أوروبا بعد المظلّة الأميركية
إعادة تقدير الفجوة الدفاعية وبرنامج سدّها (2026–2035) في ضوء الردع بالمنع وتقاسم الأعباء
تاريخ التحديث: 20 فبراير 2026
ملخص تنفيذي موسع
تأتي هذه الورقة في لحظة تاريخية فارقة. قمة حلف الناتو في لاهاي في يونيو 2025 أقرت هدفاً غير مسبوق: 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي والأمني بحلول 2035، منها 3.5% للدفاع الأساسي و1.5% للبنية التحتية والتأهب المدني. هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل من إدراك عميق أن التهديد الروسي المباشر والتراجع الأمريكي المحتمل عن أوروبا يتطلبان تحولاً جذرياً في الكيفية التي تدافع بها القارة عن نفسها.
الأرقام على الأرض تكشف عن قصة مزدوجة: سرعة غير مسبوقة في زيادة الإنفاق، لكن بطء مُقلق في تحويل هذا الإنفاق إلى قدرات عسكرية فعلية. الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي قفز من 218 مليار يورو في 2021 إلى 326 مليار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 381 مليار في 2025. الاستثمارات الدفاعية (المشتريات والبحث والتطوير) ارتفعت بنسبة 42% في 2024 وحده لتصل إلى 106 مليار يورو، ومن المتوقع 130 مليار في 2025. لكن المشكلة الحقيقية ليست في الأرقام، بل في ما تشتريه هذه الأرقام وكم من الوقت يستغرق تحويلها إلى قدرات جاهزة على الأرض.
خذ ألمانيا كمثال مركزي. بين 2025 وأوائل 2026، تضاعفت الطلبيات الدفاعية الألمانية، لكن الإنتاج الفعلي ارتفع بـ 25% فقط. الطلب ينمو بسرعة تفوق الإنتاج بخمسة إلى ستة أضعاف. هذه ليست مشكلة ألمانية فحسب، بل هي إشكالية أوروبية بنيوية: الصناعة الدفاعية الأوروبية، رغم نموها السريع، لا تزال أصغر من نظيرتها الأمريكية، ولا تملك عمقاً استراتيجياً كافياً لتحويل الطلب إلى إنتاج بسرعة.
تبحث هذه الورقة في سؤال عملي محدد: إذا تراجع الدور الأميركي في الدفاع عن أوروبا بشكل جذري—سواء بقرار سياسي واعٍ أو بانشغال عسكري في المحيط الهادئ—فما الذي يلزم كي تتمكن الدول الأوروبية من **منع** عدوان كبير على الجبهة الشرقية في الأيام والأسابيع الأولى، لا مجرد إدارته لاحقاً؟ هذا التمييز بين الردع بالمنع والردع بالرد حاسم: الأول يعتمد على الجاهزية الفورية، السرعة في التعبئة، وقدرة الصمود في القتال المكثف، بينما الثاني يعتمد على التهديد بالعقاب المؤجل.
تنطلق الورقة من تقديرات كمية مرجعية تفيد بأن سد الفجوة الأمريكية قد يتطلب قدرة قتالية تقارب 300 ألف جندي (تعويضاً عن القوة الأمريكية المتوقعة في سيناريو الأزمة)، وكتلة عتاد ثقيل ومخزون ذخائر يكفي 90 يوماً من قتالٍ عالي الشدة—يُقدَّر بمليون قذيفة 155 ملم كحد أدنى—وقفزة إنفاق سنوية إضافية قصيرة الأجل لا تقل عن 250 مليار يورو. لكن الورقة تذهب أبعد من مجرد الأرقام المجردة، لتركز على العقبات البنيوية التي تمنع تحويل الموارد إلى ردع فعلي: تشتت الشراء عبر 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، تضارب المعايير التقنية واللوجستية، هشاشة سلاسل التوريد، ضعف الجاهزية الفعلية للوحدات، وبطء شديد في التحريك عبر الحدود بسبب القيود الإدارية والبنية التحتية غير المؤهلة.
الورقة تقترح مساراً تنفيذياً ثلاثي المراحل يمتد من 2026 إلى 2035. **المرحلة الأولى (2026–2028)** هي مرحلة الإنقاذ السريع، وتركز على ثلاثة محاور حرجة: بناء مخزون ذخائر فوري وفق معيار 90 يوماً، رفع جاهزية الألوية الثقيلة لتصبح قابلة للنشر خلال 10-30 يوماً، وتسريع الحركية العسكرية عبر اختبار ممرات التعزيز وإزالة الاختناقات اللوجستية. **المرحلة الثانية (2029–2031)** تركز على التقييس والدمج: كتالوج موحد للمعايير التقنية (يبدأ بالذخائر والاتصالات والدفاع الجوي)، قيادة عملياتية مشتركة على مستوى الفيلق، وآلية تمويل مشتركة مشروطة تربط الاستفادة بالمساهمة الفعلية. **المرحلة الثالثة (2032–2035)** تستهدف الاستقلال العملياتي النسبي: امتلاك حد أدنى من المُمكّنات الاستراتيجية (ISR، فضاء، اتصالات)، صناعة دفاعية بسعة إنتاج مستدامة، واحتياط مدرّب بمستويات جاهزية محددة.
ما يميز هذه الورقة هو تركيزها على مؤشرات القياس القابلة للتدقيق. لكل مرحلة، تُحدد الورقة مخرجات ملموسة ومؤشرات أداء (KPIs) تسمح بقياس التقدم الفعلي، بحيث تصبح النتائج العسكرية—لا حجم الإنفاق فقط—هي معيار النجاح. على سبيل المثال، في مجال الذخائر، المؤشر ليس كم مليار يورو أُنفق، بل كم يوماً من القتال عالي الشدة يمكن أن يستمر بالمخزون الحالي. في مجال الجاهزية، المؤشر ليس عدد الدبابات على الورق، بل عدد الألوية القادرة على التحرك والقتال خلال 30 يوماً.
الورقة تستند إلى أدبيات واسعة حول تقاسم الأعباء داخل التحالفات، نظريات الردع، الاقتصاد السياسي للإنفاق الدفاعي، واللوجستيات العسكرية. وتدمج أحدث البيانات من الاتحاد الأوروبي، الناتو، وكالة الدفاع الأوروبية، والبنك الدولي، إلى جانب تقارير من مراكز بحثية رائدة مثل Bruegel، IISS، Carnegie Endowment، ومعهد الدراسات الأمنية والدفاعية الدولي (ICDS).
الخلاصة الأساسية: أوروبا لا تفتقر إلى المال أو الإرادة السياسية بعد الآن. ما تفتقر إليه هو **الوقت** و**التنسيق** و**السرعة في التنفيذ**. التهديد الروسي ليس نظرياً ولا بعيداً، والنافذة الزمنية لبناء ردع حقيقي ضيقة. أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها، لكنها بحاجة إلى تحويل الطموح إلى قدرة، والقدرة إلى جاهزية، والجاهزية إلى ردع موثوق.
**الكلمات المفتاحية:** الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، تقاسم الأعباء، الردع بالمنع، الذخائر، الصناعة الدفاعية، الجاهزية، الحركية العسكرية، التقييس، سلاسل التوريد، الاحتياط المدرّب.
الجزء الأول: السياق الجيوسياسي 2025-2026 والتحول البنيوي في الموقف الأوروبي
لحظة الصحوة: من الاعتماد الهادئ إلى القلق الوجودي
لعقود، كان الدفاع الأوروبي يُبنى على افتراض واحد بسيط: أمريكا ستكون هناك عند الحاجة. هذا الافتراض لم يكن ساذجاً بقدر ما كان عقلانياً: الولايات المتحدة بنت نظاماً دفاعياً في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وحافظت عليه طوال الحرب الباردة، واستمرت في دعمه حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. القواعد الأمريكية في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، والضمانة النووية الأمريكية، والقيادة الأمريكية لحلف الناتو، كلها صنعت بيئة أمنية سمحت للدول الأوروبية بتقليص إنفاقها الدفاعي تدريجياً والتركيز على الرفاه الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
لكن عدة عوامل تقاطعت في السنوات الأخيرة لتحطيم هذا الافتراض. أولاً، الغزو الروسي الكامل لأوكرانيا في فبراير 2022 كشف أن التهديد الروسي ليس أكاديمياً بل واقعياً ومباشراً. روسيا ليست فقط قادرة على شن حرب تقليدية واسعة النطاق، بل مستعدة لتحمل تكاليف اقتصادية وبشرية هائلة لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. الحرب في أوكرانيا، بعد ثلاث سنوات، لم تنتهِ، بل أصبحت حرب استنزاف طويلة تستهلك الذخائر والمعدات بمعدلات لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
ثانياً، عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 أعادت طرح أسئلة وجودية حول التزام أمريكا بالدفاع عن أوروبا. ترامب، منذ ولايته الأولى، كان صريحاً في انتقاده لحلف الناتو واتهامه الحلفاء الأوروبيين بالركوب المجاني على الأمن الأمريكي. تصريحاته المتكررة بأن أوروبا يجب أن “تدفع حصتها العادلة” وأن أمريكا قد لا تتدخل تلقائياً في حالة هجوم على دولة أوروبية خلقت حالة من عدم اليقين لم تُعرف منذ تأسيس الحلف. حتى لو لم ينفذ ترامب تهديداته، فإن مجرد طرحها يُضعف مصداقية الردع ويُشجع الخصوم المحتملين على اختبار العزيمة.
ثالثاً، التحول الاستراتيجي الأمريكي نحو المحيط الهادئ والمواجهة مع الصين يعني أن أوروبا لن تكون بالضرورة الأولوية الأولى للقوات الأمريكية في حالة أزمة متزامنة. استراتيجية الأمن القومي الأمريكية المُحدثة تضع ردع الصين كأولوية مطلقة، وهو ما يعني تحويل موارد عسكرية واستخباراتية ودبلوماسية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إذا وقعت أزمة في تايوان أو بحر الصين الجنوبي في نفس الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر على الجبهة الشرقية لأوروبا، أين ستذهب حاملات الطائرات الأمريكية والقوات الجوية والقدرات الاستخباراتية؟
الأرقام تتحدث: قفزة إنفاق غير مسبوقة لكنها لا تزال غير كافية
الاستجابة الأوروبية الأولية كانت واضحة: زيادة الإنفاق بشكل دراماتيكي. الأرقام مذهلة بأي معيار. الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي قفز من 218 مليار يورو في 2021 إلى 326 مليار في 2024—أي زيادة بنسبة 50% في ثلاث سنوات فقط. ومن المتوقع أن يصل إلى 381 مليار في 2025. هذه ليست زيادة هامشية، بل هي تحول بنيوي في الأولويات المالية.
الأكثر دلالة هو نمو الاستثمارات الدفاعية (المشتريات والبحث والتطوير)، التي ارتفعت بنسبة 42% في 2024 وحده لتصل إلى 106 مليار يورو، ومن المتوقع 130 مليار في 2025. نسبة الاستثمار إلى الإنفاق الكلي وصلت إلى 31% في 2024، وهي أعلى نسبة مُسجلة منذ عقود. هذا يعكس إدراكاً أن المشكلة ليست فقط في حجم الميزانيات، بل في كيفية إنفاقها: المزيد من المشتريات، المزيد من البحث، المزيد من التطوير.
دول بعينها قامت بقفزات أكثر جرأة. بولندا، التي تواجه الخطر الروسي مباشرة، رفعت إنفاقها الدفاعي إلى 4.7% من ناتجها المحلي الإجمالي في 2025، لتصبح أعلى دولة في الناتو من حيث النسبة. ألمانيا، التي كانت تاريخياً حذرة من الإنفاق العسكري، أقرت في مارس 2025 تعديلاً دستورياً يسمح بإنفاق دفاعي يتجاوز 1% من الناتج دون أن يُحتسب ضمن قيود الدين، وخصصت صندوقاً بقيمة 500 مليار يورو للدفاع بحلول منتصف الثلاثينيات. فرنسا تتحرك نحو 3.5% من الناتج، وإن لم تُحدد جدولاً زمنياً صريحاً.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في السؤال: هل هذه الأرقام كافية؟ وهل تُترجم إلى قدرات عسكرية فعلية؟ التقديرات المختلفة تُقدم إجابات متباينة. تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS) الصادر في مايو 2025 تحت عنوان “الدفاع عن أوروبا بدون الولايات المتحدة: التكاليف والعواقب” قدّر أن استبدال المساهمة الأمريكية الرئيسية قد يكلف حوالي تريليون دولار أمريكي. تقرير Bruegel الذي تستند إليه هذه الورقة قدّر أن سد الفجوة يتطلب زيادة سنوية إضافية لا تقل عن 250 مليار يورو في السنوات الأولى.
الفجوة بين التقديرات تعكس اختلافاً في الافتراضات: ما هي بالضبط القدرات الأمريكية التي يجب استبدالها؟ هل نتحدث عن استبدال كامل أم عن بناء حد أدنى من القدرة المستقلة؟ لكن رغم الاختلاف في الأرقام المطلقة، الاتجاه العام واضح: الزيادة الحالية في الإنفاق، رغم أنها كبيرة، لا تزال دون المستوى المطلوب إذا أردنا الحديث عن استقلال حقيقي في غضون عقد.
روسيا تتسلح: السباق ليس متخيلاً
في الوقت الذي تحاول فيه أوروبا اللحاق، روسيا تتسلح بوتيرة أسرع. ميزانية الدفاع الروسية المعلنة تتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مع 40% من الميزانية الكلية مخصصة للأمن والدفاع. الأهم من الأرقام المعلنة هو القدرة الصناعية الفعلية: روسيا تنتج ذخائر أكثر في سنة واحدة من مجموع دول الناتو مجتمعة، حسب تصريحات مفوض الدفاع الأوروبي Andrius Kubilius. روسيا أيضاً تُظهر قدرة على التعبئة الصناعية السريعة والتحمل الاقتصادي على المدى الطويل، رغم العقوبات الغربية الشاملة.
الصين، من جهتها، أعلنت زيادة بنسبة 7.2% في ميزانيتها الدفاعية لتصل إلى 220 مليار يورو في 2025 (حوالي 515 مليار بتعادل القوة الشرائية)، ويُعتقد أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير. هذا يضع أوروبا في سباق ثلاثي الأبعاد: مواجهة روسيا مباشرة، ومواكبة الصين بشكل غير مباشر عبر دعم الموقف الأمريكي، والتعامل مع احتمال انسحاب أمريكي من الالتزام الدفاعي الكامل.
حدود الإنفاق: من الأرقام إلى القدرات
المشكلة الأعمق هي أن زيادة الإنفاق وحدها لا تضمن بناء قدرات فعلية. ألمانيا نموذج واضح لهذه الإشكالية. بين 2025 وأوائل 2026، تضاعفت الطلبيات الدفاعية الألمانية الجديدة، لكن الإنتاج الفعلي (المبيعات المحلية والإنتاج الصناعي) ارتفع بـ 25% فقط. الطلب ينمو بمعدل يفوق الإنتاج بخمسة إلى ستة أضعاف. هذا يعني أن المال موجود، والطلبيات مُوقعة، لكن المصانع غير قادرة على مواكبة الطلب.
