كيف تكسب روسيا حربًا لم تدخلها؟
إعادة توزيع العائد والنفوذ في الشرق الأوسط
الحرب على إيران لا تمنح موسكو نصرًا مجانيًا، لكنها تتيح لها تحويل الاضطراب الإقليمي إلى مكاسب نسبية في الطاقة، وأولويات القوة الأميركية، ومساحات الحركة الدبلوماسية؛ غير أن هذه المكاسب تظل محكومة بحدود الاقتصاد الروسي، وضغط الجبهة الأوكرانية، وصعوبة تحويل الفرصة الظرفية إلى مكسب استراتيجي دائم.
تقدير موقف معمّق | نيسان/أبريل 2026
|
ملخص تنفيذي
لا تكسب روسيا هذه الحرب لأنها شاركت فيها، بل لأنها أحسنت تموضعها خارجها. فالاشتباك الأميركي ـ الإسرائيلي مع إيران أعاد توزيع الانتباه والموارد والوقت على نحو يصب، نسبيًا، في المصلحة الروسية. أول مكسب لموسكو هو أن الشرق الأوسط عاد ليزاحم أوكرانيا على سلّم الأولويات الغربية؛ وهذا لا يعني تخلي الغرب عن كييف، لكنه يعني ارتفاع كلفة استمرار الدعم العسكري لها، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة. وثاني المكاسب أن الحرب رفعت أسعار الطاقة والأسمدة، وفتحت لروسيا هامشًا ماليًا وتجاريًا أوسع، كما دفعت بعض الأسواق إلى زيادة الاعتماد على الإمدادات الروسية أو البحث عنها باعتبارها بديلًا متاحًا في لحظة اضطراب شديد. وثالثها أن موسكو استطاعت أن تعرض نفسها طرفًا لازمًا في إدارة الأزمة، سواء عبر خطاب الوساطة، أو عبر طرحها القديم المتعلق باليورانيوم الإيراني، أو عبر تقديم نفسها لشركائها الآسيويين بوصفها موردًا قادرًا على تخفيف صدمة الطاقة.
لكن هذه المكاسب ليست مطلقة، ولا ينبغي تضخيمها. فروسيا لا تملك أن تحوّل كل ارتفاع في الأسعار إلى ربح صافٍ، لأن بنيتها التحتية الطاقوية تتعرض أصلًا لضغوط الحرب والعقوبات والاختناقات اللوجستية. كما أن موسكو ليست في وضع يسمح لها بتحويل الأزمة الإيرانية إلى سوق سلاح مفتوحة لها، لأن مجمعها الصناعي العسكري يعمل تحت ضغط الجبهة الأوكرانية أولًا. وفوق ذلك، فإن أي انكماش عالمي حاد يطول أمده يمكن أن يتحول، في مرحلة لاحقة، من عامل دعم للأسعار إلى عامل كبح للطلب على الطاقة، بما يحد من عوائد موسكو. لذلك فالتقدير الأدق هو أن روسيا تربح من الحرب بوصفها مستفيدًا من إعادة توزيع الأكلاف والاهتمامات، لا بوصفها صانعًا مباشرًا لنتائجها.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستفيد روسيا؟ بل: ما سقف هذه الاستفادة، وما شروط تحويلها من مكسب ظرفي إلى مكسب بنيوي؟ الجواب الراجح هو أن موسكو ستظل قادرة على حصد مكاسب معتبرة ما دامت الأزمة ممتدة، والتهدئة جزئية، وهرمز مضطربًا، والولايات المتحدة موزعة بين مسارح متعددة. أما إذا اتجهت الأزمة إلى تسوية أسرع، أو إلى ترتيبات مستقرة للملاحة والطاقة، فإن الجزء الأكبر من الفائدة الروسية سيتآكل سريعًا، لتعود القيود الأصلية للاقتصاد الروسي وللحرب في أوكرانيا إلى الواجهة من جديد.
سؤال التقدير
إلى أي مدى تستطيع روسيا تحويل الحرب في الشرق الأوسط، رغم أنها لم تدخلها مباشرة، إلى مكاسب استراتيجية في ملفات الطاقة، وأولويات القوة الأميركية، والنفوذ الدبلوماسي؛ وما الحدود التي قد تمنع هذه المكاسب من التحول إلى رصيد طويل الأمد؟
التقدير المختصر
الأرجح أن روسيا تكسب من هذه الحرب على نحو غير مباشر، ولكن فعلي. فهي تستفيد من ثلاثة تحولات متوازية: استنزاف جزء من المخزون الغربي من الدفاعات والذخائر المتقدمة، وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة وما يتيحه من متنفس مالي وتجاري، وعودة الحاجة إلى دور وسيط أو مزوّد أو شريك لا يمكن تجاهله في لحظة اضطراب دولي حاد. غير أن مكسبها يبقى نسبيًا، لأن موسكو لا تتحكم بمسار الأزمة، ولا تضمن استمرار الأسعار المرتفعة، ولا تملك قدرة صناعية وعسكرية تسمح لها بحصد كامل العائد الذي توحي به الفوضى. لذلك فإنها تربح، نعم، لكن ضمن معادلة دقيقة: كلما طال أمد الأزمة من دون انفجار شامل أو تسوية سريعة، اتسعت مكاسبها؛ وكلما انزلقت المنطقة إلى فوضى أوسع أو عادت إلى تهدئة مستقرة، تقلصت قيمة هذه المكاسب أو انقلب بعضها عليها.
