سوريا في زمن الحرب الإقليمية
من حيادٍ هشّ إلى محاولة إعادة تعريف الوظيفة الجيوسياسية
|
الملخص التنفيذي
لا تكمن العقدة السورية الراهنة في سؤالٍ تقليدي من نوع: هل تنخرط دمشق في الحرب أم تنأى بنفسها عنها؟ فهذا السؤال، على أهميته، لم يعد كافيًا لتفسير موقع سوريا الفعلي في الإقليم. العقدة الأدق هي أن سوريا تقع داخل مفاعيل الحرب، حتى عندما تحاول البقاء خارجها سياسيًا. فالحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت هدنة هشة، لكن ارتداداتها ما تزال تضرب لبنان، والخليج، والأردن، والمجال العراقي، وسلاسل الطاقة والعبور في المنطقة [1].
في هذا السياق، لم يعد «الحياد» السوري موقفًا سلبيًا أو مجرد إعلان دبلوماسي؛ بل صار عملية إدارة مركبة للحدود، ولتوازنات الجوار، ولمخاطر الجنوب، ولموقع سوريا الاقتصادي المحتمل. وقد دفعت دمشق بتعزيزات كبيرة إلى حدودها مع لبنان والعراق، وأعلنت أن انتشارها دفاعي ويهدف إلى ضبط الحدود ومنع التسلل والتهريب واستخدام الأرض السورية في سياق الحرب، لا إلى فتح جبهة جديدة [2].
غير أن الخطر الأشد لا يأتي من الشرق فقط، بل من الجنوب أولًا. فإسرائيل لا تتعامل مع سوريا بوصفها دولة يُراد تحييدها، بل بوصفها مجالًا ينبغي إبقاؤه هشًا وقابلًا للاختراق. ومنذ مطلع 2026 أُنشئت قناة اتصال أمنية سورية ـ إسرائيلية بوساطة أمريكية، لكن هذه القناة لم تفضِ إلى تثبيت قواعد احترام متبادل للسيادة، بقدر ما بقيت أداة لإدارة الاحتكاك من موقع تفوق إسرائيلي [3]. ثم جاء توظيف إسرائيل لذريعة «حماية الدروز» في آذار/مارس لتبرير ضرب مواقع حكومية سورية، بما أكد أن الجنوب ما يزال نقطة الضغط الأخطر على الدولة السورية [4].
في المقابل، كشفت الحرب عن وجه آخر للموقع السوري. فمع اضطراب هرمز والضغوط على مسارات التصدير الخليجية، تحرك العراق لتفعيل مسار تصدير جزء من وقوده عبر الأراضي السورية إلى بانياس، بما أعاد وضع الجغرافيا السورية في قلب حسابات الطاقة والعبور [5]. كما كثفت دمشق تفاهماتها العربية، ولا سيما مع الأردن، حيث وُقّعت تسع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في نيسان/أبريل 2026، في إشارة إلى أن استقرار سوريا بدأ يُقرأ عربيًا بوصفه منفعة مشتركة لا ملفًا أمنيًا معزولًا [6].
بناءً على ذلك، ترجّح هذه الورقة أن سوريا تتجه، في الأمد القصير، إلى «حياد مكلف» لا إلى حياد مستقر: أي إنها ستنجح على الأرجح في تجنب الانخراط العسكري الرسمي المباشر في الحرب، لكنها لن تنجح بالسهولة نفسها في تجنب آثارها أو محاولات استدراجها. ومفتاح تخفيف هذه الكلفة لا يكمن في الخطاب وحده، بل في تحويل سوريا من ساحة قابلة للاختراق إلى عقدة مصلحة إقليمية في الحدود والطاقة والعبور [1] [5] [6].