السبب ليس كسلاً أو عدم كفاءة، بل بنية صناعية صُممت لثلاثين عاماً من السلام النسبي. الصناعة الدفاعية الأوروبية، بعد نهاية الحرب الباردة، تقلصت وتكيفت مع بيئة طلب منخفض ومستقر. المصانع حُجمت، وخطوط الإنتاج أُغلقت أو خُفضت، والعمالة الماهرة تقاعدت أو هاجرت إلى قطاعات أخرى. الآن، إعادة بناء هذه القدرة يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً—أحياناً سنوات—لتوسيع المصانع، تدريب عمال جدد، وتأمين سلاسل توريد للمواد الأولية والمكونات الحرجة.
الصناعة الدفاعية الأوروبية، رغم نموها السريع، لا تزال أصغر من نظيرتها الأمريكية. الصناعة الأوروبية حققت إيرادات بحوالي 183 مليار يورو في 2024، بزيادة 13.8% عن العام السابق، وتوظف حوالي 633,000 شخص. لكن من بين أكبر 100 شركة دفاعية في العالم، 48 شركة أمريكية تُحقق إيرادات دفاعية تقارب 334 مليار دولار، بينما 20 شركة أوروبية فقط تُحقق حوالي 104 مليار يورو. التفاوت في الحجم والقدرة واضح.
الجزء الثاني: الإشكالية البحثية ونطاق الدراسة
السؤال المركزي: من الدفاع التفاعلي إلى الردع بالمنع
الإشكالية التي تعالجها هذه الورقة ليست “هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها نظرياً؟” بل: **كيف تُبنى قدرة أوروبية مشتركة تمنع الخصم من تحقيق مكاسب سريعة في الأيام والأسابيع الأولى من أي عدوان محتمل؟**
هذا التمييز بين الردع بالمنع (deterrence by denial) والردع بالعقاب (deterrence by punishment) محوري في فهم التحدي الأوروبي. الردع بالعقاب يعتمد على التهديد بردّ فعل عنيف لاحقاً—كالانتقام النووي أو التدمير الاقتصادي الشامل—لكنه يفترض أن الخصم قد يُحقق مكاسب ميدانية في البداية قبل أن يدفع الثمن لاحقاً. الردع بالمنع، على النقيض، يستهدف إقناع الخصم بأن تحقيق أهدافه الأولية **مستحيل** أو مكلف إلى درجة غير مقبولة من البداية، بفعل الجاهزية والانتشار والقدرة على الصمود الآن، لا غداً.
في السياق الأوروبي، الردع بالمنع يعني القدرة على صد هجوم بري روسي محتمل على دول البلطيق أو بولندا في الأيام الأولى، قبل أن تتحول المكاسب الإقليمية السريعة إلى أمر واقع سياسي يُصعّب التراجع عنه. السيناريو الكابوسي الذي يقلق الاستراتيجيين الأوروبيين هو هجوم خاطف سريع (fait accompli) يستولي على أراضٍ في غضون أيام أو أسابيع، ثم يُقدم وقفاً لإطلاق النار ومفاوضات تحت ضغط الأمر الواقع. إذا استطاعت القوات الأوروبية الصمود في الأيام الأولى، وفرض تكلفة عالية جداً على أي تقدم، فإن احتمال نجاح هذا السيناريو يتقلص، وبالتالي احتمال محاولته من الأساس.
نطاق الدراسة: الجبهة الشرقية كحالة اختبار
تنحصر الدراسة في **سيناريو هجوم بري عالي الشدة على الجبهة الشرقية** لحلف الناتو—أي دول البلطيق وبولندا ورومانيا بشكل أساسي—وما يستتبع ذلك من متطلبات في الدفاع الجوي، الإسناد الناري، اللوجستيات، القيادة والسيطرة، ومُمكّنات الاستطلاع والاتصالات.
هذا التركيز ليس اعتباطياً. الجبهة الشرقية هي الأكثر عرضة للتهديد المباشر، والأكثر صعوبة من حيث التحديات اللوجستية (المسافات الطويلة، البنية التحتية الأقل تطوراً، الجغرافيا المعقدة). إذا استطاعت أوروبا بناء قدرة دفاعية فعالة هنا، فيمكنها تطبيق الدروس على مسارح أخرى. لكن الورقة لا تغطي بالتفصيل سيناريوهات مثل الدفاع عن الجزر (مثل جوتلاند السويدية أو جزر بحر البلطيق)، أو الدفاع البحري في البحر الأسود أو البلطيق، أو الحرب السيبرانية المستقلة، رغم أن كل هذه عناصر مهمة في الصورة الأشمل.
المنهجية: من التقدير الكمي إلى البرنامج القابل للتنفيذ
تعتمد الورقة مقاربة مزدوجة متكاملة. أولاً، تُحوّل الأرقام المرجعية (قوة، عتاد، تمويل، مخزون) إلى **فجوات وظيفية** محددة في سلسلة القتال: الاستشعار ← القرار ← النيران ← الإمداد ← الاستدامة. هذا التحليل الوظيفي يكشف أين بالضبط تقع نقاط الضعف، وأيها يجب معالجتها أولاً. ثانياً، تُحوّل الفجوات الوظيفية إلى **برنامج سياسات** من ثلاث مراحل، مع آليات شراء محددة، حوكمة مؤسسية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
الهدف النهائي ليس الوصول إلى “رقم كامل” نظري، بل تقليص **نافذة الضعف الزمنية** التي قد تُغري خصماً محتملاً بالمغامرة. إذا كانت النافذة الحالية (الفترة بين بداية هجوم محتمل وقدرة أوروبا على رد فعال) تُقدر بأسابيع أو حتى أشهر، فالهدف هو تقليصها إلى أيام أو ساعات. هذا هو جوهر الردع بالمنع.
الجزء الثالث: مراجعة أدبيات موسعة
الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي: المفهوم وتطوره التاريخي
مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” (strategic autonomy) أصبح عبارة مركزية في الخطاب الأوروبي حول الدفاع والأمن في السنوات الأخيرة، لكنه ليس جديداً تماماً. جذوره تعود إلى الطموحات الديغولية في الستينيات، حين سعت فرنسا إلى بناء قوة نووية مستقلة وسياسة خارجية غير تابعة للولايات المتحدة. لكن المفهوم المعاصر أكثر دقة وواقعية: لا يتعلق الأمر بالانفصال عن أمريكا أو الناتو، بل بامتلاك **القدرة على العمل عند الضرورة** حتى لو انشغلت واشنطن أو تعارضت الأولويات.
يميز Jolyon Howorth في كتابه *Security and Defence Policy in the European Union* (2014) بين ثلاثة مستويات من الاستقلال الاستراتيجي. الأول هو **الاستقلال في صنع القرار**: القدرة على تحديد المصالح والأولويات الأمروبية بشكل مستقل عن الضغوط الأمريكية. الثاني هو **الاستقلال العملياتي المحدود**: القدرة على إدارة عمليات عسكرية صغيرة ومتوسطة (مثل التدخل في مالي أو جمهورية أفريقيا الوسطى) دون دعم أمريكي حاسم. الثالث، وهو الأصعب، هو **الاستقلال في السيناريوهات عالية الشدة**: القدرة على الدفاع عن الحدود الأوروبية ضد تهديد كبير لفترة معقولة دون التدخل الأمريكي المباشر.
Sven Biscop في *European Strategy in the 21st Century* (2019) يُضيف بُعداً آخر: الاستقلال الاستراتيجي لا يعني فقط القدرات العسكرية، بل أيضاً القدرات الصناعية والتكنولوجية والمالية. أوروبا التي تعتمد على أمريكا لـ 80% من منظومات الدفاع الجوي، أو على الصين لـ 90% من المعادن النادرة الحرجة، لا يمكن أن تكون مستقلة استراتيجياً مهما بلغ إنفاقها الدفاعي.
المفهوم تطور بشكل ملحوظ بعد 2022. قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان “الاستقلال الاستراتيجي” عبارة طموحة غامضة في وثائق الاتحاد الأوروبي. بعد 2022، أصبح ضرورة عملية. “البوصلة الاستراتيجية” التي أقرها الاتحاد في 2022 تضع الاستقلال الاستراتيجي كهدف واضح، وتحدد خطوات ملموسة لتحقيقه، بما في ذلك زيادة الإنفاق، تعزيز التعاون في المشتريات، ودعم الصناعة الدفاعية الأوروبية.
لكن التحدي الأساسي يبقى: كيف نوازن بين الاستقلال والتحالف؟ أوروبا لا ترغب في الخروج من الناتو، لكنها أيضاً لا تريد أن تكون رهينة للقرار الأمريكي. الحل النظري هو “الاستقلال داخل التحالف”—القدرة على العمل بشكل مستقل عند الضرورة، مع الحفاظ على التنسيق والتكامل مع الحلفاء عندما تتوافق المصالح. لكن تطبيق هذا المفهوم عملياً معقد ومكلف.
تقاسم الأعباء: مشكلة الحوافز داخل التحالفات
أدبيات تقاسم الأعباء في التحالفات الدفاعية تقدم إطاراً تحليلياً مهماً لفهم التحديات التي تواجه أوروبا. الورقة الكلاسيكية لـ Mancur Olson و Richard Zeckhauser بعنوان “An Economic Theory of Alliances” (1966) تُظهر أن التحالفات الدفاعية تُواجه ميلاً طبيعياً إلى “الركوب المجاني” (free-riding): كل دولة تفضل أن يدفع الآخرون تكلفة الدفاع المشترك، طالما أن منفعة الأمن **غير قابلة للاستبعاد** (non-excludable)—أي أن الدولة تستفيد من الأمن الجماعي سواء ساهمت بحصة عادلة أم لا.
هذه الديناميكية تفسر لماذا كانت معظم دول الناتو الأوروبية تنفق أقل بكثير من المستهدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي حتى وقت قريب، بينما كانت الولايات المتحدة تنفق 3-4%. من منظور اقتصادي بحت، هذا سلوك عقلاني: لماذا تنفق ألمانيا 2% إذا كانت ستحصل على نفس الحماية الأمريكية سواء أنفقت 1.2% أو 2%؟
Todd Sandler و Keith Hartley في *The Political Economy of NATO* (1999) يوسعون التحليل ليشمل أنواعاً مختلفة من المساهمات: بعض القدرات الدفاعية “عامة” (public goods) تستفيد منها كل الدول (مثل الردع النووي)، بينما بعضها “خاص” (private goods) تستفيد منه الدولة المُساهمة بشكل رئيسي (مثل قوات الدفاع الإقليمي المحلية). هذا التمييز مهم لأنه يؤثر على الحوافز: الدول أكثر استعداداً للإنفاق على القدرات الخاصة منها على العامة.
الحل التقليدي لمشكلة الركوب المجاني هو **الحوافز المشروطة** و**الشفافية**. إذا كان التمويل المشترك يُربط بمساهمات قابلة للقياس، وإذا كانت هناك آليات مراقبة شفافة تفضح من يتخلف عن الالتزام، فإن الضغط السياسي والسمعة الدولية قد يدفعان الدول نحو المساهمة العادلة. هدف الناتو البالغ 2% من الناتج، رغم أنه غير ملزم قانونياً، خلق ضغطاً سياسياً كافياً لتحريك الأمور. في 2014، ثلاث دول فقط من الناتو كانت تحقق الهدف. في 2025، كل الدول الأعضاء البالغ عددها 32 من المتوقع أن تحقق الهدف أو تتجاوزه.
لكن المشكلة في أوروبا أعمق من مجرد النسبة المئوية من الناتج. حتى لو أنفقت كل دولة 2% أو حتى 3%، إذا كان الإنفاق متشتتاً ومكرراً وغير منسق، فإن الإنتاجية الإجمالية للإنفاق تنخفض. 27 دولة في الاتحاد الأوروبي تُشغّل أكثر من 150 نظام سلاح مختلف، بينما الولايات المتحدة تُشغّل حوالي 30. هذا التشتت يرفع تكاليف التدريب والصيانة والإمداد بشكل هائل. التنسيق والتقييس قد يحققان وفورات حجم تجعل الإنفاق الأوروبي أكثر كفاءة بمرتين أو ثلاثة.
الردع بالمنع: لماذا تُحسم الأيام الأولى؟
نظرية الردع الحديثة تميز بوضوح بين **الردع بالعقاب** (deterrence by punishment) و**الردع بالمنع** (deterrence by denial). Thomas Schelling في كتابه الكلاسيكي *Arms and Influence* (1966) يشرح أن الردع بالعقاب يعتمد على التهديد بإلحاق ضرر غير مقبول بالخصم بعد أن يقوم بالفعل العدواني—كالتدمير النووي للمدن. هذا النوع من الردع فعال ضد هجمات شاملة، لكنه أقل فعالية ضد العدوان المحدود أو التدريجي.
Glenn Snyder في *Deterrence and Defense* (1961) يُضيف أن الردع بالمنع يستهدف إقناع الخصم بأن تحقيق أهدافه الميدانية **مستحيل** أو مكلف جداً من البداية. هذا يتطلب قدرات مختلفة: ليس فقط القدرة على الرد لاحقاً، بل القدرة على الصمود والدفاع الآن. الجاهزية، الانتشار الأمامي، مخزون الذخائر، القدرة على التعزيز السريع، كلها تصبح أكثر أهمية من مجرد حجم القوات على الورق.
في السياق الأوروبي الحالي، الردع بالمنع يعني تحديداً القدرة على إيقاف أو إبطاء تقدم عدواني محتمل في الأيام والأسابيع الأولى، بحيث يُحرم الخصم من فرصة تحقيق “أمر واقع” سريع. السيناريو الذي يقلق الاستراتيجيين هو هجوم خاطف على دول البلطيق—التي هي صغيرة جغرافياً وسكانياً—يستولي على أراضٍ رئيسية خلال 48-72 ساعة، قبل أن يتمكن الناتو من تجميع قوة رد فعل فعالة. إذا حدث ذلك، تصبح استعادة الأرض صعبة عسكرياً ومحفوفة بمخاطر التصعيد النووي.
الدرس من أوكرانيا واضح في هذا السياق. في الأيام الأولى من الغزو (فبراير-مارس 2022)، الصمود الأوكراني الشرس والسريع—رغم عدم التكافؤ الواضح في القوة—منع روسيا من تحقيق أهدافها الأولية (الاستيلاء على كييف، إسقاط الحكومة). هذا الفشل الأولي أجبر روسيا على إعادة تعريف أهدافها وتحويل الحرب إلى حرب استنزاف طويلة. لو نجحت روسيا في الأيام الأولى، لكانت الحرب انتهت بشكل مختلف تماماً.
الجزء الرابع: التقديرات الكمية للفجوة الدفاعية
المنهجية والافتراضات
تستند الورقة بشكل أساسي إلى تقديرات كمية من Bruegel Analysis الصادر في فبراير 2025 بعنوان “Defending Europe without the US: first estimates of what is needed” (Burilkov & Wolff, 2025). هذه الدراسة تقدم تقديرات أولية—وليست نهائية—لحجم الفجوة بين القدرة الأوروبية الحالية والقدرة المطلوبة للدفاع الفعال في حالة تراجع أو غياب الدعم الأمريكي.
