هرمز بين ضفتي الأطلسي: أوروبا لا تريد الحرب الأميركية ولا التسوية الأميركية
المبادرة الفرنسية ـ البريطانية لا تُقرأ بوصفها خطةً لإعادة الملاحة فقط، بل بوصفها محاولةً أوروبية لرسم مسافة سياسية مع واشنطن، ومنع تحويل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى ملحق دائم بإيقاع الحرب.
|
مبادرة بحرية أم اعتراض سياسي؟
ليست المبادرة الأوروبية المطروحة لمضيق هرمز تفصيلًا بحريًا عابرًا، ولا مجرد استجابة تقنية لأزمة ممر ملاحي أصابته الحرب بالشلل. ما يتشكل أمامنا هو محاولة أوروبية لقول شيء أكبر من حماية السفن وتأمين الناقلات. أوروبا، وخصوصًا فرنسا، تحاول أن تضع حدًا سياسيًا لما تعتبره تمددًا أميركيًا زائدًا في تعريف الأزمة، وتريد في الوقت نفسه أن تمنع إيران من تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز دائمة. بين هذين الحدين تولد المبادرة: لا كنسخة أوروبية من الحصار الأميركي، ولا كترضية دبلوماسية لطهران، بل كبحث عن صيغة ثالثة تفصل بين «أمن الملاحة» و«منطق الحرب». وهذه النقطة هي جوهر الحكاية، لا هامشها.
من السهل أن يُقال إن باريس ولندن تتحركان لأن الاقتصاد العالمي لا يحتمل بقاء هرمز مغلقًا، وهذا صحيح في حدّه الأول. فالممر ليس عقدة جغرافية صغيرة يمكن تجاوزها بخطاب سياسي. هو شريان تتقاطع عنده الطاقة والتأمين وسلاسل التوريد وميزانيات الدول الصناعية، وأي اختناق طويل فيه ينعكس سريعًا على الأسعار والثقة والأسواق. لكن هذا التفسير، على وجاهته، لا يكفي وحده. لو كانت المسألة اقتصادية صرفة لكان الالتحاق بالمظلة الأميركية أسهل وأسرع، ولكان من المنطقي أن تنضم أوروبا إلى الحصار وتعتبره أقصر الطرق إلى إخضاع إيران وإعادة فتح البحر. الذي حدث هو العكس تمامًا: بريطانيا وفرنسا رفضتا الانضمام إلى الحصار، ثم انتقلتا إلى بناء مسار مستقل، متعدد الأطراف، يقول بوضوح إن إعادة فتح المضيق يجب ألا تكون امتدادًا آليًا للقرار الأميركي. [1][2][3]
لا للحصار الأميركي، ولا للحياد الساذج
هنا يبدأ المعنى السياسي الحقيقي. أوروبا لا تنازع الولايات المتحدة على توصيف الخطر الإيراني في ذاته. المجلس الأوروبي شدد صراحة على حرية الملاحة في هرمز، وعلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وعلى ضرورة استئناف تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أي إن الخلاف ليس في أصل الموقف من الطموح النووي الإيراني ولا في رفض تهديد الملاحة. الخلاف يقع في مكان آخر: في الأدوات، والتوقيت، ومن يملك حق تعريف «المصلحة الغربية» في لحظة شديدة الحساسية.
إدارة ترامب أرادت من الحلفاء أن ينضموا إلى الحصار، وأن يتعاملوا مع الممر بوصفه ساحة ضغط ضمن الحرب. أما أوروبا فاختارت أن تقول، بلغة أكثر هدوءًا من مضمونها، إن أمن الخليج لا يمكن اختزاله في قرار أميركي واحد، وإن فتح هرمز لا ينبغي أن يصبح ذراعًا إضافية في سياسة الإكراه. ولهذا السبب تبدو المبادرة الأوروبية، في عمقها، محاولة لوضع مسافة مع واشنطن من دون إعلان قطيعة معها. إنها مسافة محسوبة، لا تمردًا كاملًا. فباريس ولندن لا تخرجان من المعسكر الغربي، لكنهما ترفضان أن تتحولا إلى ملحق تنفيذي في حرب لم تشاركا في صنع قرارها، وتعرفان أن كلفتها ستقع على أوروبا أكثر مما ستقع على الولايات المتحدة. [1][4][5]
|
لماذا تصر باريس على مهمة بلا أميركا؟
من هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم الإصرار الفرنسي على أن تكون المهمة «دفاعية بحتة» و«متميزة عن الأطراف المتحاربة». هذا التعبير ليس زينة لغوية. إنه لبّ الرسالة. فالمهمة إذا دخلتها الولايات المتحدة، وهي الطرف الذي يفرض الحصار ويستخدم هرمز كورقة ضغط مباشرة، ستفقد حيادها الوظيفي منذ اللحظة الأولى. عندها لن تُقرأ في طهران ولا في جزء معتبر من الإقليم على أنها آلية لإعادة الاستقرار، بل على أنها طبعة أكثر تهذيبًا من الحرب نفسها.
