- من حرب إيران إلى حرب الصلاحيات: كيف يتحول التصعيد الخارجي إلى أزمة داخلية في واشنطن؟
- قراءة في دلالات التصويت المتقارب داخل الكونغرس، وتحول كلفة المواجهة مع إيران إلى عبء دستوري وحزبي واقتصادي على إدارة ترامب.
- إقفال البيانات: ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦
النتيجة المركزية: لم تُهزم إدارة ترامب تشريعيًا في الكونغرس، لكنها فقدت راحة التفويض السياسي في ملف إيران.
مدخل
لم تعد المواجهة الأمريكية مع إيران ملفًا خارجيًا يُدار من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع وحدهما. فمع امتداد الأزمة منذ الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران في ٢٨ شباط/فبراير ٢٠٢٦، بدأت المواجهة تنتقل تدريجيًا إلى الداخل الأمريكي، لا بوصفها خلافًا عابرًا بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل بوصفها اختبارًا لحدود السلطة الرئاسية، وتماسك الحزب الجمهوري، وقدرة إدارة الرئيس دونالد ترامب على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية للتصعيد.
تكشف التصويتات المتقاربة في مجلسي الكونغرس أن إدارة ترامب ما زالت قادرة على منع تقييد صلاحياتها، لكنها لم تعد تملك تفويضًا سياسيًا مريحًا. ففي مجلس النواب، تعادل التصويت على قرار يقيّد استمرار العمليات ضد إيران عند ٢١٢ مقابل ٢١٢، ما أدى إلى سقوطه لعدم حصوله على أغلبية. غير أن الدلالة الأهم لا تكمن في سقوط القرار، بل في ضيق الهامش وانضمام ثلاثة جمهوريين إلى أغلب الديمقراطيين، مقابل ديمقراطي واحد عارض القرار. وفي مجلس الشيوخ، فشل قرار مشابه بفارق ضيق، ٥٠ مقابل ٤٩، مع انضمام ثلاثة جمهوريين إلى الديمقراطيين. هذه الأرقام لا تعني انهيار الغطاء الجمهوري للرئيس، لكنها تكشف أن هذا الغطاء لم يعد صلبًا بما يكفي لعزل الملف الإيراني عن الصراع الداخلي في واشنطن.
أولًا: من سؤال إيران إلى سؤال الدستور
لا يدور الخلاف داخل الكونغرس حول إيران وحدها. فالسؤال الأعمق هو: من يملك قرار الحرب، الرئيس أم الكونغرس؟
يستند معارضو استمرار العمليات، من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، إلى أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، وأن استمرار الأعمال العسكرية من دون تفويض تشريعي واضح يعيد فتح الجدل القديم حول حدود صلاحيات الرئيس بوصفه قائدًا أعلى للقوات المسلحة. في المقابل، تتمسك إدارة ترامب ومعظم الجمهوريين بحجة أن الرئيس يتحرك ضمن صلاحياته التنفيذية في مواجهة تهديدات وشيكة أو مستمرة، وأن وقف إطلاق النار أو تغير طبيعة العمليات يخففان، في قراءة الإدارة، الحاجة إلى تفويض جديد.
هنا تتضح دلالة قانون صلاحيات الحرب لعام ١٩٧٣. فالمسألة لم تعد مجرد تقييم سياسي للتهديد الإيراني، بل باتت خلافًا حول توصيف الفعل الأمريكي نفسه: هل الولايات المتحدة في حالة أعمال عدائية تستوجب تفويض الكونغرس بعد عتبة زمنية محددة، أم أن الإدارة تستطيع مواصلة عمليات محدودة تحت عنوان الدفاع عن النفس والصلاحيات الرئاسية؟ هذا التباين في التوصيف هو قلب الأزمة الدستورية.
