- حين يصبح الهدف عقيدة
- الذكاء الاصطناعي والقداسة السياسية في حرب إيران ٢٠٢٦
تحوّل الحرب من قرار عسكري قابل للمساءلة إلى عنف سريع تمنحه الخوارزمية شرعية إجرائية، ويمنحه الخطاب الديني حصانة رمزية.
الكلمات المفتاحية: الذكاء الاصطناعي في الحرب، حرب إيران ٢٠٢٦، القداسة السياسية، القانون الدولي الإنساني، نظم الاستهداف، الخوارزمية العسكرية
الخطر لا يبدأ عندما تستخدم الحرب الخوارزمية، بل عندما تتحول الخوارزمية إلى بديل عن السؤال، ويتحول الخطاب المقدس إلى بديل عن المساءلة.
في الحرب التقليدية كان البطء يفتح نافذة للتفاوض. في الحرب الخوارزمية تتقلص النافذة ذاتها، لأن القرار يصل أسرع من قدرة السياسة على مراجعته.
لا تُنتج التقنية معنى الحرب، لكنها قد تسلبها زمن التحقق؛ ولا يُنتج الدين الهدف العسكري، لكنه قد يمنحه حصانة رمزية إذا انفصل عن وظيفته الأخلاقية.
الخطر لا يبدأ عندما تستخدم الحرب الخوارزمية، بل عندما تتحول الخوارزمية إلى بديل عن السؤال، ويتحول الخطاب المقدس إلى بديل عن المساءلة.
تدل حرب إيران في عام ٢٠٢٦ على انتقال خطر في علاقة السلاح بالمعنى. لم تعد الحرب الحديثة تستند إلى التفوق الناري وحده، ولم تعد الدعاية الدينية تعمل على هامش القرار العسكري كما كان يحدث في نماذج تاريخية كثيرة. المسألة الأشد تعقيدًا أن القرار العسكري صار يُنتج داخل بيئة تضغط الزمن إلى أقصاه، بينما يمنحه الخطاب الديني أو شبه الديني معنى يتجاوز السياسة ويقاوم المراجعة.
تثبت الوقائع المتاحة أن الولايات المتحدة بدأت عملية «الغضب الملحمي» في ٢٨ شباط/فبراير ٢٠٢٦، وفق إعلان رسمي أمريكي، وأن العملية استهدفت تفكيك أجزاء من البنية الأمنية والعسكرية الإيرانية [1]. كما تشير تقارير صحفية متخصصة إلى أن أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها منظومة «مافن سمارت»، ساهمت في تسريع معالجة المعلومات وتحديد الأولويات العملياتية خلال الحملة [2]. هذه المعطيات لا تكفي وحدها للحكم على شرعية كل ضربة أو عدم شرعيتها، لكنها تكفي لطرح سؤال أعمق: ماذا يحدث للمساءلة عندما تصبح سرعة الاستهداف أعلى من قدرة الإنسان والمؤسسة والقانون على التحقق؟
في الوقت ذاته، لم تتحرك الحرب داخل لغة عسكرية صرفة. فقد حضرت إشارات دينية في الخطابين الأمريكي والإسرائيلي، وحضر في الخطاب الإيراني منطق الثأر والشهادة ورد الاعتبار. لا يعني ذلك أن الدين هو سبب الحرب، ولا أن المجتمعات الدينية تتحمل مسؤولية قرارات الدول. المقصود أن النخب السياسية تستطيع، في لحظات الصراع الكبرى، أن تنزع من الدين وظيفته الأخلاقية المقيدة للعنف، وأن تستعمله بدلًا من ذلك بوصفه جهاز تعبئة وتحصين رمزي للقرار.
