- المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
- انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا: ضغط تفاوضي أم تحوّل في الضمانة الأطلسية؟
- تقدير موقف حول استراتيجية واشنطن، وحدود الردع الأوروبي، ومخاطر إعادة تسعير الأمن داخل حلف شمال الأطلسي
- إقفال البيانات: ٥ أيار/مايو ٢٠٢٦
- القوات الأميركية في ألمانيا، الناتو، روسيا، الأمن الأوروبي، الردع الأطلسي، الانسحاب الأميركي من ألمانيا، واشنطن وبرلين، الدفاع الأوروبي، الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، العلاقات الأميركية الأوروبية.
١. ملخص تنفيذي
تبحث هذه الورقة في دلالة إعلان واشنطن سحب نحو خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر واثني عشر شهرًا، وفي ما إذا كان القرار يمثّل تعديلًا عملياتيًا محدودًا أم اختبارًا سياسيًا أوسع لعلاقة الولايات المتحدة بحلفائها الأوروبيين. تكمن أهمية الحدث في أن ألمانيا ليست موقع تمركز عسكري عاديًا، بل عقدة قيادة ولوجستيات واتصال ضمن البنية الأطلسية، وممرًا رئيسيًا بين القوة الأمريكية والجبهة الشرقية للحلف.
تقدّر الورقة أن الرقم المعلن لا يغيّر ميزان الردع فورًا إذا اقتصر على وحدات دورية أو عناصر قابلة للاستبدال، لكنه يغيّر بيئة الثقة إذا تحوّل إلى أسلوب أمريكي متكرر لمعاقبة الحلفاء أو انتزاع التزامات مالية وسياسية منهم. لذلك لا تتعلق المسألة بعدد الجنود وحده، بل بطريقة اتخاذ القرار، ودرجة التشاور، ونوع الوحدات المغادرة، ومدى اتصال التخفيض بملفات أخرى، ولا سيما الحرب على إيران، والإنفاق الدفاعي الأوروبي، وموقع ألمانيا داخل القيادة الأطلسية.
تُظهر الوقائع أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة من تحمل العبء، لكنها لم تتحول بعد إلى كتلة دفاعية قادرة على سدّ الفجوات الأمريكية في القيادة والسيطرة والاستطلاع والذخائر بعيدة المدى والدفاع الجوي متعدد الطبقات. وقد رفعت ألمانيا إنفاقها الدفاعي، ووسّع الحلف التزاماته المالية بعد قمة لاهاي، غير أن الزيادة المالية لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة جاهزة في الأجل القصير.
الاستنتاج المركزي أن واشنطن لا تنسحب من أوروبا بقدر ما تعيد تعريف شروط حضورها فيها: حضور أقل تسامحًا مع الاختلاف السياسي، وأكثر ارتباطًا بالتكلفة، وأشد قابلية للاستخدام كورقة ضغط داخلية وخارجية. في المقابل، تواجه أوروبا اختبارًا مزدوجًا: ألا تبالغ في تصوير الانسحاب المحدود بوصفه انهيارًا للردع، وألا تقلل من أثره السياسي على مصداقية الضمانة الأمريكية.
توصي الورقة بأن تتعامل برلين وبروكسل وحلف شمال الأطلسي مع القرار عبر مسار مزدوج: أولًا، طلب توضيح عملياتي دقيق من واشنطن بشأن نوع الوحدات ومواقعها ووظائفها؛ وثانيًا، تسريع بناء قدرات أوروبية تعوّض الاختلالات النوعية لا العددية. كما توصي بتجنّب الخطاب التصعيدي العلني، لأن تحويل الخلاف إلى مواجهة رمزية مع واشنطن قد يسرّع قرارات إضافية بدل أن يقيّدها.
