سلسلة القدرة المقطوعة: مأزق التحويل الدفاعي الأوروبي بعد طفرة الإنفاق
لماذا لا يتحول الإنفاق الدفاعي إلى ردع قابل للتشغيل؟
تعثر تحويل المال إلى قدرة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وتحالفات القدرات الصغيرة
الحجة المركزية
لا تكمن أزمة الدفاع الأوروبي الراهنة في نقص الموارد وحده، بل في ضعف آلية التحويل التي تربط الموارد بالقدرة. لذلك قد توسّع زيادة الإنفاق حجم النشاط الدفاعي الأوروبي، لكنها لن تنتج ردعًا أكثر تماسكًا ما لم تُضبط سلسلة التحويل كاملة: من تحديد الفجوات، إلى تجميع الطلب، فالشراء، فالإنتاج، فالمخزون، فالتدريب والصيانة، ثم الجاهزية وقابلية النشر.
«تحالفات القدرات الصغيرة لا تهدم الإطار الأوروبي؛ بل تمنحه طريقًا عمليًا عندما يتعذر الإجماع الكامل.»
أولًا: الملخص التنفيذي
تدخل أوروبا منذ ٢٠٢٤، وبصورة أوضح خلال ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، مرحلة انتقال من سؤال رفع الإنفاق الدفاعي إلى سؤال أكثر صرامة: هل تستطيع الموارد الجديدة أن تتحول إلى قدرة عسكرية فعلية قابلة للاستخدام والانتشار والاستدامة؟ لم يعد النقاش يدور حول الوعي بالخطر أو محدودية التمويل فقط، فقد أصبح الخطر الروسي أكثر حضورًا في الوثائق الأوروبية، كما أطلقت مؤسسات الاتحاد الأوروبي أدوات مالية وصناعية جديدة، أبرزها SAFE وEDIP، ضمن رؤية أوسع عنوانها «الجاهزية ٢٠٣٠». غير أن وفرة الأدوات لا تلغي المشكلة، بل تكشفها بصورة أدق: أين تتعطل السلسلة التي تربط المال بالقدرة؟
تجادل هذه الورقة بأن أوروبا تواجه «فجوة تحويل دفاعي» لا فجوة إنفاق مجردة. فالقدرة العسكرية لا تنشأ من الاعتمادات المالية وحدها، بل من تتابع منضبط يبدأ بتحديد الفجوات، ويمر بمواءمة المتطلبات وتجميع الطلب والشراء والإنتاج، وينتهي بالمخزون والتدريب والصيانة وقابلية النشر. وإذا تعطلت حلقة واحدة في هذه السلسلة، أمكن للإنفاق أن يرتفع من دون أن يتحول إلى ردع مكافئ.
تكشف البيانات الرسمية الحديثة أن الموارد ارتفعت فعلًا. فقد أشارت وكالة الدفاع الأوروبية إلى أن الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء بلغ ٣٤٣ مليار يورو في ٢٠٢٤، مع تقدير ببلوغه ٣٨١ مليار يورو في ٢٠٢٥، كما تجاوز الاستثمار الدفاعي عتبة ١٠٠ مليار يورو في ٢٠٢٤. غير أن المشتريات التعاونية لا تزال دون مستوى الطموح، وتظل القدرات الحرجة، مثل الدفاع الجوي المتكامل والضربات بعيدة المدى والتمكين الاستراتيجي، أبطأ من الإيقاع السياسي المعلن. (٢) (٣)
تذهب الورقة إلى أن المدخل الأكثر واقعية لتقليص هذه الفجوة لا يكون عبر انتظار إجماع أوروبي شامل، بل عبر «تحالفات قدرات صغيرة» تقودها دول مستعدة حول فجوات محددة، مع ربط هذه التحالفات بأدوات الاتحاد الأوروبي ومتطلبات حلف شمال الأطلسي. بهذا المعنى، لا يكون الاتحاد الأوروبي بديلًا من حلف شمال الأطلسي، بل منصة تحويل للموارد الأوروبية نحو أهداف قدرات أكثر تحديدًا.