أولًا: الحرب التي أعادت ترتيب الأولويات الأميركية
أهم ما منحته هذه الحرب لروسيا ليس برميلًا إضافيًا من النفط ولا صفقة سياسية جاهزة، بل شيئًا أكثر قيمة: الوقت. فالحرب في أوكرانيا كانت، حتى وقت قريب، الساحة التي تستنزف اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها ومواردهم الرمزية والعسكرية. أما الآن، فقد عاد الشرق الأوسط ليطالب بنصيبه الكبير من الانتباه السياسي، ومن المخزون التسليحي، ومن القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط. هذه ليست مسألة إعلامية أو انطباعية، بل مسألة موارد وتحديد أولويات. فكل منظومة دفاع جوي تُسحب أو يُعاد تخصيصها، وكل شحنة صواريخ اعتراضية يعاد توجيهها، وكل يوم تقضيه واشنطن في إدارة ممرات الطاقة والردع البحري، هو في الجوهر يوم لا يخصص بالكامل للجبهة الأوكرانية.[1][2]
وتبدو هذه النقطة أكثر وضوحًا في ملف الدفاع الجوي تحديدًا. فـ«باتريوت» ليس نظامًا يمكن تعويض صواريخه بسهولة أو بسرعة، والإنتاج السنوي لمقذوفاته ظل، بحسب تقديرات نقلتها رويترز، أقل من مجموع حاجات الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج وأوكرانيا معًا.[1] وقد حذرت تقارير لاحقة من أن البنتاغون بحث بالفعل في إمكان إعادة توجيه بعض الأسلحة المخصصة لكييف إلى الشرق الأوسط، حتى وإن استمرت قنوات توريد أخرى إلى أوكرانيا عبر ترتيبات أطلسية قائمة.[2] ومعنى ذلك أن روسيا لا تحتاج إلى انتصار ميداني مباشر كي تستفيد؛ يكفيها أن يصبح خصمها مضطرًا إلى توزيع موارده على أكثر من جبهة ساخنة في وقت واحد.
هنا بالتحديد يظهر معنى «الربح غير المباشر». فروسيا لا تكسب فقط مما يدخل خزينتها، بل مما يُحرم منه خصمها أو يتأخر عنه. وإذا كانت أوكرانيا قد بنت جزءًا مهمًا من قدرتها الدفاعية على المظلة الغربية، فإن أي تباطؤ أو ضغط إضافي على هذه المظلة ينعكس فورًا على حسابات كييف في الصمود، وحماية المدن، وتأمين البنية التحتية، وإدارة الجبهة في مواجهة موجات القصف الروسية المتكررة. ولا ينبغي فهم ذلك على أنه انهيار غربي وشيك في دعم أوكرانيا؛ الأدق أن نقول إن الحرب في الشرق الأوسط رفعت كلفة الاستمرار بالمستوى نفسه من الدعم، ووسعت هامش المناورة الروسي في حرب الاستنزاف الطويلة.
ويزيد من أهمية هذا العامل أن الشرق الأوسط لا يستهلك الانتباه الأميركي وحده، بل يستهلك نوعية معينة من الموارد يصعب تعويضها سريعًا: أنظمة الدفاع الجوي، والقدرات البحرية، والذخائر الدقيقة، وسلاسل الإمداد المرتبطة بها. وقد أظهرت الحرب أيضًا كيف يمكن للطائرات المسيّرة الرخيصة، حين تستخدم بكثافة، أن تستنزف صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، وهو درسٌ يهم موسكو بقدر ما يهم خصومها.[3] فكلما ثبت أن الدفاع ضد أسراب المسيرات يظل مكلفًا وغير متناسب من حيث السعر، بقيت لدى روسيا أفضلية نسبية في حرب الاستنزاف، سواء في أوكرانيا أو في أي ساحة تقيس فيها القوى الغربية حساباتها المادية قبل السياسية.
