هرمز ومعضلة السيادة الأوروبية
حرب إيران بين كلفة المظلة الأمريكية وأمن الطاقة والممرات
ملخص
لم تبقَ الحرب التي اندلعت في ٢٨ شباط/فبراير ٢٠٢٦، عقب الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية الواسعة داخل إيران، مواجهة عسكرية محصورة في المجال الإيراني أو في معادلة الردع بين واشنطن وطهران وتل أبيب. فقد انتقلت بسرعة من كونها عملية قوة إلى أزمة نظام إقليمي، ثم إلى اختبار عالمي لأمن الممرات والطاقة والشرعية الدولية. وفي قلب هذا الانتقال برز الاتحاد الأوروبي طرفًا شديد التعرّض للكلفة، لكنه محدود القدرة على التحكم في منشئها. لم يصنع الأوروبيون قرار الحرب، غير أنهم واجهوا ارتفاع مخاطر الطاقة، وتعطّل الملاحة، وتوتر العلاقة مع الولايات المتحدة، وضغطًا قانونيًا وأخلاقيًا متصلًا باستخدام القوة، وسؤالًا داخليًا عن معنى السيادة الاستراتيجية عندما تبقى الممرات التي تغذي الاقتصاد الأوروبي خارج القدرة الأوروبية المباشرة.
تجادل هذه الدراسة بأن حرب إيران لا تختبر حدود القوة الأمريكية وحدها، ولا توازنات الردع في الخليج وحدها، بل تختبر أيضًا بنية الدور الأوروبي كما تبلورت بعد حرب أوكرانيا. فقد نجحت أوروبا في تقليل جزء من اعتمادها على الطاقة الروسية، لكنها لم تتحرر من هشاشة أعمق: اعتمادها على وقود مستورد وممرات بحرية يمكن تعطيلها بقرار حرب أو بحساب ردعي إقليمي. كما أن تمسكها بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتحول إلى أدوات حماية بحرية، وقنوات تفاوض، وقدرة على التأثير في الحلفاء والخصوم معًا. وعليه، لا تكمن المعضلة الأوروبية في نقص المبادئ، بل في محدودية أثرها عندما تنفصل عن أدوات التنفيذ.
تخلص الدراسة إلى أن الاستجابة الأوروبية الأكثر نضجًا لا تقوم على القطيعة مع واشنطن ولا على الاندفاع خلفها. المسار الأجدى هو بناء قدرة مركبة: دبلوماسية خفض تصعيد مع الخليج وتركيا والهند والصين، مهمة بحرية دفاعية لا هجومية لحماية الملاحة، سياسة طاقة تقلل التعرض للمضائق بدل الاكتفاء بتغيير الموردين، ودعم حقوقي ومدني للإيرانيين لا يتحول إلى هندسة خارجية لمستقبل الدولة الإيرانية. عند هذا المستوى، لا تبقى أزمة هرمز أزمة طاقة فقط؛ بل تصبح اختبارًا لقدرة أوروبا على تحويل القيم والمصالح إلى سياسة واحدة قابلة للدفاع والتنفيذ.
الكلمات المفتاحية
إيران، الاتحاد الأوروبي، مضيق هرمز، الخليج، الطاقة، الأمن البحري، الولايات المتحدة، الصين، روسيا، السيادة الأوروبية، الشرق الأوسط.
مقدمة: لماذا لم تعد حرب إيران ملفًا شرق أوسطيًا فقط؟
لا تصل الحروب إلى أوروبا دائمًا عبر الحدود البرية. فقد تصل عبر سعر الغاز، أو كلفة التأمين البحري، أو تعطّل خط شحن، أو تراجع ثقة الأسواق، أو عودة التضخم إلى بيت المستهلك والصناعة. من هذه الزاوية، لم تكن حرب إيران أزمة إقليمية بعيدة عن القارة، بل اختبارًا عمليًا لما تعنيه السيادة الأوروبية حين يصبح أمن الداخل معلقًا بممر بحري خارج المجال الأوروبي المباشر. فالمسافة الجغرافية بين بروكسل وهرمز لا تمنع انتقال الكلفة من الخليج إلى المصانع الأوروبية، ولا تحمي الموازنات الأوروبية من أثر ارتفاع الطاقة، ولا تمنح الاتحاد الأوروبي قدرة تلقائية على التحكم في مسار صراع لم يصنع قراره.
تنبع خطورة الأزمة من تعدد مستوياتها. فهي حرب عسكرية في منشئها، إذ بدأت بضربات أمريكية ـ إسرائيلية واسعة داخل إيران، ثم تحولت إلى مواجهة ردعية بين طهران وواشنطن وحلفاء الولايات المتحدة في الإقليم. لكنها في الوقت نفسه حرب ممرات، لأن مضيق هرمز صار مركز الثقل الاقتصادي والسياسي. وهي أيضًا أزمة شرعية دولية، لأن استخدام القوة أثناء مسارات تفاوضية، واستهداف قيادات وبنى حساسة، يطرحان أسئلة حول القانون الدولي ومصداقية الخطاب الغربي بعد أوكرانيا. وفي مستوى رابع، تمثل اختبارًا للنظام الدولي، لأن روسيا والصين والهند وتركيا ودول الخليج لا تقف خارج الأزمة، بل تحاول توظيفها أو احتواءها أو تقليل كلفتها بحسب موقعها.
تظهر أوروبا في هذه الأزمة في موقع بالغ التعقيد. فهي ليست قوة هامشية، إذ تملك سوقًا ضخمة، وقدرات بحرية ودبلوماسية، وشبكة شراكات مع الخليج وآسيا والولايات المتحدة. لكنها ليست أيضًا القوة التي تدير إيقاع التصعيد. ويمثل هذا الموقع الوسيط جوهر المعضلة: فالقارة تتأثر أكثر مما تفعل، وتصوغ الموقف أكثر مما تفرض المسار. وعليه، لا يكفي سؤال: ماذا قالت أوروبا؟ بل ينبغي سؤال: ماذا تستطيع أن تفعل كي لا تبقى كلفة الحرب أكبر من قدرتها على التأثير؟
من هذا المنطلق، تعالج الدراسة حرب إيران بوصفها اختبارًا للسيادة الأوروبية، لا ملفًا إيرانيًا أو أمريكيًا فحسب. والسيادة هنا لا تُفهم بوصفها قطيعة مع الحلفاء أو استقلالًا شعاراتيًا، بل بوصفها قدرة على تقليل التعرض للقرارات الخارجية الكبرى، وبناء أدوات تمنع انتقال كل صدمة بعيدة إلى الداخل الأوروبي. فالاتحاد الذي لا يستطيع حماية الممرات التي تمر عبرها طاقته وسلعه، ولا يستطيع التأثير في حليفه عندما تقوده الحرب إلى زيادة كلفة السوق الأوروبية، لا يستطيع أن يكتفي بوصف نفسه قوة معيارية.
