من هدنة الضرورة إلى تفاوض ما بعد الحرب
لبنان بين تبريد الجبهة وتعذّر التسوية في ربيع 2026
الملخص
تجادل هذه الدراسة بأن الهدنة المعلنة بين لبنان وإسرائيل في 16 نيسان/أبريل 2026 لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها بداية سلام، ولا حتى بوصفها وقفًا متوازنًا لإطلاق النار بالمعنى التقليدي، بل بوصفها ترتيبًا انتقاليًا صُمم لتبريد جبهة بلغت كلفة انفلاتها حدًا صار يهدد ملفات أكبر منها. فالنص الذي رعته واشنطن أوقف الأعمال القتالية لعشرة أيام قابلة للتمديد، لكنه فعل ذلك على أساس غير متماثل: التزامات مباشرة على الدولة اللبنانية لمنع الهجمات من أراضيها، وحق إسرائيلي واسع في تفسير الخطر وممارسة «الدفاع عن النفس»، مع بقاء قوات إسرائيلية داخل الجنوب وعدم إدراج ملف نزع سلاح حزب الله أو عودة النازحين أو الانسحاب الكامل ضمن استحقاقات فورية للهدنة [1][2][3].
تنطلق الدراسة من فرضية بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في نتائجها: باب التفاوض في لبنان لم يُفتح لأن الحرب انتهت، بل لأن الحرب وصلت إلى نقطة لم يعد ممكنًا معها تركها تعمل بمنطقها المفتوح. لذلك جاء التفاوض داخل الحرب وتحت سقفها، لا بعدها. وتُظهر القراءة الدقيقة للمسار الزمني أن الهدنة اللبنانية ارتبطت، منذ لحظة ولادتها، بمحاولة أميركية أوسع لحماية تفاوض هش مع إيران، وبسعي إسرائيلي إلى تحويل نتائج القتال إلى هندسة أمنية جديدة في الجنوب، وبحاجة لبنانية عاجلة إلى وقف الاستنزاف من دون الانزلاق إلى تسوية داخلية منفجرة، وبموقف من حزب الله يقبل التهدئة العملياتية ويرفض أن تتحول إلى إطار سياسي يقرّر مصيره من دونه [4][5][6][7].
وعليه، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت الهدنة ستصمد أيامًا إضافية أو تنهار عند أول اختبار فحسب، بل ما إذا كانت قادرة على نقل النزاع من إدارة الاشتعال إلى تقليص أسبابه. وتخلص الدراسة إلى أن هذا الانتقال ما يزال بعيدًا. فالمرجعية القانونية، أي القرار 1701 وما تبعه من ترتيبات، ما تزال قائمة، لكن الفجوة بين النصوص وموازين القوة الفعلية ما تزال واسعة. والدولة اللبنانية مطالبة باستعادة السيادة في لحظة ضعف بنيوي غير مسبوقة؛ وإسرائيل تسعى إلى معادلة أمنية تترجم تفوقها العسكري من دون أن تضمن قابليتها للحياة سياسيًا؛ وحزب الله لا يبدو مستعدًا لمنح شرعية مجانية لمسار قد يفتح ملف السلاح تحت الضغط الخارجي؛ أما السقف الحقيقي للهدنة فيبقى مرتبطًا بالمسار الأميركي–الإيراني أكثر مما يرتبط بالنقاش اللبناني الداخلي وحده [1][4][8][9]. ومن ثم، فإن الهدنة تُفهم، في المدى المنظور، بوصفها أداة لإدارة التناقضات لا لتجاوزها، وترتيبًا لتبريد الصراع لا لحسمه.
الكلمات المفتاحية
لبنان؛ إسرائيل؛ حزب الله؛ وقف إطلاق النار؛ الهدنة؛ القرار 1701؛ السيادة؛ الحدود البرية؛ الولايات المتحدة؛ إيران؛ التفاوض تحت النار؛ ما بعد الحرب.
مقدمة
لا يصح النظر إلى هدنة نيسان/أبريل 2026 من زاوية تقنية ضيقة، كأنها مجرد نص أمني يوقف تبادل النار ثم يفسح المجال لما بعده. ما يجري في لبنان أوسع من ذلك بكثير. فالهدنة الحالية وُلدت على أنقاض حرب لم تنتهِ سياسيًا، وعلى حافة تفاوض إقليمي هش، وفي قلب اختلال لبناني داخلي يجعل كل بند أمني مسألة سيادية، وكل خطوة تفاوضية مسألة توازن داخلي، وكل حديث عن «السلام» أو «التطبيع» قفزًا فوق بنية نزاع لم تُحسم أسبابه بعد. ولهذا فإن فهم الهدنة يقتضي أولًا نزعها من اللغة الدبلوماسية المريحة التي تحيط بها، وإعادتها إلى سياقها الفعلي: هي وقف نار يخدم التفاوض، لا تسوية أنهت النزاع [1][2].
تكمن أهمية هذا التوصيف في أنه يغيّر زاوية القراءة كلها. فإذا عوملت الهدنة بوصفها بداية سلام، بدا تعثرها لاحقًا فشلًا مفاجئًا. أما إذا فُهمت بوصفها ترتيبًا انتقاليًا لإدارة التوتر تحت ضغط الضرورة، فإن قوتها وضعفها يظهران معًا من اللحظة الأولى: قوتها في أنها أوقفت مستوى من التدهور لم يعد محتمَلًا؛ وضعفها في أنها لم تُنجز الشروط البنيوية لاستقرار مستدام. والخلط بين الأمرين هو ما أنتج، في كثير من التغطيات، تذبذبًا بين تفاؤل دعائي مفرط وتشاؤم اختزالي لا يرى إلا هشاشتها. الدراسة الحالية تسعى إلى تجاوز هذا الاستقطاب، والقراءة من داخل منطق اللحظة نفسها [1][4].
تنبع أهمية الدراسة أيضًا من طبيعة الموضوع نفسه. فلبنان لا يقف هنا أمام نزاع ثنائي بسيط يمكن أن تُفهم دينامياته من خلال طرفين وحدهما، بل أمام عقدة متداخلة بين المحلي والإقليمي والدولي. فملف الجنوب اللبناني يتصل في الوقت نفسه بمسألة الدولة والسلاح والتمثيل الطائفي في الداخل، وبمعادلة الردع والاحتواء على الجبهة مع إسرائيل، وبالمساومة الأوسع بين واشنطن وطهران. وهذا التداخل هو ما يجعل أي تبسيط للحظة الراهنة، سواء عبر اختزالها في الأمن فقط أو في الدبلوماسية فقط، تبسيطًا مخلاً.
والأهم أن هذه اللحظة تضع سؤال السيادة اللبنانية في مركز التحليل من جديد، لكن بصيغة مختلفة عن الصيغ القديمة. فالسؤال اليوم ليس مجرد: هل توجد سيادة أم لا؟ بل: ما نوع السيادة الممكنة في دولة منهكة ماليًا ومؤسسيًا، وفي ظل وجود قوة مسلحة غير دولية ما تزال مؤثرة، وجيش يريد الانتشار لكنه لا يحتكر كل أدوات الإكراه، وعدو يملك فائضًا ناريًا ويريد أن يحوله إلى معادلة دائمة؟ بهذا المعنى، فإن دراسة الهدنة هي، في الجوهر، دراسة لصعوبة الدولة في لحظة ما بعد الحرب بقدر ما هي دراسة لنص وقف النار نفسه.
سؤال الدراسة وفرضيتها ومنهجها
تنطلق هذه الدراسة من سؤال مركزي: لماذا فُتح باب التفاوض في لبنان قبل أن تتوقف الحرب فعلًا، وما الذي يمكن أن تنتجه هدنة 16 نيسان/أبريل 2026، وما الذي تعجز بطبيعتها عن إنتاجه؟ ويتفرع من هذا السؤال ثلاثة أسئلة فرعية: أولًا، ما طبيعة العلاقة بين النص القانوني المنظم للهدنة وبين موازين القوة الفعلية على الأرض؟ ثانيًا، كيف يتوزع الفاعلون، اللبنانيون والإسرائيليون والإقليميون والدوليون، بين أهداف متعارضة يكفي تقاطعها لإنتاج تهدئة مؤقتة لكنه لا يكفي لصنع تسوية؟ ثالثًا، ما السقف الواقعي للمفاوضات المفتوحة بعد الهدنة، وما المؤشرات التي تسمح بالتمييز بين تمديد هش للتبريد وبين انتقال أبطأ نحو ترتيبات أكثر صلابة؟
وتدافع الدراسة عن فرضية مفادها أن التفاوض لم يُفتح بعد الحرب بل داخلها، لأن الجبهة اللبنانية تحولت إلى عقدة اتصال بين مستويات نزاع متعددة: نزاع لبناني–إسرائيلي مباشر، وصراع داخلي على معنى السيادة واحتكار القوة، ومساومة أوسع بين واشنطن وطهران. في مثل هذا النوع من النزاعات، لا يكون وقف النار دائمًا نتيجةً لتسوية ناضجة؛ قد يكون أحيانًا وسيلة لإنتاج فسحة تفاوضية تمنع الحرب من إرباك ملفات أكبر أو جعلها غير قابلة للإدارة. وهذا ما حدث هنا على الأرجح [4][5][8].
أما منهج الدراسة فيقوم على الجمع بين التحليل الزمني–السببي وتحليل الفاعلين. فهي لا تكتفي بتوصيف بنود الهدنة، بل تقرأ النص من خلال سياقه التاريخي القريب، ومن خلال مصالح الأطراف وأدواتهم ومخاوفهم وحدود قدرتهم. كما تميز، على نحو مقصود، بين الواقعة والتفسير والتقدير. فالوقائع الأساسية تُستند إلى وثائق أممية ورسمية وتقارير اقتصادية دولية وتغطيات خبرية موثوقة. أما التقدير فيتصل بفرص الصمود، وبالسقوف التفاوضية، وبالاتجاهات الراجحة في سلوك الأطراف. هذا التمييز ضروري، لأن أحد أضرار الكتابة السياسية السريعة هو القفز من الحدث إلى الاستنتاج من دون طبقات تفسيرية كافية.
وتتبنى الدراسة، إضافة إلى ذلك، منظورًا نقديًا تجاه اللغة المستخدمة من جميع الأطراف. فلا تُقرأ العبارات مثل «السلام»، و«الدفاع عن النفس»، و«اتفاقات دائمة»، و«حق المقاومة» بوصفها أوصافًا محايدة، بل بوصفها أدوات في معركة تعريف الواقع ورفع السقوف وتقييد الخصم. إن الصراع، في هذه اللحظة، لا يدور على الأرض وحدها؛ بل يدور أيضًا على المعنى: من يعرّف الهدنة؟ من يعرّف الخرق؟ من يملك حق وصف الخطوة المقبلة بأنها تهدئة أو تسوية أو استسلام أو إنجاز؟ ولذلك فإن تحليل الخطاب ليس زينة تفسيرية هنا، بل جزء من فهم ميزان القوة نفسه.