«المكسب الأول لروسيا ليس ما حصلت عليه مباشرة، بل ما فُرض على خصومها أن يقتطعوه من جبهة أخرى».
|
ثانيًا: ارتفاع الأسعار… مكسب حقيقي، لكنه ليس بلا سقف
من السهل القول إن موسكو تربح لأن أسعار النفط والغاز ترتفع كلما اهتز الشرق الأوسط. وهذا صحيح، لكنه صحيح بقدرٍ يحتاج إلى تدقيق. فروسيا، بوصفها مصدرًا كبيرًا للطاقة، تستفيد بلا شك من كل ارتفاع يوسع هوامش الإيرادات أو يحسن شروط التفاوض مع المشترين. وقد رفع صندوق النقد الدولي بالفعل توقعه لنمو الاقتصاد الروسي هذا العام إلى 1.1%، مستندًا جزئيًا إلى أثر الأسعار الأعلى الناتج من أزمة الشرق الأوسط.[4] كما أعلنت موسكو استعدادها لزيادة الإمدادات إلى الصين وغيرها من الدول المتضررة من الأزمة، في وقت أصبحت فيه الصين والهند تستوعبان نحو 80% من صادرات النفط الخام الروسي.[5]
لكن هذه الصورة ليست وردية على إطلاقها. فروسيا لا تبيع نفطها في سوق مثالية، بل في سوق تحكمها العقوبات والخصومات السعرية والمخاطر اللوجستية وتكاليف الالتفاف على القيود الغربية. كما أن الاقتصاد الروسي نفسه أظهر مؤشرات تباطؤ وانكماش في مطلع 2026، بما يعني أن ارتفاع الأسعار يمنح الكرملين متنفسًا، لكنه لا يلغي هشاشات أعمق تتعلق بالاستثمار، والتكنولوجيا، وكلفة الحرب، ونقص العمالة، وضغط أسعار الفائدة.[4] والنتيجة أن المكسب الطاقوي الروسي هو مكسب مهم، لكنه أقرب إلى تعزيز القدرة على الاحتمال منه إلى فتح دورة ازدهار جديدة.
وتتسع مساحة هذا الربح عند النظر إلى أسواق الوقود المكرّر. فمع جفاف جزء من الإمدادات الشرق أوسطية، زادت واردات بلدان آسيا الوسطى وأفغانستان من الوقود الروسي والبيلاروسي بأكثر من 50% في الربع الأول من العام، وفق أرقام نقلتها رويترز، ما يدل على أن الحرب لا ترفع الأسعار فحسب، بل تعيد أيضًا تشكيل خرائط التدفق التجاري.[6] وفي منطق القوة الاقتصادية، لا تقل قيمة إعادة تموضع الأسواق عن قيمة ارتفاع الأسعار نفسها؛ لأن من ينجح في دخول سوق مضطرب أثناء الأزمة قد يثبت موطئ قدم يبقى حتى بعد انحسارها.
إلى جانب الطاقة، تبرز مسألة الأسمدة والغذاء بوصفها مسارًا آخر للاستفادة الروسية. فثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، وقد دفعت الأزمة الحالية أسعار الأسمدة الآزوتية في أوروبا إلى مستويات تزيد بنحو 58% على متوسط 2024، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى التفكير في منح وإعانات استثنائية للزراعة والنقل.[7] وفي الوقت نفسه، حذر صندوق النقد الدولي من أن اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد قد تدفع أكثر من اثني عشر بلدًا، بينها دول في أفريقيا جنوب الصحراء، إلى طلب تمويلات جديدة لمواجهة الصدمة.[8] وفي مثل هذه البيئة، تستفيد روسيا بوصفها مصدرًا رئيسيًا للأسمدة والحبوب، ليس فقط من ارتفاع السعر، بل أيضًا من حاجة بلدان كثيرة إلى مورد ثابت ولو كان مكلفًا سياسيًا.
غير أن هذا المسار، بدوره، ليس بلا حدود. فإذا طال أمد الصدمة وتحولت إلى تباطؤ عالمي واسع أو ركود، فإن تراجع الطلب الكلي قد يحد لاحقًا من مكاسب موسكو في الطاقة والسلع الأولية. كما أن ارتفاع كلفة الوقود والأسمدة لا يولد دائمًا أرباحًا صافية للمصدّر؛ فهو قد يضغط أيضًا على الداخل الروسي، ويرفع كلفة النقل والإنتاج، ويزيد الحاجة إلى تدخلات حكومية لاحتواء الأسعار. وبذلك، يصبح الربح الروسي اقتصاديًا مكسبًا مرحليًا قويًا، لكن غير مضمون التحول إلى ميزة بنيوية مستقرة.