بهذا المعنى، لم تُهزم إدارة ترامب تشريعيًا، لكنها لم تنتصر سياسيًا. هناك فارق جوهري بين أن تمنع قرارًا في الكونغرس، وبين أن تمتلك تفويضًا واسعًا لمواصلة التصعيد. الأول يمنح الإدارة قدرة على الاستمرار، أما الثاني فيمنحها شرعية سياسية مريحة. وما تكشفه التصويتات الأخيرة أن الإدارة تملك الأولى، لكنها لا تملك الثانية بالقدر الكافي.
|
ثانيًا: صدع جمهوري محدود، لكنه قابل للتوسع
لا ينبغي تصوير المشهد كما لو أن الحزب الجمهوري انقلب على ترامب. فالأغلبية الجمهورية لا تزال تقف خلف الرئيس، ولا تزال ترى أن تقييد صلاحياته في لحظة مواجهة مع إيران قد يضعف صورة الردع الأمريكي. غير أن انضمام عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين يكشف صدعًا محدودًا لكنه مهم، لأنه يصدر من داخل الحزب لا من المعارضة التقليدية وحدها.
يمثل راند بول تيارًا جمهوريًا أكثر تحفظًا تجاه الحروب الخارجية وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية. أما سوزان كولينز وليزا موركاوسكي فتعكسان جناحًا مؤسسيًا أكثر استقلالًا داخل الحزب. وفي مجلس النواب، فإن تصويت جمهوريين إلى جانب الديمقراطيين في أكثر من جولة يشير إلى أن المسألة لم تعد محسومة بالكامل بمنطق الولاء الحزبي. ليس هذا تمردًا جمهوريًا واسعًا، لكنه بداية تآكل محدود في هامش الثقة بسياسة الحرب، خصوصًا إذا طال أمد المواجهة أو ارتفعت كلفتها الداخلية.
وتزداد أهمية هذا الصدع لأنه يأتي قبل انتخابات منتصف المدة. فالنائب أو السيناتور الجمهوري في ولاية أو دائرة حساسة لا يصوّت وفق حسابات الأمن القومي وحدها، بل وفق حسابات الناخب أيضًا. وكلما ارتبطت الحرب بأسعار الوقود والتضخم وكلفة المعيشة، أصبح الدفاع عنها أكثر صعوبة أمام جمهور لا يرى نتائج مباشرة للتصعيد، لكنه يلمس كلفته في حياته اليومية.
ثالثًا: الاقتصاد بوصفه جبهة داخلية للحرب
لا يتحول الملف الإيراني إلى أزمة داخلية بسبب التصويتات وحدها، بل بسبب التقاء التصويت مع كلفة اقتصادية محسوسة. فالتوتر حول مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتذبذب حركة الملاحة، تنقل الحرب من نطاق الأمن القومي إلى نطاق كلفة المعيشة. في ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦، ارتفع خام برنت إلى نحو ١٠٨ دولارات للبرميل، وارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو ١٠٤ دولارات، وسط مخاوف من استمرار الاضطراب حول المضيق ومن هشاشة وقف إطلاق النار. كما أظهرت حركة السفن عبر مضيق هرمز تعافيًا جزئيًا، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الحرب، وهو ما أبقى الأسواق تحت ضغط التوتر أكثر من ضغط نقص الإمدادات الفعلي.
هنا تصبح الحرب أكثر خطرًا على إدارة ترامب. فالرئيس يستطيع الدفاع عن الضربات العسكرية بوصفها أداة ردع ضد إيران، لكنه يواجه صعوبة أكبر عندما تتحول نتائجها إلى ضغط على الوقود، والنقل، والأسعار، وتوقعات التضخم. لا يحتاج الناخب الأمريكي إلى متابعة تفاصيل البرنامج النووي الإيراني كي يشعر بالحرب؛ يكفي أن يراها في سعر البنزين، وكلفة النقل، وفواتير السلع، وخطاب الاحتياطي الفيدرالي حول التضخم.
