ليبيا في عهد إدارة ترامب الأولى، لكنها لم تمتلك استراتيجية متكاملة لبناء الدولة أو إدارة التسوية. ركزت على مكافحة الإرهاب، وحماية تدفق النفط، ومنع تثبيت نفوذ روسي يغيّر توازن المتوسط وشمال أفريقيا. وهذا يعني أن واشنطن أدارت الأزمة من زاوية المخاطر التي تمس مصالحها المباشرة، لا من زاوية إعادة بناء ليبيا.
عبّر ترامب عام ٢٠١٧ عن محدودية الرغبة الأميركية في الانخراط المباشر في ليبيا، مع الإبقاء على أولوية مكافحة تنظيم الدولة. وقد عززت هذه المقاربة شعور الأطراف الخارجية بأن المجال الليبي مفتوح نسبيًا للمناورة، ما دام لا يهدد مباشرة مكافحة الإرهاب أو النفط أو المصالح الأميركية الكبرى.٧
في نيسان/أبريل ٢٠١٩، جاءت مكالمة ترامب مع خليفة حفتر في توقيت حساس، بعد بدء الهجوم على طرابلس. حتى إذا لم تكن المكالمة تفويضًا رسميًا بالحسم العسكري، فإن أثرها السياسي كان مربكًا؛ لأنها أوحت بوجود تباين داخل الموقف الأميركي، وسمحت لأطراف عدة بتأويلها في اتجاه دعم حملة حفتر. وقد عكست تلك اللحظة مشكلة أوسع في السياسة الأميركية: غياب الرسالة المتماسكة بين دعم المسار الأممي، والتواصل مع فاعلين ميدانيين، والخوف من التمدد الروسي.
لاحقًا، بدا أن واشنطن تعاملت مع الدور التركي بوصفه عامل موازنة للنفوذ الروسي. وهذا لا يعني أنها تبنّت كل الأهداف التركية، بل يعني أنها وجدت في أنقرة شريكًا قادرًا على منع سقوط طرابلس ومنع تمدد روسي أوسع. بذلك تحولت تركيا، في الحساب الأميركي، إلى أداة توازن لا إلى حل سياسي. وكانت النتيجة أن واشنطن ساعدت، بصورة غير مباشرة، على تثبيت معادلة نفوذ خارجي مزدوج بدل أن تقود عملية دولية صارمة لإعادة بناء المؤسسات الليبية.
تستمر هذه المقاربة، بدرجات مختلفة، في التأثير على المشهد الليبي. فواشنطن لا تبدو مستعدة لتحويل ليبيا إلى أولوية كبرى، لكنها لا تقبل بتحولها إلى قاعدة روسية متقدمة أو إلى مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب. لذلك سيبقى الدور الأميركي على الأرجح دور ضبط انتقائي: يضغط حين يظهر خطر روسي أو نفطي أو أمني، ويتراجع حين يتعلق الأمر بالتفاصيل الشاقة لبناء التوافق السياسي الليبي.
سابعًا: أثر التنافس على محددات الأمن القومي الليبي
الأثر الأول يتمثل في تقويض السيادة العملية. فالدولة قد تحتفظ بتمثيلها الدولي وبمؤسسات اسمية، لكنها تفقد جوهر السيادة عندما تعجز عن تحديد من يملك السلاح، ومن يسيطر على القواعد، ومن يتخذ قرار التصعيد والتهدئة، ومن يضمن بقاء الموانئ والحقول مفتوحة. وقد أشار تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن بشأن ليبيا لعام ٢٠٢٦ إلى استمرار أفعال ووقائع تهدد السلام والاستقرار والأمن في ليبيا ضمن إطار نظام العقوبات المرتبط بالقرار ١٩٧٠.١
الأثر الثاني هو تعطيل توحيد المؤسسة العسكرية. فالوجود الروسي والتركي لا يعمل في فراغ؛ إنه يرتبط بفاعلين محليين يحتاجون إلى ضمانات خارجية. وكل ضمانة خارجية تجعل التنازل المحلي أصعب، لأن الطرف المحلي لا يرى نفسه مضطرًا إلى قبول تسوية مؤلمة ما دام يمتلك سندًا خارجيًا. لهذا يظل توحيد الجيش الليبي مشروطًا بتفكيك علاقة التبعية المتبادلة بين القوة المحلية والحماية الخارجية.
