التحولات الجوهرية في المقاربة التركية حيال الملف السوري
من سياسة حسن الجوار إلى إعادة صياغة المفاهيم الأمنية والإقليمية (2011–2026)
ورقة تحليلية معمّقة — نسخة قابلة للنشر في مراكز الدراسات
ملخص تمهيدي
تُظهر المقاربة التركية تجاه سوريا منذ 2011 انتقالاً من نموذج «حسن الجوار» القائم على الانفتاح الاقتصادي وتصفير المشكلات إلى نموذج أمن قومي نشط يتأسس على الردع الاستباقي، وإدارة مناطق النفوذ، وصياغة ترتيبات حدودية وظيفية تتجاوز أدوات الدبلوماسية التقليدية. لم يكن هذا التحول مجرد رد فعل على تطورات ميدانية متعاقبة، بل مساراً تراكمياً أعاد تعريف التهديد في العقل الاستراتيجي التركي، وحوّل سوريا إلى ملف يُدار بمنطق «الأمن الممتد» حيث تتداخل حدود الدولة مع حدود النفوذ.
وتجادل الورقة بأن التحول التركي تحكمه ثلاثة محركات مترابطة: (1) تهديدات عابرة للحدود تركزت في المسألة الكردية وتنظيمات العنف الجهادي، (2) إعادة توزيع القوة في سوريا بفعل التدخل الروسي وتمدد نفوذ إيران وتبدل التموضع الأمريكي، (3) كلفة داخلية متصاعدة تمثلت في اللجوء والضغط السياسي وتحول الشمال السوري إلى فضاء متداخل اقتصادياً وخدمياً مع الولايات الحدودية التركية. وبهذا المعنى، تحولت أنقرة من السعي إلى «تغيير سياسي» في دمشق إلى السعي إلى «تصميم بيئة أمنية» على امتداد الحدود، مع قابلية عالية للانتقال بين الردع والتسوية وفق ميزان القوى ومقتضيات الداخل.
الكلمات المفتاحية: تركيا، سوريا، الأمن القومي، الواقعية الدفاعية، الردع الاستباقي، إدارة مناطق النفوذ، قسد، إعادة الإعمار، اللاجئون، التفاهمات التركية-الروسية.
إشكالية الورقة
تتمثل الإشكالية المركزية في تفسير الكيفية التي انتقلت بها تركيا من خطاب سياسي-قيمي داعم للتحول في سوريا إلى خطاب أمني-واقعي يؤسس لتدخل مباشر وترتيبات نفوذ طويلة الأمد. وتطرح الورقة سؤالين متفرعين: كيف أعاد الملف السوري تعريف مفهوم التهديد لدى أنقرة؟ وإلى أي مدى باتت «الترتيبات الأمنية» في الشمال السوري جزءاً من تصور تركي أوسع للنظام الإقليمي ما بعد 2011؟
المنهج وحدود التحليل
تعتمد الورقة مقاربة متعددة المستويات: تحليل تاريخي-مؤسسي لتراكمات الحدود والمياه وملف حزب العمال الكردستاني، وتحليل واقعي للسلوك الاستراتيجي بوصفه استجابة لتهديدات إدراكية لا مادية فقط، وتحليل اقتصاد سياسي يربط الأمن بالكلفة الداخلية والاندماج الخدمي والاقتصادي عبر الحدود. وتتجنب الورقة اختزال السياسة التركية في نوايا ثابتة؛ إذ تفترض أن أنقرة تنتقل بين «الردع» و«التسوية» وفق بنية الفرص والقيود، خصوصاً مع تداخل الفاعلين الدوليين وتبدل خرائط السيطرة.
1:1 مقدمة تحليلية
مثّلت الانتفاضة السورية في ربيع 2011 اختباراً قاسياً لفكرة «تصفير المشكلات» التي سعت أنقرة إلى ترسيخها في العقد السابق، حين بدا أن الجوار القريب يمكن تحويله إلى عمق اقتصادي وسياسي يرفع مكانة تركيا الإقليمية. غير أن التحول السريع من احتجاجات إلى صراع مسلح، ثم إلى مسرح تنافس دولي متعدد الطبقات، أعاد تعريف سوريا في المخيال التركي من «جار قابل للشراكة» إلى «حافة أمنية» ذات قابلية عالية لإنتاج تهديدات بنيوية.