جدول زمني موجز للحظة الراهنة
|
التاريخ |
الحدث والدلالة |
|
26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 |
إعلان وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل بوصفه إطارًا لتثبيت تطبيق القرار 1701 [10]. |
|
آب/أغسطس 2025 |
القرار 2790 يجدد ولاية اليونيفيل ويرحب بترتيب 2024 ويؤكد ضرورة انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأزرق [11]. |
|
2 آذار/مارس 2026 |
اتساع القتال على الجبهة اللبنانية بعد إطلاق حزب الله النار دعمًا لإيران، وفق رواية رويترز [5]. |
|
8–14 نيسان/أبريل 2026 |
موجة تصعيد قاسية ومحادثات مباشرة نادرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية [4][12]. |
|
16 نيسان/أبريل 2026 |
دخول هدنة لعشرة أيام قابلة للتمديد حيّز التنفيذ [2]. |
|
17 نيسان/أبريل 2026 |
خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون حول تحويل الهدنة إلى اتفاقات دائمة تحفظ السيادة والحقوق [3]. |
|
18 نيسان/أبريل 2026 |
استمرار اختبار صمود الهدنة على وقع بقاء القوات الإسرائيلية داخل الجنوب وتواصل النقاش حول الانسحاب والضمانات والتفاوض التالي [1][3]. |
في الإطار المفهومي: الهدنة بوصفها أداة لإدارة النزاع
يُفترض عادةً في الوعي العام أن الهدنة نقيض الحرب، وأنها تقف في مقابلها بوصفها لحظة توقف تمهد تلقائيًا للسياسة. غير أن الأدبيات الحديثة حول وقف إطلاق النار أكثر حذرًا بكثير من هذا التصور. فالهدنة قد تكون، في كثير من الحالات، أداة لتنظيم النزاع لا لتعليقه نهائيًا، وآلية لتثبيت توازنات مؤقتة أو إعادة توزيع الموارد والوقت والضغط، بدل أن تكون جسرًا مباشرًا إلى السلام [18][19]. ومن ثم، فإن المعيار الصحيح لفهمها ليس مجرد عدد الأيام التي تصمدها، بل الوظيفة التي صُممت لأجلها وموازين القوة التي سمحت بها.
في بعض النزاعات، تأتي الهدنة بعد أن يقتنع الخصوم، أو بعضهم على الأقل، بأن استمرار القتال لن يغير النتائج الأساسية. في حالات أخرى، تأتي لأن الحرب نفسها باتت تهدد بإرباك مسارات أخرى: انتخابية، داخلية، إقليمية، أو دولية. وفي النوع الثاني تحديدًا، يكون وقف النار أقرب إلى «ترتيب ضرورة» منه إلى «محطة سلام». أي إنه يخلق مساحة مؤقتة لإدارة الخلافات أو لنقلها من الميدان إلى الطاولة، من دون أن يلغي أن الميدان سيظل حاضرًا كمرجع أخير لكل تفسير أو خرق أو تصعيد محتمل. لبنان في ربيع 2026 يندرج بوضوح شديد في هذا النوع الثاني.
وتتضاعف هشاشة هذا الصنف من الهدن عندما يتحقق فيه ثلاثة شروط معًا: غموض في تعريف الخرق؛ عدم تماثل في الالتزامات؛ وارتباط الهدنة بتفاهمات إقليمية أكبر من مسرحها المباشر. هذه الشروط الثلاثة حاضرة في الحالة اللبنانية. فبند «الدفاع عن النفس» يترك مساحة تفسيرية واسعة؛ والالتزامات الملقاة على الدولة اللبنانية ليست مماثلة للحقوق الإسرائيلية المعلنة؛ والهدنة، بحسب أكثر من مصدر، جاءت في سياق محاولة أميركية لحماية تفاوض مع إيران ومنع الجبهة اللبنانية من تخريبه [1][2][4][6].
هكذا يصبح مهمًا، منهجيًا، ألا نُحمّل الهدنة ما لم تُصمم أصلًا لإنجازه. فإذا قيل عنها إنها «فشلت» لأنها لم تصنع سلامًا خلال أيام، كان في ذلك سوء فهم لطبيعتها. وإذا قيل إنها «نجحت» لمجرد أنها خفضت النار، كان في ذلك أيضًا مبالغة تتغافل عن محدودية وظيفتها. المقاربة الأدق هي أن تُعامل بوصفها أداة انتقالية: قد تنجح في منع الانهيار الفوري، وقد تفشل في أن تصير أكثر من ذلك. وحين يتعلق الأمر بلبنان، فإن هذا التمييز يكتسب أهمية إضافية بسبب ثقل التاريخ القريب وطبيعة التشابك بين المحلي والإقليمي.
من 1701 إلى ترتيب 2024: استقرار معلّق على نصوص لا تكفي
لكي نفهم لماذا تبدو هدنة 2026 مألوفة في شكلها وغامضة في نتائجها، ينبغي العودة إلى البنية التي حكمت الجنوب اللبناني منذ حرب تموز/يوليو 2006. فالقرار 1701 لم يكن مجرد دعوة عامة إلى وقف النار، بل إطارًا قانونيًا وسياسيًا متكاملًا نسبيًا: وقف كامل للأعمال العدائية، انسحاب إسرائيلي بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، تعزيز ولاية اليونيفيل، وحصر السلاح جنوب الليطاني بيد الدولة اللبنانية والقوة الدولية [13]. هذه المعادلة، في ظاهرها، بدت كافية لإنتاج استقرار طويل. غير أن التجربة اللاحقة أظهرت أن الاستقرار القانوني ليس مرادفًا للاستقرار السياسي، وأن النصوص، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها ملء الفراغ الناتج عن اختلال موازين القوة وتعثر بناء الدولة.
المشكلة المزمنة لم تكن في غياب المرجعية، بل في الفجوة بين المرجعية ومن يطبقها ومن يملك تعطيلها. فقد افترض القرار 1701 ضمنًا إمكان الفصل بين الدولة اللبنانية وبين الفاعل المسلح الأقوى داخلها، كما افترض حدًا أدنى من استعداد إسرائيل للانضباط داخل ترتيبات أمنية دولية لا تمنحها حقًا مفتوحًا في العمل الأحادي داخل لبنان. لكن الواقع مضى في اتجاه آخر: احتفظت إسرائيل بمنطق أمني ينظر إلى الجنوب اللبناني بوصفه مجالًا يجب أن يظل قابلًا للضبط بالقوة؛ واحتفظ حزب الله بسلاحه ودوره العسكري والسياسي والإقليمي؛ وبقيت الدولة اللبنانية عالقة بين شرعية دستورية معترف بها دوليًا وضعف داخلي متراكم يمنعها من ترجمة هذه الشرعية إلى احتكار ناجز للعنف المشروع [13][14].
ترتيب 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أعاد، عمليًا، إنتاج هذا المأزق بصيغة جديدة. فقد أكّد وقف الأعمال العدائية وطلب من لبنان منع حزب الله وغيره من الجماعات المسلحة من تنفيذ عمليات ضد إسرائيل انطلاقًا من أراضيه، ومن إسرائيل وقف عملياتها الهجومية، مع التزام مشترك بتطبيق القرار 1701 وحصر السلاح بالقوات الشرعية اللبنانية. ورغم أن هذا الترتيب حمل أملًا قصير الأجل، فإنه لم ينجح في حل القضايا التي جعلته هشًا: لم يُنجز الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ولم يتحول انتشار الجيش اللبناني إلى احتكار فعلي للقوة، ولم يُحسم معنى الخرق وحدود الرد المشروع [10][11][15].
وتفيد تقارير الأمم المتحدة حتى شباط/فبراير 2026 بأن التوترات على طول الخط الأزرق لم تتوقف أصلًا. صحيح أن الانتشار الإضافي للجيش اللبناني في الجنوب عُدّ خطوة مهمة، وصحيح أن القرار 2790 رحّب بذلك، لكن التطبيق ظل يجري في بيئة متوترة وناقصة السيادة. وقد أكدت اليونيفيل والأمين العام للأمم المتحدة، في تقارير وبيانات لاحقة، استمرار الخروقات والتوترات ووجود إسرائيلي داخل أراضٍ لبنانية على نحو يتنافى مع روح 1701 ومقتضياته [11][14][15]. من هنا، تبدو حرب 2026 أقل شبهًا بانقطاع عن السياق وأكثر شبهًا بعودة مفاجئة إلى سؤال قديم لم يُجب عنه: من يملك فعليًا تقرير السلم والحرب في الجنوب اللبناني؟
تظهر هنا أيضًا محدودية الرهان على المرجعية الدولية المجردة. فالقرار 1701 ما زال موجودًا، واليونيفيل ما زالت قائمة، والدعم الدولي للجيش اللبناني مستمر، لكن ذلك لم يمنع تحول الجنوب إلى فضاء معلق بين القانون والسياسة. فحين تكون بنية الدولة ضعيفة، وحين تحتفظ إسرائيل بحق أمني واسع لنفسها، وحين يبقى السلاح غير الرسمي خارج التسوية الداخلية، فإن أفضل النصوص قد يتحول إلى سقف لغوي للنزاع لا إلى قاعدة صلبة لتنظيمه. وهذا هو الإرث الذي ورثته هدنة 2026، لا إرث الاستقرار بل إرث الاستقرار الناقص.
حرب ربيع 2026: كيف عادت الجبهة اللبنانية إلى قلب المساومة الإقليمية؟
حين اتسع القتال في 2 آذار/مارس 2026، لم يكن ذلك مجرد انفجار حدودي جديد. بحسب رواية رويترز، جاء إطلاق النار من جانب حزب الله دعمًا لإيران في سياق حرب أوسع كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضانها على مستويات مختلفة مع طهران، ما جعل الجبهة اللبنانية منذ لحظتها الأولى جبهة مرتبطة بحسابات تتجاوزها [5]. إسرائيل ردت بتكثيف هجماتها الجوية ثم بتوسيع توغلها البري في الجنوب، وأصدرت أوامر إخلاء واسعة دفعت مئات آلاف اللبنانيين إلى النزوح. وبعد أسابيع قليلة، كانت الكلفة الإنسانية والسياسية قد تجاوزت ما يمكن لأي طرف أن يدّعي أنه يسيطر عليه بالكامل [5][16].
هذا التوسع السريع في الكلفة هو الذي يفسر لماذا لم تتجه الحرب إلى حسم، بل إلى بحث سريع عن ترتيب تبريد. فالحرب، على عنفها، لم تنتج وضعًا يسمح لطرف بفرض نهاية سياسية نهائية. إسرائيل ألحقت دمارًا واسعًا وراكمت أوراق ضغط ميدانية، لكنها لم تحصل على ما تسميه «إنهاء تهديد حزب الله» أو نزع سلاحه. وحزب الله أثبت قدرته على إبقاء الجبهة فاعلة، لكنه لم يكن في موقع يسمح له بتحويل الصمود العملياتي إلى مكسب سياسي واضح، لا سيما مع الكلفة الاجتماعية اللبنانية الباهظة. أما الدولة اللبنانية فوجدت نفسها، مرة أخرى، تفاوض باسم السيادة في اللحظة التي تتعرض فيها هذه السيادة للانتهاك الأكثر وضوحًا [1][5][12].