لذلك يصبح الاقتصاد الجسر الذي ينقل الأزمة من السياسة الخارجية إلى السياسة الداخلية. فإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، أو بقيت الملاحة في مضيق هرمز غير مستقرة، ستجد المعارضة الديمقراطية فرصة أوسع لربط الحرب بجيب المواطن. وفي المقابل، سيجد الجمهوريون المعتدلون أو المتحفظون أنفسهم أمام معادلة صعبة: دعم الرئيس في ملف أمني حساس، أو تجنب تحمل كلفة سياسية مباشرة أمام ناخبين قلقين من الأسعار.
تقديريًا، هذا هو العامل الأكثر قابلية لتحويل الانقسام المحدود داخل الكونغرس إلى أزمة سياسية أوسع. فالجدل الدستوري مهم للنخب والمؤسسات، لكن الوقود والتضخم هما ما ينقلان الجدل إلى الرأي العام. وعندما تلتقي شرعية الحرب مع كلفة المعيشة، تصبح السلطة الرئاسية نفسها موضوعًا انتخابيًا.
|
رابعًا: كيف يقيّد الانقسام إدارة ترامب؟
لا يعني الانقسام داخل الكونغرس أن إدارة ترامب ستتراجع فورًا عن سياسة الضغط على إيران. لكنها ستصبح أكثر حرصًا على تسويق سياستها بوصفها ضغطًا محدودًا وقابلًا للإنهاء، لا حربًا مفتوحة. وستحتاج الإدارة، في كل خطوة جديدة، إلى تبرير قانوني وسياسي أكثر صرامة، ليس فقط أمام الديمقراطيين، بل أمام جزء من الجمهوريين أيضًا.
هذا يضيّق هامش التصعيد الكبير. فالعمليات المحدودة، والضربات المحسوبة، والعقوبات، والضغط البحري، والدبلوماسية المشروطة، ستبقى أدوات متاحة. لكن أي انتقال إلى مواجهة أوسع، أو أي خسائر أمريكية مباشرة، أو أي قفزة جديدة في أسعار الطاقة، قد يعيد التصويتات إلى الواجهة ويمنح المعارضين قدرة أكبر على استقطاب جمهوريين إضافيين.
كما أن مجلس الشيوخ سيبقى ساحة بالغة الحساسية. فهو ليس مجرد غرفة تشريعية ثانية، بل منصة رقابية وسياسية قادرة على إحراج الإدارة عبر جلسات الاستماع، وطلب الوثائق، ومناقشة التمويل، وربط الاعتمادات بشروط أو آجال زمنية. وحتى عندما يفشل الكونغرس في تمرير قيد مباشر على الرئيس، يستطيع أن يرفع كلفة الاستمرار سياسيًا وإعلاميًا.
بعبارة أخرى، ستضطر إدارة ترامب إلى إدارة الملف الإيراني على جبهتين في وقت واحد: جبهة خارجية مع طهران وحلفاء واشنطن، وجبهة داخلية مع الكونغرس والرأي العام والأسواق. وهذا بحد ذاته تغيير مهم في بنية الأزمة.
خامسًا: ماذا تقرأ طهران من الانقسام الأمريكي؟
بالنسبة إلى إيران، يحمل الانقسام داخل واشنطن رسالة مزدوجة. فمن جهة، قد ترى طهران أن قدرة ترامب على الاستمرار في التصعيد ليست مطلقة، وأن الكونغرس، والرأي العام، والأسواق باتت قيودًا فعلية على القرار الأمريكي. ومن جهة أخرى، قد يدفع هذا الانقسام ترامب إلى إظهار مزيد من الحزم، حتى لا يبدو مقيدًا داخليًا أو عاجزًا عن فرض خطه السياسي.