ومع اتساع الفوضى وتعدد الفاعلين من تنظيمات جهادية إلى قوى كردية مسلحة إلى تدخلات دولية مباشرة، أصبحت سوريا ساحة تُختبر فيها قدرة تركيا على الجمع بين ثلاثة أنماط متزامنة من السلوك: ردع الحدود، وإدارة النفوذ، والمناورة الدبلوماسية مع القوى الكبرى. ولذلك فإن التحولات التركية لا تُقرأ بوصفها استجابات ظرفية متفرقة، بل كمسار تراكمي أعاد صياغة مفاهيم الأمن والإقليم والدولة المجاورة داخل عقيدة السياسة الخارجية التركية.
2:1 الجذور التاريخية للعلاقات التركية–السورية وإشكاليات الحدود
لم تتأسس الحدود التركية–السورية على تطور طبيعي لعلاقات جوار مستقرة، بل تشكّلت في سياق ترتيبات دولية أغلقت فضاءً جغرافياً كان متداخلاً إدارياً واقتصادياً واجتماعياً على امتداد قرون. لذا بقيت الحدود، بوصفها فكرة وسياسة، حاضرة في الإدراك الأمني المتبادل: من ملف لواء الإسكندرون/هاتاي وما خلّفه من أثر رمزي في الوعي السوري، إلى توترات تقاسم مياه الفرات في ظل مشاريع السدود والري التركية، وصولاً إلى توظيف دمشق ورقة حزب العمال الكردستاني في الثمانينيات والتسعينيات كأداة ضغط.
أفضت اتفاقية أضنة (1998) إلى تهدئة أمنية مؤسِّسة: التزام سوري بمنع النشاط المعادي لتركيا انطلاقاً من الأراضي السورية. وقد أتاحت هذه التهدئة لاحقاً تقارب العقد الأول من الألفية، حيث تزاوجت المصالح الاقتصادية مع خطاب سياسي عن حسن الجوار. غير أن هذا التقارب بقي هشاً من الناحية البنيوية لأنه لم يلغِ «ذاكرة التهديد»، بل علّقها مؤقتاً تحت مظلة تفاهمات ظرفية.
حين اندلعت الأزمة السورية، عادت هذه الذاكرة لتعمل كعدسة تفسير: الفراغ الأمني شمال سوريا لم يُقرأ في أنقرة كأزمة داخلية سورية فحسب، بل كاحتمال عودة «مسرح تهديد» على امتداد الحدود، حيث تصبح التنظيمات المسلحة والاقتصادات غير الرسمية والتهريب أدوات لإنتاج عدم الاستقرار داخل تركيا نفسها. بهذا المعنى، جاء 2011 بوصفه لحظة أعادت وصل الحاضر بماضٍ أمني لم يُغلق بالكامل.
3:1 البعد الأمني ومنطق الواقعية في الاستراتيجية التركية تجاه الأزمة السورية
يندرج السلوك التركي ضمن واقعية دفاعية ترى أن الأولوية هي حماية البقاء ومنع تحول البيئة الحدودية إلى مصدر تهديد دائم. وقد ساهم تفكك الدولة السورية في توليد تهديدات مركّبة لا تختزل في «عدو واحد»: تنظيم الدولة الإسلامية مثّل تهديداً أمنياً مباشراً عبر هجمات داخل تركيا، لكن صعود وحدات حماية الشعب ثم «قسد» بدعم أمريكي أعاد تشكيل التهديد بوصفه تهديداً بنيوياً متصلًا بالمسألة الكردية، وبفكرة قيام كيان مسلح شبه دولتي على الحدود الجنوبية.
في الإدراك التركي، لا يتعلق الأمر بمجرد تموضع عسكري لقوة محلية، بل بتشكّل «عمق استراتيجي» قد يربط بين الساحات السورية والعراقية ويمنح حزب العمال الكردستاني قدرة على التموضع والتجنيد والتمويل والعبور. ولهذا ظهر مفهوم «الأمن الوقائي الاستباقي» بوصفه ترجمة عملية: نقل خطوط المواجهة خارج الحدود، وخلق مناطق عازلة، وإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية بحيث لا يسمح بتشكل ممرات تهديد مستقرة.
