ما يتشكل بين مسار إسلام آباد المفتوح مع إيران والمسار الجاري الإعداد له في واشنطن حول الجبهة اللبنانية، ليس مجرد تتابع بين محطتين تفاوضيتين، بل لحظة فرز سياسية تتصل بموقع لبنان نفسه: هل يُعاد إلى منطق الدولة، أم يبقى معلقًا بين نفوذ إيران وضغط إسرائيل؟
ثمة خطأ يتكرر كلما اشتد الضغط الإقليمي على لبنان: النظر إلى البلد بوصفه ممرًا تلقائيًا لنتائج التفاهمات الكبرى، لا طرفًا ينبغي أن يملك حقه في تعريف مصلحته الوطنية والدفاع عنها. وما يجري اليوم بين إسلام آباد وواشنطن يعيد هذا الخطأ إلى الواجهة، ولكن في صيغة أكثر خطورة. فالمشهد لا يقتصر على مفاوضات أميركية ـ إيرانية انتهت، حتى الآن، من دون اتفاق بعد واحدة من أطول الجولات وأكثرها حساسية، ولا على مسار أميركي ـ إسرائيلي ـ لبناني يجري تهيئته تحت ضغط النار. ما يجري أعمق من ذلك: محاولة فرز بين ملفين لطالما أصر كثيرون على معاملتهما بوصفهما ملفًا واحدًا، هما المسار الإيراني من جهة، والمسار اللبناني من جهة أخرى. وقد انتهت محادثات إسلام آباد في 11 نيسان/أبريل 2026 من دون اتفاق بعد نحو 21 ساعة من التفاوض، فيما بقيت الخلافات قائمة حول النووي وهرمز والعقوبات والدور الإقليمي، بالتوازي مع إعلان إسرائيلي عن الرغبة في بدء محادثات مع لبنان سريعًا، واستمرار الضربات داخل الأراضي اللبنانية.
في هذا التوقيت بالذات، لا يعود السؤال الحقيقي: هل يمكن عزل المسارين الإيراني واللبناني بالكامل؟ بل يصبح السؤال الأدق والأكثر فائدة: أي نوع من الفصل يمكن تحقيقه، ولصالح من، وتحت أي مرجعية؟ لأن لبنان لا يكسب شيئًا إذا خرج من عباءة النفوذ الإيراني ليدخل، في المقابل، تحت ضغط إسرائيلي مباشر يعيد تعريف أمنه وحدوده وسقف حركته السياسية من خارج مؤسساته. هذه معادلة زائفة من أساسها. السيادة اللبنانية لا تُبنى بتبديل اسم المتحكم، ولا تُستعاد بالخروج من وصاية إلى وصاية، بل بإعادة تثبيت الدولة مرجعيةً وحيدة لقرار الحرب والسلم، ولحق التفاوض والالتزام والتنفيذ. وكل كلام عن «فصل المسارات» لا ينتهي إلى هذه النتيجة يبقى مجرد إعادة توزيع للضغط على لبنان، لا إعادة بناء لموقعه الوطني.
صحيح أن الفصل الكامل والفوري بين المسارين ليس واقعيًا. من يريد قول غير ذلك يبيع أوهامًا سياسية لا أكثر. فحزب الله ليس تفصيلًا محليًا يمكن نزعه عن السياق الإيراني بقرار ديبلوماسي أو بحملة خطابية. علاقته بطهران ليست هامشية ولا ظرفية، بل بنيوية ومركبة، عسكريًا وسياسيًا وماليًا وتنظيميًا. ولهذا السبب تحديدًا، فإن الحديث عن فصل حاسم وسريع بين لبنان والمسار الإيراني يتجاهل طبيعة البنية التي جرى بناؤها على امتداد عقود. لكن عدم واقعية الفصل الكامل لا يبرر، في المقابل، القبول بالربط الكامل. الممكن فعليًا هو مسار تراكمي يعيد تنظيم العلاقة بين الداخل اللبناني والمحيط الإقليمي، ويقلص قابلية الساحة اللبنانية للتوظيف التلقائي في صراعات لا يقررها اللبنانيون، ويمنع أن يتحول كل تفاوض أميركي ـ إيراني إلى آلية لإعادة إنتاج المأزق نفسه داخل لبنان.
هذه الفكرة تكتسب قوة إضافية إذا قُرئت على ضوء ما كشفته جولة إسلام آباد نفسها. فالمحادثات لم تنتج الأرضية التي كان يراهن عليها بعض المراقبين لاعتبار أن الجبهة اللبنانية ستبرد تلقائيًا بمجرد فتح قناة بين واشنطن وطهران. الذي حصل كان العكس تقريبًا. إسلام آباد أظهرت أن أصل الخلاف ما زال قائمًا في عناصره الأثقل: النووي، وحرية الملاحة في هرمز، والعقوبات، والأصول المجمدة، وتعريف الدور الإقليمي الإيراني. وقد حاولت طهران أن تُدرج وقف النار في لبنان ضمن سلة شروطها الأوسع، فيما بدا الموقف الأميركي أكثر ميلًا إلى فصل الساحات وعدم منح إيران حقًا تفاوضيًا ضمنيًا على ملفات تقع خارج جغرافيتها المباشرة. معنى ذلك أن الربط الميكانيكي بين المسارين بدأ يفقد صلابته، وأن الفرضية القائلة إن لبنان سيبقى تلقائيًا بندًا تابعًا في أي تفاهم أميركي ـ إيراني لم تعد بالبداهة نفسها التي كانت عليها سابقًا.