«لا تختبر أزمة هرمز قدرة أوروبا على إصدار موقف، بل قدرتها على تحويل القانون، والطاقة، والملاحة، والدبلوماسية إلى سياسة واحدة قابلة للتنفيذ»
إشكالية الدراسة وفرضيتها
تتمثل إشكالية الدراسة في الفجوة بين التعرض الأوروبي للأزمة والقدرة الأوروبية على تشكيلها. الاتحاد الأوروبي معني بحرية الملاحة، وأمن الطاقة، واستقرار الخليج، ومنع تمدد الحرب إلى لبنان والعراق والبحر الأحمر، وحماية المدنيين، والدفاع عن القانون الدولي. غير أنه لم يكن الطرف الذي قرر الضربة الأولى، ولا الطرف الذي يملك مفاتيح الرد الإيراني، ولا الطرف الذي يتحكم في الحسابات الداخلية الأمريكية والإسرائيلية. وتحوّل هذه الفجوة بين حجم المصلحة ومحدودية السيطرة الأزمة إلى أكثر من حدث خارجي.
تنطلق الدراسة من فرضية رئيسة مفادها أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع التحول إلى فاعل مؤثر في أزمة إيران إلا إذا تجاوز ثلاث عادات سياسية. الأولى هي الاكتفاء بالإدانة القانونية أو الدعوة إلى خفض التصعيد من دون تصميم آلية تفاوضية. والثانية هي انتظار القيادة الأمريكية، حتى عندما تكون واشنطن طرفًا مباشرًا في الحرب لا وسيطًا. والثالثة هي التعامل مع الطاقة بوصفها ملف إمداد، لا ملف سيادة وبنية اقتصادية. وكلما استمر الاتحاد الأوروبي في هذه العادات، بقي متضررًا من الأزمات أكثر مما يكون شريكًا في إدارتها.
وتختبر الدراسة فرضية مضادة لا يجوز تجاهلها. قد يُقال إن أوروبا لا تستطيع فعل الكثير في حرب تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل وترد عليها إيران، وإن أفضل ما يمكنها فعله هو إدارة آثارها الداخلية وانتظار تسوية أمريكية ـ إيرانية. غير أن هذا الاعتراض، على وجاهته الجزئية، يخلط بين العجز الكامل ومحدودية القدرة. أوروبا لا تملك قرار الحرب، لكنها تملك أدوات يمكن أن تغيّر كلفة استمرارها: الشرعية القانونية، شبكة العلاقات الخليجية والآسيوية، الحضور البحري الدفاعي، سوق الطاقة، العقوبات، المساعدات، والقدرة على دعم مسار تفاوضي لا يبدو أمريكيًا خالصًا. فالخلل لا يتمثل في غياب الأدوات، بل في عدم دمجها داخل سياسة واحدة.
الإطار المنهجي وحدود التحليل
تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية تركيبية. فهي لا تعيد ترتيب الوقائع بوصفها سردًا إخباريًا، بل تفكك الأزمة عبر مستويات مترابطة: منطق الحرب، وأمن الممرات، وموقع الخليج، وحدود القوة الأمريكية، وموقع أوروبا، وأثر روسيا والصين والهند، ثم المسارات المحتملة وخيارات العمل الأوروبي. ويُفصل في التحليل بين الواقعة والتفسير والتقدير. فالواقعة هي ما تثبته بيانات ومصادر موثوقة، والتفسير هو قراءة دلالتها ضمن السياق، والتقدير هو ترجيح مسار بناء على مؤشرات قابلة للفحص.
يتوقف التحليل عند إقفال البيانات في ٧ أيار/مايو ٢٠٢٦. ويقتضي ذلك تثبيت حدود زمنية واضحة، لأن الأزمة متحركة. فقد أظهر يوم ٦ أيار/مايو أن إيران تراجع مقترحًا أمريكيًا لإنهاء الحرب، وأن واشنطن تربط التسوية بقضايا تشمل البرنامج النووي وفتح مضيق هرمز، بينما بدأت فرنسا تحريك مجموعة حاملة الطائرات «شارل ديغول» باتجاه البحر الأحمر تمهيدًا لمهمة دفاعية محتملة قرب هرمز بالتنسيق مع بريطانيا. لا تعني هذه المعطيات أن التسوية باتت قريبة، لكنها تكشف انتقال الحرب إلى مرحلة مساومة على الممرات، لا مجرد تبادل ضربات.
أولًا: من الضربة إلى البيئة، لا من الضربة إلى النتيجة
يقع تحليل الحروب غالبًا في خطأ التركيز على قدرة الضربة الأولى، مع إغفال البيئة السياسية والأمنية التي تنتجها. الضربة الأمريكية ـ الإسرائيلية داخل إيران أظهرت قدرة عسكرية عالية، لكنها لم تحسم النتيجة الاستراتيجية. فالنتيجة لا تتحدد بما دُمر أو بمن قُتل فقط، بل بما إذا كانت الضربة قد دفعت الخصم إلى التراجع، أو إلى توسيع الحرب، أو إلى إعادة توزيع أدوات الرد على ساحات أخرى. ومن هذه الزاوية، خرجت الأزمة من داخل إيران إلى الخليج ولبنان والعراق والبحر الأحمر وهرمز.
يكشف هذا التحول الفرق بين القدرة والإرادة. الولايات المتحدة وإسرائيل امتلكتا القدرة على ضرب أهداف داخل إيران، لكن امتلاك القدرة لا يعني امتلاك التحكم في ردود الفعل. وإيران، رغم تعرضها لضربة قاسية، لم تفقد إرادة الرد، بل استخدمت ما تبقى من أدواتها في القواعد والممرات والحلفاء والتهديد البحري. لذلك فإن الحرب لم تتطور بوصفها مواجهة خطية بين طرفين، بل بوصفها تفاعلًا بين ضربة مركزية وسلسلة ردود لا مركزية. ويزيد هذا النمط صعوبة التهدئة؛ فوقف النار لا يحتاج إلى قرار بين عاصمتين فقط، بل إلى ضبط شبكات وممرات وساحات.