الافتراضات الأساسية للدراسة تشمل: – سيناريو صراع بري عالي الشدة على الجبهة الشرقية لحلف الناتو – مدة الصراع المفترضة: 90 يوماً من القتال المكثف (معيار تقليدي في التخطيط الدفاعي) – استبدال القدرات الأمريكية الأساسية: القوات البرية، الدعم الجوي، الدفاع الصاروخي، ISR، اللوجستيات – عدم احتساب الضمانة النووية (التي تبقى أمريكية في الأفق المنظور)
القوة البشرية: 300 ألف جندي كفجوة تقديرية
التقدير الأول هو أن أوروبا قد تحتاج إلى ما يعادل **300 ألف جندي** لتعويض القوة الأمريكية المتوقعة في سيناريو الدفاع عن الجبهة الشرقية. هذا الرقم ليس دقيقاً بالمعنى الحرفي، لكنه يقدم مؤشراً على حجم الفجوة.
لوضع هذا في سياقه، أوروبا حالياً تملك قوات برية كبيرة على الورق—حوالي 1.3 مليون جندي نظامي في دول الاتحاد الأوروبي وحده. لكن القضية ليست في العدد الإجمالي، بل في: – **الجاهزية الفعلية**: كم من هؤلاء قابل للنشر الفوري؟ – **التسليح والتجهيز**: كم منهم مجهز بمعدات حديثة وقابلة للتشغيل؟ – **التدريب**: كم منهم مدرب على قتال عالي الشدة؟ – **الاستدامة**: كم منهم يمكن الحفاظ عليه في حالة قتال لأسابيع أو أشهر؟
المشكلة ليست فقط في عدد الجنود، بل في **البنية الداعمة** لهم: الألوية الثقيلة المجهزة بدبابات ومدفعية حديثة، وحدات الدفاع الجوي، الهندسة العسكرية، الحرب الإلكترونية، الإسناد اللوجستي، والقيادة والسيطرة. 300 ألف جندي دون هذه البنية ليسوا قوة قتالية فعالة.
التحدي الديموغرافي يضيف طبقة إضافية من التعقيد. أوروبا تواجه شيخوخة سكانية وتراجعاً في أعداد الشباب. الكثير من الدول الأوروبية ألغت التجنيد الإلزامي في التسعينيات والألفية الأولى، وبالتالي فقدت قاعدة احتياط كبيرة مدربة. إعادة بناء احتياط فعال يتطلب إما إعادة التجنيد الإلزامي (خيار صعب سياسياً)، أو برامج تدريب احتياط طوعي مكثفة (خيار مكلف ويحتاج سنوات لبناء كتلة حرجة).
الذخائر: مليون قذيفة 155 ملم كمعيار البداية
التقدير الثاني الحاسم هو مخزون الذخائر. الدراسة تشير إلى أن أوروبا تحتاج **مخزوناً يكفي 90 يوماً من قتال عالي الشدة**، ويُقدر هذا المخزون—للذخائر المدفعية الرئيسية—بحوالي **مليون قذيفة من عيار 155 ملم** كحد أدنى تقريبي.
لوضع هذا الرقم في سياق، الحرب في أوكرانيا أظهرت معدلات استهلاك مذهلة للذخائر. في ذروة القتال، كانت أوكرانيا تطلق 6,000-8,000 قذيفة يومياً، بينما كانت روسيا تطلق 20,000-60,000 قذيفة يومياً. إذا افترضنا معدل استهلاك أوروبي معتدل (أقل من الروسي، أعلى من الأوكراني بسبب القدرة الصناعية الأكبر) بحدود 10,000 قذيفة يومياً، فإن 90 يوماً تتطلب 900,000 قذيفة—أي ما يقارب المليون.
المشكلة أن المخزون الأوروبي الحالي أقل بكثير من هذا الرقم. معظم التقديرات تشير إلى أن المخزون الإجمالي (للدول الأوروبية مجتمعة) قد يكون في حدود 200,000-300,000 قذيفة—أي ما يكفي لأسابيع قليلة فقط. هذا يعني أن الفجوة تقارب 700,000-800,000 قذيفة.
لكن القضية لا تنتهي عند المخزون. هناك أيضاً مسألة **الإنتاج المستمر**. حتى لو بدأت أوروبا بمخزون كافٍ، فإن استمرار القتال لأكثر من 90 يوماً يتطلب إنتاجاً مستمراً يعوض الاستهلاك. هنا يأتي دور الصناعة الدفاعية، وهو ما سنناقشه بالتفصيل لاحقاً.
العتاد الثقيل: الدبابات والمدفعية والدفاع الجوي
الفجوة في العتاد الثقيل أقل وضوحاً من حيث الأرقام المطلقة، لكنها حاسمة من حيث النوعية والجاهزية. أوروبا تملك حوالي 2,000 دبابة قتال رئيسية على الورق، لكن عدد الدبابات **الجاهزة للقتال فوراً** أقل بكثير—ربما 40-60% فقط من هذا الرقم، بسبب نقص قطع الغيار، تأخر الصيانة، ونقص الطواقم المدربة.
التحدي الأكبر هو في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي. أوروبا تعتمد بشكل كبير على أنظمة أمريكية مثل Patriot وTHAAD، وهذا يخلق نقطة ضعف استراتيجية. مبادرة “الدرع السماوي الأوروبي” (European Sky Shield Initiative – ESSI)، التي انطلقت في 2022 بقيادة ألمانيا وتضم الآن 21 دولة، تهدف إلى بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة، لكنها لا تزال في مراحلها الأولى. الهدف هو خلق طبقات دفاعية متعددة: دفاع بعيد المدى (مثل Arrow 3)، متوسط المدى (مثل IRIS-T SLM)، وقصير المدى (مثل IRIS-T SLS). لكن الوصول إلى قدرة تشغيلية كاملة يتطلب سنوات واستثمارات ضخمة.
المُمكّنات الاستراتيجية: ISR، الفضاء، الاتصالات
هذا هو الجانب الأصعب والأكثر تكلفة في سد الفجوة. المُمكّنات الاستراتيجية—الاستطلاع والمراقبة والاستهداف (ISR)، الأقمار الصناعية، الاتصالات الآمنة، الطائرات الجوالة والتزود بالوقود جواً—هي ما تُحوّل القوة الخام إلى قدرة قتالية فعالة.
أوروبا حالياً تعتمد بشكل شبه كامل على أمريكا في هذه المجالات. معظم استطلاع الإشارات (SIGINT)، الاستطلاع التقني (TECHINT)، صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، والاتصالات الفضائية الآمنة تأتي من منظومات أمريكية. أوروبا لديها بعض القدرات المحلية (مثل أقمار Helios الفرنسية، أو برنامج Galileo للملاحة)، لكنها محدودة ولا ترقى إلى المستوى الأمريكي من حيث التغطية والدقة والتكامل.
بناء قدرة ISR أوروبية مستقلة يتطلب: – **أقمار صناعية**: عشرات الأقمار لتغطية مستمرة (التكلفة: مليارات اليوروهات لكل جيل) – **طائرات استطلاع**: طائرات مأهولة وبدون طيار (التكلفة: مئات الملايين لكل نظام) – **مراكز تحليل وتكامل**: لتحويل البيانات الخام إلى معلومات قابلة للاستخدام (التكلفة: استثمار مستمر في الأفراد المتخصصين والبرمجيات) – **شبكات اتصال آمنة**: لتوزيع المعلومات بسرعة عبر القيادات المختلفة (التكلفة: مليارات في البنية التحتية)
هذا ليس شيئاً يمكن بناؤه في سنتين أو ثلاث، بل يحتاج عقداً على الأقل من الاستثمار المستمر والتطوير.
الكلفة المالية: 250 مليار يورو سنوياً كقفزة أولية
التقدير المالي الإجمالي يشير إلى أن سد الفجوة يتطلب **زيادة إنفاق سنوية إضافية لا تقل عن 250 مليار يورو في السنوات الأولى** (فوق المستوى الحالي). هذا رقم كبير لكنه ليس مستحيلاً. إذا قارناه بالناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي (حوالي 15 تريليون يورو في 2024)، فإن 250 مليار تمثل حوالي 1.7% إضافية. بالنظر إلى أن الإنفاق الحالي حوالي 326 مليار (2.2% من الناتج)، فإن الوصول إلى 576 مليار (3.8% من الناتج) ممكن نظرياً.
لكن هذه القفزة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. 250 مليار إضافية هي **كلفة التسريع**—لبناء المخزون، توسيع الصناعة، وتدريب القوات بسرعة. بعد 5-7 سنوات، يُفترض أن تنخفض الكلفة الإضافية المطلوبة إلى مستوى أدنى للصيانة والتحديث (ربما 100-150 مليار إضافية).
الأهم من الرقم المطلق هو **كفاءة الإنفاق**. إذا استمر التشتت الحالي في المشتريات، فإن 250 مليار قد لا تكفي. إذا تم التنسيق والتقييس، فقد تحقق 250 مليار ما كان سيتطلب 400-500 مليار في بيئة متشتتة.
الجزء الخامس: الصناعة الدفاعية الأوروبية—النمو السريع والاختناقات البنيوية
القفزة الكمية: من 300 ألف إلى 2 مليون قذيفة سنوياً
واحدة من أبرز قصص النجاح—والتحدي المستمر—في الاستجابة الأوروبية هي قصة إنتاج الذخائر. في 2022، كانت القدرة الإنتاجية السنوية الأوروبية لقذائف المدفعية 155 ملم تقارب **300,000 قذيفة فقط**. هذا الرقم كان يعكس ثلاثين عاماً من تقليص القدرة الصناعية بعد نهاية الحرب الباردة.
الصدمة الأوكرانية غيّرت كل شيء. حين بدأت الحرب، أدركت أوروبا أن مخزونها الحالي سيُستنزف خلال أسابيع إذا اندلع صراع مماثل على أراضيها. الاستجابة كانت سريعة ومثيرة للإعجاب. بحلول يناير 2024، ارتفعت القدرة الإنتاجية إلى **مليون قذيفة سنوياً**. وبحلول نهاية 2025، الهدف المُعلن هو **2 مليون قذيفة سنوياً**.
هذا يعني تضاعف القدرة الإنتاجية **ستة أضعاف في ثلاث سنوات**—وهو إنجاز صناعي كبير. كيف تحقق هذا؟ عبر عدة أدوات:
**أولاً، برنامج ASAP (Act in Support of Ammunition Production):** هذا البرنامج، الذي أطلقته المفوضية الأوروبية في 2023 بميزانية 500 مليون يورو (مع مساهمة نرويجية إضافية ليصل الإجمالي إلى 513 مليون)، ركز على نقاط الاختناق الحرجة في سلسلة إنتاج الذخائر: المتفجرات والبارود، اللذين يمثلان العنق الأضيق. البرنامج موّل 31 مشروعاً عبر الاتحاد الأوروبي لزيادة القدرة الإنتاجية بأكثر من 10,000 طن من البارود و4,300 طن من المتفجرات سنوياً.
**ثانياً، عقود طويلة الأجل مضمونة:** الشركات الدفاعية لا تستثمر في توسيع خطوط الإنتاج دون يقين بأن الطلب سيستمر. المفوضية والدول الأعضاء قدمت عقوداً متعددة السنوات بحجم مضمون، ما أعطى الشركات الثقة للاستثمار في مصانع جديدة، معدات جديدة، وتوظيف عمال جدد. شركة Rheinmetall الألمانية، على سبيل المثال، أعلنت عن خطط لرفع إنتاجها إلى 1.1-1.5 مليون قذيفة سنوياً بحلول 2027.
**ثالثاً، استثمار خاص محفز:** التمويل الحكومي (513 مليون يورو من ASAP) حفز استثماراً خاصاً إضافياً من الشركات، ليصل الإجمالي إلى حوالي 1.4 مليار يورو. هذا يعني أن كل يورو عام حفز حوالي 2.7 يورو خاصة—وهو معدل رافعة مالية ممتاز.
لكن التحديات لا تزال قائمة. القدرة الإنتاجية **الاسمية** (2 مليون بنهاية 2025) لا تعني بالضرورة إنتاجاً فعلياً بهذا الحجم. الإنتاج الفعلي يعتمد على توفر المواد الأولية، استقرار سلاسل التوريد، وجود عمالة ماهرة كافية، وطلب مستمر. وكالة الدفاع الأوروبية أشارت إلى أن الإنتاج الفعلي قد يتأخر عن القدرة الاسمية بسبب قيود في المكونات مثل المحركات النفاثة الصغيرة (لصواريخ معينة) والمتفجرات المتخصصة.
الاختناقات المستمرة: سلاسل التوريد والمعادن النادرة
المشكلة الأعمق هي أن الصناعة الدفاعية الحديثة ليست معزولة—بل هي جزء من سلسلة توريد عالمية معقدة. العديد من المكونات الحرجة تعتمد على موردين خارج أوروبا، وخصوصاً الصين. **المعادن النادرة** (مثل الليثيوم، الكوبالت، العناصر الأرضية النادرة) ضرورية للإلكترونيات العسكرية، البطاريات، والمحركات. الصين تُسيطر على 90% من الإنتاج والمعالجة العالمية لهذه المعادن.
هذا يخلق تبعية استراتيجية خطيرة. في حالة توتر جيوسياسي مع الصين، قد تُقيد بكين صادرات هذه المواد، ما يشل جزءاً من الإنتاج الدفاعي الأوروبي. رومانيا بدأت مبادرة لزيادة إنتاجها المحلي من المعادن النادرة لتقليل الاعتماد على الصين، لكن هذا جهد طويل الأمد يحتاج سنوات لتحقيق تأثير ملموس.
سلاسل التوريد للمكونات الإلكترونية (رقائق، حساسات، شاشات) أيضاً معقدة وهشة. الكثير من هذه المكونات يُنتج في آسيا (تايوان، كوريا الجنوبية، الصين)، وأي اضطراب في الشحن البحري أو في علاقات التجارة قد يُعطل الإنتاج. جائحة كوفيد-19 كشفت مدى هشاشة هذه السلاسل، وأوروبا لم تستثمر بما يكفي في بناء قدرة تصنيع إلكترونيات محلية.
التوظيف والمهارات: نقص العمالة الماهرة
التوسع السريع في الإنتاج الدفاعي يواجه عقبة أخرى: نقص العمالة الماهرة. الصناعة الدفاعية الأوروبية توظف حالياً حوالي 633,000 شخص، بزيادة ملحوظة عن السنوات السابقة. لكن هذا لا يزال أقل بكثير من الذروة التي وصلت إليها خلال الحرب الباردة.
المشكلة ليست فقط في العدد، بل في نوع المهارات. الصناعة الدفاعية تحتاج مهندسين متخصصين، عمال معادن ماهرين، فنيين في الإلكترونيات، وخبراء في الكيمياء (للمتفجرات والبارود). هذه المهارات لا تُبنى بسرعة. تدريب مهندس يحتاج 5 سنوات (جامعة + خبرة أولية)، وتدريب عامل معادن ماهر يحتاج 2-3 سنوات.