فرنسا تدرك أن المهمة لا تستطيع أن تنجح ميدانيًا إذا وُلدت بصفة «قوة معادية» منذ يومها الأول. لذلك تصر على استبعاد الولايات المتحدة من القيادة المباشرة، لا نكايةً بها، بل لأن إدخالها ينسف شرط النجاح العملي والسياسي معًا. واللافت أن المسار الذي تقوده باريس ولندن لا يقتصر على التخطيط العسكري، بل يشمل أربع دوائر متوازية: حرية الملاحة والأمن البحري، إجراءات اقتصادية إذا استمر التعطيل، الإفراج عن البحارة والسفن العالقة، والعمل مع الصناعة والتأمين لتهيئة استئناف العبور. هذه البنية بحد ذاتها تقول إن أوروبا لا تريد «أسطول قتال»، بل «هندسة استقرار» تشتبك مع الاقتصاد والقانون والبحر في وقت واحد. [2][5]
ليست نسخةً من «أسبيدس» ولا من «أجينور»
من المهم هنا ألّا تُفهم المبادرة الجديدة وكأنها استنساخ ميكانيكي لمهمات بحرية أوروبية سابقة. صحيح أن لدى الأوروبيين خبرة في عمليات حماية الملاحة، سواء في البحر الأحمر أو في ترتيبات سابقة تخص الخليج، لكن السياق الحالي مختلف جذريًا. في البحر الأحمر كان التحدي يتصل بهجمات على الملاحة من فاعل دون دولتي أو شبه دولتي في إطار إقليمي مضطرب؛ أما في هرمز الآن فالمسألة تقع على تماس مباشر بين حرب مفتوحة، وقوة أميركية تستخدم الحصار، ودولة إقليمية كبرى ترى الممر جزءًا من أمنها ونفوذها. لهذا فإن نجاح أي مهمة هنا لن يقاس بعدد السفن المصاحبة فحسب، بل بقدرتها على ألّا تتحول هي نفسها إلى جزء من ميزان الحرب.
وهذا يفسر لماذا يتحدث الأوروبيون عن «مهمة دفاعية مستقلة» لا عن تحالف هجومي، وعن «استعادة حرية الملاحة» لا عن «فرض الإرادة» بالقوة. الفارق بين العبارتين كبير. الأولى توحي بعملية تستند إلى شرعية المرور الدولي وإلى تفاهمات تشغيلية معقدة؛ والثانية تحيل إلى منطق كسر الإرادة، وهو المنطق الذي تريد أوروبا أن تبقي مسافة بينه وبين دورها. بعبارة أخرى، لا تريد باريس أن تكون في هرمز «وكيل تنفيذ» لخطة أميركية، بل «منسق استقرار» يخفف احتمالات الانفجار ويعيد بناء الثقة خطوةً خطوة. [1][2][5]
التنسيق مع إيران: حساب تشغيل لا تبدل في المعسكر
هذه النقطة تفضي مباشرة إلى سؤال يتكرر كثيرًا: لماذا تريد باريس، أو تقبل على الأقل، نوعًا من التنسيق مع إيران في وقت تحاربها واشنطن؟ الجواب هنا يحتاج إلى قدر من التحرر من اللغة الدعائية. التنسيق الذي تفكر فيه فرنسا ليس اصطفافًا مع إيران، وليس تليينًا للموقف من برنامجها النووي أو من سياساتها الإقليمية. إنه، ببساطة، اعتراف بقاعدة جيوسياسية أولية: لا يمكنك أن تؤمن مضيقًا ملاصقًا لإيران، ومشبعًا بحضورها العسكري والسيادي، ثم تتصرف كما لو أن إيران غير موجودة. أي قوة تريد أن تعيد المرور في هرمز وتمنع الاحتكاك والتخريب تحتاج إلى حد أدنى من التفاهم العملي مع الطرف القادر على التعطيل، حتى لو كان هذا الطرف خصمًا.