وتخلص الورقة إلى أن أوكرانيا يجب أن تُقرأ بوصفها شريكًا في التحويل الدفاعي الأوروبي، لا مجرد متلقٍّ للدعم. فالتجربة الأوكرانية في الابتكار تحت ضغط الحرب، وفي المسيّرات، والحرب الإلكترونية، وسرعة تكييف الأنظمة، تمنح أوروبا مختبرًا عمليًا لربط الصناعة بالمتطلبات العملياتية. لكن إدماج هذه الخبرة يتطلب أطرًا مؤسسية وتمويلية وأمنية منضبطة تمنع تحويل التعاون إلى شعار سياسي جديد.
«لا يصنع المال ردعًا ما لم يمر عبر سلسلة قدرة تضبط الأولوية، والطلب، والصناعة، والمخزون، والجاهزية.»
ثانيًا: الإشكالية والسؤال البحثي
السؤال المركزي لهذه الورقة هو: أين تتعطل سلسلة التحويل الدفاعي الأوروبية بين المال والقدرة: في التخطيط، أم الشراء، أم التصنيع، أم توزيع الأدوار بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والشركاء؟
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن أوروبا لم تعد تقف أساسًا أمام نقص الموارد، بل أمام ضعف بنيوي في تحويل الموارد إلى قدرة. ويظهر هذا الضعف في ثلاث فجوات متداخلة: فجوة تخطيط، لأن الأولويات المعلنة لا تتحول دائمًا إلى برامج ملزمة؛ وفجوة شراء، لأن ضغط الوقت يدفع الدول إلى حلول وطنية سريعة؛ وفجوة صناعة، لأن رفع الطلب لا يكفي ما لم يقترن بسلاسل توريد مستقرة، ومخزون قابل للتجديد، وقدرة على إدماج الأنظمة داخل بنية قيادة وتشغيل مشتركة.
ولا تهدف الورقة إلى إعادة فتح ملف «الاستقلال الدفاعي الأوروبي» بوصفه شعارًا عامًا، ولا إلى تكرار النقاش حول تراجع الضمانة الأميركية أو هوية حلف شمال الأطلسي. فهذه المحاور تحضر في الخلفية فقط، ولا تُعدّ مركز التحليل. زاوية هذه الورقة أضيق وأكثر انضباطًا وقابلية للاختبار: كيف يتحول المال إلى قدرة؟ وما الشروط التي تجعل الإنفاق الأوروبي الجديد رصيدًا عسكريًا لا رقمًا سياسيًا؟
ثالثًا: ما الذي تغيّر حتى ٤ أيار/مايو ٢٠٢٦؟
أول ما تغيّر أن الاتحاد الأوروبي انتقل من تشخيص الفجوة إلى بناء أدوات تمويل وتحفيز. فقد قدّمت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى في آذار/مارس ٢٠٢٥ «الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبي ـ الجاهزية ٢٠٣٠»، واضعةً إطارًا لتعبئة دفاعية واسعة، ولسد فجوات القدرات الحرجة، ولتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية. وتؤكد الوثيقة أن المطلوب ليس فقط دعم أوكرانيا، بل إعادة بناء دفاع أوروبي قادر على الردع، وعلى الوفاء بجزء أكبر من متطلبات الأمن الأوروبي. (٤)
ثانيًا، تحولت أداة SAFE من مقترح سياسي إلى أداة نافذة. اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي هذه الآلية في ٢٧ أيار/مايو ٢٠٢٥، وتوفر قروضًا طويلة الأجل تصل إلى ١٥٠ مليار يورو لمساعدة الدول الأعضاء على الاستثمار في القدرات الدفاعية العاجلة. وتضع الأداة مبدأ الشراء المشترك في مركزها، مع فتح الباب أمام مشاركة أوكرانيا ودول المنطقة الاقتصادية الأوروبية والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، غير أنها تسمح أيضًا، بصورة مؤقتة، بدعم مشتريات فردية عند الحاجة إلى تسليم سريع للأصول الحرجة. هنا تظهر المفارقة الأولى: صمم الاتحاد الأوروبي الأداة لتقليل التجزئة، لكنه منحها استثناءً قد يُبقي على جزء من التجزئة إذا أصبح هو القاعدة العملية. (٥)
ثالثًا، أقرّ مجلس الاتحاد الأوروبي برنامج EDIP، بوصفه مبادرة أوروبية لتعزيز الصناعة الدفاعية بقيمة ١,٥ مليار يورو، مع مكوّنات مخصصة للتعزيز الصناعي، والشراء المشترك، ومشروعات الدفاع الأوروبية ذات المصلحة المشتركة، ودعم أوكرانيا، وتمويل الابتكار، وآليات أمن الإمداد. ويُظهر تصميم البرنامج أن الاتحاد الأوروبي بدأ ينتقل من تمويل البحث والتطوير إلى محاولة هندسة سلسلة إنتاج وإمداد أوسع، تشمل النرويج وأوكرانيا في أكثر من مسار. (٦)