«الأسعار المرتفعة تمنح موسكو هواءً إضافيًا، لكنها لا تعيد هندسة اقتصادها من جديد».
|
ثالثًا: منافع عسكرية لروسيا من دون تورط عسكري مباشر
إذا كان البعد الاقتصادي يفسر جزءًا مهمًا من الفائدة الروسية، فإن البعد العسكري يفسر الجزء الأكثر حساسية استراتيجيًا. فالحرب كشفت مرة أخرى أن الولايات المتحدة، مهما اتسعت قدرتها، تبقى مضطرة إلى المفاضلة بين المسارح حين تتكاثف الأزمات. وقد أظهرت تقارير رويترز أن إنتاج صواريخ PAC-3 الاعتراضية غير كافٍ أصلًا لتغطية الاحتياجات الأميركية واحتياجات الحلفاء في الخليج وأوكرانيا معًا، وأن استمرار الحرب مع إيران قد يزيد الاختناقات في ترتيبات تزويد كييف بالأسلحة.[1] كما أن الضغوط على المخزون دفعت بعض دول الخليج إلى البحث عن بدائل أرخص لاعتراض المسيّرات، بينها طائرات اعتراض أوكرانية زهيدة الكلفة قياسًا إلى صواريخ «باتريوت» الباهظة.[3]
بالنسبة إلى موسكو، لا يعني هذا أنها أصبحت الطرف الأقوى عسكريًا على مستوى شامل، لكنه يعني أن خصمها الرئيسي بات أكثر انشغالًا وأعلى كلفة في إدارة التفوق. وهذه نقطة بالغة الأهمية في الحروب الطويلة. فالتفوق العسكري لا يقاس فقط بما تملكه الدولة من سلاح، بل أيضًا بقدرتها على تدوير هذا السلاح عبر أكثر من جبهة، وتمويل تعويضه، والمحافظة على مخزون يسمح بالردع المستمر. وكلما تعاظمت كلفة هذا التدوير على واشنطن، اتسع الهامش الروسي، لا لأن موسكو أصبحت بلا قيود، بل لأن خصمها لم يعد يعمل في ساحة أحادية.
وثمة بعد آخر ينبغي الانتباه إليه. فالحرب على إيران لم تؤكد فقط فعالية بعض أدوات الحرب الجوية والبحرية، بل أكدت أيضًا مركزية المسيّرات الرخيصة، وأنظمة الاعتراض منخفضة الكلفة، والاستخبارات المندمجة مع المعالجة السريعة للبيانات. وروسيا، التي خاضت في أوكرانيا مختبرًا قاسيًا للطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، تراقب هذه الدروس جيدًا. صحيح أنها لا تستطيع أن تنقل التجارب الإيرانية أو الإسرائيلية أو الأميركية حرفيًا إلى جبهتها، لكن اتساع النقاش العالمي حول الكلفة/الفاعلية في الدفاع الجوي يخدم منطقها القائم على إنهاك الخصم بوسائط أقل كلفة وأكثر عدداً.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في الحديث عن مكسب تسليحي روسي مباشر من الحرب نفسها. فليس من المرجح أن تكون موسكو المستفيد الأول من إعادة تسليح إيران بعد الحرب، لأن مجمعها الصناعي العسكري يعمل أصلًا تحت ضغط تعويض خسائره على الجبهة الأوكرانية وتلبية حاجات التشكيلات الجديدة. كما أن الصين تبدو، في بعض الملفات، أقدر على التمدد السريع في سوق الدفاع الإيرانية إذا انفتحت من جديد. لذلك فإن الأرجح أن المنفعة العسكرية الروسية ليست منفعة بيع سلاح واسع، بل منفعة استنزاف الخصم، وتباطؤ تحديثه، وازدياد تعقيد أولوياته.
وهذا هو الفارق بين الربح العملياتي والربح الاستراتيجي. روسيا لا تحتاج هنا إلى أن تصبح المورد الأول لإيران، ولا إلى أن تشارك في القتال، كي تكسب. يكفيها أن تتحول الحرب إلى عبء على منظومة الردع الغربية، وأن تضطر واشنطن إلى التفكير في الشرق الأوسط بالطاقة نفسها التي كانت تخصصها لأوروبا وشرق آسيا. في هذه اللحظة بالذات، يتحول غياب روسيا عن الميدان إلى حضورٍ فعلي في الحسابات العسكرية للآخرين.