تزامن ذلك مع تدخل روسي مباشر (2015) وتمدد إيراني على الأرض، ما فرض على أنقرة نوعاً من البراغماتية الصلبة: التعامل مع موسكو كفاعل حاسم لإدارة إدلب ومناطق النفوذ، والتعامل مع واشنطن بوصفها شريكاً في مكافحة داعش لكن خصماً في ملف قسد. ومن ثم أصبحت السياسة التركية مزيجاً من استخدام القوة المحدودة وتوظيف التفاهمات المرحلية، بحيث تعمل أنقرة على منع أسوأ السيناريوهات حتى حين يتعذر تحقيق «الحل المثالي».
شكلت العمليات العسكرية المتعاقبة منذ 2016 بنية هذا التحول: لم تُقدَّم كحروب توسع، بل كأدوات لإعادة إنتاج توازن قسري يمنع قيام كيان معادٍ مستقر على الحدود. كما عزز استخدام الطائرات المسيّرة والتنسيق مع فاعلين محليين قدرة أنقرة على تقليل كلفة التدخل مقارنة بالعمليات التقليدية، وهو ما جعل «الخيار العسكري المحدود» أكثر قابلية للاستمرار.
4:1 البعد الاقتصادي والاقتصاد السياسي للأمن
لا يمكن فصل البعد الاقتصادي عن المنطق الأمني. فالأزمة السورية ضربت حزاماً اقتصادياً حدودياً تركياً كان يعتمد على تجارة مع سوريا وعلى حركة بشرية كثيفة. كما أن موجات اللجوء شكلت كلفة مركبة: مالية وخدمية وسياسية، وأعادت توزيع التوازنات داخل المدن التركية الكبرى. وفي المقابل، أدى تثبيت مناطق نفوذ في الشمال السوري إلى بروز نمط من الاندماج الوظيفي: شبكات كهرباء وخدمات واتصالات ومعابر وتعاملات نقدية، بما خلق تبعية اقتصادية تقلل احتمالات الانهيار الأمني المفاجئ لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف مسؤولية أنقرة تجاه إدارة الواقع.
هنا يظهر مفهوم «اقتصاد الأمن» بوضوح: الاستقرار النسبي في الشمال السوري يخفف ضغط الهجرة ويقلص احتمالات تمدد تنظيمات معادية، لكنه يتطلب إنفاقاً وإدارة وتنسيقاً مع فاعلين محليين ودوليين. ومن ثم، تتحول إعادة الإعمار من ملف إنساني أو اقتصادي محض إلى أداة ضمن استراتيجية النفوذ: المشاركة في إعادة البناء تمنح نفوذاً، لكنها أيضاً تعني تحمل جزء من كلفة الاستدامة.
إلى جانب ذلك، ظل البعد البنائي/الهوياتي حاضراً في خطاب النخبة التركية عبر استدعاء «العمق الاستراتيجي» ورمزية الجوار التاريخي، إلا أن هذا البعد لم يعد محركاً مستقلاً بقدر ما صار إطاراً يمنح السياسة الأمنية شرعية سردية: حماية الحدود بوصفها حماية للمجال الحيوي.
5:1 ملف قوات سوريا الديمقراطية والتحول بين الردع والتسوية
كان صعود قسد منذ 2014 نقطة انعطاف في معادلة الشمال السوري، لأنه حوّل الفاعل الكردي من قوة محلية إلى شريك دولي في مكافحة داعش، ومن ثم إلى طرف يمتلك موارد وتسليحاً وشبكات حكم محلي. هذا التحول جعل تركيا أمام مفارقة: التحالف الغربي مع قسد خفف عبء داعش على الجميع، لكنه في الوقت ذاته أنتج تهديداً تركياً إدراكياً أشد استدامة.
في مرحلة التحولات السياسية اللاحقة، دخلت المسألة الكردية طوراً جديداً: لم تعد المشكلة وجود «قوة خارج الدولة» فحسب، بل إمكان تحويل هذه القوة إلى صيغة داخل الدولة عبر الدمج أو التفكيك. ترحيب أنقرة بأي ترتيبات دمج كان دائماً مشروطاً بمعيارين عمليين: إنهاء الاستقلالية المسلحة، وقطع الصلة التنظيمية واللوجستية مع حزب العمال الكردستاني. وحين يتعثر التنفيذ، يميل المنطق التركي إلى إعادة تفعيل الردع، لأن التأخير يُقرأ بوصفه شراء وقت لتثبيت واقع دائم.