رابعًا، انتقل حلف شمال الأطلسي في قمة لاهاي ٢٠٢٥ إلى التزام إنفاقي أعلى بكثير، يقوم على ٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول ٢٠٣٥: ٣,٥٪ للمتطلبات الدفاعية الأساسية، وما يصل إلى ١,٥٪ للبنية التحتية والمرونة والابتكار والقاعدة الصناعية. غير أن هذا الالتزام لا يحسم السؤال الأوروبي، بل يضاعفه: كيف تُربط هذه الموارد الجديدة بأهداف قدرات واضحة؟ وكيف تتجنب أوروبا تحويل الهدف المالي إلى بديل من التخطيط العسكري؟ (٧)
خامسًا، أصبح إدماج أوكرانيا في الصناعة الدفاعية الأوروبية أكثر مؤسسية. ففي أيار/مايو ٢٠٢٥، عُقد الاجتماع الأول لفريق العمل الأوروبي ـ الأوكراني للتعاون الصناعي الدفاعي، بهدف تعزيز التكامل الصناعي، وتبادل الدروس المستفادة من الحرب عالية الكثافة، ودعم مشاركة أوكرانيا في برامج التعزيز الصناعي والشراء المشترك. كما أطلقت المفوضية في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥ تحالفًا تكنولوجيًا دفاعيًا يربط أكثر من أربعين شركة أوروبية وأوكرانية في مجالات المسيّرات ومضاداتها والإنتاج الصناعي والابتكار السريع. (٨) (٩)
رابعًا: مفهوم «فجوة التحويل الدفاعي»
لا يكفي أن تُرفع الموازنات لتتغير موازين الردع. فالإنفاق لا يصبح قدرة إلا عندما يمر عبر سلسلة مترابطة: تهديد محدد، ثم أولوية قدرة، ثم متطلب عملياتي، ثم طلب مجمّع، ثم تمويل، ثم عقد، ثم إنتاج، ثم مخزون، ثم تدريب وصيانة، ثم قابلية نشر وتشغيل مشترك. هذه السلسلة هي موضع الاختبار الأوروبي الراهن.
تكمن «فجوة التحويل» في المسافة بين بداية السلسلة ونهايتها. قد تقرر دولة زيادة الإنفاق، لكنها تشتري نظامًا لا يتكامل مع أنظمة جيرانها. وقد تطلق مجموعة دول برنامجًا مشتركًا، ثم يتعطل عند اختلاف المتطلبات أو تضارب الجداول الزمنية. وقد تعلن الصناعة توسيع خطوط الإنتاج، لكنها لا تجد طلبًا طويل الأجل يبرر الاستثمار. وقد تصل المعدات في وقتها، لكنها لا تدخل الخدمة سريعًا بسبب نقص التدريب أو الذخائر أو قطع الغيار. في كل حالة من هذه الحالات، لا يكون الخلل في المال وحده، بل في مسار تحويله.
تتيح هذه الزاوية نقل النقاش من المستوى السياسي العام إلى مستوى آلية بناء القدرة. فالورقة لا تعيد سرد نقاش الاستقلال الدفاعي، ولا تقف عند سؤال «هل تتراجع واشنطن؟»، ولا تجعل قمة لاهاي محورًا وحيدًا. إنما تفحص ما يحدث داخل آلة التحويل نفسها: من يحدد الأولويات؟ من يجمع الطلب؟ من يدفع الصناعة إلى الإنتاج؟ من يضمن المخزون؟ ومن يقيس الجاهزية الناتجة عن كل ذلك؟
خامسًا: موضع التعطل الأول — التخطيط
لا تفتقر أوروبا إلى وثائق أو مبادرات. فالكتاب الأبيض يحدد بوضوح سبع فئات أولوية: الدفاع الجوي والصاروخي، والمدفعية والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والذخائر والصواريخ، والمسيّرات ومضاداتها، والتنقل العسكري، والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والسيبرانية، ثم التمكين الاستراتيجي وحماية البنية التحتية الحرجة، بما يشمل النقل الجوي الاستراتيجي، والتزويد بالوقود جوًا، والاستخبارات والمراقبة، وحماية الأصول الفضائية. (٤)
لكن تحويل هذه القائمة إلى قدرة يحتاج إلى ما هو أكثر من إعلان الأولويات. يحتاج إلى تراتبية: ما الذي يجب إنتاجه أولًا؟ ما الكمية المطلوبة؟ ما الجدول الزمني؟ ما القدرات التي تخدم متطلبات حلف شمال الأطلسي مباشرة؟ وما القدرات التي يملك الاتحاد الأوروبي قيمة مضافة في تمويلها أو تنسيقها؟ من دون هذه التراتبية، قد تتزاحم الأولويات بدل أن تتكامل.