سؤال التقدير
هل تستطيع سوريا، في ظل الحرب الإقليمية الجارية، أن تنتقل من حياد دفاعي هش إلى حياد وظيفي منتج؛ أي إلى وضع يمنع جرّها إلى الحرب، ويمنحها في الوقت نفسه دورًا إقليميًا متجددًا في الأمن الحدودي والطاقة والعبور؟
الفرضية المركزية
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن المعضلة السورية الراهنة ليست عسكرية في أصلها، بل جيوسياسية وسيادية. فالمشكلة لا تتمثل فقط في احتمال تعرض سوريا لضربة، أو في قدرتها على تفادي الاشتباك، بل في سؤال أعمق: من يملك حق تعريف وظيفة الجغرافيا السورية؟ إسرائيل تريد جنوبًا رخْوًا قابلًا للتدخل، والفصائل المرتبطة بإيران تريد فضاءً مشرقيًا متصلًا بالنيران والرسائل العابرة للحدود، وبعض القوى الدولية تريد سوريا مستقرة بالحد الأدنى الذي يمنع الانهيار، لا بالقدر الذي يسمح لها باستعادة وزنها الإقليمي. وبين هذه الضغوط، لا يكفي إعلان الحياد؛ إذ لا بد من إنتاج حيادٍ مسنود بالضبط الحدودي، وبالتماسك الداخلي، وبشبكة مصالح عربية تجعل استقرار سوريا مكسبًا للآخرين أيضًا [1] [2] [3].
أولًا: الحرب أعادت إدخال سوريا في المعادلة، لا إخراجها منها
من الخطأ قراءة الموقف السوري بوصفه موقف مراقب يقف خارج الأزمة. فالحرب لم تمر بجوار سوريا؛ بل أعادت ترتيب بيئتها الاستراتيجية. فمنذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير 2026، تمددت آثارها إلى لبنان، وإلى المجال العراقي، وإلى الخليج والأردن، وإلى طرق الطاقة والملاحة. وهذا يعني أن سوريا واجهت لحظة يصبح فيها الامتناع عن الانخراط قرارًا يوميًا يحتاج إلى قوة ضبط، لا مجرد رغبة سياسية [1].
المؤشر الأوضح على ذلك أن دمشق لم تكتفِ بخطاب عام حول رفض التصعيد، بل ترجمت حذرها إلى إجراءات حدودية وأمنية عملية. فقد عززت انتشارها على حدود لبنان والعراق، ووصفت هذه الخطوة بأنها جزء من حماية الحدود ومنع التهريب والتسلل في ظل التصعيد الإقليمي. ووفق معطيات ميدانية نشرتها رويترز، شمل هذا الانتشار وحدات مشاة وآليات ومدرعات وراجمات قصيرة المدى، مع تأكيد سوري صريح أن الأمر دفاعي وليس مقدمة لعمل هجومي ضد أي دولة مجاورة [2].
هذا التحول مهم لسببين. الأول أنه يكشف أن دمشق باتت تنظر إلى الحدود باعتبارها خط السيادة الأول، لا هامشًا أمنيًا ثانويًا. والثاني أنه يعكس محاولة واعية للقطع مع صورة سوريا بوصفها معبرًا مفتوحًا لتوازنات الآخرين. وبعبارة أخرى، فإن الدولة السورية تحاول هنا أن تنتقل من إدارة التداخل الحدودي إلى إدارة الفصل السيادي بين الساحات.
ثانيًا: الجنوب هو مركز الثقل الحقيقي في المأزق السوري
إذا كان الشرق يربك سوريا، فإن الجنوب يحدد مستوى الخطر الاستراتيجي عليها. فإسرائيل لا تتعامل مع سوريا من زاوية ردع تهديد قائم فقط، بل من زاوية منع تشكل فضاء سوري جنوبي متماسك وقادر على فرض قواعد اشتباك أو سيادة مستقرة. ولهذا السبب لا ينبغي المبالغة في قراءة آلية الاتصال الأمنية التي أُنشئت في كانون الثاني/يناير 2026 بين سوريا وإسرائيل بوساطة أمريكية. فهذه الآلية، على أهميتها الإجرائية، لم تنتج تهدئة مستدامة، ولم توقف منطق فرض الوقائع من جانب واحد [3].
الوقائع اللاحقة عززت هذا الاستنتاج. ففي 20 آذار/مارس 2026 أعلنت إسرائيل أنها استهدفت مواقع حكومية سورية بزعم الرد على هجمات طالت مدنيين من الدروز في السويداء، وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم مركز قيادة وأسلحة في جنوب سوريا وإنه لن يتسامح مع ما يعدّه تهديدًا للدروز [4]. الثابت هنا ليس فقط حصول الضربة، بل نمط التبرير نفسه: تحويل ملف داخلي سوري أو محلي إلى ذريعة مباشرة لإعادة تعريف حق إسرائيل في التدخل.