أطروحة هذا التعليق أن حرب ٢٠٢٦ لا تعيد إنتاج «الحرب المقدسة» بمعناها التاريخي، بل تكشف طورًا أحدث: حربًا خوارزمية ذات تبرير مقدس. في هذا الطور لا يحمل المقاتل السيف باسم العقيدة كما في المثال التاريخي، بل تُدار أجزاء من الحرب عبر أنظمة تحليل واستهداف وتسريع قرار، ثم تأتي اللغة المقدسة أو الخلاصية لتمنح النتائج إطارًا معنويًا شبه نهائي. هنا يلتقي تسريع التقنية مع تصليب المعنى، فينتج عنف يصعب إبطاؤه ويصعب تفكيك شرعيته في المجال العام.
أولًا: ما الذي تغيّر عن نماذج الحرب المقدسة؟
لم تكن الحروب ذات التبرير الديني في التاريخ أكثر رحمة من حروب اليوم. فقد شهدت حملات دينية كثيرة عنفًا واسعًا، واستُخدم المقدس فيها لتعبئة الجيوش وتوسيع شرعية القتال. غير أن الفارق الجوهري أن تلك الحروب كانت محكومة بقيود مادية ورمزية أبطأ من قيود الحاضر. كان المقاتل يرى جزءًا من أثر فعله، وكان المكان المقدس يمنح الحرب حدودًا جغرافية محددة، وكانت المؤسسة الدينية أو السياسية تملك، بدرجات متفاوتة، سلطة التأويل والضبط.
هذا لا يعني أن القيود التاريخية كانت إنسانية بالضرورة. لكنها كانت تمنح الحرب إيقاعًا بطيئًا نسبيًا. البطء في التحشيد، وفي الوصول إلى الميدان، وفي نقل الأخبار، وفي إعادة إنتاج السردية، كان يترك مساحات للتعب، والمساومة، والانقسام الداخلي، وتبدل الحسابات. أما في الحرب الخوارزمية، فيتحول الزمن من عنصر احتواء إلى عنصر دفع. تقليص زمن القرار لا يضيف كفاءة تقنية فقط؛ إنه يعيد تشكيل المجال الأخلاقي الذي يُتخذ فيه القرار.
بهذا المعنى، ليست المشكلة في أن المقاتل يجلس أمام شاشة بدل أن يقف في ساحة قتال. المشكلة أن الشاشة قد تمنحه مسافة نفسية عن الأثر، ثم يأتي الخطاب المقدس ليملأ هذه المسافة بمعنى مريح. عندما لا يرى صاحب القرار الوجه الإنساني للهدف، يحتاج إلى لغة تمنحه يقينًا بديلًا. تقدم الخوارزمية يقينًا إجرائيًا، ويقدم الخطاب الديني يقينًا معنويًا. وحين يلتقي اليقينان، تتراجع منطقة السؤال.
ثانيًا: الخوارزمية لا تلغي الإنسان، لكنها قد تقلّص مسؤوليته العملية
لا ينبغي تقديم الذكاء الاصطناعي العسكري كما لو أنه آلة مستقلة تمامًا تقتل بلا أي دور بشري في كل حالة. هذا تبسيط يضعف التحليل. في كثير من الاستخدامات، تعمل الأنظمة الذكية بوصفها أدوات دعم قرار، أو نظم دمج معلومات، أو منصات لترتيب الأولويات العملياتية. غير أن الخطر لا يتوقف عند سؤال الاستقلال الكامل. الخطر الأعمق يظهر عندما يصبح الإنسان موجودًا شكليًا في الحلقة، لكنه لا يملك الزمن ولا المعرفة ولا القدرة المؤسسية الكافية لمساءلة ما تقترحه المنظومة.
تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأسلحة ذاتية التشغيل أو المتزايدة الاستقلالية تثير مخاطر إنسانية وقانونية وأخلاقية حادة، ولا سيما عندما يتراجع الحكم البشري في قرارات تمس الحياة والموت [3]. كما تذهب النقاشات الجارية في إطار اتفاقية الأسلحة التقليدية إلى أن الحاجة لمعايير أوضح بشأن «الحكم والسيطرة البشريين المناسبين للسياق» باتت ملحة، في ظل غياب قواعد دولية ملزمة ومحددة لهذه الأنظمة [4].