تكشف مراجعة CARD 2024 أن الدول الأعضاء ما زالت بحاجة إلى تنسيق أعمق بين الخطط الوطنية والأهداف الأوروبية. وتشير المراجعة إلى أن الدول استخدمت جزءًا كبيرًا من المال الجديد لتعويض تأخر سابق أو استكمال برامج مؤجلة، كما تؤكد أن الحفاظ على الإنفاق المرتفع وحده لا يكفي، وأن المطلوب هو مواءمة أعمق بين التخطيط الوطني والأهداف المشتركة. (٣)
يُقدّر أن التخطيط سيبقى الحلقة الأولى في التعطل إذا لم تبنِ الدول والمؤسسات الأوروبية آلية سياسية ـ فنية تُلزم الدول بترجمة الأولويات إلى مشروعات محددة. فوجود سبع أولويات واسعة لا يكفي؛ إذ قد يتحول الاتساع إلى باب للتشتت. وتحتاج أوروبا إلى عدد أقل من السلال التنفيذية الواضحة، مع مؤشرات زمنية وكمية تقيس الانتقال من الورق إلى القدرة.
سادسًا: موضع التعطل الثاني — الشراء المشترك
الشراء المشترك هو الاختبار العملي لجدية التحويل. فمن السهل سياسيًا الحديث عن التعاون، لكن الصعوبة تبدأ حين يُطلب من الدول أن توائم متطلباتها، وتوحّد مواصفاتها، وتقبل التنازل عن جزء من السيطرة الوطنية على برنامج تسليحي. لذلك تتقدم المشتريات الوطنية غالبًا أسرع من البرامج المشتركة، لا لأنها أفضل دائمًا، بل لأنها أقل تعقيدًا من الناحيتين البيروقراطية والسياسية.
تمثل أداة EDIRPA خطوة أولى في معالجة هذه العقدة. فقد خصصها الاتحاد الأوروبي لتشجيع الدول الأعضاء على الشراء المشترك في المجالات الأكثر إلحاحًا، وموّلت خمسة مشروعات عابرة للحدود في الدفاع الجوي والصاروخي والذخائر والمنصات. غير أن قيمتها الأساسية تحفيزية، ولا تحل محل الموازنات الوطنية؛ فهي تغطي كلفة التعاون وتخفف تعقيده، لكنها لا توفر وحدها الطلب الدفاعي الكبير. (١٠)
تحمل أداة SAFE إمكانًا أكبر بسبب حجمها المالي، لكنها تواجه اختبار التصميم. فهي تشجع الشراء المشترك وتُدخل أوكرانيا وشركاء موثوقين في السلسلة، لكنها تسمح بمشتريات فردية مؤقتة لتسريع الحصول على الأصول الحرجة. هذا الاستثناء مفهوم في زمن الخطر، غير أنه قد يحدّ من أثر الأداة إذا تحولت السرعة الوطنية إلى بديل من التعاون المنظم. (٥)
لذلك، لا يكفي أن تسأل أوروبا: هل اشترت أكثر؟ السؤال الأدق هو: هل اشترت معًا؟ وهل اختارت ما يرفع قابلية التشغيل البيني؟ وهل أعطت الصناعة طلبًا طويل الأمد يتيح لها التوسع بثقة؟ الفشل في هذه الأسئلة يعني أن المال الجديد قد يزيد حجم السوق الدفاعي من دون أن يقلل تجزئته.
سابعًا: موضع التعطل الثالث — الصناعة وأمن الإمداد
التصنيع هو الحلقة التي تكشف الفرق بين الإعلان والقدرة. فالدول تستطيع تخصيص الأموال بسرعة، لكنها لا تستطيع اختصار زمن بناء خطوط إنتاج معقدة بالسرعة نفسها. كما أن الصناعة لا توسع طاقتها فقط استجابة للخطاب السياسي، بل تحتاج إلى طلب طويل الأجل، وعقود متعددة السنوات، وسلاسل توريد آمنة، وإشارات واضحة عن نوع القدرات المطلوبة.