ومن ثم، فإن التهديد الإسرائيلي لا يُختزل في غارة أو توغل موضعي؛ بل يتمثل في محاولة ترسيخ جنوب سوري منخفض السيادة، قابل للضغط ولإنتاج ترتيبات أمنية أحادية. وهذا أخطر على المدى المتوسط من الخسائر الميدانية المباشرة؛ لأنه ينال من حق الدولة السورية في تعريف جنوبها وفي احتكار قرار الأمن فيه.
ثالثًا: العراق شريكٌ محتمل ومصدرُ هشاشة في آن واحد
تتعامل دمشق مع العراق ضمن معادلة مزدوجة ومعقدة. فمن جهة، يمثل العراق شريكًا موضوعيًا في إعادة وصل المشرق برًا وفي تشغيل منفذ سوري للطاقة والنقل. ومن جهة ثانية، يبقى العراق بيئةً لم تُغلق فيها بعد الفجوة بين موقف الدولة وقدرة الدولة. وهذا التمييز أساسي؛ لأن بغداد أعلنت رسميًا رفض استهداف دول الخليج والأردن، وأكدت رفض استخدام أراضيها للاعتداء على الجوار [8]، لكن الوقائع اللاحقة أظهرت استمرار هجمات منطلقة من الأراضي العراقية دفعت البحرين والسعودية إلى استدعاء الممثلين العراقيين للاحتجاج [10] [11].
هذا يعني أن دمشق لا تستطيع بناء سياستها تجاه العراق على افتراضين متقابلين بالبساطة نفسها: لا على افتراض الثقة الكاملة بقدرة بغداد على الضبط، ولا على افتراض القطيعة مع دولة تبقى مصلحة سوريا في التعاون معها كبيرة. ولهذا يبدو المسار السوري الأكثر عقلانية قائمًا على توسيع التنسيق مع الحكومة العراقية، مع الاحتفاظ بفرضية أن جزءًا من التهديد قد يأتي من خارج قرارها المباشر.
وفي هذا الإطار، تكتسب خطوة تصدير الوقود العراقي عبر سوريا قيمة تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر. فالعقد الذي نهضت عليه الخطة ـ نحو 650 ألف طن متري شهريًا من زيت الوقود بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو عبر الأراضي السورية ـ يشير إلى أن بغداد نفسها بدأت تتعامل مع سوريا لا بوصفها عبئًا حدوديًا فقط، بل منفذًا تخفيفيًا في لحظة إقليمية ضاغطة [5].
رابعًا: لبنان ليس ساحة نفوذ لسوريا الجديدة، بل اختبارٌ لحدودها
من أكثر الأخطاء شيوعًا قراءة العلاقة السورية ـ اللبنانية بعين الماضي. فليس دقيقًا القول إن سوريا تستعد للعودة إلى لبنان بوصفه مجال نفوذ، كما ليس دقيقًا القول إنها فقدت كل أثر أو مصلحة فيه. الأدق أن لبنان بات بالنسبة إلى دمشق اختبارًا لحدود الدور لا لفرص التمدد. فتعزيز الانتشار السوري على الحدود اللبنانية لم يكن تمهيدًا لتدخل، بحسب التصريحات السورية والمعطيات المنشورة، بل خطوة ردعية ـ دفاعية هدفها منع التسلل والتهريب واحتواء احتمالات الارتداد اللبناني على الداخل السوري [2].
وتتعزز هذه القراءة مع التطورات الدبلوماسية الأخيرة. ففي 14 نيسان/أبريل 2026 استضافت واشنطن أول محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ عقود، من دون أن يتضح أنها أفضت إلى إطار سلام أو وقف نار مستقر [9]. بالنسبة إلى دمشق، فإن أي انخراط في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، خارج منطق ضبط الحدود ودعم الدولة اللبنانية، سيعيد فتح الذاكرة الإقليمية الثقيلة للعلاقة غير المتوازنة بين البلدين، وسيعطي خصوم سوريا مادة سهلة لتصويرها بوصفها طرفًا عائدًا إلى أدوات الأمس.