تظهر المشكلة في حرب إيران من زاوية السرعة. فعندما تتحدث تقارير عن مئات أو آلاف الأهداف خلال زمن قصير، لا يعود السؤال فقط: هل كان القرار النهائي بيد إنسان؟ بل يصبح السؤال: هل استطاع هذا الإنسان فهم سلسلة البيانات التي أنتجت الهدف؟ هل راجع حداثة المعلومات؟ هل اختبر خطأ التصنيف؟ هل امتلك وقتًا لموازنة الضرورة العسكرية مع مبدأي التمييز والتناسب؟ وهل كان قادرًا مؤسسيًا على رفض توصية النظام دون أن يُفهم رفضه بوصفه تعطيلًا للوتيرة العملياتية؟
تحت ضغط هذا الإيقاع، تتحول المساءلة من فعل سابق على الضربة إلى إجراء لاحق عليها. يصبح التحقيق محاولة لتفسير ما حدث بعد اكتماله، بدل أن يكون التحقق شرطًا سابقًا على الفعل. وهذا التحول يضع القانون الدولي الإنساني أمام مأزق بنيوي: القواعد لا تُلغى نصيًا، لكنها تُدفع عمليًا إلى الخلف عندما يصبح زمن القرار أضيق من زمن تطبيقها.
ثالثًا: القداسة السياسية حين تنفصل عن الإيمان الشخصي
لا يعمل الخطاب الديني في الحروب الحديثة دائمًا بوصفه تعبيرًا عن إيمان شخصي عميق لدى القادة. في حالات كثيرة، يعمل بوصفه لغة تمثيل سياسي لجمهور يرى في الحرب امتدادًا لمعركة هوية أو خلاص أو انتقام أو حماية رمزية. وهذا ما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا من سؤال الصدق الشخصي.
تكشف بيانات مركز «بيو» في نيسان/أبريل ٢٠٢٦ مفارقة دالة: سبعة من كل عشرة بالغين أمريكيين رأوا أن دونالد ترامب «ليس متدينًا كثيرًا» أو «ليس متدينًا إطلاقًا»، ومع ذلك قالت أغلبية معتبرة من البروتستانت الإنجيليين البيض إنه يدافع، بدرجات مختلفة، عن أصحاب معتقدات دينية مشابهة لمعتقداتهم [5]. الدلالة هنا ليست أن الجمهور غافل عن الفجوة بين التدين الشخصي والتمثيل السياسي؛ بل إن جزءًا من هذا الجمهور يقبل تلك الفجوة ما دام الزعيم يؤدي وظيفة الحماية الرمزية.
بهذا المعنى، تصبح القداسة السياسية عقدًا بين قائد وقاعدة، لا برهانًا على ورع القائد. الزعيم يمنح القاعدة شعورًا بأن لغتها وقضيتها ومخاوفها وصلت إلى مركز القرار، والقاعدة تمنحه شرعية تتجاوز تقييم الأداء السياسي المباشر. ولذلك يصعب تفكيك هذا النمط بالحجج التي تركز على النفاق أو عدم الصدق، لأن الجمهور لا يشترط دائمًا التطابق بين الإيمان الشخصي والوظيفة السياسية. إنه يشترط النتيجة الرمزية: هل يتحدث القائد بلغتنا؟ هل يواجه خصومنا؟ هل يحوّل خوفنا إلى قرار؟
تزداد خطورة هذا النمط في زمن الحرب. فالتعبئة الدينية لا تحتاج عندئذ إلى أن تقنع كل فرد بقراءة لاهوتية متماسكة. يكفي أن تصنع شعورًا بأن الحرب جزء من دفاع أعلى عن الجماعة. وعندما تُصاغ الحرب بهذه الطريقة، يصبح الاعتراض عليها قابلًا للتأويل بوصفه خذلانًا للجماعة أو إضعافًا لموقعها في لحظة مصيرية، لا بوصفه نقاشًا في تقدير سياسي أو قانوني.