تكمن الدلالة الأوروبية في أن القارة لا تستطيع تقييم الأزمة بسؤال: هل نجحت الضربة؟ بل بسؤال أدق: ماذا فتحت الضربة؟ فقد فتحت بابًا أمام اهتزاز القيادة الإيرانية، لكنها فتحت أيضًا بابًا أمام استهداف الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل هرمز، وتوتر العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. وبذلك، لا يقاس النجاح الاستراتيجي باللحظة العسكرية، بل بقدرة الأطراف على منع تحول الضربة إلى بيئة فوضى ممتدة. وحتى الآن، تُظهر المؤشرات أن البيئة التي أنتجتها الحرب أخطر من الضربة نفسها.
ثانيًا: هرمز بوصفه حدًا غير مرئي للأمن الأوروبي
إذا كان مقتل القيادة الإيرانية قد أعطى الحرب عنوانها السياسي، فإن مضيق هرمز أعطاها وزنها العالمي. تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية مرّت عبر المضيق في عام ٢٠٢٥، وأن الممر يمثل عقدة أساسية في تجارة النفط المنقول بحرًا والغاز الطبيعي المسال. هذه الأرقام لا تصف ممرًا بحريًا فحسب؛ إنها تصف جزءًا من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد الأوروبي والعالمي.
صحيح أن جزءًا كبيرًا من الطاقة الخارجة من هرمز يتجه إلى آسيا، غير أن السوق العالمية لا تتعامل مع هذا التوزيع كما لو كان فصلًا كاملًا بين آسيا وأوروبا. إذا تراجعت إمدادات آسيا، ارتفعت الأسعار عالميًا. وإذا ارتفعت أقساط التأمين على الشحن، انتقلت الكلفة إلى المستورد والمستهلك. وإذا اضطرب الغاز الطبيعي المسال القطري أو الإماراتي، تأثرت أوروبا حتى لو لم تكن المشتري الأكبر. هكذا يصبح هرمز حدًا غير مرئي للأمن الأوروبي: لا لأنه يقع داخل الجغرافيا الأوروبية، بل لأنه يمس قدرة أوروبا على حماية أسعارها وصناعتها واستقرارها المالي.
تكشف هذا المعطى حدود الدرس الأوروبي بعد عام ٢٠٢٢. لقد قيل إن أوروبا تعلّمت من الاعتماد على روسيا. هذا صحيح جزئيًا، لكنه غير مكتمل. فقد عالجت أوروبا موردًا بعينه، ولم تعالج بالقدر نفسه بنية الاعتماد على الوقود المستورد والممرات البحرية الحساسة. المشكلة ليست في أن المورد روسي أو خليجي أو أمريكي فقط؛ المشكلة أن الاقتصاد الأوروبي لا يزال شديد التعرض لأي اضطراب كبير في الطاقة. وعليه، تقول حرب هرمز للأوروبيين إن أمن الطاقة ليس مجرد تنويع عقود، بل إعادة بناء علاقة الاقتصاد بالطاقة والممرات.
ولا يتوقف أثر هرمز عند الوقود. فاضطراب الممر يؤثر في الأسمدة والسلع الوسيطة والشحن والتأمين وتوقيت الإمدادات الصناعية. ويعني ذلك أن الأزمة تدخل إلى الأمن الغذائي والصناعي، لا إلى أسعار الوقود وحدها. لذلك ينبغي ألا تُقرأ أزمة هرمز كملف طاقة محدود، بل كبنية ضغط على الاقتصاد السياسي الأوروبي. فكل تأخر في الشحن أو ارتفاع في التأمين أو تردد في عبور المضيق يتحول إلى رقم في حسابات الشركات والموازنات الحكومية ومؤشرات التضخم.
ثالثًا: الخليج بين ضمانة واشنطن وكلفة الجغرافيا
تعيش دول الخليج داخل معادلة صعبة. فهي تحتاج إلى المظلة الأمريكية، لكنها لا تريد أن تتحول أراضيها ومياهها وبنيتها النفطية إلى مساحة انتقام دائمة. وتربطها علاقات أمنية عميقة مع واشنطن، لكنها تدرك أن الحرب المفتوحة مع إيران قد تجعل منشآتها وموانئها ومدنها في دائرة الخطر. لذلك لا يكفي سؤال: هل تقف دول الخليج مع الولايات المتحدة أم مع إيران؟ السؤال الأدق هو: كيف تحاول هذه الدول إدارة كلفة موقعها بين قوة ضامنة وخصم قريب؟
تدل ردود الفعل الخليجية على توازن دقيق بين إدانة الانتهاكات، والتمسك بالسيادة، والدعوة إلى الدبلوماسية، والاستعداد لرفع مستوى الحماية. ومع استمرار الحرب، يصبح هذا التوازن أكثر صعوبة. فكل ضربة إيرانية على أراض أو مصالح خليجية ترفع الضغط المحلي للرد، وكل ضغط أمريكي يرفع احتمال استخدام القواعد والمرافق بصورة أوسع، وكل تهديد للممرات يرفع الحاجة إلى حماية بحرية قد تبدو لإيران اصطفافًا مباشرًا. هكذا تتحول الجغرافيا إلى عبء سياسي.
بالنسبة لأوروبا، يمثل الخليج مفتاحًا لا هامشًا. لا يمكن خفض التصعيد من دون الخليج، ولا يمكن تأمين هرمز من دون قبول خليجي، ولا يمكن فتح مسار تفاوضي قابل للحياة من دون إشراك العواصم التي تتحمل القرب الجغرافي من إيران. لذلك يجب أن تتعامل أوروبا مع الخليج بوصفه شريكًا في هندسة المخرج، لا بوصفه مجرد مصدر طاقة أو موقع قواعد. وهذا يتطلب خطابًا أوروبيًا مختلفًا: أقل وعظًا، وأكثر قدرة على فهم مخاوف السيادة والأمن والاقتصاد معًا.