وعليه، فإن المصلحة السورية في لبنان لا تكمن في استعادة النفوذ، بل في قيام دولة لبنانية قادرة، وفي إبقاء الحدود تحت السيطرة، وفي منع تحويل الملف اللبناني إلى قناة استدراج سياسي أو أمني لدمشق.
خامسًا: الفرصة السورية ليست دبلوماسية فقط، بل مادية أيضًا
عادةً ما تُختزل عودة الدول إلى الإقليم في الصور والبيانات والقمم. غير أن لحظات الحرب تعيد تقييم الدول على أساس ما تستطيع أن تقدمه ماديًا للآخرين. ومن هذه الزاوية، أعادت الأزمة الراهنة إظهار قيمة سوريا بوصفها عقدة عبور محتملة بين العراق وشرق المتوسط، وبين الأردن والمجال السوري، وبين الحاجة الإقليمية إلى بدائل هرمز وبين بنية مرافئ يمكن تفعيلها إذا توافرت الشروط الأمنية والسياسية [5].
ويكتسب هذا المعنى بعدًا أوضح مع التفاهمات السورية ـ الأردنية الأخيرة. ففي 12 نيسان/أبريل 2026 وقعت دمشق وعمّان تسع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاعات متنوعة، شملت الصناعة، والتجارة، والإعلام، والعدالة، والتعليم العالي، والصحة، والسياحة، والبريد، والتنمية الاجتماعية [6]. ليس المهم هنا العدد في ذاته، بل الدلالة: ثمة إدراك عربي متزايد أن استقرار سوريا يمكن أن يتحول من ملف احتواء إلى ملف شراكة ومنفعة متبادلة.
لكن هذه الفرصة ليست تلقائية. فلا قيمة للجغرافيا إذا بقي الأمن هشًا، ولا فائدة من الممرات إذا ظلت السياسة ملتبسة. وبذلك، فإن الاستفادة السورية من هذه اللحظة مشروطة بتحويل الموقع إلى مصلحة إقليمية قابلة للتوقع، لا إلى ورقة ظرفية مرتبطة بالاضطراب فقط.
سادسًا: لا حياد خارجي من دون تماسك داخلي
يخطئ من يفصل بين الحياد الخارجي وبنية السلطة الداخلية. فالقدرة على منع الآخرين من استخدام الأرض السورية أو ثغراتها ضد دمشق تفترض أولًا تقليص مناطق الفراغ أو الازدواج أو الحكم غير المكتمل داخل الدولة نفسها. ومن هذه الزاوية يكتسب الاتفاق المعلن في 30 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» أهمية تتجاوز بعده الأمني المباشر؛ لأنه وضع إطارًا لدمج مرحلي، ولوقف إطلاق النار، ولإعادة توحيد مناطق ومؤسسات كانت خارج السيطرة المركزية الكاملة [7].
صحيح أن الاتفاق لا يعني اكتمال الاستعادة السيادية، ولا يُسقط احتمالات التعطيل أو التراجع، لكنه يوضح اتجاهًا حاسمًا: سوريا التي تريد أن تمنع الخارج من تعريف حدودها ووظائفها تحتاج أولًا إلى استعادة جزء معتبر من قدرتها على تعريف داخلها. ومن دون هذا الشرط، يبقى الحديث عن «الحياد السيادي» شعارًا سياسيًا أكثر منه واقعًا قابلًا للدفاع.
المخاطر والفرص
تتمثل المخاطر الرئيسية في أربعة مسارات مترابطة: أولها استمرار الضغط الإسرائيلي على الجنوب وتطبيعه كمساحة تدخل مفتوحة؛ وثانيها بقاء المجال العراقي مصدرًا للهجمات والاختراقات بفعل الفجوة بين قرار الدولة وقدرة الدولة؛ وثالثها احتمال انزلاق الملف اللبناني إلى قناة استدراج لدمشق؛ ورابعها ضياع نافذة العبور والطاقة قبل أن تُؤمَّن أمنيًا وإداريًا. وفي المقابل، تنفتح أمام سوريا فرصة نادرة قوامها أن الإقليم بدأ يرى في استقرارها منفعة عملية، لا مجرد قضية سياسية مؤجلة [1] [5] [6] [10] [11].