ولذلك، حين تشترط مصادر أوروبية وجود نهاية قابلة للحياة للأعمال القتالية وتفاهمًا يمنع استهداف السفن، فهي لا تقدم جائزة لإيران؛ إنها تحاول ألا تتحول المهمة المقترحة إلى هدف سهل أو إلى مشروع قصير العمر. أوروبا هنا تتحرك بمنطق «قابلية التشغيل»، لا بمنطق المجاملة السياسية. وهي تعرف أن نجاح أي انتشار بحري لاحق لا يتوقف على عدد القطع العسكرية فقط، بل على البيئة السياسية التي ستتحرك فيها، وعلى استعداد شركات الشحن والتأمين والطاقم البحري للعودة إلى الممر. وإذا بقيت المهمة تُرى كامتداد مباشر للقوة الأميركية، فإنها ستخسر صدقيتها لدى الإيرانيين، كما ستربك أيضًا جزءًا من الأطراف الإقليمية التي تريد فتح البحر من دون الاندراج في معركة مفتوحة. [1][2][5][6]
ماذا تقول أوروبا لواشنطن فعلًا؟
في المقابل، ما الذي تريد أوروبا أن تقوله لواشنطن من خلف هذه المبادرة؟ الرسالة متعددة الطبقات، لكنها واضحة. أولًا، تقول لها: «لن نلتحق بحربك لمجرد أنك قررت شكلها». هذا ليس شعارًا مجردًا؛ فقد قال ستارمر صراحة إن بريطانيا لن تُسحب إلى الحرب مهما كان الضغط، وإنها لا تدعم الحصار. ثانيًا، تقول: «لا يحق لك أن تحتكر تعريف الحل». فإذا كانت الولايات المتحدة قد اختارت تحويل هرمز إلى ورقة ضغط ضمن صراعها مع إيران، فإن أوروبا تريد سحب الممر، أو جزءًا من وظيفته على الأقل، من هذا المنطق، وإعادته إلى إطار أوسع عنوانه حرية الملاحة والمصلحة الدولية.
وثالثًا، تقول بصورة أقل مباشرة ولكن أكثر حساسية: «إذا كانت واشنطن تستخدم المضيق كورقة تفاوض، فإن أوروبا لا تريد أن يبقى اقتصادها رهينة لهذه الورقة». اللافت أن هذا الموقف الأوروبي لا يصدر من فراغ، بل من شعور متزايد بأن العلاقة عبر الأطلسي دخلت طورًا أكثر خشونة، خصوصًا في ظل إدارة أميركية تميل إلى مطالبة الحلفاء بالدعم، من دون أن تمنحهم حقًا فعليًا في رسم المسار. التوتر لم يبدأ من هرمز، لكنه ظهر فيه بوضوح شديد. تهديدات ترامب السابقة تجاه الناتو، والضيق الأميركي من رفض بعض العواصم الأوروبية تسهيل مسارات الهجوم، كلها خلفية تفسر لماذا تنظر باريس إلى هرمز بوصفه أيضًا ساحة اختبار للاستقلالية الأوروبية. [1][3][4]
|
الانقسام الأوروبي الصامت: وحدة في العنوان، تباين في الدرجة
ورغم الصورة الموحدة نسبيًا في الخطاب العلني، فإن الداخل الأوروبي ليس على إيقاع واحد تمامًا. فرنسا ترى في التمايز عن واشنطن قيمة سياسية بحد ذاته، لأن ذلك يثبت إمكان استقلال القرار الأوروبي حين تمس الأزمة مصالحه الحيوية. بريطانيا، في المقابل، تتحرك من زاوية أكثر تركيبًا: تريد فتح المضيق، وترفض الحصار، لكنها لا ترغب في صدام رمزي مباشر مع الولايات المتحدة. أما دول أخرى، مثل ألمانيا وإيطاليا وهولندا، فتميل عادةً إلى دعم المقاربة متعددة الأطراف، لكنها تربط مساهمتها العملية بمحددات قانونية وبرلمانية ولوجستية أكثر صرامة. هذا يعني أن «أوروبا» التي تظهر في العنوان كتلة واحدة هي، في الواقع، فسيفساء مصالح وحساسيات وقيود.