في هذا السياق، يشير برنامج EDIP إلى محاولة بناء أدوات أكثر عمقًا من مجرد تمويل مشروعات متفرقة. فالبرنامج يتضمن إجراءات للتعزيز الصناعي، والشراء المشترك، ومشروعات دفاع أوروبية ذات مصلحة مشتركة، وهيكلًا لبرامج تسليح أوروبية، وآلية لأمن الإمداد، وكاتالوغًا للمنتجات الدفاعية الأوروبية والأوكرانية. هذه المكونات، إذا نُفذت بترابط، يمكن أن تعالج جزءًا من عطب التحويل، لأنها تربط المعرفة بالطلب، والطلب بالإنتاج، والإنتاج بأمن الإمداد. (٦)
غير أن الخطر يكمن في أن تتحول هذه الأدوات إلى طبقات إدارية إضافية. فإذا لم تربطها الجهات المعنية بقدرات محددة، وبمشروعات يقودها تحالف دولي صغير، وبمؤشرات إنجاز قابلة للقياس، فقد تنتج منظومة برامج أوسع، لكنها لا تختصر الزمن بين الحاجة والقدرة. وهنا تحديدًا تظهر أهمية قياس النتائج لا المدخلات: فعدد العقود، وقيمة التمويل، واتساع المشاركة، لا تكفي ما لم تظهر النتيجة في المخزون والجاهزية وقابلية النشر.
وتتضح هذه المشكلة أكثر في القدرات المعقدة: الدفاع الجوي المتكامل، ومنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، والمسيّرات المتقدمة، والأنظمة المضادة للمسيّرات، والنقل الاستراتيجي، والتزويد بالوقود جوًا. هذه المجالات لا تُبنى بمشتريات منفصلة فقط، بل بتكامل بين المنصة والبرمجيات والاستشعار والذخيرة والتدريب والصيانة.
ثامنًا: الفاعلون ومصالحهم وأدواتهم
الاتحاد الأوروبي هو فاعل تمكين لا فاعل قيادة عسكرية مباشرة. قوته في التمويل، وتوحيد القواعد، وتقديم الحوافز، وتسهيل الشراء المشترك، وتخفيف القيود البيروقراطية، وفتح السوق أمام مشروعات عابرة للحدود. لكنه لا يستطيع وحده فرض الأولويات على الدول الأعضاء، لأن الدفاع لا يزال في جوهره اختصاصًا وطنيًا.
حلف شمال الأطلسي هو فاعل الأهداف العسكرية والردع الجماعي. قوته في تحديد متطلبات القدرات، وفي ضبط منطق الردع والانتشار، وفي توفير الإطار العملياتي. غير أن الحلف لا يحل وحده مشكلة الصناعة الأوروبية ولا يضمن أن يكون الإنفاق الأوروبي موجهًا إلى قاعدة إنتاج أوروبية أقوى.
الدول الأعضاء هي الحلقة الحاسمة. فهي التي تملك الموازنات، والجيوش، وقرارات الشراء، والقدرة على إلزام الصناعة بعقود طويلة. غير أن اختلاف تقدير التهديد بين الشرق والغرب، واختلاف المصالح الصناعية، وتباين القدرات المالية، تجعل بناء إجماع شامل أمرًا بطيئًا.
الصناعة الدفاعية الأوروبية تريد وضوحًا في الطلب واستقرارًا في التمويل. لا تستطيع الصناعة تحويل خطوط الإنتاج بقرارات سياسية قصيرة الأجل، ولا يمكنها المخاطرة باستثمارات ضخمة إذا بقيت الطلبيات مجزأة أو مؤقتة. لذلك فإن العقود الطويلة، وتجميع الطلب، وتبسيط القواعد، عناصر حاسمة في تحويل المال إلى إنتاج.
أوكرانيا أصبحت فاعلًا مزدوجًا: ساحة اختبار وفاعل إنتاج. خبرتها لا تكمن فقط في الحاجة إلى الدعم، بل في سرعة التكيف مع الحرب، وإدماج المسيّرات، والحرب الإلكترونية، والابتكار التكتيكي تحت الضغط. ولذلك يملك إدماجها في القاعدة الصناعية الأوروبية قيمة تتجاوز التضامن السياسي.