لكن سقوط وهم الربط التلقائي لا ينبغي أن يفتح الباب لوهم آخر لا يقل سوءًا: وهم أن الضغط الإسرائيلي يمكن أن يصنع، وحده، سيادة لبنانية أكثر رسوخًا. هذه قراءة مضللة بقدر ما هي مريحة لبعض الكسالى سياسيًا. إسرائيل لا تفاوض لبنان من باب الاعتراف المجرد بحقه في السيادة، ولا لأنها تحرص على قيام الدولة اللبنانية القوية. حساباتها واضحة، وأمنية في المقام الأول: تقليص التهديد، إبعاد الخطر عن حدودها، إعادة تشكيل البيئة العسكرية والسياسية المحيطة بها، وفرض ترتيبات تراها أكثر ملاءمة لمصالحها. وحين يعلن بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تريد بدء محادثات مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، فإن هذا الإعلان لا ينفصل عن الحرب المستمرة، ولا عن الوقائع الميدانية التي ترافقه، ولا عن منطق التفاوض من تحت النار. لهذا فإن تحويل الضغط الإسرائيلي إلى بديل عن المشروع السيادي اللبناني لا يقل خطورة عن تحويل لبنان إلى أداة إيرانية. في الحالتين، يضيع البلد. وهنا تبرز أهمية الموقف اللبناني الرسمي، لا بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا، بل بوصفه جوهر القضية. من يفاوض باسم لبنان؟ من يملك حق الالتزام باسمه؟ من يتحمل مسؤولية التوقيع والتنفيذ والمتابعة والمحاسبة؟ هذه ليست مسائل شكلية. إنها صلب السيادة العملية. فكل ما عاناه لبنان في السنوات الماضية كان مرتبطًا، بصورة أو بأخرى، بازدواجية المرجعيات: دولة تتحدث، وقوة أخرى تقرر؛ مؤسسات تدير النتائج، وأطراف أخرى تصنع الوقائع. وإذا كان للمسار الذي يُحضَّر له في واشنطن معنى يتجاوز الصور والبيانات، فهو أن الدولة اللبنانية ستُختبر فيه، أمام الخارج كما أمام نفسها: هل هي مستعدة للتصرف باعتبارها المرجعية الوحيدة في القضايا السيادية، أم ستعود، تحت وطأة النار أو الانقسام أو الخوف من الانفجار الداخلي، إلى الصيغة القديمة ذاتها؛ أي ترك القرار موزعًا، ثم مطالبتها لاحقًا بتحمل الكلفة وحدها؟
والواقع أن عنصر الزمن لا يعمل لمصلحة لبنان. فكل يوم يمر من دون تهدئة واضحة يمنح إسرائيل مزيدًا من القدرة على تحسين شروطها الميدانية والسياسية، ويزيد الضغط على الداخل اللبناني، ويجعل أي تفاهم لاحق أكثر كلفة وتعقيدًا. وقد تأجلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة تحت ضغط الوضع الأمني والاحتقان الداخلي، فيما تواصلت في لبنان مراسم دفن ضحايا من أجهزة الدولة والمدنيين في ظل اشتداد الغضب العام. هذه التفاصيل ليست هامشية. إنها تقول إن لبنان يدخل أي مسار تفاوضي وهو مثقل بالنار والانقسام والإنهاك، لا من موقع التماسك والثقة. وهذا ما يضاعف الحاجة إلى وضوح المرجعية، لا إلى خلطها.
في المقابل، لا يمكن قراءة الساحة اللبنانية بمعزل عن التحول الأوسع في البيئة الإقليمية والدولية. ثمة مزاج دولي وعربي أقل تسامحًا من السابق مع فكرة تعدد الجيوش والقرارات على أرض واحدة. وثمة اتجاه أوضح نحو مقاربة السؤال اللبناني من زاوية الدولة أولًا، ولو بدوافع ليست كلها لبنانية صافية. كما أن إيران نفسها، على رغم تشدد خطابها، تفاوض من موقع دفاعي أكثر مما توحي به شعاراتها. فهي تدرك أن قدرتها على الاحتفاظ بكل أوراقها في كل الساحات لم تعد كما كانت، وأن أولوياتها صارت أكثر تزاحمًا، وأن الضغوط التي تتعرض لها في المركز تجعل الأطراف أكثر حساسية بالنسبة إليها. لكن هذا الإدراك لا يعني تراجعًا سلسًا. على العكس، قد يدفعها إلى مزيد من التشبث بالساحة اللبنانية، لأنها تراها آخر موضع استراتيجي متماسك نسبيًا يمكن من خلاله إثبات أن مشروعها الإقليمي لم ينهَر بالكامل. ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في فشل التفاوض، بل في نجاح ناقص يخفف الضغط عن المركز ويترك لبنان معلقًا على أطراف أزمة لم تُحل.