رابعًا: أوروبا بين القانون والقدرة
يملك الاتحاد الأوروبي لغة قانونية قوية. فهو يدعو إلى احترام ميثاق الأمم المتحدة، وحماية المدنيين، وخفض التصعيد، وحرية الملاحة، وعدم استهداف البنى المدنية والطاقة والمياه. هذه اللغة ضرورية، لكنها لا تكفي. فالقانون يصبح مؤثرًا عندما يتحول إلى آلية ضغط أو حماية أو تفاوض. أما إذا بقي بيانًا، فإنه يتحول إلى جزء من طقس دبلوماسي لا يغير مسار الحرب.
تكمن المشكلة الأوروبية في أن القانون الدولي يشكل أحد مصادر شرعية الدور الأوروبي، لكنه لا يحمي الممرات وحده. فإذا طالبت أوروبا بحرية الملاحة ولم تستطع الإسهام في حمايتها، ظهرت فجوة بين المبدأ والأداة. وإذا أدانت استهداف المدنيين من دون قدرة على فتح ممرات إنسانية أو الضغط على الأطراف، بقيت الإدانة محدودة الأثر. وإذا تمسكت بالشرعية الدولية من دون أن تحاور القوى التي تملك مفاتيح التصعيد، بقيت الشرعية بلا قناة تنفيذ.
غير أن النتيجة لا ينبغي أن تكون التخلي عن القانون باسم الواقعية. هذا سيكون خطأً أكبر، لأن أوروبا تحتاج إلى القانون بوصفه مصلحة لا مجرد قيمة. فالقارة التي تعتمد على التجارة والممرات والاتفاقات لا تستطيع أن تعيش في عالم تصبح فيه القوة وحدها معيارًا. لذلك يجب أن تجمع أوروبا بين القانون والقدرة: قانون يحدد الحدود، وقدرة تحمي الممرات، ودبلوماسية تحول القواعد إلى تسوية. عند هذا الحد تصبح أوروبا قوة معيارية قابلة للتصديق.
خامسًا: المظلة الأمريكية بوصفها حماية ومصدر مخاطرة
اعتادت أوروبا التعامل مع القوة الأمريكية بوصفها مصدر حماية. في حالات كثيرة، كان هذا صحيحًا. غير أن حرب إيران كشفت جانبًا آخر: القوة نفسها قد تصبح مصدر كلفة عندما تستخدم في توقيت أو مسار لا تتحكم فيه أوروبا. فالولايات المتحدة قد تردع الخصوم، لكنها قد تقود أيضًا حربًا ترفع أسعار الطاقة، وتؤثر في أوكرانيا، وتعيد ترتيب أولويات الدفاع، وتدفع أوروبا إلى تبعات سياسية واقتصادية لم تشارك في صنعها.
«لم تعد المظلة الأمريكية ضمانة بلا كلفة؛ فهي قد تحمي الردع، لكنها قد تنقل إلى أوروبا ثمن قرار عسكري لم تصنعه».
لا يعني ذلك أن أوروبا تستطيع الاستغناء عن الولايات المتحدة في أمن الخليج أو أمنها العام. هذا استنتاج شعاراتي لا يستند إلى توازنات القوة الحالية. المعنى الأدق أن التحالف مع واشنطن لا يعفي أوروبا من بناء قدرة على تقدير الكلفة، وإبداء الاعتراض، وتقديم مسارات بديلة، والتأثير في إدارة الأزمة. فالتحالف الناضج لا يعني الصمت أمام قرارات عالية الكلفة، ولا يعني القطيعة عند الاختلاف. إنه يعني امتلاك أدوات تسمح للشريك الأوروبي بأن يكون طرفًا في الحساب لا تابعًا بعد وقوع الحدث.
تزداد هذه المسألة أهمية لأن الحرب قد تؤثر في مسارات أخرى، خصوصًا أوكرانيا. فإذا استنزفت الحرب مخزونات أمريكية، أو رفعت أسعار الطاقة، أو زادت الضغط على الموازنات الأوروبية، فإنها ستضعف قدرة الغرب على دعم كييف أو الحفاظ على وتيرة إعادة التسليح الأوروبية. هكذا تتحول حرب الخليج إلى ملف أوروبي ـ أطلسي في آن واحد، لا لأنها تقع قرب أوروبا، بل لأنها تستهلك الموارد والانتباه وتعيد ترتيب الأولويات.
سادسًا: الصين والهند وروسيا وتركيا في حساب أوروبا
لا تجري الأزمة في فراغ غربي. الصين ترفض الضربات وتتمسك بسيادة إيران، لكنها لا تريد انهيار أمن الطاقة في الخليج. فهي تحتاج إلى تدفقات الطاقة عبر هرمز، وترتبط بعلاقات تجارية واسعة مع دول الخليج، وتريد في الوقت نفسه تقليص كلفة الانخراط الأمريكي في مناطق قريبة من آسيا. لذلك تتحرك بكين على حبل مشدود: إدانة واشنطن، والحفاظ على الخليج، وتجنب الظهور كطرف في حرب لا تريدها.
الهند بدورها تقع في موقع مركب. علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل قوية، لكنها تحتاج إلى الخليج في الطاقة والعمالة والتحويلات، وتملك علاقة تاريخية مع إيران. لذلك تستطيع نيودلهي أن تكون شريكًا في خفض التصعيد، لكنها لا تريد أن تحمل وحدها كلفة وساطة قد تغضب أحد أطراف توازنها. بالنسبة لأوروبا، إدخال الهند في مسار دبلوماسي أوسع ليس ترفًا، بل ضرورة لأن جزءًا كبيرًا من كلفة هرمز يقع على آسيا، ولأن أي تسوية لا تقنع القوى الآسيوية ستبقى ناقصة.
أما روسيا فتستفيد من استمرار الأزمة أكثر مما تحتاج إلى حسمها. ارتفاع أسعار الطاقة، وانشغال الولايات المتحدة، وتراجع الثقة في الخطاب الغربي حول القانون الدولي، كلها عوامل تخدم موسكو. ليست روسيا مضطرة إلى إنقاذ إيران كي تكسب. يكفيها أن تطول الحرب وأن ترتفع الكلفة على أوروبا وأن تتشتت الموارد الغربية بين أوكرانيا والخليج. وعليه، تمنح إطالة الأزمة روسيا مكاسب غير مباشرة، حتى لو لم تتدخل بصورة حاسمة.