الأثر الثالث يتعلق بأمن النفط. النفط هو المورد السيادي الأكثر حساسية في ليبيا. وأي خلل في إدارة الإنتاج أو التصدير أو الإيرادات ينعكس فورًا على الدولة والمجتمع والعملة والخدمات. إن اقتراب القوى الخارجية من عقد الطاقة لا يعني دائمًا سيطرة مباشرة، لكنه يمنحها قدرة على التأثير في الحسابات الداخلية. ويزداد الخطر حين تستخدم الأطراف المحلية النفط كورقة تفاوض أو تعطيل، لأن المورد الذي يفترض أن يوحد الدولة يصبح سببًا إضافيًا للانقسام.
الأثر الرابع يظهر في الجنوب الليبي. فالجنوب ليس هامشًا جغرافيًا، بل عمق استراتيجي متصل بأزمات الساحل والسودان وتشاد والنيجر. وكلما زاد حضور الشبكات العسكرية والتهريب والفاعلين غير النظاميين، أصبح الجنوب بوابة لاختراق الأمن الوطني. وإذا تُرك الجنوب خارج أي مقاربة للتسوية، فإن وقف النار في الشمال سيظل جزئيًا، لأن مصادر التهديد ستبقى قادرة على إعادة الدخول إلى المشهد عبر الأطراف.
الأثر الخامس هو إضعاف الشرعية السياسية. حين تتعدد الحكومات والمؤسسات والمرجعيات العسكرية، يصبح الاعتراف الخارجي جزءًا من الصراع على الشرعية. كل طرف يسعى إلى سند دولي أو إقليمي يعوض نقص الشرعية الداخلية. وهنا يتحول الخارج من وسيط إلى طرف في إنتاج الشرعية. وهذا أخطر ما في الحالة الليبية، لأن الشرعية التي تُستورد من الخارج لا تستطيع وحدها بناء قبول وطني مستقر.
الأثر السادس يتعلق بتحويل ليبيا إلى ورقة في ملفات أخرى. روسيا تقرأ ليبيا ضمن حساباتها مع أوروبا وأفريقيا وأوكرانيا. وتركيا تقرأها ضمن حساباتها في شرق المتوسط وسوريا وعلاقاتها مع الغرب. والولايات المتحدة تقرأها ضمن منع التمدد الروسي ومكافحة الإرهاب وأمن الطاقة. هذا التشابك يجعل أي تسوية ليبية عرضة للتأثر بملفات لا يملك الليبيون التحكم بها.
ثامنًا: المسارات المحتملة خلال المدى القريب والمتوسط
المسار الأول هو استمرار التجميد القلق. يقوم هذا المسار على بقاء وقف إطلاق النار، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتأجيل الانتخابات أو إفراغها من أثرها التوحيدي، وبقاء القوات الأجنبية والمرتزقة بصيغ مباشرة أو غير مباشرة. هذا المسار هو الأرجح إذا استمرت الأطراف المحلية في استخدام الخارج كضمانة، وإذا بقيت القوى الدولية قادرة على منع التصعيد دون فرض تسوية. مؤشراته استمرار ازدواج المؤسسات، وتعثر المسار الدستوري والانتخابي، وبقاء الجنوب خارج السيطرة المؤسسية الفعلية.
المسار الثاني هو تسوية جزئية مضبوطة خارجيًا. قد تدفع ضغوط النفط والاقتصاد والإرهاق الاجتماعي إلى تفاهمات محدودة حول الميزانية، والمؤسسة الوطنية للنفط، والمصرف المركزي، وبعض ترتيبات الأمن. هذا المسار لا يحقق وحدة الدولة فورًا، لكنه قد يخفض مستوى الانقسام إذا رُبط بآلية مراقبة واضحة وسقف زمني. مؤشراته توحيد بعض المؤسسات المالية، وتفعيل مسار اللجنة العسكرية المشتركة، والاتفاق على إطار انتخابي قابل للتنفيذ.