في هذا السياق، تتحول التسوية إلى اختبار للقدرة المؤسساتية للدولة السورية: احتكار استخدام القوة، وبناء جهاز أمني موحد، وإدارة التنوع المحلي دون إنتاج كيانات موازية. وبقدر ما ينجح المركز السوري في ذلك، تصبح علاقة أنقرة بدمشق أقرب إلى شراكة أمنية تستبدل منطق التدخل بمنطق الضمانات. أما الفشل، فيُعيد المنطقة إلى اقتصاديات السلاح ودوائر العنف.
6:1 مرحلة ما بعد الصراع: إعادة تعريف العلاقة ومعايير التطبيع الأمني
تطرح مرحلة ما بعد الصراع تحدياً مختلفاً لتركيا: الانتقال من إدارة «فراغ» إلى التعامل مع «مركز سياسي ناشئ». وهنا يصبح التطبيع الأمني مرتبطاً بمعايير قابلة للقياس: سيادة فعلية على الحدود، إدارة موحدة للمعابر، تفكيك ازدواجية السلاح، ومسار واضح لعودة طوعية وآمنة للاجئين. كل معيار من هذه المعايير يمس الداخل التركي مباشرة، ولهذا يتقدم في سلّم الأولويات.
وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى بوابة إقليمية لإعادة الاندماج وإطلاق مسارات الاستثمار. تمنح هذه الحاجة تركيا هامش تأثير واسع، لكنها تضعها أيضاً أمام مسؤولية عدم تحويل النفوذ إلى عبء طويل الأمد. فالترتيبات الأمنية التي تُبنى على القوة وحدها قد تنجح مرحلياً، لكنها تظل هشة إن لم تُترجم إلى مؤسسات وشرعية محلية وإدارة خدمات قابلة للاستدامة.
7:1 تقدير المخاطر والفرص (2026–2028)
يتوقف مستقبل المقاربة التركية على مزيج من العوامل: مسار بناء الدولة السورية، التموضع الأمريكي والروسي، ديناميات الفاعل الكردي، وتوازنات الداخل التركي. ويمكن تلخيص المخاطر في ثلاثة مستويات: مخاطر أمنية (عودة خلايا داعش أو تفلت جماعات مسلحة)، ومخاطر سياسية (تحول الشمال السوري إلى ملف استقطاب داخلي تركي دائم)، ومخاطر اقتصادية (تكلفة الاستدامة في مناطق النفوذ وملف اللاجئين). في المقابل، تبرز فرص ترتبط بإمكان تحويل النفوذ إلى شراكة حدودية، وفتح مسارات إعادة إعمار تمنح أنقرة دوراً اقتصادياً وتخفف الضغط الداخلي عبر عودة تدريجية ومنظمة.
7:1:1 السيناريو المعتدل: تسوية أمنية تدريجية
يتجه هذا السيناريو إلى تثبيت ترتيبات حدودية بالتفاهم مع دمشق والقوى الدولية، مع خطوات تدريجية نحو توحيد المعابر وإدارة مشتركة للملفات الأمنية الحساسة، مقابل تخفيف تدريجي للتدخل المباشر. ويفترض هذا المسار قدرة دمشق على بناء مؤسسات أمنية، ووجود ضمانات تمنع عودة الكيانات المسلحة المستقلة على الحدود.
7:1:2 السيناريو السلبي: تجدد دوائر الصراع وتآكل الضبط
يتحقق هذا السيناريو إذا تعثرت عملية بناء الدولة واستمرت ازدواجية السلاح، أو إذا أعادت القوى الكبرى تدوير الصراع بوصفه أداة نفوذ. عندئذٍ تميل أنقرة إلى توسيع الردع وإدامة مناطق النفوذ، لكن بتكلفة أعلى واحتمالات احتكاك أكبر مع فاعلين محليين ودوليين، ومع ضغط داخلي متزايد حول ملف اللجوء والإنفاق.