المسار الأرجح خلال الأشهر المقبلة هو انسحاب منضبط جزئيًا، مع استمرار الغموض السياسي حول تخفيضات لاحقة. أما الخطر الأكبر فيكمن في تحوّل القرار إلى سابقة تسمح بربط تمركز القوات الأمريكية بمواقف الحكومات الأوروبية من ملفات خارج الساحة الأطلسية.
لا تكمن خطورة تقليص القوات الأميركية في ألمانيا في الرقم المعلن، بل في الرسالة السياسية التي يحملها: انتقال الضمانة الأميركية من التزام أطلسي مستقر إلى أداة تفاوض وضغط داخل العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين»
٢. الإشكالية وسؤال التقدير
تنطلق الورقة من إشكالية محددة: هل يمثل قرار سحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا تعديلًا عسكريًا محدودًا في انتشار القوات، أم أنه مؤشر على انتقال أعمق في فلسفة الضمانة الأمريكية تجاه أوروبا؟ لا تكفي الإجابة العددية عن هذا السؤال. فالقوة الأمريكية في ألمانيا لا تُقاس بعدد الجنود فقط، بل بوظيفتها داخل منظومة القيادة والنقل والاستخبارات والتدريب والردع المتقدم.
يقوم سؤال التقدير على اختبار العلاقة بين ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو الواقعة المباشرة، أي إعلان واشنطن خفضًا محددًا زمنيًا وعدديًا. المستوى الثاني هو التفسير السياسي، أي ارتباط الإعلان بالخلاف الأمريكي الألماني حول الحرب على إيران وبضغط إدارة ترامب على الحلفاء الأوروبيين. المستوى الثالث هو التقدير الاستراتيجي، أي أثر القرار في توازن الردع الأطلسي وفي قدرة أوروبا على الانتقال من الاعتماد إلى الشراكة المتوازنة.
تقدّر الورقة أن خطورة القرار لا تنبع من الرقم المعلن وحده. فخمسة آلاف جندي قد يكونون رقمًا محدودًا في الحسابات العملياتية إذا لم يمسوا مراكز القيادة أو الدفاع الجوي أو النقل الاستراتيجي أو الدعم اللوجستي. غير أن الرقم نفسه يصبح ذا أثر كبير إذا حمل رسالة سياسية مفادها أن الالتزام الأمريكي قابل للتخفيض عند كل خلاف سياسي مع عاصمة أوروبية. هنا ينتقل الخطر من ميدان القوة الصلبة إلى ميدان الثقة المؤسسية.
لذلك تعالج الورقة القرار بوصفه واقعة مركّبة: جزء منها عسكري، وجزء سياسي، وجزء تفاوضي. ولا تفترض الورقة أن واشنطن وضعت استراتيجية انسحاب مكتملة، كما لا تفترض أن القرار ارتجالي بالكامل. الأرجح أن الإدارة الأمريكية تجمع بين اندفاع سياسي قصير الأجل ومنطق أوسع يتجه إلى تحميل أوروبا تكلفة أمنها، مع إبقاء الولايات المتحدة في موقع القوة المرجعية لا في موقع الضامن المفتوح بلا شروط.
٣. منهجية الفصل بين الواقعة والتفسير والتقدير
تعتمد الورقة تمييزًا صارمًا بين الواقعة والتفسير والتقدير. الواقعة هنا هي إعلان البنتاغون سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا خلال فترة معلنة، وتأكيد البيت الأبيض أن التخفيض قد يتجاوز هذا الرقم. وتشمل الواقعة أيضًا أن حلفاء في حلف شمال الأطلسي لم يتلقوا، وفق تقارير إعلامية موثوقة، إنذارًا تفصيليًا مسبقًا يكفي لتقييم الأثر العملياتي للقرار.