المسار الثالث هو تصعيد موضعي قابل للاحتواء. قد تنفجر مواجهات حول طرابلس، أو النفط، أو خطوط النفوذ في الجنوب، أو حول شرعية حكومة معينة، دون أن تتحول إلى حرب وطنية شاملة. هذا المسار يصبح أكثر احتمالًا إذا شعر أحد الأطراف بأن ميزان القوة يميل ضده، أو إذا جرى توظيف ليبيا في مساومة خارجية مرتبطة بأوكرانيا أو شرق المتوسط أو الساحل. مؤشراته زيادة نقل السلاح، وتصعيد الخطاب بين سلطات الشرق والغرب، وتعثر إنتاج النفط، وظهور تحركات عسكرية قرب خطوط تماس حساسة.
تقدّر الدراسة أن المسار الأول هو الأرجح في المدى القريب، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل كلفة على الفاعلين الخارجيين والمحليين. فالتجميد يسمح للجميع بالاحتفاظ بمواقعهم، ويمنع خسارة حادة لأي طرف. غير أنه المسار الأخطر على المدى المتوسط، لأنه يطبع الانقسام ويحوّل المؤقت إلى دائم. لذلك يجب ألا تُقاس السياسة الليبية الناجحة بقدرتها على منع الحرب وحدها، بل بقدرتها على منع تحويل الهدنة إلى نظام سياسي غير معلن.
تاسعًا: توصيات تنفيذية لإعادة مركز القرار إلى الدولة
التوصية الأولى: بناء إطار وطني ملزم لإدارة الاتفاقات الخارجية. المشكلة التي تعالجها هذه التوصية هي تعدد الالتزامات الخارجية وارتباطها بسلطات متنافسة. تعمل الآلية عبر اشتراط مراجعة أي اتفاق أمني أو اقتصادي أو سيادي من خلال مؤسسة تشريعية أو لجنة وطنية مستقلة تضم ممثلين عن المؤسسات السيادية والرقابية. الأطراف المطلوبة هي السلطات التنفيذية والتشريعية والرقابية والمؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي. شرط النجاح هو الاعتراف المتبادل بين المؤسسات الليبية بضرورة عدم تحويل الخارج إلى بديل من العقد الوطني. ويُقاس النجاح بانخفاض الاتفاقات المنفردة، ونشر ملخصات قانونية للالتزامات، وربط التعاون الخارجي بخطط وطنية لا فئوية.
التوصية الثانية: ربط أي تعاون عسكري خارجي بمسار توحيد المؤسسة الأمنية. المشكلة أن التدريب والتسليح الخارجيين قد يعززان الانقسام. تعمل الآلية عبر جعل كل تعاون عسكري مشروطًا بخريطة طريق للدمج، وتحديد وحدات مستهدفة من مختلف المناطق، ومراقبة أممية أو إقليمية فنية. الأطراف المطلوبة هي اللجنة العسكرية المشتركة، ووزارتا الدفاع والداخلية، والبعثة الأممية، والدول المنخرطة عسكريًا. حد الواقعية أن الأطراف الخارجية لن تتخلى عن نفوذها سريعًا. لذلك يجب البدء بخطوات قابلة للقياس: تبادل قوائم، وقف التوسع في قواعد جديدة، وتوحيد برامج التدريب في مسارات مهنية لا ولائية.
التوصية الثالثة: حماية النفط من التوظيف السياسي عبر حوكمة مالية موحدة. المشكلة أن النفط يتحول إلى أداة ضغط كلما انقسم الإنفاق العام والرقابة. تعمل الآلية عبر تعزيز شفافية الإيرادات، ونشر بيانات دورية، وربط الإنفاق بميزانية موحدة أو آلية مؤقتة متفق عليها. الأطراف المطلوبة هي المؤسسة الوطنية للنفط، والمصرف المركزي، وديوان المحاسبة، والجهات التشريعية، والبعثة الأممية. يقاس النجاح باستمرار الإنتاج والتصدير، وانخفاض النزاعات حول الإيرادات، وزيادة الثقة العامة في إدارة المال العام.