تكتسب هذه النقطة معنى أعمق إذا وُضعت داخل الحساب الأميركي. فإدارة واشنطن لم تكن تتعامل مع الجبهة اللبنانية بوصفها ملفًا منفصلًا؛ بل بوصفها عقدة قد تقوّض مسارًا تفاوضيًا هشًا مع إيران. ولهذا، كما أوضحت رويترز، جاء الضغط الأميركي لفتح محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 14 نيسان/أبريل، أي قبل الهدنة بيومين فقط، في محاولة لتجنيب المسار الأميركي–الإيراني مزيدًا من التعقيد [4]. بهذا المعنى، لم تعد الحرب في الجنوب مجرد اشتباك حدودي، بل صارت وظيفة داخل مساومة أكبر: إذا تُركت تنفلت، أفسدت ما فوقها؛ وإذا بُردت مؤقتًا، أمكن أن تُستخدم بوصفها منصة لتفاوض أوسع.
على المستوى اللبناني الداخلي، أنتجت الحرب أيضًا أثرًا بالغ الحساسية: لقد وسعت الفجوة بين الحاجة إلى الدولة وبين محدودية الدولة. فكلما زادت الضربات الإسرائيلية واتسع النزوح، ازدادت الحاجة الشعبية والمؤسساتية إلى مرجعية رسمية توقف النزف. لكن كلما طُلب من الدولة أن تتصرف بوصفها صاحبة القرار الأوحد في الجنوب، ظهر بوضوح أنها لا تملك بعد وحدها كل أدوات ذلك. وهذا التناقض هو ما يجعل الحرب الأخيرة لحظة تأسيسية لا لأنها أنهت شيئًا، بل لأنها وضعت أزمة الدولة اللبنانية مرة أخرى في مركز المعنى السياسي للأحداث.
هدنة 16 نيسان/أبريل 2026: نص التهدئة وحدود النص
دخلت الهدنة حيّز التنفيذ في 16 نيسان/أبريل لمدة عشرة أيام قابلة للتمديد. وينص الترتيب، وفق ما نقلته رويترز ووزارة الخارجية الأميركية، على وقف الأعمال القتالية، وعلى أن يتخذ لبنان بدعم دولي خطوات «ذات معنى» لمنع الهجمات من أراضيه، وعلى أن تكون القوات الشرعية اللبنانية وحدها صاحبة الحق في الدفاع عن السيادة. لكن النص نفسه يمنح إسرائيل حق اتخاذ «كل الإجراءات اللازمة دفاعًا عن النفس» في مواجهة هجوم مخطط له أو وشيك أو جارٍ، ولا يفرض عليها انسحابًا فوريًا من مواقعها داخل الجنوب [1][2][17]. وفي هذا التفاوت وحده تكمن البذرة الأولى لكل الالتباسات اللاحقة.
فالهدنة لا تُبنى هنا على تماثل الالتزامات، بل على توزيع غير متساوٍ للواجبات والحقوق. الدولة اللبنانية مطالبة بأداء وظيفة سيادية كاملة: منع الهجمات، الإمساك بالأرض، وتأكيد احتكار المؤسسات الرسمية للسلاح الشرعي. في المقابل، تحتفظ إسرائيل بحق منفرد في تقدير الخطر وتحديد توقيت الرد وحدوده. وهذا يعني أن أحد طرفي الهدنة مُلزم بإثبات الانضباط، فيما يظل الطرف الآخر محتفظًا بسلطة تفسيرية واسعة على معنى الخرق نفسه. لذلك فإن النص لا يوقف النار على أساس قانوني متوازن، بل على أساس براغماتي يقبل منذ البداية بقدر من الغموض المقصود [1][2].
إلى ذلك، فإن ما لم يقله النص لا يقل أهمية عما قاله. فالهدنة لا تفرض نزع سلاح حزب الله، على الرغم من أنه مطلب إسرائيلي معلن. ولا تعالج عودة النازحين اللبنانيين إلى مناطق لا تزال تحت الاحتلال أو التهديد المباشر. ولا تضع جدولًا زمنيًا ملزمًا للانسحاب الإسرائيلي. ولا تحسم ما إذا كانت المفاوضات اللاحقة ستبقى محصورة في تثبيت الهدنة والانسحاب والحدود، أم ستُدفع تدريجيًا إلى مستوى أوسع من «السلام» أو «التطبيع» [1][3][12]. وبذلك تكون الهدنة قد عالجت إدارة التهدئة، لكنها رحّلت أصل الصراع السياسي والعسكري إلى مرحلة لاحقة.
هذا الترحيـل ليس عيبًا تقنيًا فحسب؛ إنه جزء من وظيفة النص نفسه. ففي النزاعات المركبة، تُكتب بعض النصوص لكي تُبقي الأسئلة الكبرى مفتوحة، لا لكي تجيب عنها. الهدنة الحالية واحدة من هذه النصوص. إنها تحاول خلق أرضية هشة تكفي لوقف الاندفاع نحو الحرب الشاملة، لكنها تتعمد تجنب القضايا التي يمكن أن تمنع ولادتها أصلًا. بهذا المعنى، هي اتفاق على إدارة الأسئلة أكثر من كونها اتفاقًا على الإجابات.
وتزداد هذه الحقيقة وضوحًا حين نلاحظ أن النص يتحدث عن «وقف الأعمال القتالية» أكثر مما يتحدث عن «تسوية» أو «اتفاق نهائي». فاللغة هنا ليست محايدة. هي لغة تبريد وإرجاء وإدارة مخاطر، لا لغة إغلاق ملفات. ولذلك فإن توقعات الرأي العام والإعلام كثيرًا ما تسبق ما يستطيع النص تحمله. وما يفسر جانبًا من سوء الفهم المحيط بالهدنة أن كثيرين أرادوا منها أن تقول ما تعمدت هي، سياسيًا، ألا تقوله.
لماذا بدأ التفاوض قبل أن تتوقف الحرب فعلًا؟
الجواب الأرجح هو أن الأطراف لم تكن تنتظر لحظة هدوء كامل لكي تبدأ التفاوض، بل كانت تحتاج إلى التفاوض كي تُنتج حدًا أدنى من الهدوء. هذا الفرق مهم. فالحديث عن «مفاوضات ما بعد الحرب» يفترض أن الحرب انتهت ثم جلست الأطراف لصوغ تسوية. أما ما حدث في لبنان، فهو أقرب إلى «مفاوضات تحت النار»: اجتمع اللبنانيون والإسرائيليون في واشنطن، بوساطة أميركية، بينما كانت الجبهة لا تزال مشتعلة، لأن المطلوب لم يكن صياغة نهاية متفق عليها للحرب، بل منعها من تجاوز السقف الذي يستطيع اللاعبون الإقليميون والدوليون تحمّله [4][5].
هنا تحديدًا تبرز العلاقة العضوية بين المسار اللبناني والمسار الأميركي–الإيراني. فوفق رويترز، كانت إسرائيل وحزب الله، ومن خلفهما واشنطن وطهران، يتحركون في لحظة يخشى فيها الجميع من أن يؤدي استمرار الاشتعال في لبنان إلى تخريب مسار تفاوض أكبر حول الحرب مع إيران والملف النووي وحرية الملاحة في هرمز [2][6][7]. ولذلك لم يكن التفاوض اللبناني ترفًا دبلوماسيًا، بل أداة لإعادة تنظيم الأولويات. واشنطن تريد جبهة أهدأ لكي لا ينكسر مسارها الأوسع. إيران تريد منع استخدام الساحة اللبنانية أداة ابتزاز مستمرة ضدها. إسرائيل تريد ترجمة القوة العسكرية إلى هندسة أمنية جديدة. ولبنان يريد تجنب انهيار أشمل. عند هذه النقطة بالتحديد، يصبح التفاوض ممكنًا قبل انتهاء الحرب، بل يصبح ضروريًا لأن الحرب نفسها لم تعد قابلة للاستمرار بالصورة ذاتها.
الأدبيات الحديثة عن وقف إطلاق النار تؤيد هذا المنطق. فبعض الهدن لا يولد بعد نضوج التسوية، بل قبلها، بوصفه وسيلة لتعليق النزاع عند مستوى يمكن إدارته لا حله. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الهدنة نقيض الحرب بقدر ما تكون أحد أشكال تنظيمها السياسي. ما يجعل هدنة لبنان 2026 شديدة الدلالة أنها تندرج بدقة تقريبًا في هذا الصنف: نص قصير الأجل، غامض في بعض مفاهيمه المركزية، غير متماثل في التزاماته، ومتصّل بمفاوضة إقليمية أوسع من المسرح المباشر [18][19].
والأهم أن التفاوض هنا لم يكن نتيجة تلاقي إرادات سلمية، بل نتيجة تلاقي ضرورات غير متشابهة. وهذا ما يفسر هشاشته في الوقت نفسه. حين يجلس الأطراف لأن الحرب صارت باهظة، لا لأن تصورًا مشتركًا للمستقبل قد نضج، يكون ما يجمعهم أضعف بطبيعة الحال. لكنه لا يكون عديم القيمة. ففي بعض الأحيان، تُبنى المسارات الأطول عمرًا فوق ترتيبات قصيرة الأجل وناقصة، لا لأنها كافية في ذاتها، بل لأنها تمنع الانهيار وتشتري وقتًا سياسيًا ثمينًا. السؤال في الحالة اللبنانية هو: هل يمكن لهذا الوقت المشتَرى أن يتحول إلى شيء أكثر من مجرد إرجاء للمواجهة؟
الدولة اللبنانية بين مطلب السيادة وحدود القدرة
تُستدعى الدولة اللبنانية إلى هذا المسار بوصفها الطرف الشرعي الوحيد القادر على التفاوض باسم السيادة، لكنها تصل إليه مثقلة بضعف مركب: اقتصادي، ومؤسسي، وعسكري، وسياسي. فالاقتصاد اللبناني لم يخرج أصلًا من الانهيار الطويل الذي بدأ في 2019، ثم جاءت حرب 2024 لتعمق التآكل، وقدر البنك الدولي في آذار/مارس 2025 حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، مع أضرار مباشرة بلغت 6.8 مليارات دولار وخسائر اقتصادية 7.2 مليارات، وانكماش في الناتج الحقيقي بنسبة 7.1 في المئة خلال 2024 [20]. أما تقرير الأمم المتحدة المشترك عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لحرب 2024 فأشار إلى أن الانكماش التراكمي بين 2019 و2024 بلغ نحو 38 في المئة، وأن التنمية البشرية تراجعت إلى مستوى يقارب عام 2010 [21].