وتبقى تركيا فاعلًا وسيطًا بالغ الأهمية. فهي قريبة من إيران، وعضو في حلف شمال الأطلسي، ولديها علاقات اقتصادية وأمنية مع الخليج وروسيا وأوروبا. كما تخشى أن يؤدي تفكك الداخل الإيراني إلى ضغط حدودي أو إلى تحولات كردية أو إلى فراغ أمني. ومن ثم تستطيع أنقرة أداء دور قناة، مع سعيها في الوقت نفسه إلى تعزيز موقعها الإقليمي. وتحتاج أوروبا إلى التعامل مع تركيا بوصفها شريكًا ضروريًا لا تابعًا وظيفيًا، مع ضبط الخلافات بدل تركها تمنع أي تنسيق.
سابعًا: المجتمع الإيراني بين فرصة الانفتاح وخطر الاستخدام الخارجي
يفتح اهتزاز القيادة الإيرانية سؤالًا مشروعًا عن مستقبل النظام. غير أن التعامل مع هذا السؤال يقتضي حذرًا شديدًا. فإضعاف رأس السلطة لا يعني بالضرورة بدء انتقال ديمقراطي. قد يفتح ذلك ثغرة سياسية، لكنه قد يفتح أيضًا صراع أجنحة، أو قمعًا داخليًا أشد، أو صعود قيادة أمنية تسعى إلى إثبات قدرتها، أو تفككًا جزئيًا في مركز القرار. وعليه، لا يجوز الخلط بين ضعف النظام وولادة بديل صالح للحكم.
تحتاج أوروبا في هذا الملف إلى سياسة مزدوجة. عليها أن تدعم حقوق الإيرانيين في التنظيم والاتصال والحماية والتعبير، لكنها يجب ألا تحول المجتمع الإيراني إلى أداة في حرب خارجية. فالدعم الذي يظهر بوصفه امتدادًا للقصف الخارجي يضعف شرعية الفاعلين المدنيين، ويمنح الأجهزة الأمنية ذريعة لتجريم كل معارضة. لذلك يجب أن تكون أدوات أوروبا دقيقة: اتصال آمن، توثيق انتهاكات، حماية للصحفيين والناشطين، منح للطلاب والباحثين، ومسارات إنسانية لمن يواجهون خطرًا مباشرًا.
لا تُبنى الديمقراطية بالصواريخ، حتى عندما تُضعف الصواريخ نظامًا سلطويًا. ولا يمثل ذلك موقفًا أخلاقيًا مجردًا، بل حكمًا مستخلصًا من تجارب العراق وليبيا وأفغانستان. انهيار رأس النظام لا يساوي بناء الدولة، وإضعاف أجهزة القمع لا يساوي ظهور عقد سياسي جديد. لذلك ينبغي أن يكون معيار أوروبا حماية المجتمع من القمع والفوضى معًا، لا استخدامه واجهة لتغيير سياسي لا يملك شروطه الداخلية.
ثامنًا: المسارات المرجحة خلال الأشهر المقبلة
يتمثل المسار الأول في تهدئة مشروطة لا تسوية نهائية. يقوم هذا المسار على قبول إيران والولايات المتحدة تفاهمًا مؤقتًا يفتح هرمز تدريجيًا، ويخفض الضربات، ويؤجل الملفات الكبرى، مثل النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، إلى مفاوضات لاحقة. يلائم هذا المسار المصالح الأوروبية أكثر من غيره؛ فهو يخفض كلفة الطاقة ويمنح الدبلوماسية وقتًا. ومع ذلك، يبقى هشًا لأن كل طرف يستطيع تعطيله إذا رأى أن الطرف الآخر يستغل الهدنة لإعادة التموضع.
ويتمثل المسار الثاني في حرب استنزاف منخفضة إلى متوسطة الشدة. في هذا المسار، لا تنجح المفاوضات في إنتاج اتفاق، ولا تتوسع الحرب إلى مواجهة شاملة، لكنها تستمر عبر ضربات محدودة، وتهديدات بحرية، وهجمات متقطعة على مصالح إقليمية. ويُعد هذا المسار الأكثر إنهاكًا لأوروبا؛ لأنه يطيل حالة عدم اليقين، ويمنع العودة الطبيعية للملاحة، ويجعل الأسواق تتحرك وفق توقعات التصعيد لا وفق وقائع الاستقرار.
أما المسار الثالث فهو انفجار إقليمي أوسع. يتحقق هذا المسار إذا انتقلت الحرب بقوة إلى لبنان أو العراق أو البحر الأحمر، أو إذا وقع حادث كبير في هرمز أدى إلى سقوط ضحايا دوليين أو تعطيل طويل للملاحة. ويبقى هذا المسار أقل ترجيحًا من الثاني، لكنه أعلى أثرًا. بالنسبة لأوروبا، سيكون كابوسًا استراتيجيًا لأنه يجمع بين صدمة طاقة، وضغط إنساني، وتراجع اقتصادي، وارتباك في العلاقة مع الولايات المتحدة.
ويتمثل المسار الرابع في إعادة ترتيب داخلية إيرانية غير محسومة. قد تظهر قيادة مؤقتة أو ائتلاف أمني ـ سياسي يحاول تثبيت الدولة وفتح تفاوض محدود من موقع الاضطرار لا من موقع القناعة. قد يخفف هذا المسار التصعيد إذا احتاجت القيادة الجديدة إلى الوقت، وقد يزيد القمع الداخلي إذا أرادت إثبات السيطرة. لذلك يجب أن تستعد أوروبا لاحتمالين متناقضين في الوقت نفسه: انفتاح تفاوضي خارجي، وتشدد أمني داخلي.
تاسعًا: الخيارات الأوروبية العملية
يتمثل الخيار الأوروبي الأول في بناء مبادرة خفض تصعيد تبدأ من الممرات لا من الملفات الكبرى. فالنووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي ملفات معقدة وطويلة، أما فتح هرمز وخفض استهداف منشآت الطاقة والمياه والموانئ فهي أهداف محددة قابلة للقياس. تحتاج أوروبا إلى البدء من الهدف الذي يملك شركاء كثيرون مصلحة مباشرة فيه: أمن الملاحة. ثم يمكن تحويل التهدئة البحرية إلى مدخل لمفاوضات أوسع.