التوصية الرابعة: تحويل الجنوب إلى أولوية سيادية لا ملفًا أمنيًا ثانويًا. المشكلة أن الجنوب يشكل بوابة اختراق عابر للحدود. تعمل الآلية عبر خطة تجمع حرس الحدود، والتنمية المحلية، والربط الطرقي، والتعاون مع الجوار، ومراقبة تدفقات السلاح والتهريب. الأطراف المطلوبة هي الحكومة الليبية، والبلديات الجنوبية، والقبائل والمكونات المحلية، ودول الجوار، والشركاء الدوليون. شرط النجاح هو ألا تختزل الدولة الجنوب في المقاربة العسكرية. ويقاس النجاح بتقليل مسارات التهريب، وتحسين الخدمات، ودمج أبناء المنطقة في مؤسسات أمنية مهنية.
التوصية الخامسة: اعتماد سياسة توازن نشط في العلاقة مع موسكو وأنقرة وواشنطن وبروكسل. المشكلة أن الحياد اللفظي لا يكفي حين تكون البلاد مخترقة بنفوذ عسكري واقتصادي. تعمل الآلية عبر صياغة محددات معلنة للعلاقات الخارجية: لا قواعد دائمة خارج رقابة الدولة، لا اتفاقات أمنية منفردة، لا تعطيل للنفط، لا استخدام للأرض الليبية في صراعات الآخرين. الأطراف المطلوبة هي وزارة الخارجية والمؤسسات السيادية ومجلس الأمن القومي الليبي عند تشكيله. ويقاس النجاح بقدرة ليبيا على تلقي الدعم من أطراف متعددة دون أن تتحول إلى ساحة تبعية لأي منها.
نتائج الدراسة
١. يكشف التنافس الروسي ـ التركي في ليبيا أن التدخل الخارجي لا ينجح بقوته الذاتية فقط، بل ينجح حين يجد انقسامًا محليًا يسمح له بالتحول من دعم ظرفي إلى بنية نفوذ.
٢. لم تنتج روسيا وتركيا حربًا مباشرة في ليبيا، بل أنتجتا توازنًا معطّلًا يحد من الحسم العسكري ويؤجل التسوية السياسية. وهذا التوازن قد يبدو أقل عنفًا من الحرب، لكنه لا يبني الدولة.
٣. يختلف الوجود الروسي عن الوجود التركي في الشكل القانوني والأدوات، لكن كليهما يؤثر في سيادة القرار الليبي إذا بقي مرتبطًا بأطراف محلية لا بمؤسسات وطنية موحدة.
٤. أثّرت سياسة ترامب الأولى في ليبيا عبر الانخراط الانتقائي، لا عبر الغياب الكامل. فقد راقبت واشنطن النفط والإرهاب والنفوذ الروسي، لكنها لم تقد عملية دولية كافية لربط وقف النار ببناء المؤسسات.
٥. الأمن القومي الليبي يتجاوز المعنى العسكري. إنه يشمل القرار السياسي، والنفط، والحدود، والشرعية، ووحدة المؤسسات، والقدرة على ضبط الالتزامات الخارجية.
٦. لا يكفي إخراج القوات الأجنبية كعنوان عام إذا لم يترافق ذلك مع تفكيك شبكات الاعتماد المحلي عليها. فالانسحاب الشكلي قد يعاد إنتاجه عبر التدريب، أو العقود، أو الحضور الأمني غير المباشر.
٧. الطريق الواقعي لاستعادة السيادة لا يمر عبر القطيعة مع القوى الخارجية، بل عبر تحويل العلاقات الخارجية إلى علاقات مشروطة بمصلحة وطنية معلنة، ورقابة مؤسسية، ومؤشرات قياس واضحة.
خاتمة.
