- المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
- حدود الالتزام الأطلسي في حرب إيران: الناتو بين الدفاع الجماعي وتسييس المظلة الأمنية
- انتقال الخلاف من تقاسم الأعباء إلى تقاسم المخاطر، وانعكاس ذلك على القواعد العسكرية وأمن الطاقة ومضيق هرمز
- إقفال البيانات: ٢٣ أيار/مايو ٢٠٢٦
تضع حرب إيران حلف شمال الأطلسي أمام معضلة تتجاوز حسابات الإنفاق الدفاعي: هل يبقى الالتزام الأطلسي ضمانة دفاع جماعي داخل أوروبا، أم يتحول إلى تفويض سياسي لمساندة واشنطن في أزمات الشرق الأوسط؟ من رفض استخدام بعض القواعد، إلى تحرك «شارل ديغول»، ثم اضطراب مضيق هرمز، يتقدم سؤال الثقة على سؤال القدرة العسكرية.
——————
لم تعد الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي تدور حول نسب الإنفاق الدفاعي وحدها. الحرب على إيران دفعت التوتر الأطلسي إلى مستوى أكثر صعوبة: مستوى تعريف الالتزام نفسه. فالسؤال المطروح اليوم لا يقتصر على مقدار ما تدفعه أوروبا، بل يمتد إلى متى تلتزم سياسيًا وعسكريًا بما تطلبه واشنطن خارج المجال الأوروبي المباشر. هنا لا يعود الحلف مجرد بنية عسكرية، بل يتحول إلى ساحة اختبار لمعنى الحماية، وحدود الطاعة السياسية، ومدى قدرة الدول الأوروبية على الفصل بين أمنها القاري وأزمات الشرق الأوسط.
هذا التحول هو جوهر الأزمة. فرفض بعض الحلفاء استخدام قواعدهم أو الانخراط في الحرب لا يعني بالضرورة خروجهم من الناتو، لكنه يختبر حدود التضامن عندما لا يكون الحلف أمام هجوم مباشر على دولة عضو. المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تقوم على اعتبار الهجوم على عضو واحد هجومًا على الجميع، غير أن الحرب على إيران لا تقع تلقائيًا داخل هذا التعريف ما لم تتحول إلى تهديد مباشر لأراضي دولة عضو أو أمنها. لذلك تتحرك الأزمة في منطقة رمادية بين الالتزام السياسي، وحقوق استخدام القواعد، واستدعاء مفهوم الدفاع المشترك خارج سياقه الأصلي.
وقد عبّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن هذا التوتر بوضوح حين انتقد مواقف حلفاء رفضوا تسهيل العمليات الأميركية المرتبطة بالحرب على إيران، وطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى الحلف إذا كانت القواعد الأوروبية التي تستفيد من الحضور الأميركي لا تُتاح لواشنطن عند الحاجة. أهمية التصريح لا تكمن في حدّته اللفظية فقط، بل في أنه ينقل النقاش من مستوى «تقاسم الأعباء» إلى مستوى «تقاسم المخاطر». واشنطن لم تعد تسأل الأوروبيين عن الميزانيات الدفاعية وحدها، بل عن استعدادهم لتحمل كلفة قرارات عسكرية أميركية قد تمسهم اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.
|
النقطة الأهم أن الأزمة ليست عسكرية فقط. الجيوش الأطلسية لا تزال قادرة على التنسيق، والبنية القيادية للحلف لم تنهَر، والتهديد الروسي لا يزال عامل تماسك رئيسيًا، خصوصًا في شرق أوروبا. لكن ما يتآكل هو الثقة السياسية السابقة على القرار العسكري. واشنطن تريد حلفاء يساندونها عند اتساع المخاطر، لا شركاء ينتقون لحظة التضامن. في المقابل، ترى عواصم أوروبية أن عضوية الناتو لا تعني تفويضًا مفتوحًا للولايات المتحدة باستخدام الجغرافيا الأوروبية في كل حرب خارجية، خاصة إذا كانت هذه الحرب مرشحة لضرب الطاقة والأسواق والاستقرار الداخلي.