مع ذلك، فإن أهمية المبادرة لا تنبع من اختفاء هذه الفوارق، بل من قدرة باريس ولندن على تجميعها في حد أدنى مشترك: رفض الاندراج في الحصار الأميركي، ورفض ترك إيران تفرض وقائع دائمة في المضيق، والبحث عن ترتيبات تمنح أوروبا موقعًا تفاوضيًا وسياسيًا في اليوم التالي للحرب. هذا الحد الأدنى، حتى لو بدا متواضعًا، هو في ذاته تطور مهم؛ لأنه يكشف أن القلق الأوروبي من كلفة الانصياع بات أكبر من التردد التقليدي في مناقضة واشنطن في ملف أمني حساس. [1][3][4]
البعد الاقتصادي والقانوني: ما وراء السفن والناقلات
غير أن البعد الاقتصادي للمبادرة لا ينبغي أن يُختزل في لغة النفط وحدها. أوروبا تنظر إلى هرمز من خلال سلسلة ممتدة من المصالح: الطاقة، بالطبع، لكن أيضًا الشحن التجاري، وسوق التأمين، وكلفة النقل البحري، وثقة المستثمرين، وإيقاع التعافي الاقتصادي الهش أصلًا. لهذا السبب تضمن التحضير الأوروبي مجموعات عمل لا تتعلق بالقطع العسكرية فقط، بل بالإفراج عن البحارة والسفن العالقة، وبالتنسيق مع الصناعة والتأمين، وبإمكانية اللجوء إلى أدوات مالية إذا استمر تعطيل المرور. هذا التفصيل مهم لأنه يوضح أن المقاربة الأوروبية لا ترى الأمن البحري قضيةً عسكرية خالصة. هي تراه نظامًا متكاملًا: البحر، والمرفأ، وشركة الشحن، ومكتب التأمين، ومصرف التمويل، وسعر الطاقة في النهاية.
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية، وهو البعد القانوني والرمزي. بريطانيا تحدثت عن «أساس قانوني واضح» قبل أي انخراط عسكري، وفرنسا لمّحت إلى إطار أممي أو إلى شرعية دولية أوسع إذا أمكن. هذا الإصرار لا يعبّر فقط عن حذر شكلي، بل عن وعي أوروبي بأن الشرعية هنا جزء من المعركة السياسية. واشنطن تستطيع أن تتحرك بمنطق القدرة؛ أما أوروبا فتحتاج فوق القدرة إلى غطاء يبرر الحركة أمام برلماناتها، ورأيها العام، وشركائها، وخصومها كذلك. لذلك فإن الحديث عن مهمة «غير منخرطة في الحرب» يتضمن بُعدًا قانونيًا بقدر ما يتضمن بُعدًا سياسيًا: المهمة ينبغي أن تُبنى على شرعية حماية الملاحة، لا على شرعية العقاب الجماعي ولا على توسيع الحرب تحت عنوان آخر. [2][5]
رسالة إلى المنطقة وإلى السوق معًا
ثم إن المبادرة تحمل رسالة إلى المنطقة بقدر ما تحمل رسالة إلى واشنطن. فهي تقول للعواصم العربية المطلة على الخليج إن أوروبا لا تريد أن تترك أمن الممر الحيوي بين خيارين قاسيين: إما هيمنة إيرانية على العبور، وإما إدارة أميركية تجعل كل أزمة في الممر امتدادًا مباشرًا لمواجهة أوسع. هذا الخطاب مهم لأن كثيرًا من دول المنطقة تبحث، في لحظات التوتر الكبرى، عن شريك يساعد على خفض الكلفة لا على رفعها. ومن هذه الزاوية تبدو أوروبا وكأنها تحاول أن تعرض نفسها بوصفها قوة «تبريد» و«تنظيم» أكثر منها قوة «تصعيد» و«إملاء».