مصفوفة مختصرة: احتمال × أثر
|
الخطر/الفرصة |
الاحتمال |
الأثر |
|
استمرار الضغط الإسرائيلي على الجنوب وتطبيع التدخل فيه |
مرتفع |
عالٍ |
|
بقاء المجال العراقي مصدرًا للهجمات والاختراقات |
مرتفع |
متوسط/عالٍ |
|
جرّ سوريا إلى تداخل مباشر في الملف اللبناني |
متوسط |
عالٍ |
|
تحول سوريا إلى مسار عبور وطاقة ذي وزن فعلي |
متوسط |
عالٍ |
السيناريوهات المرجحة
السيناريو الأول هو «الاحتواء المنتج». وفيه تتمدد الهدنة الأمريكية ـ الإيرانية أو تتحول إلى ترتيب أطول عمرًا، وتتراجع حدة الارتدادات على العراق والخليج، فيما تنجح دمشق في توسيع التعاون مع الأردن والعراق وتحويل بعض مسارات الطاقة والعبور إلى وقائع تشغيلية أوسع. يظل هذا السيناريو ممكنًا، لكنه يحتاج إلى انضباط أمني مرتفع وإلى بقاء الجبهة اللبنانية تحت السقف [1] [5] [6].
السيناريو الثاني هو «الحياد المكلف»، وهو الأرجح. وفيه لا تنهار الهدنة كليًا، لكنها لا تتحول إلى تسوية. تستمر إسرائيل في الضغط على الجنوب السوري ولبنان، وتبقى الحدود الشرقية مصدر تهديد متكرر، بينما تحقق دمشق بعض المكاسب السياسية والاقتصادية المحدودة من دون أن تفرض قواعد استقرار مكتملة. هذا السيناريو لا يعني الفشل الكامل، لكنه يعني أن كلفة عدم الانخراط ستظل مرتفعة [1] [2] [4] [10].
السيناريو الثالث هو «الانزلاق الواسع». وفيه تفشل التهدئة، أو تتسع الحرب اللبنانية، أو يتصاعد الضغط الإسرائيلي على الجنوب إلى مستوى أعمق، مع تزايد النشاط المسلح عبر العراق. عندها تتحول سوريا من دولة تحاول امتصاص الارتدادات إلى ساحة ارتداد مباشر لها. احتمال هذا السيناريو أقل من الثاني، لكنه يبقى قائمًا ما دامت التسوية الكبرى غير ناضجة [1] [4] [9].
جدول السيناريوهات
|
السيناريو |
الوصف المختصر | مؤشرات التحقق |
الترجيح |
|
الاحتواء المنتج |
تمدد نسبي للتهدئة مع تراجع الارتدادات وتحول بعض مسارات العبور والطاقة إلى وقائع تشغيلية أوسع. |
تمديد الهدنة، استمرار شحنات العراق عبر سوريا، توسع التفاهم مع الأردن. |
متوسط |
| الحياد المكلف | بقاء سوريا خارج الحرب رسميًا مع استمرار الضغط الإسرائيلي والتهديدات الشرقية ومكاسب اقتصادية محدودة. | ضغط متواصل جنوبًا، هجمات متفرقة من المجال العراقي، تقدم جزئي في العبور. |
مرجّح |
|
الانزلاق الواسع |
فشل التهدئة أو اتساع الحرب اللبنانية بما يحول سوريا إلى ساحة ارتداد مباشر. |
انهيار الهدنة، تصعيد جنوبي أعمق، زيادة النشاط المسلح عبر الحدود. |
أقل ترجيحًا |
التقدير الراجح
الراجح أن سوريا تتجه في الأمد القصير إلى حياد مكلف لا إلى حياد مستقر. فهي تملك، على الأرجح، ما يكفي لتجنب الانخراط العسكري الرسمي المباشر في الحرب، لكنها لا تملك بعد ما يكفي لتحييد آثارها بالكامل. وبذلك يصبح معيار النجاح السوري في المرحلة المقبلة ليس مجرد البقاء خارج الاشتباك، بل القدرة على تخفيض كلفة الانكشاف، وتوسيع شبكة المصالح العربية المرتبطة باستقرارها، ومنع إسرائيل من تثبيت جنوب منخفض السيادة [1] [3] [5] [6].