هذه الخلفية ليست هامشية بالنسبة إلى فهم السلوك السياسي اللبناني. فالدولة لا تفاوض من موقع القادر على فرض تسوية، بل من موقع الساعي إلى منع الانهيار الكامل وإعادة بناء حد أدنى من السلطة الفعلية. وحين قال الرئيس جوزيف عون في 17 نيسان/أبريل إن لبنان يريد الانتقال من هدنة مؤقتة إلى «اتفاقات دائمة» من دون التنازل عن الأرض أو الحقوق، كان يعبّر عن هذا الموقع بدقة: التفاوض ليس خيار رفاهية، لكنه ليس تفويضًا مفتوحًا أيضًا. المطلوب حماية ما يمكن حمايته، وتثبيت ما يمكن تثبيته، من دون السقوط في معادلة تجعل الدولة تبدو كأنها تساوم على السيادة تحت الضغط العسكري [3].
لكن المشكلة أن السيادة هنا مطلوبة بوصفها وظيفة عاجلة، بينما أدواتها ناقصة. فالجيش اللبناني، رغم انتشاره المتزايد في الجنوب والدعم الدولي المستمر له، ما يزال يتحرك ضمن هامش ضيق. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن تنفيذ القرار 1701 وثّق استمرار انتشار الجيش جنوب الليطاني، لكنه أظهر أيضًا هشاشة البيئة العملياتية وصعوبة تحويل الانتشار إلى احتكار فعلي للقوة في ظل وجود إسرائيل داخل أراضٍ لبنانية واستمرار نفوذ حزب الله [15]. لذلك تُكلف الدولة اللبنانية، عمليًا، بأداء وظيفة سيادية كاملة في لحظة لا تملك فيها بعد كل مقومات هذه الوظيفة. وهذا ما يجعل موقعها التفاوضي مزدوجًا: ضروريًا من جهة، ومكشوفًا من جهة أخرى.
ومن علامات هذا الضعف أيضًا أن الدولة تفاوض وهي لا تزال تفاوض في ملفاتها المالية والمعيشية الأساسية مع الخارج. فصندوق النقد الدولي، في بعثته إلى لبنان في حزيران/يونيو 2025، شدد على بقاء أوجه قصور كبيرة في النظام المالي والمصرفي، وعلى ضرورة تسريع الإصلاحات المؤسسية والحَوكمية [25]. هذا يعني أن شرعية الدولة الخارجية لم تعد موضع شك، لكن قدرتها التنفيذية الداخلية ما زالت ضعيفة. وحين تُحمّل هذه الدولة فجأة مهمة الإمساك الكامل بحدود معقدة وبملف سلاح متشابك وبمرحلة إعادة إعمار مكلفة، فإن المشكلة لا تكون في نياتها بل في حدود طاقتها.
من هنا أيضًا تبدو المبالغة في الحديث عن «لحظة سلام لبنانية» قراءة غير دقيقة. فالدولة اللبنانية تستطيع، في المدى القريب، أن تفاوض على وقف النار، والانسحاب، وبعض الترتيبات الحدودية والأمنية. لكنها لا تستطيع، لا داخليًا ولا موضوعيًا، أن تقفز إلى إعادة تعريف شاملة لموقع لبنان الاستراتيجي أو أن تخوض مواجهة داخلية مفتوحة حول السلاح تحت رعاية خارجية مباشرة. هذا هو الحد العملي للسقف اللبناني، مهما ارتفعت اللغة السياسية في بعض اللحظات. وما يُحسب للدولة في هذه اللحظة ليس أنها قادرة على الحل الكامل، بل أنها تحاول منع الانهيار من دون أن تتخلى عن لغة السيادة.
إسرائيل: من فائض القوة إلى محاولة تثبيت معادلة أمنية جديدة
من الجهة المقابلة، لا تتصرف إسرائيل كما لو أنها تريد فقط إنهاء الحرب والعودة إلى ما قبلها. كل المعطيات تشير إلى أنها تنظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإعادة تعريف البيئة الأمنية في الجنوب اللبناني. وقد عبّر نتنياهو عن هذا المنحى حين تحدث عن رغبته في بدء محادثات سلام مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن [22]. لكن عبارة «السلام» هنا ليست توصيفًا بريئًا؛ إنها جزء من معركة رفع السقف التفاوضي. فالمطلب الإسرائيلي العملي لا يبدأ من السلام ولا ينتهي إليه مباشرة، بل يمر أولًا عبر ثلاثة أمور: جنوب منزوع التهديد، دولة لبنانية تتحمل عبء ضبط حزب الله، واحتفاظ إسرائيل بحق التدخل حين ترى أن الخطر عاد إلى التشكل.
تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 19 آذار/مارس 2026 يذهب في الاتجاه نفسه تقريبًا: إسرائيل لا تسعى إلى «إنهاء» حزب الله نهائيًا، وهو هدف يتجاوز قدراتها الواقعية، بل إلى إضعافه على نحو مستدام، وإبقائه في وضع يمنعه من استعادة قدرته على تهديد شمال إسرائيل كما كان يفعل سابقًا [9]. وهذا تقدير منطقي. فالتفوق العسكري، مهما بلغ، لا يكفي وحده لتحويل حزب الله إلى مجرد ملف أمني مغلق. ما تستطيع إسرائيل أن تفعله هو خفض قدرته، تقييد مجال حركته، وفرض ترتيبات تجعل الكلفة عليه أعلى وعلى بيئته أثقل، على أمل أن تنتج السياسة لاحقًا ما عجزت القوة عن إنجازه دفعة واحدة.
هنا يمكن فهم تمسك إسرائيل ببند «الدفاع عن النفس» وبالوجود الميداني داخل الجنوب بعد بدء الهدنة. فهي لا تريد أن تُعيد إنتاج معادلة ما قبل الحرب، التي رأت أنها سمحت لحزب الله بتعزيز بنيته العسكرية قرب الحدود. لذلك تتعامل مع الانسحاب لا بوصفه استحقاقًا فوريًا ملازمًا للهدنة، بل بوصفه ثمرة تفاوض لاحق يجب أن يترافق مع ضمانات أمنية أقوى ومع إعادة تعريف أوسع لمشهد الجنوب. غير أن هذا المنطق نفسه يحمل حدوده: فكلما طال الوجود الإسرائيلي داخل لبنان، ازدادت هشاشة الهدنة، وتعمق الاعتراض اللبناني الداخلي، واحتفظ حزب الله بذريعة مقاومة الاحتلال، وتحوّل أي خرق صغير إلى شرارة محتملة لتجدد التصعيد. أي إن إسرائيل تستطيع فرض وقائع، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويل هذه الوقائع إلى استقرار دائم من دون صفقة سياسية أوسع.
ثمة حدود إضافية لهذه المقاربة الإسرائيلية. فالنجاح العسكري لا يساوي بالضرورة نجاحًا سياسيًا. وإذا كانت إسرائيل قد تمكنت من إيقاع كلفة عالية بخصومها ومن فرض إيقاع ناري متفوق، فإن ترجمة ذلك إلى معادلة قابلة للاستمرار تتطلب ما هو أكثر من القوة: تتطلب قبولًا لبنانيًا حدّه الأدنى ألا يكون انفجاريًا، وتتطلب ترتيبات دولية أو إقليمية لا تبقي إسرائيل وحدها مسؤولة عن إدارة الجنوب، وتتطلب، قبل ذلك كله، أن لا تتحول «المنطقة العازلة» أو «حرية العمل» إلى وصفة لاستدامة الحرب باسم منعها. وهذا مأزق تعرفه إسرائيل جيدًا في ساحات أخرى، ويبدو أنها تواجهه من جديد في لبنان.
حزب الله: قبول عملياتي، ممانعة سياسية
موقف حزب الله من الهدنة يقدم مفتاحًا مهمًا لفهم المرحلة. فالحزب لم يرفض وقف النار ميدانيًا، لكنه لم يمنحه أيضًا شرعية سياسية كاملة. وهو أعلن، كما نقلت رويترز، أن الهدنة يجب ألا تتيح لإسرائيل حرية الحركة داخل لبنان، وأن بقاء القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية يبقي للبنان «حق المقاومة» [1]. هذا التمييز بين القبول العملياتي والرفض السياسي ليس تناقضًا؛ إنه طريقة الحزب في إدارة الانتقال من الحرب إلى التفاوض من دون أن يسلّم بأن قواعد ما بعد الحرب تُكتب كلها من خارجه.
يدرك الحزب، على الأرجح، أن استمرار الحرب المفتوحة يفاقم خسائره وخسائر بيئته، وأن السيطرة على إيقاع النار صارت ضرورة لا مجرد خيار. لكنه يدرك أيضًا أن انخراط الدولة اللبنانية في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية قد يُستخدم لتوسيع جدول الأعمال من تثبيت النار والانسحاب إلى ملف السلاح وموقع الحزب نفسه داخل لبنان. ومن هنا جاء رفضه أن تُفهم المفاوضات بوصفها تفويضًا بالحديث باسمه أو تقريرًا لمصيره [1][12]. في هذا المستوى، لا يعود السلاح مجرد أداة عسكرية، بل يصير عقدة سياسية وتمثيلية وإقليمية في آن واحد.
هذا ما توضحه أيضًا كتابات كارنيغي في 2025، التي لفتت إلى أن تضييق هامش حزب الله لا يعني أن ملفه صار قابلًا للحل السريع، لأن السلاح مرتبط بمكانة الطائفة الشيعية في النظام اللبناني وبالعلاقة مع إيران وبسردية المقاومة نفسها [23]. ولذلك فإن أي محاولة لنقل النقاش سريعًا من تثبيت الهدنة إلى نزع السلاح بالقوة أو عبر ضغط تفاوضي خارجي ستصطدم، على الأرجح، بحقائق داخلية أعمق من مجرد ميزان القوة العسكري. والنتيجة أن الحزب قد يقبل بتمديد الهدنة، بل وقد يتعامل ببراغماتية مع بعض ترتيباتها التنفيذية، لكنه سيظل يقاوم سياسيًا كل ما يوحي بأن المساومة الجارية تهدف إلى إعادة تشكيل لبنان من نافذة الجنوب وحدها.
ثم إن الحزب لا يتحرك، هو الآخر، في فراغ. فقاعدته الاجتماعية والسياسية تراقب كلفة الحرب وكلفة التهدئة معًا. وإذا كان التصعيد الواسع يرهق البيئة التي يحمل الحزب تمثيلًا مهمًا داخلها، فإن أي تسوية سريعة تبدو كأنها تُفرض على هذه البيئة من فوق قد تُحدث أيضًا اهتزازًا في شرعية الحزب الداخلية. لذلك فإن سلوكه المرجح هو الجمع بين الانضباط العملياتي النسبي والاعتراض السياسي المستمر، أي البقاء داخل منطقة رمادية تسمح له بعدم إفشال الهدنة فورًا، وعدم منحها معنى نهائيًا في الوقت نفسه. وهذه المنطقة الرمادية، على كل تعقيدها، جزء من تفسير بقاء الهدنة ممكنًا ومن تفسير محدوديتها معًا.