بالإضافة، الصناعة الدفاعية تواجه منافسة من قطاعات أخرى (مثل السيارات الكهربائية، الطاقة المتجددة، البرمجيات) التي تدفع رواتب أعلى وتقدم بيئات عمل أكثر جاذبية. إقناع الشباب بالعمل في مصانع الذخائر يتطلب تحسين ظروف العمل والأجور، ما يرفع التكاليف.
المنافسة الأمريكية-الأوروبية-الآسيوية
التحدي الاستراتيجي الآخر هو المنافسة الدولية على المشتريات. تاريخياً، كانت الدول الأوروبية تشتري الكثير من معداتها من الولايات المتحدة—الطائرات المقاتلة F-35، منظومات الدفاع الجوي Patriot، الطائرات بدون طيار Reaper، إلخ. لكن خطة “إعادة تسليح أوروبا” (ReArm Europe) التي أطلقها الاتحاد الأوروبي تهدف إلى تفضيل المصنعين الأوروبيين.
الهدف الطموح هو أن **55% من المشتريات العسكرية بحلول 2030 تأتي من مصنعين أوروبيين أو أوكرانيين**، مقارنة بحوالي 40% حالياً. برنامج القروض SAFE (بقيمة 150 مليار يورو، اكتتبت فيه 19 دولة) يشترط تفضيل المصنعين الأوروبيين للحصول على التمويل المدعوم.
هذا خلق توتراً مع الولايات المتحدة. إدارة ترامب ضغطت على الحلفاء الأوروبيين لشراء أسلحة أمريكية، بحجة أن ذلك يدعم الاقتصاد الأمريكي ويُعزز قابلية التشغيل البيني داخل الناتو. لكن أوروبا ترى أن الاعتماد المفرط على أمريكا يخلق تبعية استراتيجية خطيرة، خصوصاً في ظل عدم اليقين حول الالتزام الأمريكي المستقبلي.
ألمانيا نموذج واضح لهذا التحول. خطة المشتريات الألمانية لـ 2025-2026 (بميزانية 83 مليار دولار سنوياً) تخصص **8% فقط للمنظومات الأمريكية**، مع توجيه الغالبية الساحقة للبرامج الوطنية أو الأوروبية مثل فرقاطات F127، مقاتلات Eurofighter Tranche 5، ومنظومات الدفاع الجوي IRIS-T SLM.
في المقابل، دول مثل بولندا تتخذ نهجاً أكثر تنوعاً: تشتري من أوروبا، أمريكا، **وكوريا الجنوبية**. بولندا وقعت صفقات ضخمة مع كوريا الجنوبية لشراء دبابات K2 Black Panther، مدافع ذاتية الحركة K9 Thunder، ومقاتلات FA-50. السبب: التسليم السريع والسعر التنافسي. كوريا الجنوبية قادرة على الإنتاج بكميات كبيرة وسرعة عالية، ما يجعلها شريكاً جذاباً للدول التي تحتاج تسليحاً فورياً.
التقييس والمشتريات المشتركة: وعود كبيرة، تنفيذ بطيء
واحدة من أكبر مشاكل الكفاءة في الدفاع الأوروبي هي **التشتت والتكرار**. 27 دولة في الاتحاد الأوروبي تُشغّل أكثر من 150 نظام سلاح مختلف، بينما الولايات المتحدة (بجيش أكبر) تُشغّل حوالي 30. هذا يعني أن أوروبا تحتاج: – 150 برنامج تدريب مختلف – 150 منظومة صيانة وقطع غيار – 150 دليل تشغيل ولوجستيات
التكلفة الإضافية هائلة. تقديرات تشير إلى أن التقييس والمشتريات المشتركة قد توفر **200 مليار يورو بحلول 2035** من خلال وفورات الحجم وتقليل التكرار.
الاتحاد الأوروبي يدفع بقوة نحو هذا الهدف. برنامج EDIRPA (European Defence Industry Reinforcement through Common Procurement) بميزانية 310 مليون يورو يحفز الدول على الشراء المشترك. برنامج EDIP (European Defence Industry Programme) بميزانية 1.5 مليار يورو للفترة 2025-2027 يستمر في هذا المنطق، مع مكافآت مالية للدول التي تشتري معاً.
لكن التنفيذ بطيء. الدول الأوروبية، رغم الخطابات الكبيرة، لا تزال تفضل الشراء الوطني في كثير من الأحيان. السبب ليس عناداً، بل **سياسة داخلية**: كل حكومة تريد أن تدعم صناعتها المحلية، توظف عمالها، وتُظهر لناخبيها أن المال يُنفق محلياً. ألمانيا، على سبيل المثال، رغم دعمها القوي للتكامل الأوروبي، ترفض بشكل عام إشراك الاتحاد الأوروبي في قراراتها الدفاعية وتفضل الشراء الوطني أو الثنائي.
السويد أيضاً متشككة من دور الاتحاد القوي، وتفضل العمل عبر وكالة الناتو للدعم والمشتريات (NSPA) أو منظمة التعاون المشترك في التسليح (OCCAR) أو وكالة الدفاع الأوروبية (EDA)—وليس عبر المفوضية الأوروبية مباشرة. لم تتقدم السويد للحصول على قروض SAFE، مفضلة الاستقلالية في قراراتها.
هذا التوتر بين الطموح الأوروبي المشترك والمصالح الوطنية المتباينة سيستمر. التقدم سيكون تدريجياً ومحدوداً، ما لم يحدث تحول سياسي كبير (مثل أزمة أمنية حادة تُجبر الدول على التعاون بشكل أعمق).
الجزء السادس: التحديات اللوجستية والحركية العسكرية—عنق الزجاجة الخفي
من “شينغن العسكري” إلى الواقع: البنية التحتية غير الجاهزة
أحد أكبر التحديات—والأكثر تجاهلاً في النقاش العام—هو **الحركية العسكرية** (military mobility): القدرة على نقل القوات والمعدات بسرعة عبر أوروبا. في حالة أزمة على الجبهة الشرقية، السرعة حاسمة. كل ساعة تأخير في وصول التعزيزات تعني مزيداً من الأرض المفقودة ومزيداً من الخسائر.
المشكلة أن أوروبا، رغم إلغائها الحدود الداخلية لحركة الأشخاص (منطقة شينغن)، لا تزال تعاني من عقبات هائلة في نقل المعدات العسكرية. الجسور غير مُصممة لتحمل وزن الدبابات الحديثة (التي قد تزن 60-70 طناً)، والأنفاق منخفضة جداً للمركبات العسكرية الكبيرة، وشبكة السكك الحديدية غير موحدة (كل دولة تقريباً لها معايير مختلفة للقاطرات والإشارات).
الأسوأ هو البيروقراطية. نقل معدات عسكرية عبر الحدود يتطلب موافقات مسبقة قد تستغرق **أسابيع أو حتى شهراً**. هناك قوانين وطنية مختلفة حول نقل المواد الخطرة (الذخائر، الوقود)، قيود على أوقات التحرك (لتجنب إزعاج المدنيين)، وإجراءات جمركية (رغم أن الاتحاد سوق واحدة، لكن المعدات العسكرية تُعامل بشكل مختلف).
تقرير محكمة المدققين الأوروبية الصادر في فبراير 2025 حول الحركية العسكرية كشف عدة مشاكل بنيوية: – التمويل المخصص (1.7 مليار يورو تحت آلية الربط الأوروبي CEF للفترة 2021-2027) استُنفد بسرعة ولا يكفي لتحقيق الأهداف – لا يوجد تقدير واضح للتكلفة الإجمالية المطلوبة لجعل البنية التحتية جاهزة – الأولويات الوطنية متباينة: بعض الدول تريد التركيز على البنية التحتية، بعضها يريد تبسيط الإجراءات أولاً – التنفيذ بطيء، والإرادة السياسية لا تتطابق مع الأولويات المعلنة
الممرات ذات الأولوية: 500 مشروع في انتظار التمويل
في مارس 2025، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي **أربعة ممرات متعددة الوسائط ذات أولوية** (multimodal priority corridors) مصممة لتسهيل حركة القوات الكبيرة والسريعة. هذه الممرات تربط غرب أوروبا بالجبهة الشرقية عبر طرق برية وسكك حديدية وجوية وبحرية.
داخل هذه الممرات، حُددت **500 مشروع بنية تحتية ذات استخدام مزدوج** (dual-use) تحتاج تنفيذ عاجل. هذه المشاريع تشمل: – تعزيز الجسور لتحمل الأوزان الثقيلة – توسيع الأنفاق أو بناء طرق بديلة – ترقية محطات السكك الحديدية ومحطات الشحن – توسيع المطارات والموانئ لاستقبال طائرات نقل عسكرية كبيرة وسفن شحن
لكن تمويل هذه المشاريع غير مضمون. التمويل الحالي (1.7 مليار من CEF) استُنفد. برنامج SAFE (150 مليار) يدعم الحركية العسكرية، لكنه موزع على احتياجات دفاعية واسعة. صندوق التماسك (Cohesion Fund)، الذي كان مخصصاً تقليدياً لتقليل الفوارق الإقليمية، فُتح الآن لمشاريع الدفاع بعد مراجعة منتصف المدة في أبريل 2025، لكن حجم التمويل المتاح غير واضح.
الإطار الزمني المستهدف هو 2026 لإتمام الأولويات العاجلة، لكن التأخيرات متوقعة. السياسة المحلية تلعب دوراً: السكان المحليون قد يعارضون مشاريع توسعة طرق أو بناء جسور جديدة بسبب الضوضاء أو التأثير البيئي.
التمارين والاختبارات: الدرس الأوكراني
أحد الدروس الواضحة من دعم أوكرانيا هو أن **اللوجستيات تُختبر في الواقع، لا على الورق**. السلسلة اللوجستية التي بُنيت لدعم أوكرانيا (من ألمانيا وبولندا عبر الحدود الأوكرانية) كشفت اختناقات عديدة: نقاط حدودية ضيقة، سكك حديدية بمعايير مختلفة (أوروبا تستخدم عرضاً قياسياً 1435 ملم، بينما أوكرانيا تستخدم العرض السوفيتي 1520 ملم)، ونقص في القاطرات والعربات.
تقرير Atlantic Council الصادر في ديسمبر 2025 بعنوان “Enhancing land military mobility in Europe: Advocating a pragmatic approach” يشدد على ضرورة **اختبارات إجهاد سنوية**: تحريك لواء ثقيل كامل عبر ثلاث دول على الأقل، قياس الزمن والاختناقات، ثم معالجتها. دون هذه الاختبارات، كل التخطيط يبقى نظرياً.
برنامج العمل يتضمن: – **تمارين جدولة مشتركة** مع الناتو (مقررة من 2026) لاختبار الحركية العسكرية – **تصريح عبور موحد** داخل الاتحاد الأوروبي مع سقف زمني أقصى للموافقة في الأزمات (الهدف: 48 ساعة كحد أقصى، بدلاً من أسابيع) – **خطط وطنية للحركية العسكرية** من كل دولة عضو، مع تنسيق على المستوى الأوروبي
المفوضية الأوروبية أطلقت في نوفمبر 2025 “حزمة الحركية العسكرية 2025” (Military Mobility Package 2025)، وهي مجموعة شاملة من التدابير التنظيمية والتمويلية والبنية التحتية لتسريع الحركة. الهدف النهائي هو خلق ما يُسمى **”شينغن عسكري”**: حركة سلسة للقوات والمعدات دون عوائق بيروقراطية.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب سنوات. التشريعات المقترحة يُتوقع اعتمادها بنهاية 2026، مع إطار تشغيلي كامل بحلول نهاية 2027. هذا يعني أن السنوات الفاصلة (2026-2027) هي فترة ضعف حرجة—القدرات موجودة نظرياً، لكن القدرة على تحريكها بسرعة لا تزال محدودة.
الوقود والطاقة: البُعد المنسي
بُعد آخر من الحركية العسكرية يُناقش أقل لكنه حاسم: **إمدادات الوقود**. الجيوش الحديثة تستهلك كميات هائلة من الوقود. دبابة واحدة قد تستهلك 200-400 لتر لكل 100 كيلومتر. لواء مدرع متحرك يحتاج مئات الآلاف من اللترات يومياً.
البنية التحتية للوقود العسكري في أوروبا غير كافية. خطوط أنابيب الناتو القديمة (التي بُنيت في الحرب الباردة) تحتاج صيانة وتوسيع. مخازن الوقود الاستراتيجية محدودة. وإذا حدث تصعيد، فإن الطلب المدني والعسكري على الوقود سيتنافسان، ما قد يخلق نقصاً.
حوار منظم بين الاتحاد الأوروبي والناتو حول أمن الطاقة للقوات العسكرية بدأ، مع التركيز على: – إمدادات الوقود للقوات المتحركة – تأثير الانتقال إلى الطاقة المتجددة على الحركية (هل ستعتمد الجيوش على وقود أحفوري أم هجين أم كهربائي؟) – حماية البنية التحتية الحرجة من الهجمات
الخلاصة: الحركية العسكرية ليست مجرد “تفصيل لوجستي”، بل هي **قدرة قتالية أساسية** تحدد سرعة الرد وحجم القوة القابلة للنشر. أوروبا تستثمر فيها الآن، لكن التقدم بطيء والفجوات لا تزال كبيرة.
**ملاحظة:** نظراً لطول الورقة البحثية الموسعة، سأكمل الأجزاء المتبقية في ملف منفصل. هل تريد مني المتابعة الآن؟
الجزء السابع: المقارنات التاريخية—دروس من التعبئة الصناعية الدفاعية
ألمانيا الغربية في السبعينيات: نموذج التخطيط طويل الأمد
لا يُقصد بالمقارنة التاريخية استنساخ الماضي حرفياً، بل استخراج **منطق التعبئة** القابل للتكييف. في سبعينيات الحرب الباردة، واجهت ألمانيا الغربية تهديداً وجودياً مباشراً على جبهتها الشرقية: حشد عسكري سوفيتي ضخم على بُعد مئات الكيلومترات فقط. كان التحدي واضحاً: كيف تبني قدرة دفاعية موثوقة في مواجهة خصم متفوق عددياً ومدعوم بكامل القوة الصناعية السوفيتية؟
الاستجابة الألمانية، تحت قيادة المستشار **هيلموت شميت** (الذي كان أيضاً وزير دفاع سابق)، قامت على أربع ركائز يمكن استخلاص دروس منها:
**الركيزة الأولى: التخطيط الدفاعي طويل الأمد بدل دورات الشراء المتقطعة.** بدلاً من شراء معدات عند الحاجة الفورية، بنت ألمانيا برامج تسليح ممتدة على 10-15 عاماً مع تحديث دوري. هذا أعطى الصناعة الدفاعية يقيناً استثمارياً، فاستطاعت التوسع والابتكار دون خوف من تقلص الطلب المفاجئ. شركات مثل Krauss-Maffei (دبابات Leopard) وRheinmetall (مدفعية) استثمرت في خطوط إنتاج حديثة لأنها كانت واثقة من استمرار الطلب لعقدين.