كما أن الرسالة موجهة أيضًا إلى قطاع الشحن والتأمين العالمي. فالممر لا يُفتح فعليًا بقرار سياسي أو بانتشار بحري فقط؛ بل حين تقتنع الشركات بأن المخاطر أصبحت قابلة للحساب، وأن القواعد واضحة، وأن السفينة لن تصبح رهينة ضباب قانوني أو أمني في كل رحلة. وهذا بالضبط ما يفسر تركيز الأوروبيين على الصناعة البحرية في مداولاتهم. هم يعرفون أن النجاح في البيانات شيء، والنجاح في استعادة الحركة التجارية شيء آخر تمامًا. وإذا لم تعد الشركات، فلن تكون المهمة قد حققت غايتها مهما بدت عسكريًا منضبطة. [2][3][5]
وهنا تظهر مفارقة لافتة: أوروبا لا تملك في الخليج قوة الولايات المتحدة، لكنها قد تملك ما ينقص المقاربة الأميركية في هذه اللحظة، أي القدرة على الجمع بين الردع المحدود والشرعية والبراغماتية التشغيلية. فإذا أحسنت استثمار هذه الميزة، أمكنها أن تتحول من متضرر كبير من أزمات الشرق الأوسط إلى فاعل يشارك في ضبط بعض نتائجها. أما إذا اكتفت بالاعتراض الخطابي من دون بناء أداة قابلة للعمل، فستعود سريعًا إلى موقع المتلقي، مهما كانت صحة تشخيصها السياسي. [2][5]
من زاوية خليجية… ولماذا لا تكفي أوروبا وحدها؟
من زاوية عربية خليجية، لا يبدو الموقف الأوروبي بلا جاذبية. كثير من دول المنطقة لا تريد أن يبقى هرمز ورقة بيد إيران، لكنها لا ترغب أيضًا في أن يُدار أمن الخليج بالكامل بمنطق أميركي متقلب، يتأرجح بين التصعيد الحاد والتراجع المفاجئ. بعض هذه الدول يبحث عن استقرار تشغيلي أكثر منه عن خطابات كبرى. وهو ما يفسر استعداد عواصم خليجية للمشاركة في الاجتماعات الأوروبية أو دعمها سياسيًا: لأنها ترى في المسار الأوروبي احتمالًا لخفض الكلفة، وتبريد الممر، وإعادة فصل التجارة عن ذروة الاشتباك العسكري. هذا لا يعني أن العواصم الخليجية ستراهن على أوروبا بدل الولايات المتحدة، فالفجوة في القوة والنفوذ واضحة؛ لكنه يعني أن هناك شهية إقليمية لصيغة أقل صدامية وأكثر قابلية للإدارة من الحصار الأميركي الصرف.
ومع ذلك، لا بد من الحذر من مبالغة مضادة تقول إن أوروبا أصبحت قادرة وحدها على إدارة الخليج. هذا غير صحيح. فالمبادرة الأوروبية، مهما ارتفع سقفها السياسي، تبقى محكومة بثلاث حدود صلبة. الحد الأول هو القدرة العسكرية: أوروبا تستطيع أن تسهم، وترافق، وتنسق، وربما تقود مهمة دفاعية محدودة، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تحل محل الولايات المتحدة في هيكل الأمن الخليجي إذا انفجر النزاع من جديد. الحد الثاني هو التباين الداخلي: ليس كل الأوروبيين مستعدين للذهاب بالمسافة نفسها في التمايز عن واشنطن، ولا كلهم يقرأ إيران بالطريقة نفسها، ولا كلهم يملكون هامش الحركة السياسي ذاته. أما الحد الثالث فهو أن أي تفاهم مع إيران سيبقى هشًا بطبيعته، لأن طهران قد تستخدمه تكتيكيًا ثم تعود إلى التصعيد إذا رأت أن البيئة تسمح بذلك. معنى هذا كله أن المبادرة الأوروبية ليست مشروع هيمنة بديلة، بل مشروع «تقليل أضرار» و«استعادة دور» في آن واحد. [2][3][5]
|
إذا فشلت المبادرة… ماذا تخسر أوروبا؟
الفشل هنا لا يعني فقط استمرار الاضطراب في الممر، بل يعني أيضًا سقوط اختبار سياسي كامل. فإذا عجزت أوروبا عن تحويل اعتراضها على الحصار الأميركي إلى بديل قابل للحياة، فستعود إلى موقع المعلّق على قرارات غيره: تشكو من التصعيد، وتخشى على الطاقة، وتدفع ثمن التأمين والنقل، ثم تنتظر ما ينتجه الأميركيون والإيرانيون من تفاهم أو مواجهة. عندها سيتأكد الانطباع القديم بأن أوروبا تجيد اللغة المعيارية، لكنها تتعثر حين يصبح المطلوب ترجمة المصلحة إلى أداة. وهذا بالضبط ما تحاول باريس تفاديه.