من هنا يمكن فهم التناقض الظاهري بين تهديدات ترمب السابقة بشأن الحلف، وبين قراره إرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا. هذا ليس تراجعًا كاملًا عن الضغط على أوروبا، بل إعادة توزيع مشروطة للحماية الأميركية. فواشنطن لا تتعامل مع أوروبا بوصفها كتلة واحدة، بل تميّز بين حلفاء متجاوبين مع أولوياتها وحلفاء مترددين أو معارضين. بولندا، في هذه القراءة، تمثل الحليف الذي يستثمر في العلاقة مع واشنطن، ويقبل كلفة التموضع المتقدم على الجناح الشرقي، ويبدو أكثر استعدادًا لاستقبال الوجود العسكري الأميركي ضمن منطق أمني وسياسي مشترك.
بهذا المعنى، تتحول المظلة الأمنية الأميركية تدريجيًا من ضمانة استراتيجية عامة إلى أداة مساومة سياسية. فالحماية لا تُسحب بالضرورة، لكنها تصبح مشروطة بدرجة الولاء، وحجم الإنفاق، وسهولة الوصول إلى القواعد، والاستعداد لمساندة واشنطن خارج أوروبا. هذه نقطة شديدة الحساسية؛ لأن قوة الناتو قامت تاريخيًا على فكرة أن الالتزام الأميركي لا يخضع لحسابات انتقائية يومية. فإذا أصبح الحضور العسكري الأميركي مكافأة للحليف المتجاوب وعقوبة للحليف المتردد، فإن الحلف يبقى قائمًا مؤسسيًا، لكنه يفقد جزءًا من طابعه الردعي الجماعي.
في المقابل، لا يمكن اختزال الموقف الأوروبي في كلمة «تردد». أوروبا تحسب كلفة الانخراط في حرب مفتوحة مع إيران، وهي كلفة لا تتوقف عند الميدان العسكري. أي تصعيد في الخليج يضغط على أسعار الطاقة، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، والصناعات الأوروبية، والتوازنات الداخلية للحكومات. كما أن الرأي العام الأوروبي مرهق أصلًا من حرب أوكرانيا، ومن ارتفاع الإنفاق الدفاعي، ومن أزمة المعيشة. لذلك، تبدو أوروبا حذرة لا لأنها عاجزة تمامًا، بل لأنها لا تريد الدخول في حرب لا تملك قرار بدايتها ولا تضمن قرار نهايتها.
يزداد هذا الحساب تعقيدًا مع أزمة مضيق هرمز. فالمضيق لم يعد بالنسبة إلى أوروبا ممرًا بعيدًا في الخليج، بل تحول إلى جزء من أمنها الاقتصادي الداخلي. تعطل الملاحة أو ارتفاع مخاطر المرور يعني ارتفاع كلفة الطاقة والشحن والتأمين، ويعيد إلى الواجهة هشاشة أوروبا أمام أزمات الممرات البحرية. لقد حاولت أوروبا بعد حرب أوكرانيا تقليل اعتمادها على مصادر طاقة بعينها، لكنها لم تتحرر من الجغرافيا. فالموانئ، والناقلات، وأسواق التأمين، وسلاسل الإمداد، كلها تذكر العواصم الأوروبية بأن أمن الطاقة ليس ملفًا داخليًا، بل شبكة واسعة تبدأ أحيانًا من نقاط اختناق بعيدة.
|
في هذا السياق يأتي تحرك حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» باتجاه البحر الأحمر وخليج عدن في إطار الاستعداد لمهمة بحرية محتملة مرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز. هذا التحرك لا يعني أن أوروبا أصبحت قادرة على إدارة أمن الخليج منفردة بعيدًا عن واشنطن. الأصح أنه يعكس محاولة لبناء هامش عملياتي مستقل داخل بيئة لا تزال أميركية القيادة. فرنسا تستطيع إرسال حاملة طائرات، وبريطانيا تستطيع المشاركة في مهمة بحرية، لكن البنية الأوسع للردع والاستخبارات والتموين والقيادة البحرية في المنطقة لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بالقوة الأميركية.
لذلك، ما نراه ليس استقلالًا أوروبيًا مكتملًا، بل محاولة لتقليل الانكشاف السياسي أمام واشنطن وإثبات أن أوروبا قادرة على الفعل عندما تمس الأزمة مصالحها المباشرة. هذه المحاولة مهمة لكنها محدودة. فهي لا تمنح أوروبا قرار الحرب والسلم في الخليج، ولا تجعلها قادرة على فرض قواعد الملاحة وحدها، لكنها تعطيها موقعًا تفاوضيًا أفضل من موقع المتفرج. أوروبا تريد أن تقول لواشنطن: لدينا مصالح في المضيق، ولدينا أدوات بحرية، لكننا لا نريد أن نتحول إلى ملحق تلقائي بالقرار الأميركي.