واشنطن وطهران: السقف الخارجي للهدنة
يصعب فهم الهدنة اللبنانية بمعزل عن التفاوض الأميركي–الإيراني. فالتقارير التي نشرتها رويترز في 16 و17 نيسان/أبريل 2026 أوضحت أن الخلافات بين واشنطن وطهران ما تزال كبيرة، وخصوصًا في الملف النووي ومصير اليورانيوم عالي التخصيب وشروط إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا والعقوبات والتعويضات [6][7]. كما أشارت إلى أن الطرفين خفّضا سقف توقعاتهما من اتفاق شامل سريع إلى تفاهم أو مذكرة مرحلية تمنع عودة الحرب مباشرة وتتيح استكمال التفاوض. والمعنى السياسي لذلك واضح: لا يوجد اختراق استراتيجي بعد، بل إدارة مؤقتة لتباعد كبير.
في هذا السياق، تصبح الجبهة اللبنانية إحدى الساحات التي يُختبر فيها إمكان تثبيت التهدئة الأوسع. الولايات المتحدة لا تحتاج إلى سلام لبناني–إسرائيلي مكتمل بقدر ما تحتاج إلى جبهة منخفضة التوتر لا تفسد حساباتها مع إيران ولا ترفع كلفة المواجهة إلى مستوى لا يمكن تحمّله دوليًا واقتصاديًا. وإيران لا تريد أن تتحول الساحة اللبنانية إلى مسرح ابتزاز دائم وهي تفاوض في ملفات أكثر مركزية بالنسبة إليها. ومن هنا، فإن الهدنة اللبنانية لا تُقاس فقط بمدى نجاحها في الجنوب، بل أيضًا بمدى انسجامها مع الحاجة المتبادلة، وإن كانت المؤقتة، إلى منع الانفجار الإقليمي الكامل [2][6][7][8].
تحليل CSIS عن «الهدنة الأميركية–الإيرانية الهشة» يذهب إلى أن إضعاف إيران ووكلائها لا ينتج تلقائيًا استقرارًا، وأن الساحات المتأثرة بهذه المواجهة، ومنها لبنان، قد تدخل طورًا أكثر هشاشة إذا لم تُدعَم مؤسساتها الوطنية بسرعة [8]. وهذا تحذير مهم. فنجاح واشنطن في تبريد الجبهة اللبنانية لا يعني أنها حلت مشكلة الجنوب، بل ربما يعني فقط أنها علّقت انفجارها إلى حين. لذلك يمكن القول إن السقف الحقيقي للهدنة يوجد خارج بيروت والناقورة: ما دام المسار الأميركي–الإيراني محتاجًا إلى التبريد، بقيت فرص التمديد قائمة؛ وإذا تعثّر هذا المسار أو انهار، عادت الجبهة اللبنانية إلى هشاشتها الأصلية بسرعة.
والأهم هنا أن لبنان، في هذه اللحظة، ليس ورقة كاملة بيد أحد ولا ملفًا مستقلًا بالكامل في يد نفسه. إنه مساحة يتقاطع فيها النفوذ الأميركي والإيراني والإسرائيلي مع حدود القدرة اللبنانية الداخلية. وهذا ما يجعل الخطأ في التقدير مضاعفًا حين تُقرأ الساحة اللبنانية وكأنها تتحرك فقط بدوافعها الذاتية، أو فقط بوصفها تابعًا خارجيًا. الحقيقة، كما توحي بها الوقائع، أكثر تركيبًا: للبنان هامش، لكنه هامش محكوم؛ وللخارج أثر، لكنه أثر يمر دائمًا عبر البنية الداخلية اللبنانية لا فوقها فقط.
الجنوب اللبناني بين السيادة المعلّقة وعقدة الحدود والسلاح
لا يوجد ملف يختصر مأزق الهدنة مثل ملف الجنوب اللبناني نفسه. فالسيادة هناك ليست غائبة بالكامل ولا مكتملة بالكامل؛ هي معلقة بين نص دولي واضح نسبيًا وواقع ميداني لا يطاوعه. ومن أبرز مظاهر هذا التعليق أن القوات الإسرائيلية بقيت داخل أراضٍ لبنانية بعد دخول الهدنة حيّز التنفيذ، وأن إسرائيل تتحدث عن منطقة عازلة وحاجة أمنية مستمرة، في حين يتمسك لبنان بالانسحاب الكامل وبأن أي بقاء إسرائيلي يفرغ الحديث عن التهدئة السيادية من مضمونه [1][3].
إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الحدود البرية من أكثر الملفات قابلية لإعادة إشعال النزاع. فالخط الأزرق، كما تشرح اليونيفيل، ليس حدودًا دولية نهائية بل خط تحقق من الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 [24]. وهذا الفارق القانوني يفسر لماذا ظل عدد من النقاط الحدودية محل خلاف، ولماذا يمكن لأي احتكاك محدود أن يستدعي سرديات متعارضة حول الأرض والحق والرد. لذلك فإن ترسيم الحدود البرية، أو تسوية بعض نقاطها المعلقة، قد يكون مدخلًا ضروريًا لخفض التوتر، لكنه ليس حلًا كافيًا في ذاته، لأنه لا يعالج وحده سؤال الوجود الإسرائيلي ولا سؤال السلاح غير الرسمي جنوب الليطاني.
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن السلاح في الجنوب ليس مجرد عنصر أمني تقني. إنه جزء من نظام ردع قائم منذ سنوات، ومن سردية مقاومة، ومن علاقة عضوية بين حزب الله وبيئته وإيران. لذلك فإن تحويل الجنوب إلى فضاء «منزوع السلاح» بالمعنى الذي تريده إسرائيل لا يبدو ممكنًا بقرار تفاوضي سريع، كما أن تركه كما كان قبل الحرب لم يعد مقبولًا إسرائيليًا. وبين الاستحالتين تتحرك المفاوضات: لا العودة سهلة، ولا القطيعة الكاملة ممكنة.
ومن هنا، فإن الجنوب اللبناني سيظل على الأرجح ساحة تتقاطع فيها ثلاث طبقات: طبقة قانونية–أممية يمثلها 1701؛ وطبقة أمنية–إسرائيلية تريد مجالًا أقل تهديدًا وأكثر قابلية للتدخل الأحادي؛ وطبقة لبنانية–داخلية تجعل من كل نقاش حول السلاح والانتشار والحدود نقاشًا حول طبيعة الدولة نفسها. ما لم تُصغ معادلة تتعامل مع الطبقات الثلاث معًا، ستظل كل هدنة معرضة لأن تبقى ممكنة تكتيكيًا، وهشة استراتيجيًا.
ثمة بعد إنساني وسياسي آخر لا يقل أهمية: عودة السكان. فالنازحون لا يعودون إلى خرائط، بل إلى بيوت وحقول ومدارس وطرق. وكلما طال الغموض حول من يسيطر، ومن ينسحب، ومن يرد، ومن يضمن، بقيت العودة نفسها معلقة، وبقي معنى السيادة نظريًا. ولأن السيادة تُقاس في النهاية بقدرة الناس على العيش الآمن تحت سلطة واضحة، فإن الجنوب سيظل معيارًا لاختبار صدقية أي اتفاق لاحق، لا مجرد بند تقني في ملاحق التفاوض.
الكلفة الاقتصادية والاجتماعية: لماذا لا يملك لبنان ترف الوقت المفتوح؟
ليس البعد الاقتصادي والاجتماعي تفصيلًا مكمّلًا في هذه الدراسة، بل أحد الشروط التي تفسر السلوك السياسي نفسه. فالدول والجماعات لا تتفاوض في الفراغ؛ تتفاوض وهي تقيس كلفة الاستمرار وكلفة التعليق وكلفة التنازل. في الحالة اللبنانية، تزداد أهمية هذا البعد لأن الحرب الأخيرة لم تضرب منطقة حدودية فقط، بل ضربت مجتمعًا كان أصلًا في حالة إنهاك عميق. البنك الدولي قدّر أن آثار حرب 2024 أدت إلى انكماش شديد ورفعت حاجات الإعمار إلى 11 مليار دولار [20]. وتقرير الأمم المتحدة المشترك تحدث عن خسائر اجتماعية وإنسانية قاسية، وعن نزوح واسع، وعن تراجع إضافي في التنمية البشرية وفي قدرة الأسر على الصمود [21].
ثم جاءت حرب ربيع 2026 لتراكم فوق هذا العبء عبئًا جديدًا. رويترز نقلت أن أكثر من 1.2 مليون لبناني نزحوا خلال القتال، وأن العائدين بعد الهدنة وجدوا كثيرًا من مناطقهم مدمرة أو غير قابلة للعيش [16]. كما تحدثت التقارير عن آلاف القتلى وعن تكلفة باهظة لإعادة الخدمات والحياة إلى مناطق واسعة. هذا يعني أن الدولة اللبنانية لا تفاوض فقط لأن لديها رؤية دبلوماسية للسلام أو للتهدئة، بل لأنها ببساطة لا تملك ترف ترك الاستنزاف مفتوحًا. وكل يوم إضافي من الحرب لا يُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل أيضًا بتآكل ما تبقى من القدرة على الحكم والإصلاح والتمويل.
لكن المعضلة أن لبنان، في الوقت نفسه، لا يملك ترف التنازل الكبير. فهو لا يستطيع أن يقول: بما أن الحرب باهظة فلنقبل بأي ترتيب يُعرض علينا. ذلك أن التنازل، إذا مس قضايا السيادة أو السلاح أو التطبيع من دون أرضية داخلية، قد يفجر البلاد سياسيًا ويضعف الدولة بدل أن يقويها. ولذلك تميل المقاربة اللبنانية الواقعية إلى «تفاوض الحد الأدنى»: وقف النار، انسحاب، حماية ما تبقى من الدولة، وفتح نافذة زمنية لإعادة التقاط الأنفاس واستجلاب الدعم، من دون الاندفاع إلى الملفات القصوى دفعة واحدة. هذه ليست مقاربة مثالية، لكنها الأقرب إلى حدود الممكن.
ويجب إضافة عنصر آخر هنا: الاقتصاد ليس مجرد خلفية صامتة للنزاع، بل قد يصبح أداة ضمنه. فكلما طالت الحرب، ازدادت حاجة لبنان إلى تمويل خارجي، وازدادت قدرته على الرفض استقلالًا أو تعقيدًا. وكلما اتسعت فجوة الإعمار، باتت الضغوط السياسية أكثر فاعلية من بوابة المساعدات وإعادة البناء. ولذلك فإن حماية الهامش الوطني اللبناني في التفاوض تتصل أيضًا بحماية قدرته على عدم التحول إلى بلد يتلقى شروط ما بعد الحرب بحكم حاجته القصوى إلى ما يمكّنه من البقاء.
ثلاثة أوهام ينبغي التحرر منها عند قراءة الهدنة
الوهم الأول هو الاعتقاد بأن وقف النار يعني بداية تلقائية للسلام. هذا الوهم تغذيه اللغة الدبلوماسية والإعلامية، لكنه لا يصمد أمام الوقائع. فالهدنة الحالية لم تُنهِ الاحتلال الميداني الإسرائيلي في الجنوب، ولم تُنتج تفسيرًا متفقًا عليه لمعنى الخرق، ولم تُعالج ملف السلاح، ولم تحسم العلاقة بين ما هو لبناني داخلي وما هو إقليمي في الملف نفسه [1][3]. لذلك فإن مساواة الهدنة بالسلام لا تعني سوى استبدال الوصف بالرجاء. والرجاء، على أهميته النفسية والسياسية، ليس أداة تحليل.