التوصيات العملية
1) صياغة عقيدة سياسية علنية ومقتضبة للحياد السيادي، تقوم على ثلاث قواعد: لا استخدام للأرض السورية ضد الجوار؛ لا قبول باستخدام جوار سوريا للاعتداء عليها؛ ولا انخراط سوري في حروب الآخرين من خارج مقتضيات الدفاع المباشر عن النفس. قيمة هذا الوضوح أنه يقلص مساحات الالتباس وسوء التأويل.
2) تحويل الضبط الحدودي من إجراء ميداني ظرفي إلى بنية دائمة، عبر تكامل الاستخبارات والرقابة البرية ومكافحة المسيّرات والتنسيق التقني مع العراق ولبنان والأردن، بدل الاكتفاء بالدوريات أو التعزيزات الموسمية [2] [8].
3) التعامل مع الجنوب بوصفه أولوية سيادية أولى، لا ملفًا فرعيًا. وهذا يقتضي الجمع بين الصلابة الدفاعية المحلية، والعمل الدبلوماسي النشط لتوثيق الانتهاكات والضغط من أجل وقفها، ومنع تحول قنوات الاتصال إلى غطاء لفرض وقائع إسرائيلية جديدة [3] [4].
4) رفع مسار الطاقة والعبور إلى مستوى مشروع دولة، لا فرصة تشغيلية محدودة، عبر غرفة تنفيذ عليا تضم النفط، والنقل، والمرافئ، والجمارك، والخارجية، بما يحول الجغرافيا السورية إلى مصلحة مشتركة للدول العربية المتصلة بها [5] [6].
5) تسريع استكمال ترتيبات الدمج والتهدئة الداخلية، ولا سيما في الشرق والشمال الشرقي، لأن كل فراغ داخلي يطيل عمر قابلية الاختراق الخارجي، ويضعف قابلية سوريا لتثبيت حيادها على الأرض [7].
خاتمة
المسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كانت سوريا محايدة أم لا. هذا توصيف ناقص. المسألة الحقيقية هي ما إذا كانت قادرة على انتزاع حقها في تعريف موقعها بنفسها، أم سيبقى هذا الموقع محصلةً لضغوط إسرائيلية، وفجوات عراقية، وارتدادات لبنانية، ومساومات دولية. وحتى الآن، تملك دمشق فرصة واقعية، لكنها ضيقة، كي تنتقل من موقع المتلقي لتداعيات الحرب إلى موقع يوظف بعض هذه التداعيات في استعادة وظيفة إقليمية جديدة. غير أن هذه الفرصة لن تُترجم ما لم يتحول الحذر السوري من مجرد رد فعل إلى سياسة دولة: واضحة، ومنضبطة، ومسنودة بالقوة التنفيذية، والمصلحة العربية، والتماسك الداخلي [1] [5] [6] [7].
المراجع
[1] Reuters, “Hopes rise for deal to end Iran war, but nuclear issues unresolved,” 16 April 2026.
[2] Reuters, “Syria sends thousands of troops to Lebanon border, sources say,” 3 March 2026.
[3] Reuters, “Israel, Syria to set up communication mechanism after US-mediated talks,” 6 January 2026.
[4] Reuters, “Israel says it hit Syrian government targets after attacks on Druze civilians,” 20 March 2026.
[5] Reuters, “Iraq’s SOMO awards fuel oil supply contracts for exports via Syria,” 31 March 2026.
[6] SANA, “Syria, Jordan sign nine agreements and MoUs to boost cooperation at Amman talks,” 12 April 2026.
[7] Reuters, “Syrian government, Kurds agree integration deal, US hails ‘historic milestone’,” 30 January 2026.
[8] Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Iraq, “Press Statement,” 26 March 2026.
[9] Reuters, “US hosts rare Israel-Lebanon talks, progress unclear,” 14 April 2026.
[10] Reuters, “Bahrain summons Iraqi charge d’affaires over drone attacks launched from Iraq,” 13 April 2026.
[11] Reuters, “Saudi Arabia summons Iraq envoy over drone threats from Iraqi territory,” 12 April 2026.