أما إذا نجحت، ولو جزئيًا، في إنشاء قوة أو إطار فعال لطمأنة الملاحة وتنظيم العودة التدريجية للعبور، فإنها ستكون قد ربحت أكثر من ممر بحري. ستكون قد ربحت سابقة سياسية تقول إن أوروبا تستطيع أن تمارس وزنًا فعليًا في أزمة تمس أمنها الاقتصادي، وأن تجمع بين الردع المحدود والدبلوماسية العملية والشرعية الدولية في توليفة لا تمر عبر القيادة الأميركية المباشرة. ومن هنا يمكن فهم سبب الاستثمار السياسي الكبير في المبادرة: لأنها، في النهاية، ليست فقط عن هرمز؛ إنها أيضًا عن صورة أوروبا عن نفسها، وعن الصورة التي تريد للآخرين أن يروها بها. [2][5][6]
خلاصة: حماية الملاحة أم حماية القرار الأوروبي؟
لهذا السبب يبدو الأدق وصف المبادرة الأوروبية بأنها محاولة لانتزاع «حق الجلوس على رأس الطاولة» لا «حق احتكار الطاولة». باريس لا تدعي أنها ستصوغ وحدها مستقبل هرمز، لكنها ترفض أن يُصاغ هذا المستقبل في غيابها أو على حسابها. وهي، في هذا المعنى، لا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة على موقع القوة العظمى، بل إلى تعديل قواعد التبعية داخل التحالف الغربي. وإذا نجحت في ذلك، ولو جزئيًا، فستكون قد حققت إنجازًا يتجاوز المضيق نفسه: تثبيت سابقة تقول إن أوروبا تستطيع أن تقول «لا» لواشنطن في ملف أمني كبير، من دون أن تخرج من التحالف، وأن تقترح في المقابل مسارًا بديلًا يحظى بقبول معقول.
الخلاصة الأوسع أن مهمة هرمز الأوروبية مشروع لحماية الملاحة، نعم، لكنها أيضًا مشروع لحماية القرار الأوروبي من الذوبان. إنها ليست حيادًا بين واشنطن وطهران، وليست انحيازًا إلى إيران، وليست تمرينًا دبلوماسيًا فارغًا. إنها محاولة لإعادة فصل ثلاثة ملفات دمجتها الولايات المتحدة عمدًا أو ضمنًا: الحرب على إيران، وأمن الملاحة، وشكل النظام الإقليمي بعد الحرب. وما تريد باريس قوله لواشنطن، بلغة مكثفة، هو الآتي: «نحن لا نريد حربك، ولا نقبل أن يكون السلم من صنعك وحدك». وما تريد قوله لطهران، في المقابل، هو: «لن نترك لك المضيق، لكننا لا نريد تحويله إلى جبهة أبدية». في هذه المسافة الدقيقة تكمن حقيقة المبادرة كلها. [1][2][3][4][5][6]
المراجع
[1] Reuters، «NATO allies refuse to join Trump’s Iranian port blockade»، 13 نيسان/أبريل 2026.
[2] Reuters، «Hormuz mission talks to focus on sanctions, work with industry – source»، 14 نيسان/أبريل 2026.
[3] Reuters، «Britain says 40 countries discuss reopening Strait of Hormuz after Iran blockade»، 2 نيسان/أبريل 2026.
[4] Reuters، «UK will not back blockade of Strait of Hormuz, PM Starmer says»، 13 نيسان/أبريل 2026.
[5] European Council، «European Council conclusions on Middle East»، 19 آذار/مارس 2026.
[6] Reuters، «France says it approached 35 countries over future Hormuz mission»، 26 آذار/مارس 2026.