الوهم الثاني هو الاعتقاد بأن التفوق العسكري الإسرائيلي كافٍ بحد ذاته لإنتاج معادلة سياسية مستقرة. هذا الوهم قد يبدو أكثر واقعية من سابقه، لكنه لا يقل تبسيطًا. فإسرائيل تستطيع إلحاق ضرر واسع، وفرض منطقة ضغط، وإجبار الدولة اللبنانية على التفاوض من موقع ضعف نسبي، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن تتحول هذه المكاسب إلى استقرار دائم. فكل وجود عسكري طويل داخل لبنان يعيد إنتاج مبررات المقاومة، وكل محاولة لفرض تسوية سريعة على الداخل اللبناني تولد مقاومات جديدة، وكل «منطقة عازلة» قد تصبح، إذا طال أمدها، منطقة استنزاف متبادل بدل أن تكون ضمانة أمنية [9][22].
الوهم الثالث هو الاعتقاد بأن الدولة اللبنانية تستطيع، بمجرد أن تُمنح دعمًا سياسيًا دوليًا، أن تحل دفعة واحدة مكان كل الفواعل الأخرى في الجنوب. هذا الوهم يغفل أن الدولة ليست مجرد إرادة، بل مؤسسات وموارد وتوافقات داخلية وقدرة على التنفيذ. وفي لحظة يعاني فيها لبنان من أزمة مالية عميقة وتصدع مؤسسي وانقسام سياسي، يصبح تحميل الدولة وظيفة سيادية كاملة من دون توفير شروطها الفعلية وصفة لإنتاج خيبة سريعة، لا لاستعادة صلبة للسلطة [15][20][25].
التحرر من هذه الأوهام لا يقود إلى التشاؤم، بل إلى واقعية أكثر فائدة. فحين نكف عن مطالبة الهدنة بأن تكون سلامًا، نستطيع أن نسأل: كيف يمكن جعلها أداة أفضل لتقليص المخاطر؟ وحين نتوقف عن افتراض أن القوة العسكرية ستنجز السياسة وحدها، نستطيع أن نعيد الاعتبار إلى معنى الترتيب السياسي الممكن. وحين نقر بأن الدولة اللبنانية لا تملك كل الشروط بعد، يصبح السؤال الصحيح: ما الذي يجب توفيره لها حتى تتسع قدرتها تدريجيًا، بدل أن تُطلب منها المعجزة خلال أيام؟
وثمة وهم رابع، أقل ظهورًا لكنه حاضر بقوة، هو الظن بأن لبنان يستطيع أن ينفصل تمامًا عن المساومة الإقليمية من خلال حسن إدارة ملفه الداخلي فحسب. هذا أيضًا غير دقيق. فحتى لو حسّن الداخل اللبناني أداءه، ستظل الجبهة اللبنانية متأثرة بالمسار الأميركي–الإيراني وبالمعادلات الإسرائيلية الأوسع. لكن الإقرار بهذا لا يعني التسليم التام بالخارج، بل يعني أن حماية القرار اللبناني تستلزم فهم حدوده الحقيقية، لا الاكتفاء بالشعارات. فالسيادة، في مثل هذه اللحظات، لا تُصان بالإنكار، بل بقدرة الدولة على توسيع هامشها داخل توازنات لا تختارها كاملة.
ثم إن هذه الأوهام لا تضلل صانعي القرار فقط؛ إنها تضلل الكتابة نفسها. فالكاتب الذي يصف كل هدنة بأنها سلام مؤجل يضلل قارئه، والكاتب الذي يصف كل ضعف لبناني بأنه استسلام يضلله أيضًا، والكاتب الذي يتعامل مع إسرائيل أو حزب الله أو إيران أو واشنطن كفاعلين أحاديي الإرادة يختزل ما ينبغي تفكيكه. لذلك فإن التحليل الجاد في هذه اللحظة يبدأ من مقاومة الإغراء البلاغي، ومن الإصرار على إبقاء الواقع مركبًا كما هو، لا كما تحب الشعارات أن تراه.
سقف المفاوضات: بين ترتيبات الأمن وحدود التطبيع
كثرت، منذ بدء المحادثات المباشرة، الأحاديث عن «سلام» أو عن إمكان الانتقال سريعًا إلى التطبيع. غير أن هذا الخطاب، في جانبه الأكبر، يبدو جزءًا من معركة على السقوف، لا وصفًا أمينًا لميزان الإمكان الفعلي. إسرائيل استخدمت مبكرًا معجم السلام ونزع السلاح [22]، بينما تجنب الخطاب اللبناني الرسمي هذا الانتقال اللفظي السريع، واستخدم بدلاً منه تعبيرات تتصل بـ«الاتفاقات الدائمة» وحفظ الحقوق والسيادة [3]. الفرق بين اللغتين ليس تفصيلاً بلاغيًا، بل علامة على تباعد جوهري في تصور كل طرف لما يمكن أن تؤول إليه المفاوضات.
في المرحلة الحالية، يبدو أن السقف العملي للمفاوضات أضيق بكثير من السقف الدعائي. فالملفات المرجحة للنقاش هي تثبيت وقف النار، الانسحاب الإسرائيلي، آليات ضبط الجنوب، ترسيم بعض النقاط الحدودية البرية، وربما تفسير بند «الدفاع عن النفس» أو تقييده عمليًا. أما الانتقال المباشر إلى ملف السلاح أو إلى اتفاق سياسي شامل أو إلى تطبيع، فيبدو حتى الآن أبعد بكثير من قابلية اللحظة اللبنانية على الاحتمال. ليس فقط لأن حزب الله يرفضه، بل لأن الدولة اللبنانية نفسها، بكل هشاشتها، لا تملك تماسكًا داخليًا يسمح لها بحمل هذا القفز من دون انفجار [3][12][23].
وهنا تظهر مفارقة إضافية: قد يؤدي رفع السقف الإسرائيلي والأميركي إلى تقليص فرص النجاح الواقعي للهدنة بدل توسيعها. فكلما بدا التفاوض وكأنه يُستخدم لتوسيع جدول الأعمال من «وقف النار والانسحاب» إلى «إعادة تعريف لبنان» تحت الضغط، ازدادت مقاومة الداخل، وتعزز خطاب الرافضين، وازدادت صعوبة تثبيت المكاسب المحدودة التي يمكن تحقيقها فعلاً. ومن ثم، فإن نجاح العملية، إن نجحت، مرهون بإبقاء سقفها الأول قريبًا من الممكن: أمن الجنوب، الانسحاب، الحدود، وتعزيز الدولة. ما عدا ذلك، في المدى المنظور على الأقل، يبدو جزءًا من رفع السقوف لا أكثر.
ويجب الانتباه إلى أن كلمة «التطبيع» في الحالة اللبنانية ليست مجرد توصيف دبلوماسي، بل كلمة شديدة الحمولة الداخلية. فهي تمس ذاكرة الحرب الأهلية، وتوازنات النظام، وموقع حزب الله، وعلاقة لبنان بمحيطه العربي، وسردية الصراع مع إسرائيل. لذلك فإن أي حديث سريع عنها، من دون أرضية داخلية تمهد له ومن دون إنهاء حقيقي للاحتلال والملفات المعلقة، سيُقرأ على الأرجح بوصفه محاولة لفرض قفزة قسرية فوق البنية السياسية اللبنانية لا بوصفه ثمرة تحول ناضج. وهذا ما يجعل السقف الإسرائيلي المرتفع، في هذه اللحظة على الأقل، أكثر شبهًا بأداة ضغط منه بمشروع واقعي جاهز للتحقق.
الأمم المتحدة و«اليونيفيل»: مرجعية حاضرة وقدرة محدودة
رحّب الأمين العام للأمم المتحدة بالهدنة فور إعلانها، معربًا عن الأمل في أن تُمهّد لمفاوضات وتطبيق كامل للقرار 1701 [26]. هذا الترحيب ليس مجرد لياقة دبلوماسية؛ إنه يثبت أن المرجعية الدولية لم تتبدل: كل ما يجري الآن يُقرأ، أمميًا على الأقل، بوصفه محاولة لإعادة تشغيل الإطار الذي أُرسِي بعد حرب 2006. غير أن هذا الثبات المرجعي يخفي مشكلة أكثر تعقيدًا: المرجعية موجودة، لكن القدرة على فرضها محدودة.
تتمثل هذه المحدودية في طبيعة الدور نفسه الذي أُعطي لـ«اليونيفيل». فالقوة الدولية ليست جيش احتلال مضادًا، ولا سلطة سيادية بديلة، ولا جهة قادرة بذاتها على فرض نزع السلاح أو إنهاء الوجود الإسرائيلي أو تسوية النزاعات الحدودية. دورها، كما تحدده ولايتها، يقوم على المراقبة، والمرافقة، والتنسيق، ودعم الجيش اللبناني، والإبلاغ عن الخروقات، والمساعدة في خلق بيئة أكثر استقرارًا [14][24]. وهذا دور مهم، لكنه لا يساوي قدرة تنفيذية قسرية على حسم النزاع. ولذلك فإن كل رهان مبالغ فيه على «اليونيفيل» بوصفها ضمانة كافية للاستقرار ينطوي على تجاهل لطبيعة المهمة أصلًا.
لقد أظهرت التجربة المتراكمة منذ 2006، ثم بعد ترتيب 2024، أن وجود قوة دولية لا يلغي تلقائيًا قابلية الجنوب للاشتعال. فهي تستطيع أن تراقب وتوثق وتسهّل، لكنها لا تستطيع أن تمنع إسرائيل من تبني تأويل أمني واسع لحقها في الرد، ولا تستطيع أن تحل محل الدولة اللبنانية في احتكار القوة، ولا أن تُلزم حزب الله سياسيًا بالتخلي عن موقعه ودوره. وحين تتصاعد التوترات إلى مستوى الحرب، كما حدث في ربيع 2026، يتحول دورها إلى إدارة آثار الاشتباك ومواكبة العودة إلى التهدئة أكثر من قدرتها على منع الانحدار أصلًا [15][24].
وهنا يظهر التناقض الجوهري في المقاربة الدولية لملف الجنوب: المجتمع الدولي يريد دولة لبنانية أقوى في الجنوب، لكنه لا يملك أداة عملية تضمن هذا التحول بسرعة؛ ويريد تطبيق 1701 بالكامل، لكنه يتعامل مع واقع لا تتوافر فيه الشروط السياسية الكاملة لهذا التطبيق؛ ويريد تقليص حضور السلاح غير الرسمي، لكنه لا يطرح مسارًا واقعيًا متدرجًا يربط ذلك بإعادة بناء الدولة وبالانسحاب الإسرائيلي وبالتسوية الداخلية. لذلك تبدو الأمم المتحدة، في هذه اللحظة، حاضرة بوصفها لغة مشتركة ومرجعية قانونية وأداة مراقبة، لكنها أقل حضورًا بكثير بوصفها قوة قادرة على سد الفجوة بين النص والواقع.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية المرجعية الأممية. على العكس، فغيابها كان سيجعل النزاع أكثر انكشافًا لمنطق القوة العارية. لكن الاعتراف بأهميتها شيء، وتحويلها إلى بديل عن السياسة شيء آخر. والسياسة، في الحالة اللبنانية، ما تزال غير منجزة: لا يوجد توافق لبناني داخلي على مسار واحد لمعالجة السلاح والسيادة؛ ولا يوجد قبول إسرائيلي بتسليم كامل للإطار الأممي من دون حق أمني استثنائي؛ ولا يوجد تفاهم إقليمي يرفع عن الجنوب وظيفة الرسائل المتبادلة. لذلك ستظل «اليونيفيل»، على الأرجح، ضرورة لا غنى عنها، لكنها لن تكون وحدها جوابًا عن سؤال الاستقرار.