تاسعًا: المخاطر والفرص
١. المخاطر
الخطر الأول: إنفاق واسع بلا أثر عملياتي متكافئ. احتمال هذا الخطر مرتفع، وأثره مرتفع. فقد ترتفع الموازنات وتزداد العقود، لكن الجاهزية تبقى أدنى من المتوقع إذا لم تُربط الموارد بمؤشرات قدرة واضحة. في هذه الحالة يصبح الإنفاق إنجازًا سياسيًا لا تحولًا عسكريًا.
الخطر الثاني: استقلال معلن واعتماد فعلي. قد تقلّص أوروبا بعض فجواتها العاجلة عبر مشتريات جاهزة، لكنها تبقى معتمدة في القدرات الأعلى تركيبًا إذا لم تبنِ منظومات دفاع جوي وقيادة وسيطرة واستخبارات وتمكين استراتيجي. هنا يتحسن مظهر القدرة، بينما تبقى عقدة الاعتماد في العمق.
الخطر الثالث: تعدد المبادرات مع ضعف التحويل. كثرة الأدوات قد تصبح عبئًا إذا لم تُربط بسلسلة تنفيذ واحدة. فوجود SAFE وEDIP وEDIRPA وCARD وPESCO لا يضمن أثرًا تراكمياً ما لم تدار هذه الأدوات بمنطق الأولويات والمخرجات لا بمنطق توزيع التمويل.
الخطر الرابع: انقسام السوق الدفاعي الأوروبية. إذا استمرت الدول في الشراء السريع المنفرد، فقد تظهر موجة تحديث واسعة، لكنها غير متجانسة، فتتكرر مشكلة التشغيل البيني وتضعف قدرة الصناعة على التخطيط طويل الأمد.
٢. الفرص
الفرصة الأولى: تحالفات القدرات الصغيرة. يمكن لمجموعة محدودة من الدول التي تتقارب في تصور التهديد والمتطلبات أن تتحرك أسرع من الإجماع الأوروبي الكامل. هذه الصيغة لا تهدم الإطار الأوروبي، بل تستخدمه منصة تمويل وتنسيق.
الفرصة الثانية: ربط SAFE بسلال قدرات محددة. إذا وُجّهت القروض إلى الدفاع الجوي، ومنظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع، والتنقل العسكري، والضربات الدقيقة، والمسيّرات ومضاداتها، يمكن للأداة أن تتحول إلى رافعة قدرة لا مجرد قناة تمويل.
الفرصة الثالثة: أوكرانيا بوصفها مختبر تحويل. التجربة الأوكرانية تختصر المسافة بين الجبهة والمصنع، وبين الحاجة والابتكار. إدماج هذه الخبرة داخل الصناعة الأوروبية يمكن أن يمنح أوروبا سرعة تعلم لا توفرها البرامج التقليدية وحدها.
الفرصة الرابعة: أمن الإمداد الأوروبي. إذا نجحت آليات EDIP في رسم سلاسل الإمداد، واختبار نقاط الضعف، وتوفير كاتالوغ محدث للمنتجات، فقد تتحسن قدرة الدول على معرفة ما هو متاح داخل أوروبا وأوكرانيا بدل اللجوء السريع إلى الخارج بسبب نقص المعلومات.
«الخطر الأعمق ليس أن تفشل أوروبا في الإنفاق، بل أن تنجح فيه وتفشل في التحويل.»
عاشرًا: السيناريوهات
السيناريو الأول: تحويل منسّق
تنجح أوروبا في ربط التمويل بالأولويات، وتحويل فرص CARD الناضجة إلى مشروعات بقيادة مجموعات صغيرة، وتوجيه SAFE إلى قدرات حرجة، وإدماج أوكرانيا في مسارات إنتاج محددة. مؤشرات هذا المسار: زيادة العقود متعددة الدول في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والمسيّرات، وظهور برامج تقودها دول محددة، وتحسن في قياس الجاهزية لا في قيمة الإنفاق فقط. الأفق الزمني المرجح: من ١٢ إلى ٣٦ شهرًا. الأثر: تحسن تدريجي في الردع الأوروبي وتقليص بعض الاعتماد الخارجي.