رابعًا: تعدد سرديات الخلاص يرفع كلفة التراجع
في النزاعات السياسية التقليدية، يستطيع الفاعلون التفاوض على حدود، أو ضمانات، أو ترتيبات أمنية، أو تبادل تنازلات. أما عندما تُصاغ الحرب داخل سرديات خلاص أو ثأر أو مواجهة مع شر مطلق، فإن لغة التفاوض تفقد جزءًا من فعاليتها. لا يعود التراجع إعادة حساب، بل قد يبدو تخليًا عن معنى أعلى.
ما يميز حرب ٢٠٢٦ أنها لا تشهد حضور سردية دينية واحدة فقط. ثمة إشارات مسيحية ـ إنجيلية في جزء من الخطاب الأمريكي، وإحالات توراتية في جزء من الخطاب الإسرائيلي، وسردية ثأر وشهادة في الخطاب الإيراني. هذه السرديات ليست متطابقة ولا تعمل بالآلية نفسها، ولا يجوز اختزالها في معنى واحد. لكنها تشترك في أثر سياسي واحد: تحويل الحرب من مجال مصلحة قابلة للمساومة إلى مجال معنى يصعب التنازل عنه.
حين يتعدد هذا النوع من السرديات داخل حرب واحدة، تتراجع إمكانية العثور على نقطة إرساء مشتركة. في السياسة يمكن الاتفاق على خفض التصعيد، أما في منطق الخلاص أو الثأر المقدس فخفض التصعيد قد يبدو كسرًا للوعد أو خيانة للضحايا أو تفريطًا برسالة. هنا لا تصبح المشكلة في الدين ذاته، بل في تحويله إلى قاموس تعبئة ينزع عن الخصم قابلية التفاوض، وعن الذات قابلية المراجعة.
تزداد هذه الدينامية حدة عندما تعمل منصات الاتصال في الزمن الفعلي. فالمعنى لا ينتظر بيانًا رسميًا طويلًا؛ إنه يُنتج في مقاطع قصيرة، وصور، وشعارات، وتفسيرات سريعة تنتشر قبل أن تكتمل الوقائع. بذلك تتحرك السردية أسرع من التحقيق، وينتشر التأويل قبل أن تظهر الأدلة. وعندما يسبق المعنىُ التحققَ، تصبح السياسة أسيرة موجة انفعالية يصعب عكسها.
خامسًا: إيران بين الشرعية الدينية وإدارة الصدمة
لا ينبغي قراءة الخطاب الإيراني بعد الضربات بوصفه تعبيرًا دينيًا خالصًا منفصلًا عن بنية الدولة. فالتقارير التي تحدثت عن صعود دور الحرس الثوري ومجلس الأمن القومي الأعلى في إدارة الحرب تشير إلى أن مركز القرار الإيراني شهد، على الأرجح، انتقالًا أكبر نحو البنية الأمنية ـ العسكرية في ظل صدمة القيادة والحرب [6].
في هذا السياق، تؤدي اللغة الدينية وظيفة مزدوجة. فهي من جهة تمنح الجمهور إطارًا لفهم الخسارة بوصفها تضحية أو شهادة أو ثأرًا مؤجلًا. وهي من جهة أخرى تمنح المؤسسة الأمنية غطاءً رمزيًا للاستمرار في إدارة الحرب وتثبيت التماسك الداخلي. لا يعني ذلك أن الدين مجرد أداة مصطنعة؛ فله جذوره الاجتماعية والعقائدية داخل النظام. غير أن وظيفته السياسية في لحظة الحرب تتجاوز الوعظ والتعبئة إلى حفظ شرعية القرار في ظرف استثنائي.
تدل هذه النقطة على أن الصراع ليس فقط بين ثلاث دول أو ثلاث سرديات. إنه أيضًا صراع حول من يملك تعريف الخسارة. فالطرف الذي ينجح في تحويل الخسارة إلى معنى قابل للتعبئة يشتري وقتًا سياسيًا. أما الطرف الذي يفشل في ذلك، فيواجه الحرب بوصفها كلفة عارية يصعب تحملها. لذلك تتحول اللغة الدينية في الحرب إلى أداة لإدارة الصدمة بقدر ما هي أداة للتحريض.