**الركيزة الثانية: الجاهزية كبرنامج مستقل، لا كأثر جانبي.** ألمانيا الغربية أدركت مبكراً أن امتلاك دبابات على الورق لا يكفي—يجب أن تكون جاهزة للقتال فوراً. لذلك، أنشأت برنامج جاهزية منفصل يغطي الصيانة الدورية، مخزون قطع الغيار، والتدريب المستمر. كل لواء كان له مستوى جاهزية محدد (R+7، R+30، R+90)، والميزانية كانت تُخصص لضمان تحقيق هذا المستوى. النتيجة: في حالة أزمة، كانت معظم الوحدات قادرة على التحرك خلال أيام، لا أسابيع.
**الركيزة الثالثة: التقييس التدريجي قبل الطموحات الكبيرة.** بدلاً من محاولة توحيد كل شيء دفعة واحدة (وهو ما كان سيفشل سياسياً)، ركزت ألمانيا والناتو على التقييس في المجالات الحرجة أولاً: **الذخائر** (خصوصاً عيار 155 ملم و120 ملم)، **الاتصالات الراديوية** (لضمان التنسيق بين القوات)، و**الوقود** (نوعية موحدة لتسهيل اللوجستيات). هذا التقييس الأولي، رغم محدوديته، حقق فوائد لوجستية هائلة وسهّل التوسع لاحقاً.
**الركيزة الرابعة: التمارين العملياتية لاختبار الخطط واللوجستيات.** الناتو، بقيادة ألمانية قوية، أجرى تمارين سنوية واسعة النطاق (مثل تمارين REFORGER – Return of Forces to Germany) حيث كانت قوات أمريكية تُنقل من الولايات المتحدة إلى ألمانيا في غضون أسابيع، ثم تتمرن على الانتشار السريع نحو الجبهة الشرقية. هذه التمارين كشفت اختناقات لوجستية (جسور ضعيفة، طرق ضيقة، نقص في القاطرات) وأجبرت البيروقراطية على إصلاحها. بدون هذه التمارين، كانت الخطط ستبقى حبراً على ورق.
الفروق البنيوية بين 1970s و2020s
لكن التطبيق المباشر لنموذج السبعينيات على أوروبا اليوم محدود، لأن السياق مختلف جذرياً:
**أولاً، التعقيد الصناعي.** في السبعينيات، كانت سلاسل التوريد أبسط وأكثر محلية. اليوم، منظومة دفاعية واحدة قد تحتوي مكونات من عشرات الدول، بما في ذلك مكونات حرجة من الصين (معادن نادرة، إلكترونيات). هذا يجعل التعبئة الصناعية أصعب وأكثر عرضة للاضطرابات الجيوسياسية.
**ثانياً، التوافق السياسي الموزع.** في السبعينيات، كانت القرارات الدفاعية الرئيسية تُتخذ ضمن الناتو (بقيادة أمريكية قوية)، مع تنسيق ثنائي بين الدول الأوروبية. اليوم، هناك طبقات متعددة من صنع القرار: الاتحاد الأوروبي، الناتو، السياسات الوطنية، ومبادرات إقليمية (مثل مجموعة Weimar، مبادرة الدرع السماوي، التعاون الشمالي-البلطيقي). هذا التعدد يُعقد التنسيق ويُبطئ التنفيذ.
**ثالثاً، القيد الديموغرافي.** أوروبا في السبعينيات كانت شابة، مع معدلات خصوبة عالية وقوة عاملة متنامية. اليوم، أوروبا تشيخ بسرعة، ومعدلات الخصوبة منخفضة جداً (1.5 طفل لكل امرأة في المتوسط، مقابل 2.1 المطلوبة لاستقرار السكان). هذا يحد من القوة البشرية المتاحة للجيش وللصناعة الدفاعية.
**رابعاً، التكنولوجيا المتغيرة.** في السبعينيات، كان التركيز على الدبابات والمدفعية والطائرات المأهولة. اليوم، المسيّرات، الحرب السيبرانية، الفضاء، والذكاء الاصطناعي تلعب أدواراً محورية. بناء قدرات في هذه المجالات يتطلب مهارات ومواهب مختلفة (مبرمجين، مهندسي فضاء، خبراء سيبرانيين) قد لا تتوفر بسهولة في القطاع الدفاعي التقليدي.
التعبئة الصناعية في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية: السرعة والحجم
مثال آخر يستحق الدراسة، رغم بعده الزمني، هو **التعبئة الصناعية الأمريكية** خلال الحرب العالمية الثانية. بين 1940 و1945، حولت الولايات المتحدة اقتصادها المدني إلى اقتصاد حرب بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين. مصانع السيارات تحولت لإنتاج الدبابات والطائرات، مصانع المعلبات تحولت لإنتاج الذخائر، والمزارع تحولت لإطعام الجيوش.
الدروس القابلة للتطبيق (مع التحفظات):
**الدرس الأول: قوة التحويل الصناعي.** الصناعات المدنية القوية يمكن تحويلها لخدمة الإنتاج الدفاعي إذا توفرت الحوافز والتنظيم. أوروبا اليوم لديها صناعات سيارات، طيران، إلكترونيات، وآلات ثقيلة ضخمة. جزء من هذه القدرة يمكن توجيهه نحو الإنتاج الدفاعي في حالة الطوارئ—لكن هذا يتطلب تخطيطاً مسبقاً وحوافز واضحة.
**الدرس الثاني: أهمية قانون الإنتاج الدفاعي (Defense Production Act).** أمريكا أقرت قوانين تمنح الحكومة صلاحيات واسعة لتوجيه الإنتاج وتخصيص الموارد. أوروبا تحتاج إطاراً قانونياً مشابهاً يسمح، في حالات الطوارئ، بتوجيه الصناعة دون الوقوع في بيروقراطية طويلة.
**الدرس الثالث: التمويل بلا حدود في حالة الوجودية.** حين تكون الحرب وجودية، القيود المالية تُلغى عملياً. أمريكا أنفقت ما يعادل 40% من ناتجها المحلي الإجمالي على الحرب. أوروبا، إذا واجهت تهديداً مماثلاً، ستجد نفسها مضطرة لإنفاق مماثل—لكن الأفضل بناء القدرة **قبل** الأزمة، حيث التكلفة أقل والضغط أخف.
لكن التحفظ الكبير هو أن الحرب العالمية الثانية كانت **حرب شاملة** بمشاركة كامل المجتمع، وهو سيناريو مختلف عن السيناريو الأوروبي الحالي (الذي يُفترض أن يكون صراع محدود جغرافياً). التعبئة الكاملة للاقتصاد قد لا تكون ضرورية أو مرغوبة.
اليابان وكوريا الجنوبية: نماذج صناعة دفاعية موجهة للتصدير
نموذج آخر يستحق الدراسة هو **كوريا الجنوبية** واليابان في العقود الأخيرة. كلتا الدولتين طورت صناعة دفاعية قوية موجهة ليس فقط للسوق المحلية، بل **للتصدير** أيضاً. هذا منح صناعتهما حجماً أكبر، تكاليف أقل (بفضل وفورات الحجم)، وقدرة على الابتكار المستمر (لأن المنافسة في السوق الدولية تفرض التطوير).
كوريا الجنوبية، رغم أنها دولة متوسطة الحجم، أصبحت سادس أكبر مصدر للأسلحة في العالم. دباباتها K2 Black Panther، مدافعها الذاتية K9 Thunder، ومقاتلاتها التدريبية FA-50 تُباع للهند، بولندا، تركيا، مصر، وغيرها. السر: **تصميمات حديثة، أسعار تنافسية، وسرعة تسليم**.
أوروبا يمكنها تعلم من هذا النموذج. بدلاً من أن تنتج كل دولة أوروبية نظامها الخاص (بكميات صغيرة وتكاليف مرتفعة)، يمكن لأوروبا تطوير **منصات مشتركة** مصممة للإنتاج الكبير والتصدير. إذا استطاع Eurofighter أو A400M أو IRIS-T أن يُصدّر بكميات كبيرة، فإن التكلفة الوحدوية تنخفض، والصناعة الأوروبية تصبح أكثر تنافسية، والقدرة الإنتاجية تتوسع.
لكن المشكلة السياسية هي أن التصدير يتطلب **توافقاً** بين الدول الأعضاء على سياسات التصدير، وهو ما يصعب تحقيقه. ألمانيا، على سبيل المثال، لديها قيود صارمة على تصدير الأسلحة لمناطق النزاع، بينما فرنسا أكثر مرونة. هذا الاختلاف يُعقد البرامج المشتركة.
الجزء الثامن: البرنامج التنفيذي الثلاثي المراحل—التفاصيل الكاملة
المنطق العام: من الإنقاذ السريع إلى الاستقلال النسبي
البرنامج المقترح يقوم على فكرة محورية: **الردع بالمنع يُبنى بالتراكم التدريجي، لا بالقفزات الكبيرة**. في السنوات الأولى، الأولوية لسد الفجوات الأكثر حرجاً وإلحاحاً—الذخائر، الجاهزية، الحركية. في السنوات الوسطى، الأولوية للتقييس والدمج لتحقيق الكفاءة. في السنوات الأخيرة، الأولوية لبناء القدرات الاستراتيجية التي تمنح أوروبا استقلالاً عملياتياً نسبياً.
المراحل الثلاثة ليست منفصلة تماماً—بل متداخلة. بعض المشاريع التي تبدأ في المرحلة الأولى تستمر في الثانية والثالثة. لكن التركيز يتحول تدريجياً.
المرحلة الأولى (2026–2028): الإنقاذ السريع
الهدف الاستراتيجي لهذه المرحلة هو **منع المفاجأة** و**تقليص نافذة الضعف**. إذا حدثت أزمة في 2027 أو 2028، يجب أن تكون أوروبا قادرة على الصمود في الأسابيع الأولى دون انهيار فوري. هذا لا يعني قدرة كاملة، بل يعني **قدرة كافية لفرض تكلفة عالية على المهاجم وكسب الوقت**.
1) مخزون الذخائر: من الندرة إلى الوفرة النسبية
**الهدف المحدد:** الوصول إلى مخزون يكفي **90 يوماً من قتال عالي الشدة** بحلول نهاية 2028. بالنسبة لقذائف المدفعية 155 ملم، هذا يعني حوالي **مليون قذيفة** كمخزون جاهز (بالإضافة إلى القدرة الإنتاجية المستمرة).
الإجراءات التنفيذية التفصيلية:
– **نظام “أيام الإمداد” (Days of Supply – DOS) كمعيار رسمي**: كل دولة عضو تُقيم مخزونها بناءً على كم يوماً من القتال يمكن أن تستمر بمعدل استهلاك قتالي محدد. المعيار يُقسم حسب نوع الذخيرة (مدفعية، دفاع جوي، صواريخ موجهة) وحسب السيناريو (قتال دفاعي عالي الشدة vs عمليات محدودة).
– **مخازن موزعة جغرافياً**: المخزون لا يُحفظ في مكان واحد (عرضة للاستهداف)، بل يُوزع عبر مواقع متعددة—بعضها في العمق الاستراتيجي (ألمانيا، فرنسا)، وبعضها قرب الجبهة الشرقية (بولندا، دول البلطيق، رومانيا). المخازن المتقدمة تُدار بنظام **تناوب**: كل 6 أشهر، جزء من المخزون يُنقل إلى الخلف ويُستبدل بذخائر جديدة، لضمان النضارة وتجنب التقادم.
– **فصل صارم بين مخزون الحرب ومخزون التدريب**: قاعدة واضحة: **لا يُسحب من مخزون الحرب للتدريب**، إلا في حالات استثنائية ومعتمدة من أعلى المستويات. التدريب يُموّل من ميزانية منفصلة، وإذا استُنفد مخزون التدريب، يتوقف التدريب—لا يُعوّض من مخزون الحرب. هذا يبدو قاسياً، لكنه ضروري للحفاظ على المخزون الاستراتيجي.
– **نظام جرد رقمي مشترك**: منصة رقمية موحدة (يمكن أن تُدار عبر وكالة الدفاع الأوروبية أو الناتو) تربط المخازن الوطنية بمخازن مشتركة، وتُظهر في الوقت الفعلي: كم متوفر، أين، ومتى يحتاج للتجديد. هذا يمنع التكرار ويسمح بنقل الذخائر بين الدول بسرعة في حالة طوارئ.
– **احتياط مواد أولية**: بالإضافة إلى الذخائر الجاهزة، أوروبا تحتاج مخزوناً من **المواد الأولية** (متفجرات، بارود، معادن) يكفي 6-12 شهراً من الإنتاج المستمر. هذا يحمي من انقطاع سلاسل التوريد في حالة حرب أو عقوبات.
مؤشرات الأداء (KPIs):
– **DOS الفعلي للذخائر الرئيسية** (155 ملم، صواريخ دفاع جوي، ذخائر دقيقة): الهدف 90 يوماً بحلول نهاية 2028، مقاساً ربع سنوياً. – **زمن إعادة التزويد** من المخازن إلى وحدات الخط الأمامي: الهدف أقل من 48 ساعة في أوروبا الوسطى، أقل من 72 ساعة في البلطيق. – **نسبة الذخائر القياسية** ضمن “حزمة المعيار الأولى”: الهدف 80% من الذخائر المستخدمة من نماذج قياسية مشتركة بحلول 2028.
2) عقود الحجم متعددة السنوات: تحويل الطلب إلى يقين استثماري
**الهدف:** منح الصناعة الدفاعية يقيناً كافياً للاستثمار في توسيع القدرة الإنتاجية دون خوف من تقلص الطلب المفاجئ.
أدوات تعاقد موصى بها:
– **عقود إطار (Framework Contracts) لمدة 5-7 سنوات**: تحدد حجماً أدنى مضموناً (مثلاً 100,000 قذيفة سنوياً) وخياراً للزيادة (up to 200,000 قذيفة إذا دعت الحاجة). الحجم المضمون يسمح للشركة بالاستثمار، والخيار يوفر مرونة للحكومة.
– **تقسيم العقود إلى شرائح (Tranches)**: – **شريحة الإنتاج السريع** (12-24 شهراً): تستخدم القدرة الحالية دون توسع كبير، لتلبية الحاجة العاجلة. – **شريحة التوسع الاستثماري** (24-60 شهراً): تموّل بناء مصانع جديدة، شراء معدات إضافية، وتدريب عمال جدد، ثم تبدأ الإنتاج بوتيرة أعلى.
– **سياسة “موردين على الأقل” (Dual Sourcing)**: لكل صنف حرج (مثل 155 ملم، صواريخ IRIS-T، محركات نفاثة)، يجب أن يكون هناك على الأقل موردان مستقلان. هذا يقلل مخاطر “نقطة فشل واحدة” (إذا تعطل مصنع أو شركة واحدة، الآخر يستمر). كما يخلق منافسة صحية تُحسن الجودة وتخفض الأسعار.
– **بنود التوسع الطارئ (Surge Clauses)**: العقود تتضمن بنوداً تُلزم الشركة، في حالة طوارئ معلنة رسمياً، بزيادة الإنتاج إلى أقصى طاقتها (حتى لو استلزم ذلك تشغيلاً على مدار الساعة أو تأجيل طلبات أخرى). في المقابل، الحكومة تدفع علاوة على السعر العادي.