أما في مضيق هرمز، فالصراع يتجاوز حرية الملاحة إلى سؤال السيادة البحرية. واشنطن تطرح نفسها ضامنًا لحركة السفن، وإيران تحاول تحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط ورسوم وسيطرة، بينما تخشى دول الخليج تسييس المضيق وتحويله إلى ساحة مساومة بين القوة الإقليمية والقوة البحرية الكبرى. إذا تحولت عبارة «حرية الملاحة» إلى غطاء لسيطرة عسكرية أميركية كاملة، وإذا تحولت السيادة الإيرانية إلى أداة تعطيل أو ابتزاز، فإن القانون الدولي نفسه يصبح موضوع النزاع، لا مجرد إطار لحله.
الرفض الأوروبي والأميركي لفكرة الرسوم على المرور في هرمز يعكس خشية مشتركة من سابقة قانونية وسياسية شديدة الخطورة. فالممرات البحرية الاستراتيجية لا تُدار بمنطق الجباية السياسية أو فرض الإذن السيادي الأحادي، لأن ذلك يهدد التجارة العالمية ويجعل أمن الطاقة رهينة لتقدير طرف واحد. في المقابل، لا تستطيع واشنطن أن تقدم نفسها بوصفها سلطة إذن دائمة في المضيق من دون أن تثير سؤالًا مضادًا حول عسكرة حرية الملاحة. هنا تتواجه قاعدتان: قاعدة الانفتاح القانوني للممرات الدولية، وقاعدة القوة الفعلية القادرة على ضمان العبور أو تعطيله.
في هذا السياق، يصبح الناتو أمام اختبار غير مألوف. الحلف يستطيع أن يبقى متماسكًا تجاه روسيا، لكنه قد يتصدع سياسيًا في الشرق الأوسط. وهذا يعني ظهور «ناتو بسرعتين»: حلف قوي نسبيًا في الدفاع عن الجناح الشرقي الأوروبي، وحلف مرتبك عندما تطلب واشنطن دعمًا في صراعات خارج المجال الأطلسي التقليدي. هذه الصيغة لا تنهي الحلف، لكنها تغيّر طبيعته؛ فالناتو يصبح إطارًا انتقائيًا للتنسيق، لا كتلة سياسية موحدة في كل الملفات.
|
إذا بقيت الحرب محدودة، يمكن احتواء الخلاف داخل الحلف عبر تفاهمات مؤقتة: تسهيلات لوجستية من بعض الدول، مشاركة بحرية محدودة من أخرى، وامتناع سياسي من دول ثالثة. هذا النوع من المرونة عرفه الناتو في محطات سابقة، حين تباينت مواقف أعضائه من العراق وأفغانستان وليبيا. غير أن الخطر الحالي يكمن في تزامن أكثر من ضغط: حرب في أوكرانيا، أزمة في الخليج، إعادة نظر أميركية في الانتشار العسكري، وقلق أوروبي من التبعية الاستراتيجية. اجتماع هذه العوامل يجعل الخلاف أعمق من مجرد تباين تكتيكي.
أما إذا اتسعت الحرب إلى الخليج والقواعد الأميركية والملاحة الدولية، فستصبح الأزمة أخطر من خلاف عابر. عندها سيظهر السؤال الحقيقي: هل التضامن الأطلسي يعني الدفاع عن أوروبا فقط، أم المشاركة في إدارة النظام الدولي بالقوة تحت القيادة الأميركية؟ الإجابة الأوروبية لم تتبلور بعد، لكنها تميل إلى صيغة وسطى: لا قطيعة مع واشنطن، ولا تبعية مفتوحة لها. هذه الصيغة قد تبدو واقعية، لكنها تحمل تناقضها الداخلي؛ لأن الولايات المتحدة في لحظة الحرب لا تريد حلفاء نصف ملتزمين، وأوروبا لا تريد أن تدفع ثمن قرارات لا تصنعها.
المفارقة أن كل طرف يحتاج الآخر، لكنه يريد علاقة مختلفة معه. الولايات المتحدة تحتاج أوروبا كي لا تبدو منفردة في إدارة الممرات البحرية والطاقة والنظام الدولي. أوروبا تحتاج الولايات المتحدة كي لا تبقى مكشوفة أمام روسيا وأمام صدمات الشرق الأوسط. غير أن الحاجة المتبادلة لم تعد كافية لإنتاج انسجام سياسي تلقائي. فالثقة التي كانت تُبنى على ذاكرة الحرب الباردة باتت تحتاج اليوم إلى عقد سياسي جديد يحدد ما الذي يفعله الحلف عندما تقع الأزمة خارج حدوده الجغرافية التقليدية، لكنها تضرب مصالحه الاقتصادية والأمنية.