السيناريو الثاني: إنفاق متشظٍّ
ترتفع الموازنات وتزداد الصفقات، لكن الشراء يبقى وطنيًا في معظمه، وتُستخدم أدوات الاتحاد الأوروبي كحوافز جانبية لا كرافعة تنسيق. مؤشرات هذا المسار: غلبة العقود الفردية، وضعف تحويل الفرص التعاونية إلى برامج، واستمرار فجوات القيادة والسيطرة والاستطلاع، والدفاع الجوي، والتمكين الاستراتيجي. الأفق الزمني المرجح: من ١٢ إلى ٢٤ شهرًا. الأثر: تحسن جزئي في بعض الجيوش، من دون قفزة جماعية في الردع.
السيناريو الثالث: تسوية هجينة
تنجح أوروبا في الذخائر وبعض المشتريات المشتركة وفي إدماج جزئي لأوكرانيا، لكنها تبقى أبطأ في القدرات المعقدة. مؤشرات هذا المسار: تقدم في المجالات سهلة القياس، مقابل بطء في البرامج التي تتطلب تكاملًا صناعيًا وتشغيليًا أعلى. الأفق الزمني المرجح: من ١٨ إلى ٣٦ شهرًا. الأثر: قدرة أوروبية أفضل من السابق، لكنها غير كافية لإغلاق فجوة التحويل بالكامل.
حادي عشر: الترجيح
يُرجّح تحقق السيناريو الثالث، أي التسوية الهجينة. فالاتحاد الأوروبي يمتلك الآن أدوات مالية وصناعية أكثر قوة، كما أن الدول الأعضاء صارت أكثر وعيًا بأن الإنفاق المنفرد لا يكفي. غير أن القيود الوطنية، وتباين المصالح الصناعية، وضغط الحاجة العاجلة، ستمنع على الأرجح انتقالًا سريعًا إلى تحويل منسق كامل.
هذا الترجيح لا يعني الفشل، بل يعني أن أوروبا ستتقدم بصورة غير متوازنة: نجاح أوضح في التمويل والذخائر وبعض الصفقات، وتقدم أبطأ في القدرات الأعلى تركيبًا. لذلك يصبح معيار الحكم على السنوات المقبلة هو مقدار ما يتحول من أدوات مالية إلى قدرات قابلة للقياس، لا مقدار ما تعلنه المؤسسات من مبادرات.
ثاني عشر: التوصيات التنفيذية
١. اعتماد مؤشر أوروبي لفجوة التحويل الدفاعي
المشكلة التي تعالجها هذه التوصية هي الخلط بين ارتفاع الإنفاق وارتفاع القدرة. المطلوب أن تنشئ المفوضية الأوروبية والوكالة الأوروبية للدفاع، بالتنسيق مع الدول الأعضاء، لوحة مؤشرات سنوية تربط كل تمويل جديد بمخرجات محددة: العقود، زمن التسليم، حجم المخزون، نسبة الجاهزية، قابلية النشر، والتشغيل البيني. يبدأ التنفيذ خلال عام واحد، وتكون الكلفة السياسية مرتبطة بحساسية الدول تجاه الشفافية. البديل الاحتياطي هو بدء المؤشر طوعيًا في ثلاث قدرات فقط: الدفاع الجوي، والذخائر، والتنقل العسكري. مؤشر النجاح هو انتقال النقاش السنوي من قيمة الإنفاق إلى قيمة القدرة المتحققة.
٢. توجيه SAFE إلى سلال قدرات محددة
ينبغي ألا تتحول أداة SAFE إلى مظلة تمويلية واسعة بلا أولوية. على مجلس الاتحاد والمفوضية ربط الجزء الأكبر من القروض بسلال قدرات متفق عليها: الدفاع الجوي والصاروخي، ومنظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع، والمسيّرات ومضاداتها، والضربات الدقيقة، والتنقل العسكري. يبدأ التنفيذ مع كل دفعة موافقة على الخطط الوطنية. الخطر هو اعتراض الدول التي تريد مرونة أوسع. البديل هو تخصيص حصة إلزامية دنيا للأولويات المشتركة مع هامش وطني. مؤشر النجاح هو ارتفاع عدد العقود متعددة الدول في هذه المجالات.