تكشف ليبيا أن الدولة قد تخرج من الحرب دون أن تدخل في السلام. فوقف إطلاق النار يخفف العنف، لكنه لا يعيد السيادة إذا بقي القرار موزعًا بين سلطات محلية وضمانات خارجية. ويكشف التنافس الروسي ـ التركي أن الاستقرار الذي تصنعه القوى الخارجية قد يمنع الانهيار، لكنه لا يكفي لتأسيس دولة إذا لم يتحول إلى مسار وطني لبناء المؤسسات.
ليست المشكلة أن ليبيا موضع اهتمام خارجي. الدول ذات الموقع والموارد لا تستطيع عزل نفسها عن صراعات النفوذ. المشكلة أن ليبيا لم تنجح بعد في تحويل هذا الاهتمام إلى قوة تفاوضية وطنية. فحين تكون المؤسسات موحدة، يصبح التنافس الخارجي مصدر خيارات. وحين تكون المؤسسات منقسمة، يصبح التنافس الخارجي مصدر ارتهان.
لهذا لا يقوم السؤال الحاسم على الاختيار بين روسيا وتركيا أو بين واشنطن وموسكو وأنقرة. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت ليبيا قادرة على بناء مركز قرار يفرض على كل هذه الأطراف التعامل معها كدولة لا كساحات نفوذ. فإذا تحقق ذلك، يمكن للجغرافيا الليبية أن تتحول من عبء إلى رصيد. وإذا لم يتحقق، سيبقى كل هدوء أمني قابلًا لأن يصبح صيغة جديدة من الانقسام.
بهذا المعنى، لا تبدأ استعادة الأمن القومي الليبي من الخارج، لكنها لا تكتمل من دون ضبط الخارج. تبدأ من توحيد المؤسسات، وحماية النفط، وبناء شرعية سياسية قابلة للحياة، ثم تنتقل إلى إدارة العلاقات الدولية بمنطق المصلحة لا بمنطق الحاجة إلى الحماية. وما لم تُبنى هذه الحلقة، سيظل التنافس الروسي ـ التركي قابلًا للإدارة بين موسكو وأنقرة، لكنه سيظل مكلفًا لليبيا؛ لأنه يحوّل سيادتها من حق مؤسسي إلى موضوع تفاوض بين الآخرين.
المراجع
١ . مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تقارير لجنة الخبراء بشأن ليبيا، ولا سيما التقرير النهائي المقدم في ٢٤ آذار/مارس ٢٠٢٦، الرمز: S/2026/224. رابط المصدر
٢ . بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ملف توحيد المؤسسات الأمنية وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وخطة العمل الليبية الخاصة بانسحاب القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة، ١٥ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦. رابط المصدر
٣ . إدارة معلومات الطاقة الأميركية، موجز ليبيا للطاقة واحتياطيات النفط، بيانات قطرية محدثة. رابط المصدر
٤ . سجل معاهدات الأمم المتحدة، مذكرة التفاهم بين حكومة الجمهورية التركية وحكومة الوفاق الوطني في دولة ليبيا بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في المتوسط، رقم التسجيل ٥٦١١٩. رابط المصدر
٥ . القيادة الأميركية في أفريقيا، بيان حول استمرار نشاط روسيا ومجموعة فاغنر في ليبيا، ٢٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠. رابط المصدر
٦ . وزارة الداخلية البريطانية، مذكرة معلومات وسياسات قطرية حول الوضع الأمني في ليبيا، نيسان/أبريل ٢٠٢٥. رابط المصدر
٧ . معهد بروكينغز، تحليل حول موقف إدارة ترامب من هجوم طرابلس وتداعيات الاتصال بحفتر، ٢٠١٩. رابط المصدر
٨ . مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار ٢٧٩٦ لعام ٢٠٢٥ بشأن ليبيا، ولا سيما الدعوة إلى تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وخطة العمل المتعلقة بانسحاب القوات الأجنبية. رابط المصدر
٩ . مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الوثيقة S/2025/611 بشأن استمرار وجود القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة وتدفق السلاح إلى ليبيا. رابط المصدر

