ولهذا تحديدًا، يجب الحذر من أوهام شاعت في الأشهر الأخيرة. من هذه الأوهام أن فتح قناة بين واشنطن وطهران كفيل وحده بإعادة الهدوء إلى الجنوب اللبناني. الواقع الميداني والسياسي لا يؤيد ذلك. الضربات استمرت، والضحايا تزايدوا، والاحتقان الداخلي تصاعد، ولم يظهر حتى الآن ما يجيز الاعتقاد بأن لبنان دخل تلقائيًا تحت مظلة تسوية أكبر. ومن الأوهام أيضًا تصور أن حزب الله يستطيع أن يخوض حربًا بهذا الحجم، أو أن يقحم لبنان في مسار إسناد إقليمي بهذا الثقل، ثم يعود إلى الطاولة بصفته ممثلًا وطنيًا طبيعيًا لا يثار في شأنه سؤال الشرعية والكلفة والقرار. المشكلة لم تعد فقط في تقييم ما ربحه أو خسره عسكريًا، بل في انكشاف حقيقة أشد ثقلًا: أن قرار الحرب لم يكن قرار دولة، وأن لبنان دفع ثمن إدخاله في معركة أكبر من قدرته ومن مصلحته ومن معنى سيادته.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقود هذا الانكشاف إلى استسهال الاستعانة بمنطق القوة الإسرائيلية بوصفه علاجًا. فالعلاج الذي يدمّر المريض ليس علاجًا. لبنان لا يخرج من محنته إذا استبدل قرارًا حزبيًا مرتبطًا بالخارج بترتيب أمني يُفرض عليه من عدو. ما يحتاج إليه فعلًا هو استعادة المرجعية الواحدة: أن تفاوض الدولة، وتلتزم الدولة، وتنفذ الدولة، وتحتكر وحدها قرار الحرب والسلم. وكل ما دون ذلك، أو ما يلتف على ذلك، لن يكون إلا هدنة مؤقتة فوق خلل بنيوي باقٍ. فالهدنة التي لا تمس أصل المشكلة لا تصنع استقرارًا؛ إنها تؤجل الجولة التالية.
هنا تصبح عبارة «فصل المسارات» ذات معنى أدق. المطلوب ليس وهم الفصل الكامل بين لبنان وما حوله في لحظة واحدة، فهذا غير ممكن. المطلوب هو فصل وظيفة لبنان عن الاستخدام الخارجي. أي أن يتوقف البلد عن أداء دور الساحة التي تُستعمل لتبادل الرسائل أو لتحسين شروط التفاوض أو لتثبيت النفوذ. هذا هو المعنى السيادي الحقيقي للفصل: لا أن يُفصل لبنان عن إيران ليُلحق بإسرائيل، بل أن يُفصل عن منطق الساحات أصلًا، وأن يُعاد إلى منطقه الطبيعي: منطق الدولة، والمؤسسات، واحتكار العنف المشروع، والقرار الوطني الواحد.
ومن هنا، فإن الأيام القليلة المقبلة ليست مجرد أيام تفاوضية عابرة. إنها لحظة فرز بين أوهام وحقائق. من الأوهام الاعتقاد أن الخارج سيحل المأزق اللبناني نيابة عن اللبنانيين. ومن الأوهام كذلك الظن أن وقف النار، أيا تكن شروطه، يكفي بذاته لإعادة إنتاج الاستقرار. أما الحقيقة الأوضح فهي أن لبنان لن يستعيد نفسه إلا إذا فُرضت، داخليًا أولًا، قاعدة بسيطة وصعبة في آن: لا قرار في الحرب والسلم خارج الدولة، ولا تفاوض باسم لبنان إلا من خلال الدولة، ولا تنفيذ لأي تفاهم إلا تحت مرجعية الدولة. هذه ليست صيغة بلاغية. إنها الحد الأدنى لأي خروج جدي من الحلقة التي دارت فيها البلاد طويلًا.
في الخلاصة، ما بين إسلام آباد وواشنطن لا يجري فقط رسم حدود تفاوضية جديدة، بل يُختبر معنى لبنان نفسه. هل يبقى بندًا مؤجلًا في سلة تفاوض أكبر؟ هل يُنتزع من محور ليُدار من تحت عين عدو؟ أم ينجح، ولو ببطء وكلفة عالية، في الخروج من صراع الهيمنتين إلى منطق الدولة والسيادة؟ هذه هي المسألة. وما عداها تفاصيل.