أما التفسير فيتناول دوافع القرار وسياقه. يندرج الخلاف مع المستشار الألماني فريدريش ميرز حول الحرب على إيران ضمن هذا السياق، كما تندرج فيه مطالبة واشنطن المستمرة للحلفاء الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي، ورفض بعض الحكومات الأوروبية الانخراط الكامل في العمليات الأمريكية المرتبطة بالشرق الأوسط. هنا لا تكفي قراءة القرار كإجراء عسكري إداري، لأن لحظة الإعلان ولغته السياسية تمنحانه وظيفة ضغط واضحة.
أما التقدير فيتعلق بمآلات القرار. تُرجّح الورقة أن الانسحاب لن يخلق فراغًا عسكريًا مباشرًا إذا بقي محدودًا ومنسقًا، لكنه سيعمّق القلق الأوروبي من قابلية الضمانة الأمريكية للتسييس. كما ترجّح أن يدفع القرار ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى تسريع برامج دفاعية قائمة، لا إلى بناء استقلال دفاعي كامل في فترة قصيرة. فالفجوة بين الإنفاق والقدرة لا تُغلق بقرار موازنة وحده، بل تحتاج عقود توريد، وسلاسل إنتاج، وتدريبًا، وعقيدة تشغيل مشتركة.
بهذا التمييز لا تتحول الورقة إلى تعليق سياسي على تصريح أمريكي، ولا إلى سرد صحفي لتوتر دبلوماسي. الهدف هو اختبار الآلية التي تجعل قرارًا عدديًا محدودًا ينتج أثرًا أوسع في بنية الثقة داخل الحلف.
٤. خلفية مختصرة: ألمانيا بوصفها عقدة أطلسية لا قاعدة خلفية فقط
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ثم ترسخ الانقسام الأوروبي خلال الحرب الباردة، احتلت ألمانيا موقعًا خاصًا في الانتشار العسكري الأمريكي. لم تكن ألمانيا مجرد أرض تستضيف قوات أجنبية، بل صارت مركزًا متقدمًا لإدارة الأمن الأوروبي، وقاعدة عبور، وموقع تدريب، ومنصة دعم لعمليات أمريكية وأطلسية تمتد من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط. وبعد إعادة توحيد ألمانيا وانسحاب القوات السوفييتية ثم الروسية، تراجع الحجم العددي للوجود الأمريكي مقارنة بعقود الحرب الباردة، لكن الوظيفة الاستراتيجية بقيت أكبر من الرقم.
تزداد أهمية ألمانيا بسبب موقعها بين غرب أوروبا وشرقها. فالتمركز الأمريكي فيها يربط قواعد القيادة والاتصال بممرات النقل نحو بولندا ودول البلطيق، ويمنح واشنطن مرونة في تحريك القوات والمعدات من العمق الأوروبي إلى ساحات الردع الأمامية. كما تؤدي منشآت أمريكية في ألمانيا أدوارًا في الإخلاء الطبي، والدعم الجوي، والقيادة، والتخزين، والتدريب، وهو ما يجعل أي تخفيض فيها مسألة تتعلق بالبنية لا بالعدد فقط.
بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام ٢٠٢٢، عاد معنى الانتشار الأمريكي في ألمانيا إلى الواجهة. فقد صار الموقع الألماني جزءًا من شبكة أوسع لدعم الردع على الجبهة الشرقية، وتنسيق المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتدريب القوات، ونقل المعدات. لذلك لا يمكن تحليل قرار التخفيض خارج أثر الحرب الروسية الأوكرانية على بنية الأمن الأوروبي. فروسيا لا تقرأ الأرقام فقط، بل تقرأ أيضًا الانقسام السياسي داخل الحلف، وطريقة إعلان القرارات، وسرعة ردّ العواصم الأوروبية عليها.