هنا تكمن المفارقة. الانقسام الأمريكي قد يفتح نافذة للتهدئة، لكنه قد يدفع أيضًا إلى تصعيد محسوب لإعادة ترميم صورة الردع. لذلك لا ينبغي قراءة التصويتات المتقاربة بوصفها ضمانة لتراجع أمريكي سريع، بل بوصفها عاملًا جديدًا يزيد تعقيد حسابات الطرفين. فطهران قد تراهن على الوقت والكلفة الداخلية، بينما قد تراهن واشنطن على أن ضغطًا محدودًا ومكثفًا يكفي لفرض تنازلات من دون الانزلاق إلى حرب واسعة.
|
سادسًا: السيناريوهات الأقرب
السيناريو الأول، وهو الأرجح في المدى القصير، يتمثل في استمرار الضغط المحدود مع محاولة ضبط التصعيد. في هذا المسار، تواصل إدارة ترامب استخدام أدوات عسكرية واقتصادية محدودة، مع إبقاء باب التفاوض أو وقف إطلاق النار مفتوحًا. يستمر الكونغرس في التصويت والضغط، لكن من دون قدرة كافية على فرض قيود ملزمة. هذا السيناريو يحفظ للإدارة هامش الحركة، لكنه يبقيها تحت ضغط سياسي واقتصادي مستمر.
السيناريو الثاني يتمثل في تصاعد الأزمة الداخلية إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر، أو وقعت خسائر أمريكية مباشرة، أو بدا أن الإدارة تخفي كلفة الحرب أو تقلل من مدتها. عندها قد ينتقل الصدع الجمهوري من رمزي ومحدود إلى مؤثر تشريعيًا. في هذه الحالة، لا يصبح السؤال فقط هل يملك الرئيس صلاحية الاستمرار، بل هل يستطيع حزبه تحمل كلفة الدفاع عنه؟
أما السيناريو الثالث، الأقل ترجيحًا لكنه ممكن، فهو أن تحقق الإدارة إنجازًا عسكريًا أو دبلوماسيًا يسمح لها بإعادة توحيد الجمهوريين خلفها. قد يكون ذلك عبر اتفاق مؤقت، أو تهدئة في مضيق هرمز، أو انخفاض ملموس في أسعار الطاقة. في هذا المسار، يستطيع ترامب تقديم المواجهة بوصفها ضغطًا ناجحًا لا حربًا مفتوحة، ما يخفف الضغط الداخلي مؤقتًا.
الخلاصة
تكشف التصويتات المتقاربة في مجلسي الكونغرس أن المواجهة مع إيران دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا. لم تعد حربًا خارجية فقط، بل أصبحت اختبارًا داخليًا لشرعية القرار الحربي في واشنطن. فإدارة ترامب ما زالت قادرة على منع القيود التشريعية، لكنها لم تعد قادرة على الادعاء بامتلاك تفويض سياسي مريح.
وبين صدع جمهوري محدود، وضغط اقتصادي متصاعد، وسؤال دستوري مفتوح حول صلاحيات الحرب، تتحول إيران إلى مرآة لأزمة أوسع في السياسة الأمريكية: من يقرر الحرب؟ ومن يدفع كلفتها؟ ومن يتحمل نتائجها أمام الناخب؟
الخلاصة الأوضح أن «حرب الصلاحيات» لم تعد هامشًا قانونيًا للمواجهة مع إيران، بل أصبحت جزءًا من المواجهة نفسها. وكلما طال أمد الأزمة، انتقل مركز الثقل من سؤال: كيف تضغط واشنطن على طهران؟ إلى سؤال أشد حساسية داخليًا: بأي تفويض، وبأي كلفة، وإلى متى؟
المراجع
- Reuters، ١٤ أيار/مايو ٢٠٢٦، «مجلس النواب يرفض بفارق ضيق مسعى تقييد صلاحيات ترامب في حرب إيران»، الرابط
- Reuters، ١٣ أيار/مايو ٢٠٢٦، «مجلس الشيوخ يعرقل أحدث مسعى لتقييد صلاحيات ترامب في ملف إيران مع تنامي الدعم»، الرابط
- Reuters، ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦، «أسعار النفط ترتفع مع تراجع آمال التسوية وتزايد المخاوف حول مضيق هرمز»، الرابط
- Reuters، ١٢ أيار/مايو ٢٠٢٦، «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تفترض استمرار اضطرابات الإمداد في الشرق الأوسط»، الرابط



