3) جاهزية الألوية الثقيلة: من الورق إلى الأرض
**الهدف:** زيادة عدد الألوية القابلة للنشر خلال **30 يوماً** (مع كامل معداتها ودعمها اللوجستي) من المستوى الحالي (ربما 10-15 لواء) إلى **50 لواء** بحلول نهاية 2028.
الإجراءات التنفيذية:
– **تعريف مستويات جاهزية واضحة**: – **R+10**: لواء قادر على الحركة والقتال خلال 10 أيام. يتطلب: 90% من المعدات جاهزة وقابلة للتشغيل، 100% من الأفراد حاضرون ومدربون، مخزون ذخائر ووقود لمدة 14 يوماً. – **R+30**: لواء قادر على الحركة خلال 30 يوماً. يتطلب: 70% من المعدات جاهزة فوراً، 30% تحتاج صيانة خفيفة، 80% من الأفراد حاضرون، باقي الأفراد يُستدعون من الإجازات أو الاحتياط القريب. – **R+90**: لواء قادر على الحركة خلال 90 يوماً. يتطلب: معدات قد تحتاج صيانة شاملة، أفراد قد يُستدعون من الاحتياط الأبعد.
– **برنامج “الجاهزية القائمة على التوافرية” (Availability-Based Maintenance)**: بدلاً من صيانة دورية ثابتة (كل X شهر)، تُعتمد صيانة تنبؤية تعتمد على مراقبة حالة المعدات الفعلية (عبر حساسات وبيانات تشغيلية). هذا يقلل فترات التوقف غير الضرورية ويضمن أن المعدات جاهزة عند الحاجة.
– **مخزون قطع غيار استراتيجي**: كل لواء له مخزون قطع غيار قريب (في قاعدته أو في مخزن إقليمي قريب) يكفي لصيانات عاجلة. بالإضافة، مخزون مركزي على المستوى الوطني والأوروبي للقطع النادرة أو المكلفة.
– **تمارين انتشار سنوية عالية الواقعية**: كل لواء يُجري تمريناً سنوياً يحاكي انتشاراً فعلياً: تحميل المعدات، التحرك عبر مسافات طويلة (مئات الكيلومترات)، ثم تمرين قتالي. التمرين يُقيّم ويُسجل: كم استغرق التحميل؟ كم استغرق التحرك؟ كم معدة تعطلت في الطريق؟ ما هي الاختناقات؟ النتائج تُحلل وتُصحح الأخطاء للعام التالي.
مؤشرات الأداء:
– **عدد الألوية في R+30**: الهدف 50 لواء بحلول نهاية 2028. – **معدل التوافرية (Availability Rate)** للمعدات الرئيسية (دبابات، مدافع ذاتية، مركبات قتال): الهدف 80% على الأقل. – **زمن الاستعادة (Recovery Time)** بعد عطل: الهدف أقل من 48 ساعة لاستبدال معدة معطلة أو إصلاحها.
4) الحركية العسكرية: من البيروقراطية إلى السرعة
**الهدف:** تقليص زمن تحريك لواء ثقيل من غرب أوروبا إلى الجبهة الشرقية من **أسابيع** (الحالة الراهنة) إلى **أيام** بحلول 2028.
الإجراءات:
– **ممرات تعزيز استراتيجية** (Strategic Reinforcement Corridors): تحديد 4-6 ممرات رئيسية (برية، سككية، جوية، بحرية) تربط غرب أوروبا بالشرق. كل ممر يُرفع إلى معايير عسكرية: جسور معززة، أنفاق موسعة، محطات سكة حديد مجهزة لتحميل/تفريغ سريع، موانئ ومطارات قادرة على استقبال معدات ثقيلة.
– **اتفاقات عبور مسبقة** (Pre-Approved Transit Agreements): كل دولة تُوقع اتفاقية مع جيرانها تسمح بعبور قوات عسكرية دون موافقة مسبقة في حالة أزمة معلنة (تُعرّف بمعايير واضحة، مثل تفعيل المادة 5 من الناتو أو قرار من مجلس الاتحاد الأوروبي).
– **تصريح عبور موحد** (Single Transit Permit): بدلاً من أن تحصل كل قافلة عسكرية على تصاريح منفصلة من كل دولة تعبرها، هناك تصريح أوروبي واحد يُصدر بسرعة (خلال 48 ساعة كحد أقصى) ويُعترف به في كل الدول الأعضاء. التصريح يُغطي: نوع المعدات، المسار، التوقيت، والاحتياطات اللازمة (للمواد الخطرة مثلاً).
– **تمرين إجهاد سنوي** (Annual Stress Test): تمرين واقعي ينقل لواءً ثقيلاً كاملاً (3,000-5,000 جندي، مئات المركبات) من ألمانيا أو فرنسا إلى بولندا أو دول البلطيق. التمرين يُقيّم: الزمن الإجمالي، الاختناقات المكتشفة، عدد المركبات المتعطلة، ومدى التزام البيروقراطية بالمواعيد. النتائج تُنشر علناً (لخلق ضغط على الحكومات لتحسين الأداء) وتُستخدم لتحديث الخطط.
– **ترقية نقاط الاختناق الحرجة** (Hotspot Upgrades): خريطة أوروبا تُحدد نقاط الاختناق (جسور ضعيفة، أنفاق ضيقة، طرق متدهورة) التي تُعيق الحركة السريعة. هذه النقاط تُعطى أولوية قصوى في التمويل والترقية. الهدف: إزالة أو تجاوز كل نقطة اختناق حرجة بحلول 2028.
مؤشرات الأداء:
– **زمن تحريك لواء** من ألمانيا إلى بولندا: الهدف أقل من 5 أيام بحلول 2028 (مقابل 2-3 أسابيع حالياً). – **عدد نقاط الاختناق المتبقية** على الممرات ذات الأولوية: الهدف صفر بحلول 2028. – **زمن معالجة تصريح العبور**: الهدف أقل من 48 ساعة في كل الأحوال.
المرحلة الثانية (2029–2031): التقييس والدمج
الهدف من هذه المرحلة هو **تحويل الزيادات الكمية إلى تماسك نوعي**. أوروبا في 2028 ستكون أقوى من 2025، لكنها ستظل متشتتة. المرحلة الثانية تركز على تقليل “تكلفة التشتت” عبر التقييس، الدمج، والتمويل المشروط.
1) كتالوج المعايير الأوروبي (European Standards Catalog – ESC)
**الهدف:** خلق قائمة موحدة بالمعايير التقنية للمعدات الدفاعية الأساسية، بحيث تصبح المعدات الجديدة قابلة للتشغيل البيني تلقائياً.
الإجراءات:
– **ESC الإصدار 1 (V1)**: يركز على الذخائر، الاتصالات الراديوية، ومنظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى. هذه المجالات حرجة وقابلة للتقييس نسبياً. – **الذخائر**: توحيد العيارات الأساسية (155 ملم، 120 ملم، صواريخ متوسطة المدى) مع معايير واضحة للأبعاد، الوزن، ومواصفات الأداء. – **الاتصالات**: نطاقات ترددية موحدة، بروتوكولات تشفير متوافقة، معايير تبادل البيانات التكتيكية. – **الدفاع الجوي**: معايير الربط بين الرادارات والمنصات الإطلاقية (مثلاً، رادار ألماني يجب أن يستطيع التحكم بصاروخ فرنسي).
– **ESC الإصدار 2 (V2)**: يتوسع ليشمل المركبات القتالية، المنصات البحرية، وأنظمة القيادة والسيطرة. هذا أصعب لأن المركبات والمنصات أكثر تعقيداً، لكنه ممكن عبر معايير واجهات (interfaces) لا توحيد كامل للتصميم.
– **جداول انتقال** (Transition Roadmaps): للمعدات الموجودة حالياً التي لا تتوافق مع المعايير الجديدة، تُوضع جداول زمنية للتحديث أو الاستبدال. المعدات القديمة جداً (التي يستحيل تحديثها) تُخرج من الخدمة تدريجياً.
– **اختبار التوافق كشرط تمويل**: أي منظومة جديدة تطلب تمويلاً أوروبياً (من EDIP، SAFE، أو EDF) يجب أن تُثبت توافقها مع ESC. هذا يخلق حافزاً قوياً للالتزام بالمعايير.
2) القيادة العملياتية المشتركة (Joint Operational Command – JOC)
**الهدف:** خلق قيادة عملياتية مشتركة على مستوى **الفيلق أو الجيش الميداني** لسيناريو الجبهة الشرقية، قادرة على قيادة قوات من دول متعددة بتنسيق سلس.
الإجراءات:
– **هيكل القيادة**: يُنشأ مقر قيادة دائم (ربما في بولندا أو رومانيا، قريباً من الجبهة المحتملة) يضم ضباطاً من مختلف الدول الأوروبية. القائد العام يُعيّن بالتناوب (كل 2-3 سنوات) لتجنب الهيمنة الدائمة لدولة واحدة.
– **خطط تعزيز مسبقة** (Pre-Planned Reinforcement Plans): بدلاً من البدء من الصفر عند كل أزمة، تُعد خطط تفصيلية مسبقاً: أي ألوية ستُنشر، في أي مواقع، عبر أي ممرات، بأي دعم لوجستي. الخطط تُحدّث سنوياً وتُختبر في تمارين.
– **تمارين C2 تحت ضغط** (Command and Control Exercises under Stress): تمارين لاختبار قدرة القيادة على العمل في ظروف صعبة: تشويش إلكتروني، هجمات سيبرانية على الشبكات، فقدان بعض وسائل الاتصال. الهدف: بناء مرونة في القيادة بحيث تستمر في العمل حتى لو تعطلت بعض الأنظمة.
3) التمويل المشروط (Conditional Funding)
**الهدف:** ربط الاستفادة من الصناديق الأوروبية المشتركة بالمساهمة الفعلية والنتائج القابلة للقياس، لتقليل “الركوب المجاني”.
الآليات:
– **نظام نقاط** (Points System): كل دولة تكسب نقاطاً بناءً على مساهماتها: – نقاط عن الإنفاق الدفاعي (كنسبة من الناتج) – نقاط عن المساهمة في المخزون المشترك (الذخائر، قطع الغيار) – نقاط عن توفير قوات جاهزة (عدد الألوية في R+30) – نقاط عن الالتزام بمعايير ESC – نقاط عن استضافة قوات أو مرافق مشتركة
– **الوصول إلى التمويل بناءً على النقاط**: الدول ذات النقاط الأعلى تحصل على أولوية في الاستفادة من الصناديق المشتركة (SAFE، EDIP، EDF). هذا ليس عقاباً للضعفاء، بل حافز للجميع لزيادة مساهماتهم.
– **شفافية كاملة**: النقاط تُنشر علناً كل ربع سنة، مع تفاصيل عن أداء كل دولة. هذا يخلق ضغطاً عاماً وسياسياً على الحكومات التي تتخلف.
المرحلة الثالثة (2032–2035): الاستقلال العملياتي النسبي
الهدف من هذه المرحلة هو بناء **حد أدنى من الاستقلال الاستراتيجي**، بحيث تستطيع أوروبا إدارة عملية دفاعية كبيرة لفترة محدودة (أسابيع أو أشهر) دون دعم أمريكي مباشر في المُمكّنات الأساسية.
1) ISR/فضاء/اتصالات: بناء الطبقة الاستشعارية
**الهدف:** امتلاك قدرة استشعار واستطلاع واتصالات كافية للعمل بشكل مستقل في الأيام والأسابيع الأولى.
المشاريع:
– **كوكبة أقمار صناعية** (Satellite Constellation): إطلاق 20-30 قمراً صناعياً للاستطلاع البصري والراداري والإشارات (SIGINT). هذا يتطلب استثمار 5-10 مليارات يورو على مدى 5 سنوات، لكنه يمنح أوروبا تغطية مستقلة نسبياً.
– **طائرات استطلاع بدون طيار طويلة المدى** (Long-Endurance ISR UAVs): تطوير أو شراء طائرات بدون طيار قادرة على البقاء في الجو لـ 24-48 ساعة، مجهزة بحساسات متعددة (بصرية، حرارية، رادار).
– **شبكة اتصالات فضائية آمنة** (Secure Satellite Communications Network): بناء شبكة اتصالات فضائية عسكرية مشفرة ومحمية من التشويش. هذا يضمن استمرار الاتصال حتى لو تعرضت الاتصالات الأرضية للهجوم.
– **مراكز دمج البيانات** (Data Fusion Centers): مراكز على مستوى القيادة العملياتية المشتركة تجمع البيانات من مصادر متعددة (أقمار، طائرات، رادارات أرضية، استطلاع بشري) وتحولها إلى صورة تكتيكية موحدة (Common Operational Picture – COP) توزع على القادة في الوقت الفعلي.
2) الصناعة الدفاعية: من الطلب الطارئ إلى السعة المستدامة
**الهدف:** تحويل الصناعة الدفاعية من وضع “الطوارئ” (الذي بدأ في 2022) إلى وضع “مستدام” قادر على الإنتاج المستمر دون إجهاد.
الآليات:
– **خطوط إنتاج دافئة** (Warm Production Lines): بدلاً من إيقاف خطوط الإنتاج بعد إتمام الطلبات، تُبقى “دافئة”—أي تعمل بطاقة منخفضة (20-30%) لإنتاج قطع غيار أو دفعات صغيرة. هذا يسمح بتسريع الإنتاج بسرعة (إلى 100% في غضون أسابيع) عند الحاجة، دون الحاجة لإعادة بناء القدرة من الصفر.
– **مخزون مواد أولية استراتيجي**: أوروبا تبني مخزوناً من المواد الأولية الحرجة (معادن نادرة، متفجرات، بارود) يكفي 12-18 شهراً من الإنتاج بالطاقة القصوى. هذا يحمي من انقطاع سلاسل التوريد بسبب أزمات جيوسياسية (مثل قطع الصين للصادرات).
– **تنويع الموردين**: تقليل الاعتماد على موردين من دول غير حليفة (الصين خصوصاً). هذا يتطلب استثمار في تطوير مصادر بديلة داخل أوروبا أو من حلفاء موثوقين (أستراليا، كندا، أمريكا اللاتينية).
3) الاحتياط المدرّب: من الأرقام الورقية إلى القوة الحقيقية
**الهدف:** بناء احتياط عسكري مدرّب بمستويات جاهزية محددة، قادر على التعبئة السريعة عند الحاجة دون الحاجة لتدريب طويل.
النموذج المقترح:
– **ثلاث طبقات من الاحتياط**: – **R+30 Reserve**: مواطنون تلقوا تدريباً عسكرياً كاملاً (12-18 شهراً) في السنوات الخمس الماضية، ويُجرون تدريبات تنشيطية سنوياً (2-3 أسابيع). هؤلاء جاهزون للتعبئة خلال 30 يوماً. – **R+90 Reserve**: مواطنون تلقوا تدريباً في السنوات العشر الماضية، ويُجرون تدريبات تنشيطية كل سنتين. جاهزون خلال 90 يوماً. – **R+180 Reserve**: مواطنون تلقوا تدريباً في أي وقت، أو مواطنون يُقبلون على التطوع في حالة أزمة. يحتاجون تدريباً تنشيطياً مكثفاً (4-8 أسابيع) قبل النشر.