تكمن المفارقة في أن أوروبا زادت إنفاقها الدفاعي في السنوات الأخيرة، بينما ازداد شكها في استمرارية الضمانة الأمريكية. بهذا المعنى، لا يلغي الاستثمار الأوروبي الحاجة إلى التنسيق مع واشنطن، ولا تلغي الضمانة الأمريكية الحاجة إلى بناء قدرة أوروبية أكثر استقلالًا. إن قرار التخفيض يعيد طرح هذه المعادلة في لحظة سياسية حساسة: أوروبا تنفق أكثر، لكنها لا تزال تحتاج الولايات المتحدة في القدرات النوعية؛ والولايات المتحدة تريد من أوروبا تحمل عبء أكبر، لكنها لا تريد فقدان النفوذ الذي يمنحه حضورها العسكري.
٥. توصيف الوضع الراهن: ماذا نعرف وماذا لا نعرف؟
تثبّت المعطيات المتاحة أن واشنطن أعلنت سحب نحو خمسة آلاف جندي من ألمانيا خلال ستة أشهر إلى اثني عشر شهرًا. كما أشار الرئيس الأمريكي إلى أن التخفيض قد يذهب أبعد من الرقم الأولي. في المقابل، لم تضع واشنطن، عند لحظة الإعلان، خريطة تفصيلية معلنة تكشف هوية الوحدات المغادرة، أو مواقعها، أو ما إذا كانت من قوات دورية قابلة للاستبدال، أو من وحدات قيادة ودعم، أو من تشكيلات تؤثر في جاهزية الردع على الجبهة الشرقية.
هذا الغموض ليس تفصيلًا إداريًا. فالأثر العسكري يختلف جذريًا بحسب نوع القوات. إذا شمل القرار عناصر من دورة انتشار مؤقتة، يكون الأثر محدودًا وقابلًا للإدارة. وإذا طال وحدات قيادة وسيطرة أو دعمًا لوجستيًا أو قدرة نقل أو دفاعًا جويًا، يصبح الأثر أعمق من الرقم. لذلك لا تستطيع العواصم الأوروبية تقييم القرار بجدية قبل معرفة تركيب القوة المغادرة لا عددها الإجمالي.
تُظهر ردود الفعل الأوروبية والأطلسية أن الحلف لا يتعامل مع القرار بوصفه صدمة عملياتية فقط، بل بوصفه اختبارًا لمعيار التشاور. فحلف شمال الأطلسي يقوم رسميًا على مبدأ الدفاع الجماعي، لكنه يعمل عمليًا عبر الثقة المتبادلة وتوقعات الاستمرارية. عندما تعلن واشنطن تخفيضًا يمس بلدًا محوريًا من دون مسار تشاور كاف، يتضرر هذا التوقع حتى لو بقيت القدرات العسكرية الأساسية قائمة.
في ألمانيا، يتداخل القرار مع مسار دفاعي داخلي أوسع. فقد رفعت برلين إنفاقها الدفاعي، ووسعت الاستثمار في تحديث الجيش، وتسعى إلى بناء قدرات صاروخية ودفاعية أطول مدى. غير أن ألمانيا لا تستطيع في المدى القصير تحويل الإنفاق إلى بديل مكتمل للقدرات الأمريكية. فالفجوات الأوروبية لا تكمن فقط في عدد الجنود، بل في الذخائر الدقيقة، والدفاع الجوي، والاستطلاع الفضائي، والنقل الاستراتيجي، والتكامل بين الجيوش الوطنية.
في حلف شمال الأطلسي، يأتي القرار بعد قمة لاهاي التي رفعت سقف الالتزامات الدفاعية إلى مستوى أعلى، وربطت الإنفاق بمسارات طويلة تمتد إلى عام ٢٠٣٥. غير أن الاتفاقات المالية لا تعالج فورًا أزمة الثقة. فالحلف يستطيع أن يطلب من أوروبا إنفاقًا أكبر، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى وضوح أمريكي حول ما إذا كان الوجود العسكري سيبقى أداة ردع مشتركة أم يتحول إلى أداة تفاوض ثنائية مع كل عاصمة أوروبية.