ويتمثل الخيار الثاني في حصر المهمة البحرية ضمن وظيفة دفاعية واضحة. المرافقة، وتبادل المعلومات، وتطمين شركات التأمين والشحن، وتنسيق الإنقاذ، ومراقبة الممرات، كلها وظائف دفاعية. أما المشاركة في ضربات أو حصار هجومي فستسقط قدرة أوروبا على الوساطة، وستجعلها جزءًا من الحرب الأمريكية. لذلك ينبغي أن تكون قواعد الاشتباك الأوروبية دقيقة ومعلنة بالقدر الذي يطمئن الشركاء ولا يمنح الخصوم ذريعة تصعيد.
أما الخيار الثالث فهو تحويل سياسة الطاقة إلى سياسة سيادة. ينبغي إدارة الأزمة لا من زاوية البحث عن شحنات بديلة فقط، بل من زاوية تقليل هشاشة الطلب الأوروبي. ويشمل ذلك ترشيدًا مؤقتًا عالي الكثافة في القطاعات الأكثر استهلاكًا، واستخدامًا منسقًا للمخزون، وتسريع كفاءة الطاقة، ودعمًا موجهًا للصناعات الحيوية لا دعمًا عامًا يبدد الموارد. معيار النجاح هو منع انتقال صدمة هرمز إلى موجة تضخم طويلة تضرب الاستقرار السياسي والاجتماعي.
ويتمثل الخيار الرابع في إنشاء خلية أوروبية دائمة لأمن الممرات، تربط بين الطاقة والنقل والتأمين والدفاع والدبلوماسية. أزمة هرمز لن تكون الأخيرة. وإذا تعاملت أوروبا مع كل مضيق بوصفه أزمة منفصلة، فستبقى دائمًا متأخرة. المطلوب آلية تقدير أسبوعية للمخاطر، وسيناريوهات جاهزة لتعطيل الممرات، وخيارات تصعيد وخفض تصعيد، وتواصل منتظم مع شركات الشحن والتأمين والطاقة.
أما الخيار الخامس فهو دعم المجتمع الإيراني من دون ادعاء قيادة مستقبله. ينبغي أن تكون أدوات أوروبا حقوقية ومدنية وإنسانية، لا هندسة سياسية من الخارج. فالمصلحة الأوروبية ليست فقط في سقوط خصم أو ضعف نظام، بل في ألا تتحول إيران إلى ساحة تفكك أو حرب أهلية أو قمع شامل. الاستقرار الحقيقي لا يبنى على فراغ، بل على مجتمع قادر على إنتاج سياسة داخلية أقل عنفًا.
عاشرًا: الاقتصاد السياسي للتعرض الأوروبي
لا تظهر كلفة الحرب في سعر البرميل وحده. تظهر كذلك في كلفة الائتمان، وتوقعات التضخم، وتردد الشركات في توقيع عقود طويلة، وارتفاع كلفة النقل، وازدياد صعوبة التخطيط الصناعي. وعليه، لا يمر أثر هرمز في أوروبا عبر محطات الوقود فقط، بل عبر بنية الإنتاج. فإذا ارتفعت الطاقة، انخفض هامش الصناعة. وإذا ارتفعت كلفة الشحن، تراجعت القدرة التنافسية. وإذا طال عدم اليقين، تأجل الاستثمار. من هذه الزاوية، لا تبقى الحرب الخارجية حدثًا عسكريًا بعيدًا، بل تتحول إلى عامل داخل ميزانية المصنع والأسرة والحكومة.
يظهر هذا الأثر في لحظة أوروبية حساسة أصلًا. فالقارة تحاول تمويل التحول الطاقي، ورفع الإنفاق الدفاعي، ودعم أوكرانيا، وحماية الصناعات من المنافسة الأمريكية والصينية، وإدارة غضب اجتماعي مرتبط بتكاليف المعيشة. ولا تأتي أي صدمة طاقة جديدة إلى اقتصاد مستقر، بل إلى اقتصاد يراكم الضغوط. لذلك ينبغي أن تقرأ أوروبا حرب إيران بوصفها أزمة في ترتيب الأولويات، لا بوصفها اضطرابًا عابرًا في الأسعار. فالمال الذي يذهب إلى دعم فواتير الطاقة قد ينقص من الدفاع، والمال الذي يذهب إلى الدفاع قد يضغط على الاستثمار الصناعي، والتضخم الذي يعود من بوابة النفط قد يضرب الشرعية السياسية للحكومات.
يفرض ذلك على الاتحاد الأوروبي الانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى منطق تقليل التعرض. الاستجابة الطارئة تسأل: كيف نعوض النقص؟ أما تقليل التعرض فيسأل: لماذا يبقى الاقتصاد قابلًا للاهتزاز مع كل أزمة ممرات؟ الأول يعالج العرض، والثاني يعالج البنية. ومن دون هذا الانتقال ستتكرر الدورة نفسها: أزمة خارجية، ارتفاع أسعار، دعم حكومي، خلاف داخلي، ثم انتظار الأزمة التالية. لا يمكن بناء سيادة أوروبية على هذا الإيقاع.
حادي عشر: أثر الأزمة في الدفاع الأوروبي
تزامنت حرب إيران مع نقاش أوروبي واسع بشأن رفع الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء القاعدة الصناعية العسكرية. غير أن الأزمة تجعل هذا المسار أصعب لا أسهل. فمن جهة، تثبت الحرب أن البيئة الأمنية تتدهور وأن أوروبا تحتاج إلى قدرات بحرية وجوية واستخبارية أكبر. ومن جهة أخرى، ترفع الحرب كلفة الطاقة والنقل والديون، بما يقلل المساحة المالية المتاحة للدفاع. وتشكل هذه المفارقة جوهر المأزق: كل أزمة تثبت الحاجة إلى مزيد من القدرة، لكنها تجعل تمويل هذه القدرة أكثر صعوبة.
ولا يقتصر الأمر على المال. فالمهمة البحرية المحتملة قرب هرمز تطرح سؤال الجاهزية. كم سفينة تستطيع أوروبا إرسالها من دون إضعاف حضورها في البحر الأحمر أو المتوسط أو شمال الأطلسي؟ كم من الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي تستطيع تخصيصها لمهمة بعيدة مع استمرار الحاجة إلى دعم أوكرانيا؟ وهل تملك أوروبا قيادة عملياتية كافية لتنسيق مهمة متعددة الجنسيات في بيئة عالية المخاطر؟ وتكشف هذه الأسئلة أن السيادة الاستراتيجية لا تقاس بالبيانات، بل بالقدرة على توزيع الموارد النادرة بين مسارح متعددة.