7:1:3 السيناريو الإيجابي: شراكة حدودية وإعادة إعمار
يتطلب هذا السيناريو تلاقي ثلاثة شروط: مسار سياسي مستقر في دمشق، ترتيبات دمج أو تفكيك واضحة للقوى المسلحة الخارجة عن الدولة، وتوافق دولي يفتح باب الاستثمار وإعادة الإعمار. في هذه الحالة، تتحول المقاربة التركية من إدارة التهديد إلى إدارة الفرص: التجارة العابرة للحدود تعود بشكل منظم، واللاجئون يعودون تدريجياً، ويصبح الشمال السوري مجالاً للتكامل الاقتصادي بدلاً من كونه حزاماً أمنياً عالي الكلفة.
7:1:4 مؤشرات المتابعة المبكرة
ترجح التسوية عندما تظهر مؤشرات عملية على توحيد الأجهزة الأمنية وإدارة المعابر، وخطوات قابلة للتحقق في ملف دمج القوى المسلحة أو تفكيكها، وتراجع الحوادث الحدودية، وبدء مشاريع خدماتية مستقرة. وترجح العودة للتصعيد عندما تتزايد هجمات متقطعة، أو تتعثر ترتيبات الدمج، أو تتغير قواعد انتشار القوات الأجنبية، أو يرتفع منسوب الاستقطاب الداخلي التركي حول سوريا واللاجئين.
8:1 توصيات واستنتاجات
أولاً، تُظهر الخبرة الممتدة منذ 2011 أن «الأمن» لا يُدار بالعمليات العسكرية وحدها، بل ببناء ترتيبات مؤسساتية قابلة للاستمرار. وعليه، فإن أي انتقال تركي من نموذج التدخل إلى نموذج الشراكة ينبغي أن يرتكز على معايير تحقق: إدارة موحدة للمعابر، تفكيك ازدواجية السلاح، وتعاون استخباري منضبط يحول دون عودة التنظيمات العابرة للحدود.
ثانياً، ينبغي التعامل مع ملف قسد بوصفه ملفاً بنيوياً لا تكتيكياً: المعالجة المستدامة تتطلب ربط أي صيغة دمج بضمانات سيادية سورية وبترتيبات تمنع إعادة إنتاج الاستقلالية المسلحة. فالتأجيل في هذا الملف يراكم فرص الانفجار، ويُبقي السياسة التركية أسيرة «الاستثناء الأمني».
ثالثاً، في البعد الاقتصادي، لا بد من تحويل الاندماج الخدمي في الشمال السوري من ارتباطات ظرفية إلى أطر حوكمة محلية وتخطيط، لأن الاستدامة هي ما يحول النفوذ إلى مكسب طويل الأمد. كما أن الربط بين إعادة الإعمار وعودة اللاجئين يحتاج إلى مسار قانوني وأمني واضح يوازن بين متطلبات الأمن والاعتبارات الإنسانية.
وأخيراً، تُظهر التحولات التركية أن أنقرة أعادت تعريف مفاهيمها الإقليمية من «حسن الجوار» إلى «الأمن الممتد». غير أن اختبار 2026 وما بعده هو: هل يمكن تحويل الأمن الممتد إلى شراكة ممتدة، بحيث لا تبقى سوريا ملفاً أمنياً دائماً في الداخل التركي، بل تتحول تدريجياً إلى مجال استقرار وتكامل؟ الإجابة ستتحدد بمدى قدرة سوريا على بناء دولة مركزية، وبمدى استعداد القوى الكبرى لإنهاء توظيف الساحة السورية كأداة نفوذ.
المراجع المختارة
- Davutoğlu, A. (2001). Stratejik Derinlik: Türkiye’nin Uluslararası Konumu. İstanbul.
- Perthes, V. (1995). The Political Economy of Syria Under Asad. London: I.B. Tauris.
- Walt, S. M. (1987). The Origins of Alliances. Ithaca: Cornell University Press.
- Waltz, K. N. (1979). Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley.
- Carnegie Endowment for International Peace. (2017). Turkey’s Evolving Syria Strategy. Washington, DC.
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (2020). تقرير اللاجئين السوريين في تركيا: الأوضاع والتحديات. جنيف.
- اتفاقية أضنة الأمنية بين تركيا وسوريا. (1998). أرشيفات رسمية.
- وزارة الاقتصاد التركية. (2010). إحصائيات التجارة الخارجية التركية–السورية (2003–2010).
أمن دولي