٦. الآليات الكامنة خلف القرار: من العدد إلى الرسالة
لا يكفي القول إن واشنطن تسحب قوات لأنها تريد تقليل الكلفة. هذا تفسير جزئي. الآلية الأعمق أن الإدارة الأمريكية تستخدم الوجود العسكري بوصفه رصيدًا تفاوضيًا. فالقوات في ألمانيا تمنح أوروبا طمأنة، وتمنح واشنطن نفوذًا. عندما تهدد واشنطن بتخفيض هذا الرصيد، فهي لا تقلل التزاماتها فحسب، بل تعيد تسعير الطمأنة نفسها: ماذا تدفع أوروبا ماليًا؟ ماذا تقدم سياسيًا؟ وإلى أي مدى تلتزم بخيارات واشنطن خارج المسرح الأوروبي؟
الآلية الأولى هي العقاب السياسي. جاءت لحظة الإعلان في ظل خلاف علني مع برلين حول الحرب على إيران وانتقادات ألمانية لطريقة إدارة واشنطن للحرب. لا يعني ذلك أن الملف الإيراني وحده صنع القرار، لكنه منح الإدارة الأمريكية فرصة لتحويل الخلاف إلى إشارة مادية. الرسالة هنا أن الاعتراض الأوروبي على استراتيجية واشنطن قد لا يبقى في حدود التصريحات، بل قد ينعكس على ترتيبات أمنية حساسة.
الآلية الثانية هي إعادة توزيع العبء. منذ سنوات تضغط واشنطن على الحلفاء الأوروبيين لزيادة مساهماتهم الدفاعية. الجديد في المرحلة الحالية أن الضغط لا يقتصر على مطالب موازنة، بل يرتبط بإمكان تقليص الوجود الأمريكي أو إعادة تموضعه. بهذا المعنى، يصبح الانسحاب أداة لإجبار أوروبا على الانتقال من خطاب القلق إلى قرارات تمويلية وصناعية وعسكرية أكثر جدية.
الآلية الثالثة هي اختبار مرونة الحلف. تريد واشنطن أن تعرف إلى أي مدى يستطيع حلف شمال الأطلسي امتصاص تخفيضات أمريكية محدودة من دون انهيار في الردع أو ردّ سياسي أوروبي مضاد. فإذا مرّ التخفيض من دون كلفة استراتيجية على واشنطن، قد يتحول إلى نموذج لتخفيضات لاحقة أو إلى ورقة تفاوض دائمة. أما إذا كشف التخفيض خللًا كبيرًا في الجاهزية أو أثار مقاومة داخلية أمريكية وأطلسية، فقد تضطر الإدارة إلى ضبط المسار.
الآلية الرابعة هي إعادة تعريف الأولويات الأمريكية. لم تعد أوروبا، في التصور الأمريكي الحالي، الساحة الوحيدة التي تستحق التثبيت العسكري الواسع. تتزاحم أوروبا مع الشرق الأوسط، والمحيطين الهندي والهادئ، والحدود الأمريكية، والصراع الاقتصادي مع الصين. لذلك تميل واشنطن إلى إبقاء أوروبا ضمن مجال الردع، لكنها تريد تقليل كلفة الحضور الدائم وتقييد التزامها السياسي المفتوح.
تؤدي هذه الآليات مجتمعة إلى نتيجة واضحة: القرار ليس انسحابًا كاملًا ولا مجرد تعديل تقني. إنه ضغط تفاوضي مغلف بإجراء عسكري. وتكمن خطورته في أنه يخلط بين إدارة الانتشار العسكري وإدارة الخلاف السياسي. هذا الخلط يضعف وظيفة القوات نفسها، لأن الردع يحتاج إلى وضوح واستمرارية، بينما الضغط السياسي يحتاج إلى غموض ومفاجأة.