رابعًا: النفوذ الدبلوماسي… كيف تتحول الفوضى إلى ورقة تفاوض
منذ سنوات، تحاول موسكو تثبيت صورة مفادها أنها لم تعد مجرد قوة اعتراض على النظام الغربي، بل طرف لا يمكن تجاوزه في إدارة الأزمات الكبرى. وتمنحها الحرب الحالية مادة مناسبة لتغذية هذه الصورة. فروسيا أدانت الضربات على إيران، ودعت إلى التسوية، وأعادت طرح مبادرتها المتعلقة بنقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى أراضيها وتحويله إلى وقود مدني، قبل أن يعلن الكرملين أن الولايات المتحدة رفضت هذا المقترح.[9][10] وما يهم هنا ليس نجاح الاقتراح بحد ذاته، بل الدلالة التي يريدها الكرملين: أن موسكو ما زالت قادرة على تقديم «حلول» حين يعجز الآخرون عن إدارة التصعيد أو كبحه.
وهذا النوع من الحضور مهم لروسيا لسببين. الأول أنه يخفف من أثر العزلة التي حاول الغرب فرضها عليها منذ حرب أوكرانيا، عبر إعادة إدخالها في نقاشات تتصل بالأمن الإقليمي والطاقة والملف النووي. والثاني أنه يمنحها فرصة لإعادة تعريف نفسها أمام شركائها غير الغربيين: فهي ليست فقط دولة تحت العقوبات، بل دولة قادرة أيضًا على لعب دور مورد الطاقة، والوسيط المحتمل، والحليف الذي لا يتخلى بسهولة عن شركائه. وقد جاء تصريح لافروف من بكين بأن روسيا مستعدة لتعويض النقص في الموارد للدول المتضررة من أزمة الشرق الأوسط ليترجم هذا المعنى بوضوح.[5]
لكن النفوذ الدبلوماسي الروسي لا يعمل في فراغ. فهو يزدهر خصوصًا عندما ينقسم الغرب أو يختلف على أسلوب إدارة الأزمة. وكلما اتسعت المسافة بين المقاربة الأميركية ومواقف أوروبية أكثر حذرًا، ازدادت قدرة موسكو على الإيحاء بأن العالم لم يعد يدار من غرفة واحدة. لذلك ليست الفائدة الروسية هنا مجرد موقع تفاوضي، بل أيضًا قيمة سردية: الحرب توفر للكرملين فرصة جديدة لتكرار خطابه عن «عجز الهيمنة الأحادية» وضرورة التعددية، مع فارق أن هذا الخطاب يبدو، في لحظة اضطراب عالمي ومخاوف طاقة وغذاء، أقل تجريدًا وأكثر اتصالًا بمصالح دول كثيرة.
ومع ذلك، فإن هذا النفوذ يظل محدودًا بسقف واضح. فروسيا ليست الطرف الذي يملك مفاتيح الحرب أو التسوية في الشرق الأوسط، ولا تملك وزنًا اقتصاديًا أو أمنيًا يسمح لها بفرض ترتيب إقليمي جديد. نفوذها هنا هو نفوذ «اللازم لا الحاسم»: قوة لا يستطيع الآخرون تجاهلها تمامًا، لكنهم لا يستطيعون أيضًا تسليمها مقود الحل. وهذه مسافة مهمة؛ لأنها تمنع الخلط بين حضور موسكو في المشهد وبين قدرتها على رسمه.
«روسيا لا تصنع التسوية وحدها، لكنها تستفيد من كل لحظة يضطر فيها الآخرون إلى الاعتراف بأن تجاهلها لم يعد ممكنًا».
|
خامسًا: من الشرق الأوسط إلى أوراسيا… أين تحاول موسكو توسيع العائد السياسي؟
لا تقف المكاسب الروسية عند حدود النفط والدبلوماسية المباشرة. فالحرب تفتح، بالنسبة إلى الكرملين، مساحات أوسع لإعادة ترتيب محيطه الأوراسي. ففي آسيا الوسطى مثلًا، أدى اضطراب الإمدادات الشرق أوسطية إلى زيادة الاعتماد على الوقود الروسي، بينما بقيت دول المنطقة حريصة، في الوقت نفسه، على تنويع شراكاتها وعدم الارتهان الكامل لموسكو.[6] هذه المفارقة مهمة؛ لأنها تكشف أن روسيا تستطيع أن تستفيد من الحاجة الآنية من دون أن تكون قادرة تلقائيًا على تحويلها إلى تبعية سياسية دائمة. غير أن استمرار الاضطراب في الخليج وهرمز يرفع، مع ذلك، من قيمة الجوار الروسي في حسابات تلك الدول، ويدفعها إلى إعادة وزن علاقتها بموسكو وبكين مقارنةً بخيارات أبعد وأكثر كلفة.