السؤال اللبناني الداخلي: من يملك تعريف السيادة بعد الحرب؟
من أكثر جوانب النقاش فقرًا في التغطيات السريعة اختزال الأزمة كلها في نزاع حدودي أو في مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله. هذا الاختزال يحجب المسألة الأعمق: كيف يُعاد تعريف السيادة داخل لبنان نفسه بعد هذه الحرب؟ فالدولة اللبنانية تقول، بحق، إن الدفاع عن السيادة يجب أن يكون مهمة المؤسسات الرسمية وحدها [1][2][3]. وإسرائيل تقول إن الجنوب لا يمكن أن يعود إلى ما قبل الحرب وإنها لن تقبل ببقاء تهديد حزب الله كما كان [1][9]. وحزب الله يقول، من جهته، إن أي ترتيب لا يُنهي الوجود الإسرائيلي ولا يضمن عدم حرية حركته لا يمكن أن يُقرأ بوصفه تسوية شرعية [1]. وبين هذه الخطابات الثلاثة يتكشف السؤال الفعلي: ما الشكل الواقعي لسيادة لبنانية قابلة للحياة؟
لا يكفي الجواب النظري هنا. فمن السهل القول إن السيادة تعني احتكار الدولة للقوة. هذا صحيح من حيث المبدأ، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب: كيف نصل إلى هذا الاحتكار في بلد تتوزع فيه مصادر القوة والشرعية والتاريخ الأهلي على نحو غير بسيط؟ إن النقاش حول سلاح حزب الله، في هذا المعنى، ليس نقاشًا حول قطعة تقنية قابلة للمصادرة أو التسليم فقط؛ إنه نقاش حول التمثيل الشيعي، وحول علاقة الجماعة بالدولة، وحول سردية المقاومة، وحول موقع إيران، وحول خوف شرائح لبنانية أخرى من أن يتحول أي اختلال في هذا الملف إلى خلخلة أشمل للنظام برمته [23].
من هنا، فإن أي مسار جدي لما بعد الهدنة يحتاج إلى تمييز بين مستويين غالبًا ما يختلطان: مستوى السيادة المبدئي، حيث لا خلاف نظريًا على أن الدولة هي المرجع؛ ومستوى السيادة التنفيذية، حيث يصبح السؤال: بأي إيقاع؟ وبأي ضمانات؟ وبأي مقابل سياسي واجتماعي؟ وبأي ترتيبات انتقالية؟ هذا المستوى التنفيذي هو ما تغفله عادة الخطابات القطعية. فالدولة لا تُستعاد بشعار، كما أن السلاح لا يُعالج بإنكار بيئته السياسية. ولذلك فإن النجاح، إذا كان ممكنًا، لن يكون في «حسم» الملف بسرعة، بل في تقليص مساحة الازدواج الأمني تدريجيًا، مع توسيع قدرة الدولة على الإمساك الفعلي بالأرض والقرار.
ويقتضي ذلك أيضًا الاعتراف بأن السيادة اللبنانية لا تختبر فقط في مواجهة حزب الله، بل في مواجهة إسرائيل كذلك. فلا معنى لدعوة الدولة إلى الإمساك الحصري بالجنوب بينما تبقى القوات الإسرائيلية داخل أراضيها، أو بينما يُمنح أحد الأطراف حقًا مفتوحًا في تفسير التهديد. ولذلك فإن أي خطاب يختزل السيادة في الداخل وحده، ويغفل بعدها الخارجي، يكون قد فرغها من نصف معناها على الأقل. السيادة هنا، إن أُخذت بجدية، تعني معًا: انسحابًا إسرائيليًا واضحًا، وانتشارًا فاعلًا للدولة، ومسارًا داخليًا متدرجًا لمعالجة السلاح، ومظلة إقليمية لا تستخدم الجنوب ساحة تصفية حسابات دائمة.
ولعل هذا ما يفسر حذر الخطاب اللبناني الرسمي في استخدام مفرداته. فهو لا يستطيع تبني خطاب صدامي كامل ضد حزب الله وهو في ذروة الاختلال، ولا يستطيع في الوقت نفسه تجاهل مطلب استعادة الدولة وظيفتها وسيادتها. لذلك بدا الرئيس اللبناني حريصًا على لغة مزدوجة: تفاوض نعم، لكن من دون تفريط؛ اتفاقات دائمة نعم، لكن من دون تنازل عن الأرض أو الحقوق [3]. هذا الحذر لا يدل على غموض أو ضعف لغوي فحسب؛ إنه يعكس حدود ما يستطيع النظام اللبناني نفسه أن يقوله ويفعله في هذه المرحلة.
وعليه، فإن ما بعد الهدنة لن يُختبر فقط على الحدود، بل داخل البنية اللبنانية أيضًا. فإذا جرى تحميل الدولة أكثر مما تستطيع، انهار المسار. وإذا تُركت الدولة أقل مما تحتاج، بقي الجنوب رهينة للازدواج الأمني. وإذا حُوّل ملف السلاح إلى معركة إذلال سياسي، تفجرت الساحة داخليًا. وإذا جرى تجاهله تمامًا، عادت المشكلة نفسها بثوب جديد. وهذه المعادلة المركبة هي ما يجعل «الحل اللبناني» أصعب كثيرًا من مجرد توقيع اتفاق حدودي أو أمني.
السيناريوهات المرجحة ومؤشرات المتابعة
السيناريو الأول، وهو الأرجح في المدى القصير، يتمثل في تمديد هش ومتكرر للهدنة مع استمرار التفاوض على الملفات الدنيا. أي إن الهدنة قد لا تتحول إلى استقرار متين، لكنها قد تتحول إلى إطار مؤقت لإدارة النزاع عند مستوى أقل انفجارًا. ما يدعم هذا السيناريو هو حاجة جميع الأطراف إلى الوقت: واشنطن لمسارها مع إيران، إسرائيل لترجمة ما أنجزته ميدانيًا سياسيًا، لبنان لوقف النزف، وحزب الله لتجنب فرض تسوية نهائية عليه تحت النار. مؤشرات هذا السيناريو ستكون: استمرار الاتصالات الأميركية، انخفاض نسبي في حجم الخروقات، إبقاء التفاوض ضمن ملفات الانسحاب والحدود، وتجنب التصعيد اللفظي حول السلاح والتطبيع.
السيناريو الثاني، الأقل احتمالًا لكنه ممكن، هو انتقال تدريجي من الهدنة إلى ترتيبات أكثر صلابة. ويشمل ذلك جدولًا مرحليًا للانسحاب الإسرائيلي، وتعزيزًا ملموسًا لانتشار الجيش اللبناني، وربما تقدمًا محدودًا في ترسيم الحدود البرية أو في إنشاء آليات رقابة أوضح على الخروقات. هذا السيناريو يحتاج إلى شرطين صعبين: تقارب أميركي–إيراني كافٍ لمنع الساحة اللبنانية من التعطل، وتوافق لبناني داخلي على إبقاء التفاوض في إطار السيادة والحدود لا في إطار تسوية سياسية قصوى. من دون هذين الشرطين، سيظل هذا المسار ممكنًا نظريًا وأقل قابلية للتحقق عمليًا.
أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فهو تآكل الهدنة ثم انهيارها. وقد يبدأ ذلك بخروقات تتوسع، أو بتمسك إسرائيلي متزايد بالوجود داخل الجنوب، أو بدفع ملف السلاح إلى الواجهة على نحو فج، أو بتعثر التفاوض الأميركي–الإيراني على نحو يرفع قيمة الساحة اللبنانية بوصفها ورقة ضغط متبادلة. مؤشرات هذا السيناريو ستكون واضحة نسبيًا: عودة الغارات الواسعة، تشدد علني في خطاب الأطراف، تعطّل أو تجميد محادثات واشنطن، وتصاعد لهجة حزب الله ضد شرعية المسار التفاوضي كله. هذا السيناريو لا ينبغي اعتباره حتميًا، لكنه يظل كامنًا في بنية النص الحالي لأن النص نفسه يحمل عناصر التآكل داخله.
ويجدر التأكيد أن هذه السيناريوهات لا تتعاقب بالضرورة تعاقبًا خطيًا. فقد يبدأ المسار بتمديد هش، ثم يحقق تقدمًا محدودًا، ثم يتراجع بفعل حادثة كبيرة أو تعثر إقليمي. وقد يبدو أن الأمور ذاهبة إلى انهيار ثم تتدخل حاجة الأطراف إلى التبريد فتعيدها إلى المسار الأول. أي إننا، على الأرجح، لسنا أمام خط مستقيم بل أمام موجات من التوتر والتهدئة داخل إطار تفاوضي واحد. وهذا بالضبط ما يجعل المتابعة الدقيقة للمؤشرات أهم من الاكتفاء بالانطباعات العامة عن النجاح أو الفشل.
النتائج العامة
أول نتيجة أساسية لهذه الدراسة أن هدنة 16 نيسان/أبريل 2026 ليست اتفاقًا يعبّر عن اكتمال شروط التسوية، بل اتفاقًا يعكس استحالة الحسم السريع وحاجة الجميع إلى إعادة توزيع الوقت والكلفة والضغط. ومن ثم، فإن قراءتها بوصفها «بداية سلام» قراءة مضللة؛ الأدق أنها بداية مرحلة مساومة جديدة على أنقاض حرب لم تُنهِ أسباب النزاع، بل بدلت صورته فقط [1][2].
النتيجة الثانية أن فتح التفاوض قبل توقف الحرب لم يكن مفارقة، بل تعبيرًا عن منطق النزاع المركب نفسه. ففي النزاعات التي تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لا تنتظر السياسة دائمًا نهاية النار كي تبدأ؛ كثيرًا ما تعمل داخلها، بل وعبرها. الجبهة اللبنانية في ربيع 2026 كانت مثالًا واضحًا على ذلك: تفاوض لبناني–إسرائيلي مباشر برعاية أميركية، في ظل حرب قائمة، لأن المطلوب كان أولًا تبريد الجبهة بما يكفي لئلا تُفشل ترتيبات أوسع بين واشنطن وطهران [4][6][7][8].