من ثم ينبغي أن تؤدي الأزمة إلى مراجعة أوروبية لسياسة الأمن البحري. لم يعد الأمن البحري ملفًا ثانويًا قياسًا إلى الدفاع البري والجوي. أوروبا اقتصاد بحري حتى عندما لا تفكر في نفسها بهذه الصفة. وتعتمد سلاسل توريدها على ممرات يمكن تعطيلها في هرمز أو باب المندب أو قناة السويس أو البحر الأسود. وعليه، ينبغي أن يصبح الاستثمار في المراقبة البحرية، والطائرات المسيرة البحرية، والدفاع الجوي للسفن، وقدرات إزالة الألغام، والتنسيق مع شركات الشحن والتأمين، جزءًا من تعريف الأمن الأوروبي.
ثاني عشر: معيار الترجيح النهائي
عند جمع المؤشرات المتاحة حتى ٧ أيار/مايو ٢٠٢٦، يبدو المسار الأكثر ترجيحًا تهدئة مشروطة متقطعة، لا تسوية شاملة ولا انفجارًا إقليميًا شاملًا. فالأطراف كلها تملك دوافع لتجنب حرب مفتوحة طويلة، لكنها لا تملك بعد الثقة اللازمة لتسوية عميقة. الولايات المتحدة تريد مخرجًا يمنحها صورة إنجاز، وإيران تريد رفع الضغط عن الممرات والعقوبات من دون أن تبدو مستسلمة، والخليج يريد حماية أمنه من دون تحويل أراضيه إلى منصة حرب، وأوروبا تريد فتح الممرات وخفض الأسعار، والصين والهند تريدان استمرار تدفق الطاقة. تخلق هذه المصالح المتقاطعة فرصة، لكنها لا تنتج سلامًا مستقرًا.
وتستند هذه القراءة إلى مؤشرات واضحة: وجود مقترح أمريكي قيد المراجعة، تحرك أوروبي بحري دفاعي لا هجومي، استمرار الحذر الملاحي في هرمز، وتردد الأطراف في الانتقال إلى حرب إقليمية شاملة. غير أن الهشاشة تبقى عالية. حادث بحري كبير، أو ضربة في لبنان أو العراق، أو انهيار تفاوضي مفاجئ، يمكن أن ينقل الأزمة من التهدئة المتقطعة إلى الاستنزاف أو الانفجار. لذلك ينبغي تصميم السياسة الأوروبية على أساسين متوازيين: استثمار فرصة التهدئة، والاستعداد لفشلها.
«تكشف حرب إيران أن أمن أوروبا لا يبدأ عند حدودها الجغرافية، بل عند الممرات التي تحمل طاقتها وسلعها وقدرتها الصناعية».
ثالث عشر: النتائج الاستراتيجية
تتمثل النتيجة الأولى في أن حرب إيران أعادت تعريف الأمن الأوروبي من الخارج. لم يعد الأمن الأوروبي محصورًا في أوكرانيا أو المتوسط أو الأطلسي. لقد أصبح هرمز والبحر الأحمر والخليج جزءًا من الحدود غير المرئية للاقتصاد الأوروبي. كل ممر حيوي للتجارة والطاقة صار عنصرًا من عناصر السيادة، حتى إذا لم يقع على الخريطة السياسية للقارة.
وتتمثل النتيجة الثانية في أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ضمانًا بلا كلفة. قد توفر واشنطن الردع والحماية، لكنها قد تتخذ قرارات حرب ترتد على أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا. لذلك لم تعد المسألة اختيارًا بين التحالف والاستقلال، بل بناء قدرة أوروبية على تقدير الكلفة، والتأثير في القرار، وتقديم مسارات بديلة قبل أن تصبح القارة مجرد متلقٍ للنتائج.
أما النتيجة الثالثة فهي أن أمن الطاقة الأوروبي لا يتحقق بتغيير الموردين فقط. أزمة هرمز تثبت أن المشكلة أعمق من اسم المورد؛ إنها مرتبطة ببنية الطلب، وبحساسية الاقتصاد الأوروبي للوقود المستورد، وبضعف القدرة على امتصاص صدمات الممرات. لذلك تصبح الطاقة المتجددة، وكفاءة الاستهلاك، والمخزون الاستراتيجي، وتنسيق الشراء، أدوات أمن قومي لا سياسات بيئية أو سوقية فقط.
وتتمثل النتيجة الرابعة في أن القانون الدولي يبقى أداة مركزية في السياسة الأوروبية، لكنه يفقد أثره عندما ينفصل عن القدرة. أوروبا تحتاج إلى الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة وحماية المدنيين وحرية الملاحة، لكنها تحتاج أيضًا إلى أدوات تنفيذية ودبلوماسية وبحرية تجعل هذا الدفاع قابلًا للتأثير. المبدأ من دون أداة يتحول إلى خطاب، والأداة من دون مبدأ تتحول إلى قوة عمياء.
أما النتيجة الخامسة فهي أن مستقبل إيران لا يجوز اختزاله في سقوط رأس النظام. معيار النجاح ليس إضعاف القيادة الإيرانية فقط، بل منع تحول إيران إلى ساحة تفكك أو انتقام أو قمع داخلي شامل. وكل سياسة أوروبية تتجاهل هذا الفرق ستكرر أوهام التدخلات السابقة في المنطقة، حيث سقطت أنظمة وبقيت الدول معلقة بين الفوضى والعنف.
التوصيات التنفيذية
- أولًا، ينبغي أن يقود الاتحاد الأوروبي مسارًا دبلوماسيًا متعدد الأطراف يبدأ من هدف محدود وقابل للقياس: فتح ممر آمن تدريجي في هرمز، ووقف استهداف منشآت الطاقة والمياه والموانئ، وتثبيت آلية اتصال طارئة بين الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج. الجهة المعنية هي الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، بالتنسيق مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وبمشاركة الخليج وتركيا والهند والصين. مؤشر النجاح الأول هو انخفاض أقساط التأمين وعودة عدد أكبر من السفن التجارية إلى المرور المنظم.