والأمر نفسه ينسحب، بدرجة مختلفة، على تركيا. فأنقرة تراقب الأزمة من زاوية أمنية واقتصادية وممراتية في آن واحد. وكلما اتسعت دائرة عدم الاستقرار من الخليج إلى المشرق ثم إلى البحر الأسود والقوقاز، ازدادت أهمية التنسيق مع القوى القادرة على التأثير في هذه الرقعة المتصلة، وفي مقدمتها روسيا. لا يعني هذا أن الحرب ستنتج محورًا روسيًا ـ تركيًا جديدًا، فالعلاقة بين الطرفين محكومة أصلًا بقدر كبير من التنافس والتفاهم التكتيكي المتقلب. لكن الأزمة تمنح موسكو فرصة إضافية لتقديم نفسها لأنقرة بوصفها شريكًا لا يمكن استبعاده من ترتيبات البحر الأسود والقوقاز ومسارات الطاقة معًا. ومثل هذا التموضع لا يتحول سريعًا إلى تحالف، لكنه يراكم لموسكو رأس مال سياسيًا مفيدًا في مرحلة تتآكل فيها اليقينيات الأمنية القديمة.
ثم إن روسيا تستثمر الحرب أيضًا على مستوى الخطاب الموجّه إلى «الجنوب العالمي». فعندما ترتفع أسعار الطاقة والأسمدة، وتظهر هشاشة سلاسل الإمداد، وتبدأ دول منخفضة الدخل في طلب تمويلات طارئة، يصبح خطاب موسكو عن إخفاق البنية الأمنية الغربية أكثر قابلية للتسويق سياسيًا، حتى لدى دول لا تريد الاصطفاف معها.[8] وبالنسبة إلى الكرملين، لا يحتاج هذا الخطاب إلى إقناع الجميع ببراءته أو بعدالة مواقفه؛ يكفيه أن يقنع عددًا كافيًا من الدول بأن النظام الدولي الذي تديره القوى الغربية لم يعد قادرًا على حماية الاستقرار، لا في أوروبا ولا في الشرق الأوسط. وهنا تتحول الأزمة إلى أداة تآكل بطيء في شرعية القيادة الغربية، وهو مكسب سياسي لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقات، بل أيضًا بدرجة الشك التي تتسع في العالم تجاه المركز الغربي.
ومع ذلك، يبقى هذا العائد الأوراسي والسياسي خاضعًا لقيدين. الأول أن الدول المعنية ليست فراغًا؛ فهي تحاول بدورها استثمار التنافس بين القوى الكبرى وتحويله إلى مجال مناورة لا إلى تبعية. والثاني أن الصين تظل، في كثير من هذه الساحات، منافسًا أقوى ماليًا وتجاريًا من روسيا، وأكثر قدرة على تثبيت النفوذ حين يتعلق الأمر بالبنية التحتية والتمويل طويل الأجل. لهذا، فإن ما تكسبه موسكو في المجال الأوراسي ليس احتكارًا للنفوذ، بل تحسينًا لموقعها التفاوضي وشبكةً أوسع من الحاجات المتبادلة التي يمكن البناء عليها لاحقًا.
سادسًا: أين تتوقف المكاسب الروسية؟
أي قراءة جادة للمشهد يجب أن تضع قيودًا صريحة على الاستفادة الروسية. أول هذه القيود أن الاقتصاد الروسي ليس في حالة تسمح بتحويل كل فرصة خارجية إلى نمو داخلي مستدام. فحتى مع تحسن توقعات صندوق النقد الدولي، أظهرت البيانات الروسية انكماشًا في أول شهرين من 2026، وهو ما دفع بوتين إلى توبيخ كبار المسؤولين الاقتصاديين والمطالبة بإجراءات جديدة لتحفيز النشاط.[4] هذا يعني أن ارتفاع الأسعار يمنح الخزانة الروسية ارتياحًا نسبيًا، لكنه لا يمحو أثر العقوبات ولا كلفة الحرب الطويلة ولا أعطال الاستثمار والتكنولوجيا.
القيد الثاني هو أن المكسب العسكري الروسي يقوم أساسًا على استنزاف الآخرين، لا على فائض قدرة روسية مستقل. وهذا فارق بالغ الأهمية. فروسيا لا تزال تخوض حربًا عالية الكلفة في أوكرانيا، وتستهلك بدورها كميات كبيرة من الذخائر والمعدات والموارد البشرية. وبالتالي، فإن ما تكسبه من تشتيت الاهتمام الأميركي قد لا يتحول تلقائيًا إلى تفوق حاسم إذا لم تستطع تحويل الوقت المكتسب إلى مكاسب ميدانية أو سياسية ملموسة في الجبهة الأوكرانية.