سادسًا: القانون الدولي الإنساني أمام اختبار السرعة والمعنى
يعمل القانون الدولي الإنساني على فرض قيود على الحرب من داخل الحرب نفسها: التمييز بين المدني والمقاتل، التناسب بين المكسب العسكري والضرر المتوقع، اتخاذ الاحتياطات الممكنة، ومنع العنف غير الضروري. غير أن هذه المبادئ تحتاج إلى زمن ومعرفة وإسناد مؤسسي. فإذا تقلص زمن القرار بفعل أنظمة الاستهداف، وتصلب معنى الحرب بفعل الخطاب المقدس، دخل القانون في مواجهة مزدوجة: مواجهة مع السرعة، ومواجهة مع القداسة السياسية.
لا تكفي في هذا السياق عبارة «الإنسان في الحلقة». فالحلقة قد تصبح ضيقة إلى حد لا يسمح بحكم إنساني فعلي. المطلوب هو رقابة بشرية ذات مضمون: فهم مصدر البيانات، قدرة على التدخل، حق في الرفض، وقت كافٍ للمراجعة، مسؤولية قيادية واضحة، وأثر قانوني قابل للتتبع. من دون ذلك، تتحول الرقابة البشرية إلى توقيع إجرائي على مخرجات نظام لا يستطيع الموقّع تفسيره بالكامل.
كما لا يكفي الاكتفاء بإدانة الخطاب الديني في ذاته. فالمطلوب أدق من ذلك: فصل الوظيفة الأخلاقية للدين عن توظيفه التعبوي. يستطيع الدين أن يقيّد الحرب عندما يذكّر بحرمة المدنيين والكرامة والرحمة وحدود القوة. لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى لغة ترخيص نهائي، أو عندما يُستخدم لإخراج الخصم من دائرة الإنسان السياسي القابل للتفاوض.
لا تُنتج التقنية معنى الحرب، لكنها قد تسلبها زمن التحقق؛ ولا يُنتج الدين الهدف العسكري، لكنه قد يمنحه حصانة رمزية إذا انفصل عن وظيفته الأخلاقية.
خلاصة .
تكشف حرب إيران ٢٠٢٦ عن طور جديد من العنف السياسي: طور لا تبرره الخوارزمية وحدها، ولا يطلقه المقدس وحده، بل يتشكل عند نقطة التقاء الاثنين. فالخوارزمية تضغط زمن القرار، والخطاب المقدس يرفع كلفة المراجعة، والسياسة تستخدم هذا التلاقي لتوسيع هامش القوة وتقليص هامش السؤال.
لذلك لا يتمثل التحدي في رفض التقنية أو إدانة الدين. التقنية قد تساعد في حماية المدنيين إذا خضعت لرقابة صارمة وشفافية ومسؤولية بشرية حقيقية. والدين قد يؤدي وظيفة أخلاقية مقيدة للعنف إذا لم يُختزل في خطاب تعبئة. أما الخطر فيظهر عندما تُنزع عن التقنية قابليتها للمساءلة، وتُنزع عن الدين وظيفته الأخلاقية، ويجتمعان داخل قرار عسكري سريع يطلب من الجمهور التصديق قبل الفهم.
بهذا المعنى، لا تحتاج الحرب الحديثة إلى مزيد من الذكاء الآلي فقط، بل تحتاج إلى إبطاء مقصود للقرار حيث تكون الحياة المدنية على المحك. وتحتاج أيضًا إلى لغة سياسية تعيد النزاع إلى مجال المصلحة والقانون، لا إلى مجال الخلاص والثأر والحتمية. من دون ذلك، ستصبح الشاشة أكثر من أداة تشغيل؛ ستتحول إلى محراب لقرار لا يرى الإنسان إلا متأخرًا، بعد أن تكون الخوارزمية قد أنتجت الهدف، والخطاب المقدس قد حصّنه من السؤال.
