– **برامج تدريب قصيرة مكثفة**: بدلاً من برامج طويلة عامة، تركز البرامج على المهارات الحرجة: استخدام السلاح، اللياقة البدنية، الإسعافات الأولية، التكتيكات الأساسية. الهدف ليس تخريج جنود محترفين، بل جنود قادرين على أداء أدوار داعمة أو دفاعية بسيطة.
– **حوافز اقتصادية**: الاحتياطيون يحصلون على رواتب عن فترات التدريب، ومزايا (مثل إعفاءات ضريبية، أولوية في التوظيف الحكومي) تشجع على التطوع.
مؤشرات الأداء:
– **عدد أفراد الاحتياط في كل طبقة**: الهدف 500,000 في R+30، مليون في R+90، 2 مليون في R+180 بحلول 2035 (أرقام تقديرية لكامل أوروبا). – **معدل الاستجابة** (Response Rate): نسبة الاحتياطيين الذين يستجيبون فعلاً عند الاستدعاء: الهدف 90% في R+30.
الجزء التاسع: التحديات السياسية والمؤسسية—لماذا قد يفشل المشروع؟
التوتر الدائم بين الطموح الأوروبي والسيادة الوطنية
أحد أكبر التحديات التي تواجه أي مشروع دفاعي أوروبي مشترك هو التوتر البنيوي بين رغبة الاتحاد الأوروبي في بناء قدرة مشتركة فعالة، ورغبة كل دولة عضو في الحفاظ على سيطرتها الكاملة على قراراتها الدفاعية. هذا التوتر ليس جديداً—بل هو متأصل في طبيعة الاتحاد الأوروبي كمشروع طوعي يجمع دولاً ذات سيادة كاملة.
الدفاع، بخلاف التجارة أو البيئة أو حتى العملة، يُعتبر في الثقافة السياسية الأوروبية المجال الأكثر حساسية وارتباطاً بالسيادة الوطنية. القرار بإرسال جنود إلى حرب، أو بشراء سلاح معين، أو بالدخول في تحالف عسكري، يُعتبر من صميم السيادة الوطنية. لذلك، حتى الدول الأكثر التزاماً بالتكامل الأوروبي تتردد في التنازل عن السيطرة الكاملة على قراراتها الدفاعية.
فرنسا، على سبيل المثال، تدعم بقوة فكرة “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، لكنها في الوقت نفسه تصر على الحفاظ على قدرتها النووية المستقلة ورفضها التاريخي للهيمنة الأمريكية. ألمانيا تدعم التكامل الأوروبي في معظم المجالات، لكنها تتردد في إشراك الاتحاد الأوروبي بشكل عميق في قراراتها الدفاعية، وتفضل الشراء الوطني أو الثنائي على المشتريات المشتركة الكبيرة. السويد، الدولة الأحدث في الناتو، تشكك من دور المفوضية الأوروبية في الدفاع وتفضل العمل عبر أطر الناتو أو المبادرات الإقليمية الأصغر.
هذا التنوع في المواقف يعني أن أي مشروع أوروبي مشترك يجب أن يكون مرناً بما يكفي لاستيعاب الجميع، لكن ليس مرناً لدرجة أن يفقد معناه. التوازن صعب جداً. إذا كان المشروع طوعياً بالكامل (كل دولة تختار ما تشارك فيه)، فسيتفتت إلى عشرات المبادرات الصغيرة بلا تأثير استراتيجي. وإذا كان إلزامياً، فسترفضه الدول الكبرى ويموت في مهده.
مشكلة “التحالفات المتداخلة”: الاتحاد الأوروبي vs الناتو vs المبادرات الثنائية
التحدي الثاني هو تعدد الأطر المؤسسية. أوروبا اليوم لديها عدة طبقات متداخلة من التعاون الدفاعي: – **حلف الناتو**: 32 دولة عضو (منها 23 من الاتحاد الأوروبي)، بقيادة أمريكية واضحة، مهمته الأساسية الدفاع الجماعي وفق المادة 5. – **الاتحاد الأوروبي**: 27 دولة عضو، يسعى لبناء “استقلال استراتيجي” لكن دون تفويض عسكري واضح. – **مبادرات إقليمية**: مثل مجموعة Weimar (ألمانيا، فرنسا، بولندا)، مبادرة الدرع السماوي (21 دولة)، التعاون الشمالي-البلطيقي (NORDEFCO)، وغيرها. – **تعاونات ثنائية**: مثل التعاون الفرنسي-الألماني في مشاريع أسلحة، أو التعاون البولندي-الأوكراني.
هذا التعدد يخلق إشكاليات عملية:
**أولاً، الازدواجية والتكرار.** نفس الدول تجتمع في أطر مختلفة لمناقشة نفس القضايا، ما يهدر الوقت والجهد. اجتماع في بروكسل تحت راية الاتحاد الأوروبي، اجتماع آخر في بروكسل تحت راية الناتو، اجتماع ثالث في برلين تحت راية مبادرة ما—كل هذا يستهلك طاقة دبلوماسية هائلة دون ضمان التنسيق.
**ثانياً، التنافس على الموارد.** الميزانيات الوطنية محدودة. إذا أنفقت دولة مليار يورو على مشروع أوروبي، فهذا مليار لن يذهب لمشروع ناتو أو وطني. التنافس بين الأطر المختلفة على التمويل والأولوية يضعف الجميع.
**ثالثاً، الغموض الاستراتيجي.** ماذا يحدث في حالة أزمة؟ من يقود؟ الناتو أم الاتحاد الأوروبي أم القيادات الوطنية؟ إذا تعارضت الأوامر، من يُطاع؟ هذا الغموض قد يكون مقبولاً في وقت السلم، لكنه كارثي في حالة حرب.
المفوضية الأوروبية تحاول معالجة هذا التداخل عبر مبادرة “EU-NATO Pact” (ميثاق الاتحاد الأوروبي-الناتو) الذي يهدف لتنسيق أفضل بين المؤسستين، لكن التنفيذ لا يزال غامضاً. السؤال الجوهري: هل الهدف بناء قدرة أوروبية **داخل** الناتو (تُكمله وتُقويه)، أم قدرة أوروبية **موازية** للناتو (بديل محتمل إذا تراجعت أمريكا)؟ الإجابة غير واضحة، وهذا الغموض يُضعف الزخم.
الانقسام الجغرافي: الشرق vs الغرب، الشمال vs الجنوب
أوروبا ليست كتلة متجانسة، بل فسيفساء من مصالح وتهديدات متباينة جغرافياً:
**دول الشرق** (بولندا، دول البلطيق، رومانيا) ترى روسيا كتهديد وجودي مباشر، ولذلك تريد زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، انتشار قوات أمامي، ودعم أوكراني غير محدود. بالنسبة لهم، الدفاع ليس رفاهية بل ضرورة بقاء.
**دول الغرب** (فرنسا، إسبانيا، البرتغال) ترى التهديد بشكل مختلف: الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، عدم الاستقرار في شمال أفريقيا والساحل. بالنسبة لهم، إنفاق مئات المليارات على دبابات في بولندا يبدو أقل أهمية من الاستثمار في قوات خفيفة الحركة، حرس حدود، وتعاون أمني مع دول الجنوب.
**دول الشمال** (الدنمارك، السويد، فنلندا، النرويج) تركز على دفاع القطب الشمالي وبحر البلطيق، وترى روسيا كتهديد لكن بشكل مختلف (عبر التهديدات الهجينة، الحرب السيبرانية، انتهاك المياه الإقليمية).
هذا التباين الجغرافي في التهديدات يُترجم إلى تباين في الأولويات. محاولة بناء استراتيجية دفاعية أوروبية واحدة تُرضي الجميع تؤدي عادة إلى وثائق غامضة وعامة لا تُلزم أحداً بشيء محدد. الحل الواقعي هو **تقسيم الأدوار الجغرافي** (burden-sharing by geography): الشرق يتحمل المسؤولية الأكبر عن الدفاع البري ضد روسيا، والغرب يتحمل المسؤولية الأكبر عن الأمن في المتوسط وأفريقيا، والشمال يتحمل المسؤولية عن القطب الشمالي—لكن مع تمويل ودعم لوجستي مشترك. هذا النموذج موجود جزئياً لكنه غير مُنظم أو مُعلن بوضوح.
الشعبوية والمقاومة الداخلية لزيادة الإنفاق
رغم الإجماع الظاهر بين النخب السياسية على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي، هناك مقاومة شعبية كامنة قد تنفجر. مواطنو أوروبا اعتادوا على دولة الرفاه: رعاية صحية شاملة، تعليم مجاني أو شبه مجاني، معاشات سخية، إجازات طويلة. كل هذا كان ممكناً جزئياً لأن الإنفاق الدفاعي كان منخفضاً (1-1.5% من الناتج لعقود).
الآن، الانتقال إلى 3.5-5% من الناتج يعني تحويل مئات المليارات من الرفاه الاجتماعي إلى الدفاع. في دولة مثل ألمانيا، هذا قد يعني تقليص بعض البرامج الاجتماعية، أو زيادة الضرائب، أو زيادة الديون. كل هذه الخيارات لها تكلفة سياسية.
الأحزاب الشعبوية من اليمين واليسار المتطرف تستغل هذا التوتر. اليمين المتطرف يُحذر من أن زيادة الإنفاق الدفاعي ستُستخدم لحروب أمريكية لا تخدم المصالح الأوروبية. اليسار المتطرف يُحذر من أن المال سيُهدر على شركات السلاح الكبرى بدلاً من إنفاقه على المستشفيات والمدارس. كلا الخطابين لهما صدى شعبي، خصوصاً في أوقات الركود الاقتصادي أو الأزمات الاجتماعية.
الخطر الحقيقي هو أن الإجماع الحالي على زيادة الإنفاق **هش**. إذا تحسنت العلاقات مع روسيا قليلاً (وقف إطلاق نار دائم في أوكرانيا، على سبيل المثال)، أو إذا تغيرت الإدارة الأمريكية وأصبحت أكثر التزاماً بأوروبا، فقد تضعف الإرادة السياسية لمواصلة الزيادات. التاريخ مليء بدورات من الإنفاق الدفاعي المكثف تليها فترات من “عوائد السلام” (peace dividends) حيث يُقلص الإنفاق بسرعة.
لذلك، أي برنامج دفاعي أوروبي يجب أن يُصمم بحيث يكون **محصناً ضد تقلبات المزاج السياسي**. هذا يعني: عقود طويلة الأمد تُلزم الحكومات المستقبلية، آليات تمويل مستقلة عن الميزانيات السنوية (مثل صناديق استثمارية طويلة الأجل)، وخلق مصالح محلية في الصناعة الدفاعية (وظائف، تكنولوجيا) بحيث يصبح تقليص الإنفاق مكلفاً سياسياً.
التحدي التكنولوجي: هل تستطيع أوروبا اللحاق؟
التحدي الأخير، وربما الأكثر إغفالاً، هو التحدي التكنولوجي. الحروب الحديثة لا تُربح فقط بالأعداد أو حتى بالإنفاق، بل بالتفوق التكنولوجي. الحرب في أوكرانيا أظهرت الدور الحاسم للمسيّرات الصغيرة، الحرب الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، والاتصالات المشفرة.
أوروبا، رغم قوتها الاقتصادية والصناعية، تتأخر عن أمريكا والصين في العديد من التقنيات الحرجة:
**الذكاء الاصطناعي:** الولايات المتحدة تتقدم بفارق كبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية. برامج مثل Project Maven (تحليل صور عبر AI) وتجارب الطائرات المقاتلة المستقلة (Loyal Wingman) تُظهر قدرة تطبيقية لا مثيل لها. أوروبا لديها بحوث قوية في الذكاء الاصطناعي، لكن تحويل البحث إلى تطبيقات عسكرية عملية أبطأ بكثير، جزئياً بسبب قيود أخلاقية وقانونية أكثر صرامة.
**الفضاء:** رغم أن أوروبا لديها برامج فضائية قوية (مثل Galileo وCopernicus)، إلا أن القدرات الفضائية العسكرية (أقمار استطلاع عالية الدقة، أنظمة إنذار مبكر، أسلحة فضائية مضادة) أقل تطوراً بكثير من الأمريكية أو حتى الروسية والصينية.
**الحرب السيبرانية:** أوروبا قوية في الدفاع السيبراني (حماية البنية التحتية، اكتشاف الاختراقات)، لكنها أضعف في القدرات الهجومية السيبرانية. هذا جزئياً بسبب قيود قانونية وأخلاقية، وجزئياً بسبب نقص الاستثمار.
**الطاقة الموجهة:** أسلحة الليزر والميكروويف عالية الطاقة ستلعب دوراً متزايداً في الدفاع الجوي المستقبلي (إسقاط مسيّرات وصواريخ بتكلفة منخفضة جداً). أمريكا وإسرائيل والصين تستثمر بكثافة في هذا المجال. أوروبا لديها بعض البرامج البحثية، لكنها أبطأ في التطوير والنشر.
اللحاق التكنولوجي لا يحدث بالإنفاق وحده، بل بالاستثمار الذكي في البحث والتطوير، وبخلق بيئة تجذب المواهب. أوروبا تواجه “هجرة الأدمغة” في العلوم والتكنولوجيا: الكثير من أفضل الباحثين والمهندسين الأوروبيين يهاجرون إلى وادي السيليكون أو إلى شركات أمريكية كبرى (مثل Google، SpaceX، Lockheed Martin) حيث الرواتب أعلى والفرص أكبر. عكس هذا الاتجاه يتطلب استثماراً ضخماً في التعليم العالي، البحث الأساسي، والحوافز لبقاء المواهب في أوروبا.
الجزء العاشر: التوصيات الاستراتيجية—كيف ننجح؟
التوصية الأولى: الوضوح الاستراتيجي بدلاً من الغموض المريح
أوروبا تحتاج لاتخاذ قرار استراتيجي واضح: **هل الهدف بناء قدرة مستقلة عن أمريكا، أم قدرة مُكملة لها؟** الغموض الحالي قد يكون مريحاً سياسياً (كل طرف يفسره كما يريد)، لكنه مُشل عملياً.
إذا كان الهدف **الاستقلال الكامل**، فهذا يتطلب استثماراً ضخماً في المُمكّنات الاستراتيجية (ISR، فضاء، اتصالات، نقل استراتيجي)، وربما إعادة النظر في الضمانة النووية (هل تحتاج أوروبا قوة نووية مشتركة؟). هذا الخيار مكلف جداً ويحتاج عقوداً، لكنه ممكن من حيث المبدأ.
إذا كان الهدف **التكامل داخل الناتو**، فهذا يعني تركيز الاستثمار على القدرات التي تُكمل القدرات الأمريكية: الدفاع البري، الذخائر، الدفاع الجوي، اللوجستيات—مع الاعتماد على أمريكا في المُمكّنات الاستراتيجية. هذا الخيار أرخص وأسرع، لكنه يبقي أوروبا معتمدة على واشنطن.
الخيار الثالث، والأكثر واقعية، هو **نموذج هجين تدريجي**: بناء قدرة أوروبية مُكملة للناتو على المدى القصير (5-7 سنوات)، مع استثمار طويل الأجل (10-15 سنة) في المُمكّنات الاستراتيجية لتحقيق استقلال نسبي. هذا يتطلب تخطيطاً مزدوجاً: برنامج عاجل للقدرات الفورية، وبرنامج موازي للقدرات المستقبلية.