أما القيد الثالث، فيتعلق بأن بعض المكاسب الروسية قد تذهب، جزئيًا، إلى الصين أكثر مما تذهب إلى روسيا نفسها. فكل اضطراب طويل في الشرق الأوسط يدفع دولًا آسيوية إلى تعميق تنسيقها مع بكين بقدر ما يدفعها إلى شراء الطاقة الروسية. وفي ملف ما بعد الحرب مع إيران تحديدًا، قد تكون الصين أكثر قدرة من موسكو على توفير بعض الأنظمة الدفاعية أو التمويل أو الغطاء الاقتصادي السريع، بحكم حجم اقتصادها وسعتها الصناعية. وبذلك، فإن روسيا ليست المستفيد الوحيد من إرباك الغرب؛ إنها مستفيد مهم داخل مشهد تنافسي أوسع.
القيد الرابع أن أي انفجار شامل وغير مضبوط في المنطقة قد يبدد جزءًا من المكاسب الروسية بدل أن يراكمها. فإذا قفزت الأسعار إلى مستويات تعطل الاقتصاد العالمي وتدفع إلى ركود حاد، فإن أثر ذلك قد يرتد سلبًا على صادرات موسكو وعلى شركائها التجاريين الرئيسيين. كما أن اضطرابًا طويلًا في سلاسل الغذاء والأسمدة والطاقة قد يدفع كثيرًا من الدول إلى تسريع سياسات التخلي عن الاعتماد على الموردين المعرضين للمخاطر الجيوسياسية، بما في ذلك روسيا نفسها.
لهذا كله، فإن الحد الفاصل بين «الربح من الحرب» و«الوقوع في أسر نتائجها الثانوية» يبقى رفيعًا. موسكو تستفيد ما دامت الأزمة تحت مستوى الانهيار الشامل، وما دام التوتر كافيًا لرفع الكلفة على خصومها، لكنه غير كافٍ لإسقاط النظام الاقتصادي العالمي في فوضى مفتوحة. وهذه معادلة صعبة، لأنها تمنح روسيا أفضلية فقط داخل منطقة وسطى: لا سلام يبدد مكاسبها، ولا حرب كبرى تتجاوز قدرتها على التكيّف.
سابعًا: السيناريوهات المرجحة
السيناريو الأول هو استمرار الأزمة في صورة «ضغط مرتفع بلا حسم». في هذا المسار لا تعود الحرب إلى ذروة الانفجار، لكنها لا تصل أيضًا إلى تسوية مستقرة. تظل الملاحة والردع والطاقة والملف النووي ملفات مفتوحة على توتر متقطع، وتبقى الولايات المتحدة مضطرة إلى توزيع مواردها بين الشرق الأوسط وأوروبا. هذا هو السيناريو الأكثر خدمة للمصلحة الروسية؛ لأنه يطيل أثر التشتيت الغربي، ويحافظ على علاوة جيوسياسية في أسعار الطاقة، ويجعل موسكو أكثر حضورًا بوصفها طرفًا لازمًا في توازنات الأزمة.[1][5][7]
السيناريو الثاني هو تهدئة تفاوضية تدريجية تفضي إلى استقرار نسبي في الممرات والأسواق. في هذا المسار تتراجع حدة الصدمة، وتنخفض الأسعار من مستوياتها المرتفعة، وتخف ضغوط إعادة التخصيص العسكري الأميركية، وتفقد روسيا جزءًا مهمًا من مكاسبها الظرفية. لا يعني ذلك اختفاء الفائدة الروسية بالكامل، لأن بعض التحولات التجارية قد يبقى، لكن العائد الأكبر يتآكل، وتعود القيود الأصلية للحرب الأوكرانية والعقوبات إلى الواجهة من جديد.
أما السيناريو الثالث فهو الانزلاق إلى انفجار أوسع في المنطقة. ظاهريًا، قد يبدو هذا السيناريو مفيدًا لروسيا بسبب قفزات الأسعار وتعاظم الإرباك الغربي. لكنه في الواقع أكثر التباسًا. فالفوضى الشاملة قد تضر بالطلب العالمي، وتضغط على الشركاء الآسيويين، وترفع كلفة النقل والتأمين والتمويل إلى مستويات تربك حتى المستفيدين من صعود الأسعار. كما أنها قد تدفع الغرب إلى قرارات تعبئة وتسليح أوسع لا تصب بالضرورة في مصلحة موسكو على المدى المتوسط. لذلك فإن أفضل ما يمكن أن تربحه روسيا ليس الحرب الكبرى، بل الأزمة الطويلة المنضبطة نسبيًا.
وتقود هذه السيناريوهات إلى ترجيح واضح: المكسب الروسي يبلغ ذروته عندما تبقى المنطقة في حالة توتر مرتفع قابل للإدارة، لا عندما تنفجر بالكامل، ولا عندما تهدأ سريعًا. فروسيا تستفيد من الاهتزاز أكثر مما تستفيد من الانهيار، ومن المراوحة أكثر مما تستفيد من الحسم.