- ثانيًا، يتعين أن يحصر الاتحاد الأوروبي أي مهمة بحرية في الطابع الدفاعي. المهمة المطلوبة هي حماية السفن، وتبادل المعلومات، وتوفير الثقة لشركات الملاحة، لا المشاركة في ضربات ضد إيران. الجهة المعنية هي الدول الأوروبية المالكة لقدرات بحرية، مع ربط المهمة بتفويض قانوني واضح وتنسيق مع دول المنطقة. الخطر الرئيسي هو الانزلاق العملياتي، والبديل هو دور مراقبة ومرافقة محدود إذا تعذر الانتشار الأوسع.
- ثالثًا، ينبغي إطلاق حزمة أوروبية طارئة تقلل أثر صدمة الطاقة في الصناعات والأسر الأكثر هشاشة. لا ينبغي أن تكون الحزمة دعمًا سعريًا عامًا يبدد الموارد، بل تدخلًا موجهًا: مخزون منسق، ترشيد طوعي عالي الكثافة، تسريع عقود من مصادر أقل تعرضًا لهرمز، ودعم مؤقت للصناعات الحيوية. مؤشر النجاح هو منع انتقال صدمة الطاقة إلى موجة تضخم طويلة.
- رابعًا، يتعين وضع سياسة أوروبية خاصة بدعم المجتمع الإيراني، لا بتغيير النظام من الخارج. تشمل السياسة أدوات اتصال آمن، وتوثيق انتهاكات، ومسارات حماية للمعرضين للخطر، ودعمًا أكاديميًا وحقوقيًا، مع فصل واضح بين دعم الحقوق والانخراط في هندسة سياسية خارجية. معيار النجاح هو حماية الفاعلين المدنيين لا تحويلهم إلى واجهة حرب.
- خامسًا، ينبغي إنشاء آلية أوروبية لإدارة أثر الأزمات الخارجية في الداخل الأوروبي. لا يكفي أن تعمل وزارات الطاقة والدفاع والخارجية كل على حدة. المطلوب مركز تقدير مشترك يربط الممرات بالطاقة والتضخم والتأمين والهجرة والأمن الداخلي. فالأزمات الحديثة لا تدخل من باب واحد، ولا يمكن إدارتها بأدوات منفصلة.
- سادسًا، ينبغي أن تبني أوروبا خطابًا مختلفًا مع واشنطن. ولا يقوم هذا الخطاب على الوعظ أو الصدام، بل على ربط الدعم الأوروبي لأي مسار عسكري أو بحري بضوابط واضحة: هدف سياسي محدد، أفق زمني، حماية للممرات، منع استهداف البنية المدنية، وخطة خروج تفاوضية. لا يفقد التحالف قيمته عندما يضع الشريك شروطًا عقلانية؛ بل يفقدها عندما يتحول إلى قبول تلقائي بالكلفة.
خاتمة
- تكشف حرب إيران أن أوروبا لا تواجه أزمة شرق أوسطية عابرة، بل سؤالًا عن معنى القوة في القرن الحادي والعشرين. فالقوة لم تعد قدرة على الضرب فقط، بل قدرة على حماية الممر، وامتصاص الصدمة، وإقناع الشركاء، وتثبيت القانون، ومنع انتقال الحرب إلى الاقتصاد والمجتمع. دخلت أوروبا الحرب من باب لم تختَرْه: لا من باب الطائرات والصواريخ، بل من باب الطاقة والأسواق والملاحة والشرعية.
- تتمثل الدلالة الأعمق في أن أوروبا لم تعد تستطيع العيش طويلًا في المسافة الفاصلة بين المبادئ والمصالح. فإذا دافعت عن القانون من دون أدوات، بدت عاجزة. وإذا دافعت عن المصالح من دون قانون، فقدت خصوصيتها. وإذا اعتمدت على الولايات المتحدة بلا قدرة مستقلة، دفعت ثمن قرارات لا تصنعها. وإذا رفعت شعار الاستقلال من دون موارد، بقي الاستقلال لفظًا جميلًا لا يحمي سفينة ولا يخفض فاتورة طاقة.
- لذلك لا تكمن الإجابة الأوروبية في القطيعة مع واشنطن، ولا في الاندفاع خلفها، ولا في الاكتفاء ببيانات خفض التصعيد. بل تقع الإجابة في بناء قدرة مركبة: دبلوماسية مع الخليج وآسيا، وحماية بحرية دفاعية، وسياسة طاقة أقل هشاشة، ودعم حقوقي منضبط للإيرانيين، وحضور قانوني لا يخاف تسمية الانتهاكات ولا يتوقف عند تسميتها. عند هذا الحد يمكن القول إن أوروبا لم تبق على هامش الحرب، بل بدأت تحويل الصدمة إلى سياسة.
مراجع مختارة
معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، «الحرب في الشرق الأوسط: ما تداعياتها على الاتحاد الأوروبي والعالم؟»، ٢ آذار/مارس ٢٠٢٦.
المجلس الأوروبي، «استنتاجات المجلس الأوروبي بشأن الشرق الأوسط»، ١٩ آذار/مارس ٢٠٢٦.
وكالة رويترز، «إيران تراجع مقترحًا أمريكيًا لإنهاء الحرب»، ٦ أيار/مايو ٢٠٢٦.
وكالة رويترز، «فرنسا تحرك مجموعة حاملة الطائرات إلى البحر الأحمر تمهيدًا لمهمة قرب هرمز»، ٦ أيار/مايو ٢٠٢٦.
وكالة أسوشيتد برس، «فرنسا تحرك مجموعة حاملة الطائرات باتجاه مهمة دفاعية محتملة قرب هرمز»، ٦ أيار/مايو ٢٠٢٦.
وكالة الطاقة الدولية، «مضيق هرمز وأمن النفط»، بيانات ٢٠٢٥.
وكالة الطاقة الدولية، «أزمة الشرق الأوسط واضطراب أسواق الغاز العالمية»، نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
الأونكتاد، «اضطرابات مضيق هرمز: التداعيات على التجارة العالمية والتنمية»، آذار/مارس ٢٠٢٦.
مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، «خبراء أمميون يحذرون من تصعيد إقليمي مدمّر في إيران ولبنان»، ١٢ آذار/مارس ٢٠٢٦.

