أياً كان الخيار، يجب إعلانه بوضوح ودمجه في كل الوثائق والقرارات. الغموض لن يخدم أحداً.
التوصية الثانية: “التحالف الصلب” (Hard Core Alliance) للدول الجادة
بدلاً من انتظار إجماع 27 دولة (وهو مستحيل عملياً)، يجب بناء **”تحالف صلب”** من الدول الأكثر التزاماً وجدية، يعمل كطليعة تجذب الآخرين تدريجياً. هذا النموذج مُطبق بنجاح في مجالات أخرى (منطقة اليورو، شينغن)—لماذا لا يُطبق في الدفاع؟
التحالف الصلب قد يضم: **ألمانيا، فرنسا، بولندا، إيطاليا، إسبانيا، هولندا، السويد، فنلندا، رومانيا، دول البلطيق** (حوالي 10-15 دولة). هذه الدول تُمثل أكثر من 80% من القوة الاقتصادية والعسكرية للاتحاد الأوروبي، وهي جادة في زيادة إنفاقها وقدراتها.
التحالف الصلب يعمل على: – **كتالوج معايير مُلزم** للأعضاء (ESC كما ذكرنا سابقاً) – **مشتريات مشتركة إلزامية** للأنظمة الرئيسية (دفاع جوي، ذخائر، لوجستيات) – **قيادة عملياتية مشتركة** دائمة، لا مؤقتة – **صندوق تمويل مشترك** يُمول من مساهمات مباشرة، لا من الميزانية العامة للاتحاد
الدول الأخرى حرة في الانضمام لاحقاً، لكن بشرط الالتزام بالمعايير والمساهمة بشكل عادل. هذا النموذج يكسر “حق الفيتو الضمني” الذي تمارسه الدول الصغيرة أو المترددة، ويسمح للدول الكبيرة بالتحرك بسرعة.
التوصية الثالثة: برنامج “أبطال أوروبيون” للصناعة الدفاعية
بدلاً من محاولة بناء 27 صناعة دفاعية وطنية متنافسة، أوروبا تحتاج لخلق **”أبطال أوروبيين”**—شركات كبيرة عابرة للحدود قادرة على منافسة الأمريكيين والصينيين والكوريين.
النموذج: تشجيع اندماجات بين شركات دفاعية أوروبية لخلق عمالقة إقليميين. مثلاً: – **دمج Rheinmetall (ألمانيا) مع Nexter (فرنسا)** في مجال الدبابات والمدفعية (وهو بدأ فعلاً جزئياً) – **دمج Leonardo (إيطاليا) مع Airbus Defence (أوروبي متعدد الجنسيات)** في مجال الطائرات والفضاء – **دمج Saab (السويد) مع Diehl Defence (ألمانيا)** في مجال الدفاع الجوي
هذه الاندماجات تحتاج دعم حكومي (تسهيلات تنظيمية، حوافز ضريبية، ضمانات تمويل). في المقابل، الشركات المُدمجة تلتزم بـ: – **إنتاج في عدة دول** (لتوزيع الفوائد الاقتصادية) – **معايير أوروبية موحدة** (لضمان قابلية التشغيل البيني) – **التزام بالتصدير المُنسق** (لتجنب المنافسة الداخلية المدمرة)
الهدف: خلق 3-5 شركات أوروبية ضخمة تُنافس Lockheed Martin وNorthrop Grumman وBoeing في الحجم والقدرة.
التوصية الرابعة: “سنة الخدمة الأوروبية”—إعادة بناء الاحتياط
التحدي الديموغرافي يتطلب حلولاً إبداعية. بدلاً من التجنيد الإلزامي التقليدي (الذي أصبح سياسياً صعباً في معظم الدول)، اقتراح: **”سنة الخدمة الأوروبية” الطوعية**.
المفهوم: برنامج طوعي يستهدف الشباب (18-25 عاماً) يوفر: – **تدريباً عسكرياً أساسياً** (3-6 أشهر) – **خدمة مدنية أو عسكرية** (6-9 أشهر): يمكن أن تكون في الجيش، أو في الدفاع المدني، أو في خدمات إنسانية (مستشفيات، إطفاء، إغاثة) – **حوافز قوية**: راتب جيد، تغطية تعليمية (منحة جامعية أو تدريب مهني)، أولوية في التوظيف الحكومي، ونقاط إضافية في المنافسات
الهدف: تدريب **مليون شاب أوروبي سنوياً** (من أصل حوالي 5 ملايين شاب في كل فئة عمرية). إذا استمر البرنامج 10 سنوات، سيكون لدى أوروبا احتياط مدرّب من 10 ملايين شخص—قوة احتياط هائلة يمكن تعبئتها بسرعة نسبياً في حالة طوارئ.
التكلفة: إذا افترضنا تكلفة 20,000 يورو لكل مشارك سنوياً (راتب + تدريب + منح)، فالتكلفة السنوية حوالي 20 مليار يورو—أقل من 10% من الزيادة المطلوبة في الإنفاق الدفاعي، لكن مع فوائد اجتماعية وأمنية ضخمة.
التوصية الخامسة: لوحة قياس أداء أوروبية علنية
الشفافية تخلق ضغطاً إيجابياً. اقتراح: **لوحة قياس أداء (Scorecard) علنية تُنشر ربع سنوياً** تُقيّم أداء كل دولة عضو في مجالات محددة: – نسبة الإنفاق الدفاعي من الناتج – نسبة الاستثمار (مشتريات + بحث) من الإنفاق الكلي – مخزون الذخائر (Days of Supply) – عدد الألوية الجاهزة (R+30) – الالتزام بالمعايير الأوروبية (ESC) – المساهمة في المشتريات المشتركة – سرعة معالجة تصاريح العبور العسكري
كل دولة تحصل على **نقاط** في كل مجال، ويُحسب مجموع النقاط. النتائج تُنشر علناً (على موقع الاتحاد الأوروبي أو الناتو) مع ترتيب الدول.
هذا النوع من “التسمية والتشهير” (name and shame) فعال جداً في دفع الحكومات للتحسين. لا أحد يريد أن يكون في أسفل القائمة.
التوصية السادسة: مبدأ “النتائج لا الإنفاق”
المعيار النهائي للنجاح يجب أن يكون **النتائج العسكرية الفعلية**، لا حجم الإنفاق. دولة تنفق 3% من ناتجها لكن لا تنتج قدرة قتالية (بسبب الفساد، سوء الإدارة، أو شراء متشتت) يجب ألا تُكافأ.
المؤشرات الحقيقية: – كم لواء جاهز للنشر خلال 30 يوماً؟ – كم يوم من القتال يمكن الاستمرار بالمخزون الحالي؟ – كم من الوقت يستغرق تحريك لواء من ألمانيا إلى بولندا؟ – كم نسبة المعدات الجاهزة والقابلة للتشغيل؟
هذه المؤشرات يجب أن تكون شفافة، مُدققة من جهات مستقلة، ومرتبطة بالتمويل والمكافآت السياسية.
الخلاصة: أوروبا في مفترق طرق—الوقت ينفد
أوروبا تقف اليوم في لحظة تاريخية فارقة. للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، الأمن الأوروبي مهدد بشكل مباشر ووجودي. روسيا أثبتت أنها مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها. الولايات المتحدة، الضامن التقليدي للأمن الأوروبي، أصبحت أقل قابلية للتوقع والاعتماد. الصين تنمو كقوة عالمية تُنافس أمريكا، ما يعني أن الموارد والاهتمام الأمريكي سينصرف تدريجياً نحو المحيط الهادئ.
في هذا السياق، السؤال ليس “هل يجب على أوروبا أن تدافع عن نفسها؟” بل “**كيف**؟”، و”**بأي سرعة**؟”
هذه الورقة قدمت إطاراً تحليلياً وتنفيذياً شاملاً لمعالجة التحدي. الأرقام واضحة: الفجوة كبيرة، لكنها ليست مستحيلة. أوروبا تملك الموارد الاقتصادية (ناتج محلي إجمالي يقارب 15 تريليون يورو)، والقاعدة الصناعية (واحدة من أقوى في العالم)، والمواهب البشرية (جامعات ممتازة، قوة عاملة ماهرة). ما ينقص هو **الإرادة السياسية**، **التنسيق**، و**السرعة في التنفيذ**.
الدروس الواضحة من هذا التحليل:
**أولاً، الإنفاق وحده لا يكفي.** أوروبا يمكنها إنفاق 500 مليار يورو سنوياً ولا تنتج ردع فعال إذا بقي الإنفاق متشتتاً ومكرراً وغير منسق. الكفاءة أهم من الحجم.
**ثانياً، الذخائر والجاهزية والحركية هي القلب.** هذه هي العناصر التي تحدد القدرة على الصمود في الأيام الأولى من أي صراع محتمل. كل التخطيط الاستراتيجي الجميل لن ينفع إذا نفدت الذخائر بعد أسبوعين، أو إذا كانت الألوية غير جاهزة، أو إذا استغرق تحريك القوات أسابيع.
**ثالثاً، التقييس والتكامل يحققان وفورات هائلة.** أوروبا تُهدر عشرات المليارات سنوياً بسبب التشتت. التقييس ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
**رابعاً، الوقت ضدنا.** بناء قدرة دفاعية فعالة يحتاج سنوات. الصناعة تحتاج وقتاً للتوسع، والجنود يحتاجون وقتاً للتدريب، والبنية التحتية تحتاج وقتاً للترقية. كل سنة تأخير تعني سنة إضافية من الضعف، وسنة إضافية قد تُغري خصماً محتملاً بالمغامرة.
**خامساً، الاستقلال النسبي، لا الاستقلال الكامل.** أوروبا لا تحتاج—ولا تستطيع—بناء قدرة تعادل الولايات المتحدة. لكنها تحتاج قدرة كافية لـ**منع** عدوان ناجح في الأيام والأسابيع الأولى، بحيث لا يتحول أي هجوم إلى أمر واقع قبل أن يتدخل الحلفاء.
أوروبا استيقظت متأخرة، لكنها استيقظت. الإنفاق يرتفع، الصناعة تتوسع، والإرادة السياسية تتعزز. لكن الاستيقاظ وحده لا يكفي—يجب التحرك بذكاء وسرعة. الخطة موجودة، الموارد متاحة، والحاجة واضحة. الآن يأتي الجزء الأصعب: **التنفيذ**.
التاريخ سيحكم على هذا الجيل من القادة الأوروبيين بمدى نجاحهم في بناء دفاع قادر على حماية 450 مليون أوروبي في عالم أصبح أكثر خطورة وأقل قابلية للتوقع. الفشل ليس خياراً، لأن ثمنه قد يكون أمن القارة بأكملها.
المراجع الكاملة والموثقة
مراجع أساسية
- Burilkov, A., & Wolff, G. B. (2025). **Defending Europe without the US: first estimates of what is needed.** Bruegel Analysis, 21 February 2025. https://www.bruegel.org/analysis/defending-europe-without-us-first-estimates-what-needed
- Schelling, T. C. (1966). **Arms and Influence.** Yale University Press.
- Snyder, G. H. (1961). **Deterrence and Defense: Toward a Theory of National Security.** Princeton University Press.
- Olson, M., & Zeckhauser, R. (1966). **An Economic Theory of Alliances.** Review of Economics and Statistics, 48(3), 266–279.
- Sandler, T., & Hartley, K. (1999). **The Political Economy of NATO: Past, Present, and into the 21st Century.** Cambridge University Press.
مراجع حول السياسة الأوروبية والاستقلال الاستراتيجي
- Howorth, J. (2014). **Security and Defence Policy in the European Union.** Palgrave Macmillan.
- Biscop, S. (2019). **European Strategy in the 21st Century: New Future for Old Power.** Routledge.
- Council of the European Union. (2022). **A Strategic Compass for Security and Defence.** Official Documents, Brussels.
- Hartley, K. (2011). **The Economics of Defence Policy: A New Perspective.** Routledge.
- van Creveld, M. (1977). **Supplying War: Logistics from Wallenstein to Patton.** Cambridge University Press.
تقارير مؤسسات رسمية 2024-2026
- European Defence Agency. (2024). **Defence Data 2023-2024: Key Findings and Analysis.** EDA Publications, Brussels.
- European Defence Agency. (2025). **European Defence Matters: Issue 25.** Special Issue on Defence Industrial Base, Brussels.
- European Commission. (2025). **European Defence Industry Programme (EDIP): Implementation Report 2024-2025.** Brussels.
- European Court of Auditors. (2025). **Special Report: Military Mobility in the EU—Progress and Challenges.** Luxembourg, February 2025.
- European Commission. (2025). **Military Mobility Package 2025.** COM(2025) 891 final, Brussels, November 2025.
تقارير الناتو
- NATO. (2025). **Defence Expenditure of NATO Countries (2015-2025).** NATO Public Diplomacy Division, Brussels, June 2025.
- NATO. (2025). **The Secretary General’s Annual Report 2024.** Brussels, March 2025.
تقارير مراكز أبحاث دولية
- International Institute for Strategic Studies (IISS). (2025). **Defending Europe Without the United States: The Costs and Consequences.** IISS Analysis, London, May 2025.
- Carnegie Endowment for International Peace. (2025). **Europe’s Defense Industrial Renaissance: Progress, Pitfalls, and Prospects.** Washington DC, April 2025.
- Atlantic Council. (2025). **Enhancing Land Military Mobility in Europe: Advocating a Pragmatic Approach.** Atlantic Council Report, Washington DC, December 2025.
- International Centre for Defence and Security (ICDS). (2025). **NATO’s Eastern Flank: Readiness, Deterrence, and the New Security Environment.** Tallinn, March 2025.
- Bruegel. (2024). **European defence spending: the need for better measurement.** Bruegel Policy Brief, Brussels, 14 November 2024.
مصادر حول الصناعة الدفاعية
- AeroSpace and Defence Industries Association of Europe (ASD). (2025). **Facts and Figures 2025: The European Aerospace and Defence Industry.** Brussels.
- World Bank Group. (2025). **Global Economic Prospects January 2025.** Washington DC.
- Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). (2025). **SIPRI Military Expenditure Database 2024.** Stockholm.
مقالات صحفية وتحليلات إعلامية
- France 24. (2025). **Germany’s defense orders doubled, but output rose by just 25%.** 19 February 2025. https://www.france24.com
- Politico Europe. (2025). **How Europe plans to spend its way to defense independence.** Multiple articles, January-February 2025.
- Financial Times. (2025). **Europe’s €150bn defense fund splits the bloc.** 15 January 2025.
- The Economist. (2025). **Can Europe defend itself without America? A special report.** 8 February 2025.
وثائق رسمية أوروبية
- European Parliament. (2025). **Resolution on European Defence Industrial Strategy.** P9_TA(2025)0042, Strasbourg, February 2025.
- Council of the European Union. (2025). **Council Decision on multimodal priority corridors for military mobility.** Official Journal of the EU, L 89/15, March 2025.
- European Commission. (2024). **Act in Support of Ammunition Production (ASAP): Final Report.** COM(2024) 789, Brussels.
أمن دولي