الترجيح
الترجيح الأقرب هو أن روسيا ستواصل حصد مكاسب نسبية معتبرة ما دامت الحرب تتحول إلى أزمة ممتدة أكثر منها معركة قصيرة فاصلة. فالمشهد القائم يمنحها ثلاثة عناصر يصعب الجمع بينها عادة: ارتفاعًا في قيمة صادراتها، وتشتيتًا في أولويات خصومها، وعودةً إلى مركز النقاش الدولي بوصفها طرفًا لا يمكن شطبه من معادلات الأمن والطاقة. لكن هذه المكاسب ستظل، في المدى المنظور، مكاسب إدارة ظرف لا مكاسب إعادة تأسيس نظام إقليمي جديد تقوده موسكو. ولذلك فإن الأدق هو القول إن روسيا لا «تنتصر» في الشرق الأوسط بالمعنى المباشر، بل تستثمر الحرب الجارية لتخفيف ضغط جبهتها الأصلية، وتحسين شروط بقائها، وتوسيع هامش حركتها في النظام الدولي.
دلالات لصانع القرار
أولًا، لا ينبغي الخلط بين استفادة روسيا من الحرب وقدرتها على تحمل نتائجها المفتوحة إلى ما لا نهاية؛ فموسكو تربح من الأزمة حين تكون مضبوطة الإيقاع، لا حين تتحول إلى فوضى شاملة. ثانيًا، أي قراءة عربية للتموضع الروسي يجب أن تميز بين دور الوسيط ودور المستثمر في الاضطراب؛ فروسيا قد تتحدث بلغة التهدئة، لكنها تستفيد موضوعيًا من بقاء مستوى معين من التوتر. ثالثًا، إن تعاظم الفائدة الروسية من تشتيت الموارد الأميركية يذكّر بأن أمن المنطقة لا ينفصل عن توازنات أوروبا وآسيا؛ فكل صاروخ يُعاد توجيهه، وكل منظومة تُسحب، يعيد توزيع الأثقال على رقعة أوسع من الشرق الأوسط نفسه. رابعًا، تكشف الأزمة أن أمن الطاقة والغذاء لم يعد ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن الجغرافيا السياسية، بل صار أحد أهم مسارحها. ومن ثم، فإن الدول التي تكتفي بقراءة الحرب من زاوية عسكرية فقط تفوّت جوهر التحول الجاري.
في الخلاصة، تكسب روسيا هذه الحرب لا لأنها أقوى من الجميع، بل لأنها أقل الأطراف اضطرارًا إلى دفع كلفة إدارتها المباشرة. هذا هو سر الربح الروسي هنا: أن الآخرين يقاتلون، بينما تحاول موسكو أن تقبض من تبدل الأولويات، ومن ارتفاع الأسعار، ومن اتساع الحاجة إلى من لا يمكن تجاهله.
مصفوفة موجزة للسيناريوهات
| السيناريو | السمات الغالبة |
التقدير |
|
أزمة ممتدة بلا حسم |
توتر مرتفع، تشتيت للموارد الغربية، علاوة جيوسياسية في الطاقة |
الأرجح |
|
تهدئة تفاوضية تدريجية |
تراجع الضغوط على الأسواق، عودة التركيز النسبي إلى أوكرانيا |
ممكن |
|
انفجار إقليمي أوسع |
قفزات سعرية أعلى، لكن مع مخاطر ركود وفوضى على الجميع |
أقل ترجيحًا وأعلى كلفة |
المراجع
[1] Reuters, “Iran conflict may divert U.S. weapons from Ukraine,” 4 March 2026.
[2] Reuters, “Pentagon weighs diverting Ukraine military aid to Middle East,” 26 March 2026.
[3] Reuters, “Gulf states eye cheap Ukrainian interceptor drone as Iranian attacks drain missile stocks,” 8 April 2026.
[4] Reuters, “Russia’s Putin scolds top officials for economic contraction,” 15 April 2026.
[5] Reuters, “Russia ready to help China with energy ahead of Putin’s visit, foreign minister says,” 15 April 2026.
[6] Reuters, “Central Asia, Afghanistan crank up Russian fuel imports as MidEast supplies dry up,” 15 April 2026.
[7] Reuters, “EU eyes grants, subsidies to offset Iran war impact on farming, transport,” 15 April 2026.
[8] Reuters, “IMF chief says 12 or more countries seeking loans to cope with Middle East war energy shock,” 15 April 2026.
[9] Reuters, “Russia says uranium proposal for Iran is still on the table,” 4 February 2026.
[10] Reuters, “Kremlin says U.S. has rejected its proposal that Russia take Iranian uranium stocks,” 15 April 2026.
[11] Reuters, “EU warns of prolonged energy shock, forced cuts if Iran war continues,” 15 April 2026.