النتيجة الثالثة أن أكبر نقاط ضعف الهدنة تكمن في عدم تماثلها البنيوي. فالدولة اللبنانية مطالبة بإثبات الانضباط وبسط السلطة، فيما تحتفظ إسرائيل بسلطة واسعة في تفسير التهديد وتحديد الرد، مع بقاء قواتها داخل الجنوب [1]. وهذا النوع من الترتيبات قد ينجح في التبريد المؤقت، لكنه يصعب أن ينتج استقرارًا ما لم يُرفق بآليات أوضح وأكثر توازنًا للإنفاذ والتفسير والانسحاب.
النتيجة الرابعة أن الدولة اللبنانية، رغم ضرورتها بوصفها الطرف الشرعي، لا تستطيع وحدها حمل عبء الهدنة وما بعدها. فهي تفاوض من موقع ضعف اقتصادي ومؤسسي شديد، ومن داخل بنية سياسية منقسمة، وفي ظل ملف سلاح لم يُعالج داخليًا بعد. لذلك فإن مطالبتها باستعادة السيادة كاملة في المدى القصير من دون دعم سياسي ومالي وأمني كاف، ومن دون انسحاب إسرائيلي واضح، تبدو مطالبة تتجاوز طاقتها الواقعية [15][20][21].
النتيجة الخامسة أن إسرائيل، على الرغم من تفوقها العسكري، لم تصل إلى نجاح استراتيجي مكتمل. فهي تستطيع فرض وقائع في الجنوب وإبقاء حزب الله تحت الضغط، لكنها لا تستطيع بسهولة ترجمة ذلك إلى معادلة مستقرة من دون صفقة أوسع، أو على الأقل من دون ترتيبات لبنانية وإقليمية تمنع تحول كل مكسب عسكري إلى سبب جديد للاشتعال [9][22].
النتيجة السادسة أن حزب الله يقف في منطقة رمادية مقصودة: يقبل التهدئة الميدانية لأنه لا يريد استنزافًا مفتوحًا، ويرفض إعطاء الهدنة معنى سياسيًا يتجاوز ذلك. وهذه المنطقة الرمادية، بقدر ما تسمح بتمديد الهدنة تكتيكيًا، تمنعها أيضًا من التحول السريع إلى تسوية أوسع. فالحزب ليس في طور التسليم النهائي، والدولة ليست في وضع يمكّنها من فرض حل داخلي عليه، وإيران ليست في موقع يسمح لها بالتخلي عن الورقة اللبنانية ببساطة [1][7][23].
النتيجة السابعة أن السقف الحقيقي للهدنة يوجد خارج لبنان بقدر ما يوجد داخله. فمستقبلها مرتبط جزئيًا على الأقل بمصير التفاوض الأميركي–الإيراني. وكلما تقدّم هذا التفاوض أو احتُوي، ازدادت فرص استمرار التبريد في لبنان. وكلما تعثر، عادت الجبهة اللبنانية إلى هامش أعلى من الهشاشة. وهذا لا ينفي دور الفاعلين اللبنانيين، لكنه يضعه داخل بنية إقليمية لا يمكن تجاهلها [6][7][8].
النتيجة الثامنة أن الحديث عن تطبيع أو عن سلام شامل في هذه المرحلة يتجاوز ما تسمح به الوقائع. ما يمكن أن تنتجه اللحظة الحالية، في أفضل الأحوال، هو ترتيبات أمنية–سيادية أقل هشاشة: وقف نار أطول، انسحاب إسرائيلي، ضبط أفضل للجنوب، وربما تقدم في بعض الملفات الحدودية. أما الانتقال إلى تسوية تاريخية واسعة، فيبقى، حتى الآن، أقرب إلى رفع سقوف منه إلى ميزان إمكان فعلي [3][12][22].
النتيجة التاسعة أن الهدنة كشفت، مرة أخرى، أن سؤال الدولة في لبنان لم يعد منفصلًا عن سؤال الإقليم. فاستعادة السيادة في الجنوب ليست مسألة داخلية خالصة، كما أنها ليست مسألة خارجية خالصة. إنها عملية مركبة تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا وماليًا، وغطاءً سياسيًا داخليًا، وانسحابًا إسرائيليًا، واحتواءً إقليميًا، وآلية تفاوض لا تنفجر عند أول اختبار. وهذا التداخل هو ما يجعل الحلول السهلة جميعها غير كافية.
النتيجة العاشرة، والأكثر تركيبًا، هي أن نجاح الهدنة الجزئي لا ينبغي أن يحجب ما كشفته من هشاشة بنيوية. فهي نجحت، إن صح التعبير، في ما صُممت له أساسًا: إبطاء الانزلاق ومنح الأطراف فسحة تفاوض. لكنها لم تنجح بعد، ولا كان ممكنًا أن تنجح بهذه السرعة، في ما يتجاوز وظيفتها الأصلية. ومن يطالبها بأكثر من ذلك إما لا يفهمها، وإما يريد استخدامها لتسويق معنى سياسي لم تولد هي أصلًا كي تحمله.
خاتمة
في المحصلة، لا يقف لبنان اليوم على عتبة سلام، ولا يعود ببساطة إلى قواعد اشتباك قديمة يمكن استعادتها كما كانت. ما يعيشه هو طور انتقالي شديد الحساسية: هدنة ضرورية لكنها ناقصة؛ تفاوض مفتوح لكنه محكوم بسقوف أعلى منه؛ دولة تحاول أن تستعيد المعنى السياسي للسيادة من داخل ضعف شديد؛ إسرائيل تريد أن تحوّل تفوقها العسكري إلى معادلة أمنية جديدة من دون أن تضمن قابليتها للحياة؛ وحزب الله يوقف النار لكنه لا يسلّم للآخرين بحق كتابة النهاية نيابة عنه.
ولهذا فإن الحكم على الهدنة لا يجب أن يقتصر على سؤال: هل صمدت؟ فربما تصمد وتمتد، ومع ذلك تظل قاصرة عن إنتاج الاستقرار. وربما تتعثر سريعًا، لا لأن النص سيئ الصياغة فحسب، بل لأن ما طُلب منه أكبر من قدرته أصلًا. النجاح الحقيقي لأي ترتيب من هذا النوع لا يُقاس بعدد الأيام التي يخف فيها القتال فقط، بل بقدرته على نقل النزاع من إدارة الاشتعال إلى معالجة أسبابه البنيوية. وحتى الآن، ما تزال كل المؤشرات تقول إن الهدنة اللبنانية أنجبت مساحة تفاوضية، لكنها لم تنجب بعد معادلة تسوية.
من هنا، فإن العبارة الأدق لوصف اللحظة ليست «بداية سلام» ولا «نهاية حرب»، بل «انتقال من الاشتباك المفتوح إلى المساومة المضبوطة». وهذا انتقال مهم بالفعل، لكنه ليس كافيًا. فالمساومة قد تطول، وقد تنتج بعض الترتيبات النافعة، وقد تمنح لبنان وقتًا ثمينًا يحتاج إليه بشدة. لكنها ستظل، ما لم تعالج مسائل الانسحاب والسيادة والسلاح والحدود والعلاقة بالإقليم، مجرد إدارة أكثر أناقة لأزمة لم تجد حلها بعد. ولذلك فإن السؤال الكبير الذي سيحكم الأشهر التالية لن يكون ما إذا كان النص الحالي قابلًا للحياة وحده، بل ما إذا كان اللاعبون قادرين على بناء ما هو أوسع منه، وأصلب منه، وأقل ارتهانًا للحرب بوصفها المرجع الأخير لكل تفاوض.
وإذا كان لا بد من خلاصة محكّمة مكثفة، فهي أن لبنان دخل مرحلة تفاوضية جديدة، نعم، لكنه لم يغادر بعد منطق الحرب. والمشكلة ليست فقط أن الحرب قد تعود، بل أن آثارها ما تزال حاضرة في تعريف السياسة نفسها: في اللغة، وفي التوقعات، وفي السقوف، وفي الخوف، وفي قدرة الدولة على أن تكون دولة كاملة. وهذا ما يجعل المهمة الأصعب في المرحلة التالية ليست فقط تمديد الهدنة، بل بناء شروط خروج تدريجي من زمن تصبح فيه كل تسوية ممكنة فقط تحت النار.
المراجع
[1] Reuters, “What’s in the Lebanon ceasefire deal and will it hold?”, 17 April 2026.
[2] Reuters, “Trump says Lebanon and Israel have reached 10-day ceasefire”, 16 April 2026.
[3] Reuters, “Lebanon president says ceasefire should move to permanent agreements”, 17 April 2026.
[4] Reuters, “Israel and Lebanon are holding talks. What do we know?”, 14 April 2026.
[5] Reuters, “Lebanon heads to historic Israel talks with few hopes except to staunch bloodshed”, 10 April 2026.
[6] Reuters, “Significant differences remain between Iran-US, including on nuclear issues, senior Iranian official says”, 17 April 2026.
[7] Reuters, “Iran says Strait of Hormuz open as Trump sees deal soon to end war”, 17 April 2026.
[8] CSIS, “The Fragile U.S.-Iran Ceasefire: Issues to Watch”, 8 April 2026.
[9] CSIS, “What Is Israel Trying to Accomplish in Lebanon?”, 19 March 2026.
[10] PA-X Peace Agreements Database, “Israel/Lebanon Ceasefire Arrangement”, 26 November 2024.
[11] United Nations Security Council Resolution 2790 (2025).
[12] Reuters, “US hosts rare Israel-Lebanon talks, progress unclear”, 14 April 2026.
[13] United Nations Security Council Resolution 1701 (2006).
[14] UNIFIL, mandate and explanatory material on the Blue Line, accessed April 2026.
[15] United Nations, Report of the Secretary-General on the implementation of Security Council resolution 1701 (2006), S/2026/160, 11 March 2026.
[16] Reuters, “Lebanese return to ‘unliveable’ areas as ceasefire with Israel mostly holds”, 17 April 2026.
[17] U.S. Department of State, “Ten-Day Cessation of Hostilities to Enable Peace Negotiations Between Israel and Lebanon”, 16 April 2026.
[18] C. Bara, “Understanding Ceasefires,” Journal of Intervention and Statebuilding, 2021.
[19] M. Sosnowski, “Not Dead but Sleeping: Expanding International Law to Better Regulate the Diverse Effects of Ceasefire Agreements,” Leiden Journal of International Law, 2020.
[20] World Bank, “Lebanon’s Recovery and Reconstruction Needs Estimated at US$11 Billion”, 7 March 2025.
[21] ESCWA/UNDP et al., “The Socioeconomic Impacts of the 2024 War on Lebanon”, July 2025.
[22] Reuters, “Netanyahu says Israel wants to start peace talks with Lebanon as soon as possible”, 9 April 2026.
[23] Carnegie Middle East Center, “Hezbollah’s Margin Is Tightening”, 6 August 2025.
[24] UNIFIL, “Mr. Blue Barrel Explains the Blue Line”, accessed April 2026.
[25] IMF, “IMF Staff Concludes Mission to Lebanon”, 5 June 2025.
[26] United Nations, Statement attributable to the Spokesperson for the Secretary-General on Lebanon and Israel, 16 April 2026.