٣. تحويل فرص CARD إلى ائتلافات قدرة صغيرة
على الوكالة الأوروبية للدفاع أن تختار، مع الدول الراغبة، عددًا محدودًا من الفرص الناضجة وتحولها إلى برامج تقودها دولة أو مجموعة دول. المجالات الأنسب هي الدفاع الجوي المتكامل، الحرب الإلكترونية، الذخائر الجوالة، والسفن السطحية من الجيل التالي. يعمل هذا المسار خلال ٦ إلى ١٢ شهرًا. الخطر هو تشكل نواة أوروبية أسرع من بقية الدول. البديل هو السماح بالانضمام اللاحق وفق شروط فنية موحدة. مؤشر النجاح هو توقيع اتفاقات تنفيذية لا خطابات نوايا فقط.
٤. إدماج أوكرانيا في التحويل الصناعي لا في الدعم فقط
المطلوب أن تتحول أوكرانيا إلى شريك إنتاج وتجريب وتعلم. على المفوضية والدول الأعضاء توسيع مسارات الإنتاج المشترك في المسيّرات، ومضادات المسيّرات، والذخائر الجوالة، وبعض البرمجيات والحرب الإلكترونية. يبدأ التنفيذ من البرامج الأقل حساسية، ثم يتوسع وفق تقييم أمني. الخطر هو نقل تكنولوجيا حساسة أو تعرض المنشآت لضربات. البديل هو إنتاج أوكراني داخل دول الاتحاد أو النرويج. مؤشر النجاح هو عدد خطوط الإنتاج المشتركة التي تدخل مرحلة التسليم الفعلي.
٥. جعل التنقل العسكري قدرة قتالية لا ملف بنية تحتية
تحتاج أوروبا إلى التعامل مع الممرات والسكك والموانئ والمطارات بوصفها جزءًا من الردع. على المفوضية والدول الأعضاء تسريع تبسيط التصاريح، وتمويل نقاط الاختناق، وربط الممرات العسكرية بالدعم الموجه إلى الجبهة الشرقية وأوكرانيا. يبدأ المسار فورًا من الممرات الأربعة ذات الأولوية. الخطر هو بطء الإجراءات الوطنية. البديل هو آلية تصريح عسكري طارئ بين الدول الراغبة. مؤشر النجاح هو تقليص زمن عبور القوات والمعدات في التدريبات المشتركة.
«أوكرانيا لم تعد في التفكير الدفاعي الأوروبي ملف دعم فقط، بل مختبر تحويل صناعي وعملياتي يمكن أن يختصر سنوات من التعلم البطيء.»
الخاتمة
تكشف القضية الأوروبية الراهنة أن المال لم يعد الحلقة الوحيدة في أمن القارة. لقد بدأ التمويل يرتفع، وظهرت أدوات جديدة، وتحوّلت الفجوات إلى قوائم رسمية، لكن التحول الدفاعي الحقيقي لا يُقاس بهذه المدخلات وحدها. يُقاس بقدرة أوروبا على إنتاج سلسلة متصلة من القرار إلى الميدان: أولوية، فطلب، فعقد، فصناعة، فمخزون، فجندي قادر على الاستخدام، فقيادة قادرة على النشر.
إن الخطر الأعمق ليس أن تفشل أوروبا في الإنفاق، بل أن تنجح في الإنفاق وتفشل في التحويل. عندئذ تصبح القارة أكثر نشاطًا دفاعيًا، لكنها لا تصبح بالضرورة أكثر ردعًا. لذلك لا ينبغي الحكم على مرحلة «الجاهزية ٢٠٣٠» بمقدار المال الذي حُشد فقط، بل بمقدار ما أُغلق من فجوات فعلية في الدفاع الجوي، والضربات بعيدة المدى، والقيادة والسيطرة، والاستخبارات، والتنقل العسكري، والإنتاج القابل للاستدامة.
تبدو أوروبا أمام نافذة ضيقة. لديها موارد أكبر، وخوف أعمق، وأدوات أحدث، وشريك أوكراني يملك خبرة حرب لا تُدرَّس في المراكز التقليدية. غير أن هذه العناصر لا تكفي ما لم تُترجم إلى انضباط مؤسسي يجعل كل أداة مالية قابلة للقياس في الميدان. فإذا بقيت المبادرات متوازية، ستتراكم البرامج بلا أثر حاسم. أما إذا تحولت الموارد إلى سلاسل قدرة محددة، فقد تبدأ القارة دفاعًا أوروبيًا أكثر واقعية، لا نسخة موسعة من النقاش القديم حول الاستقلال الاستراتيجي.

