من زاوية استراتيجية، لا تبدو الأزمة مرشحة لتفكيك الناتو سريعًا. الحلف أكبر من خلاف واحد، وأعمق من تصريح صادم، وأكثر ارتباطًا بتوازنات روسيا وأمن أوروبا الشرقية. غير أن الأزمة مرشحة لإعادة تشكيل داخله. قد نرى حلفاء أكثر قربًا من واشنطن يحصلون على حضور عسكري أميركي أكبر، وحلفاء أكثر تحفظًا يدفعون نحو استقلالية أوروبية أوسع، ودولًا وسطى تحاول تجنب الاختيار بين الطرفين. بهذا المعنى، لا تكون حرب إيران نهاية الحلف، بل بداية مرحلة يكون فيها الانضباط السياسي داخله أقل سهولة.
نتائج تقديرية .
أولًا، الأزمة الحالية لا تلغي المادة الخامسة، لكنها تضغط على ما يسبقها سياسيًا: الثقة في أن الحلفاء سيمنحون بعضهم بعضًا تسهيلات ودعمًا عندما تتوسع الأزمات. فإذا ضعفت هذه الثقة، بقي النص القانوني قائمًا، لكن أثره الردعي يتراجع.
ثانيًا، واشنطن تعيد تعريف الحماية بوصفها علاقة مشروطة. لم تعد المسألة أن تكون الدولة عضوًا في الناتو فقط، بل أن تثبت أنها حليف نافع في لحظة الاختبار. هذا التحول يفتح الباب أمام انتقائية أميركية في الانتشار العسكري داخل أوروبا.
ثالثًا، أوروبا تتحرك نحو استقلالية محدودة لا استقلالية كاملة. تحريك القطع البحرية والتفكير في مهام لحماية الملاحة يعكسان رغبة في الفعل، لكنهما لا يعوضان بعد الفجوة في القيادة، والاستخبارات، والقدرة على الاستدامة العسكرية.
رابعًا، مضيق هرمز أصبح جزءًا من الأمن الأوروبي، لا مجرد ملف شرق أوسطي. أي اضطراب طويل في المضيق سينتقل إلى الداخل الأوروبي عبر الطاقة، والتضخم، والشحن، والصناعة، والضغط السياسي على الحكومات.
خامسًا، الحرب على إيران قد تنتج ناتو أكثر تماسكًا في مواجهة روسيا، وأكثر انقسامًا في الشرق الأوسط. هذه الثنائية ستكون أحد ملامح الحلف في المرحلة المقبلة إذا لم تُصَغ قواعد أوضح للتعامل مع الأزمات خارج المجال الأطلسي.
خاتمة.
تدفع حرب إيران أزمة الناتو إلى مرحلة جديدة. لم تعد المشكلة في المال فقط، بل في معنى الالتزام. ولم تعد المظلة الأميركية ضمانة مجانية سياسيًا، بل تحولت إلى أداة ضغط وتفاوض. في المقابل، لم تعد أوروبا قادرة على الاكتفاء بالاعتراض اللفظي؛ فاضطراب مضيق هرمز يضع أمن الطاقة الأوروبي أمام اختبار مباشر، ويدفعها إلى إظهار قدرة عملياتية لا تزال محدودة لكنها ذات دلالة.
لا يبدو الحلف الأطلسي مقبلًا على انهيار سريع، لكنه يدخل طورًا أكثر صعوبة: طور الحلف القائم عسكريًا، المتردد سياسيًا، والمنقسم وظيفيًا بين الدفاع عن أوروبا وإدارة أزمات الشرق الأوسط. وإذا طال أمد الحرب واتسعت، فقد تصبح حرب إيران أخطر اختبار لوحدة الناتو منذ عقود، لا لأنها ستفككه فورًا، بل لأنها ستجبر أعضاءه على إعادة تعريف معنى أن يكونوا حلفاء عندما لا تقع الحرب في أوروبا، لكنها تضرب مصالح أوروبا من البحر والطاقة والاقتصاد.
مراجع مختارة