٧. الفاعلون ومصالحهم وأدواتهم
الولايات المتحدة هي الفاعل المركزي في القرار. مصلحتها المعلنة هي إعادة ضبط انتشارها العسكري بما ينسجم مع متطلبات المسرح الأوروبي والاحتياجات العالمية. أما مصلحتها السياسية فهي دفع أوروبا إلى تحمل كلفة أكبر، وإظهار أن الاعتماد على واشنطن لم يعد مجانيًا أو منفصلًا عن مواقف الحلفاء في الأزمات الأخرى. أدوات واشنطن هي قرار التموضع، والضغط العلني، والربط بين الملفات، والقدرة على التحكم في القدرات النوعية التي لا تملك أوروبا بدائل كاملة لها.
ألمانيا هي الدولة الأكثر تأثرًا لأنها تستضيف البنية الأوسع للوجود الأمريكي في أوروبا. مصلحتها الأولى هي منع تحول التخفيض إلى مسار يضعف موقعها بوصفها عقدة ردع وقيادة. ومصلحتها الثانية هي الحفاظ على العلاقة الأمريكية من دون التخلي عن حقها في الاعتراض السياسي على قرارات واشنطن في الشرق الأوسط. أداتها الأساسية هي رفع الإنفاق الدفاعي، وتحديث الجيش، وتوسيع التعاون الأوروبي، وطلب شفافية عملياتية داخل الحلف.
حلف شمال الأطلسي يعمل كوسيط مؤسسي بين القرار الأمريكي والقلق الأوروبي. مصلحته أن يمنع تحويل التخفيض إلى أزمة ثقة مفتوحة. لذلك سيحاول الحلف احتواء الحدث عبر لغة مزدوجة: الإقرار بأن أوروبا يجب أن تستثمر أكثر، والتأكيد في الوقت نفسه على استمرار التنسيق مع واشنطن. أداة الحلف الأساسية ليست منع القرار الأمريكي، بل إدارة أثره، وتحديد الفجوات الناتجة عنه، وإعادة توزيع الأعباء داخل خطط الدفاع الإقليمية.
دول الجبهة الشرقية، ولا سيما بولندا ودول البلطيق، تقرأ التخفيض من زاوية الردع ضد روسيا. مصلحتها ألا تتحول ألمانيا من عقدة دعم إلى نقطة تراجع أمريكي. لذلك قد تدفع هذه الدول باتجاه نقل بعض القوات أو القدرات إلى الشرق بدل خفضها من أوروبا عمومًا. غير أن هذا الخيار يحمل حساسية سياسية داخلية في ألمانيا، وقد يثير أسئلة حول وحدة بنية الردع الأطلسي.
فرنسا والاتحاد الأوروبي ينظران إلى الحدث بوصفه فرصة وحذرًا في آن واحد. فمن جهة، يمنح القرار خطاب الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي دفعة إضافية. ومن جهة أخرى، يكشف أن هذا الاستقلال لا يزال غير مكتمل. تستطيع باريس وبروكسل تحويل الأزمة إلى برنامج دفاعي أعمق، لكنهما لا تستطيعان وحدهما تعويض القيادة الأمريكية في وقت قصير.
روسيا هي الفاعل الخارجي المستفيد من أي اضطراب في الثقة الأطلسية. لا تحتاج موسكو إلى انهيار الوجود الأمريكي كي تستفيد؛ يكفيها أن ترى خلافًا علنيًا حول الالتزامات، أو غموضًا في الجاهزية، أو تباطؤًا في القرار الأوروبي. لذلك سيكون أثر الانسحاب على سلوك روسيا مرتبطًا بطريقة إدارة الحلف للقرار لا بالرقم ذاته.
٨. الأطر القانونية والمؤسسية ذات الصلة
لا يعني وجود القوات الأمريكية في ألمانيا أن واشنطن فقدت حق إعادة تموضع قواتها. فالدول تحتفظ بحقوق سيادية وتنظيمية في إدارة قواتها وفق ترتيبات قانونية واتفاقات وضع القوات والتفاهمات الثنائية والأطلسية. غير أن الشرعية القانونية شيء، والرشادة المؤسسية شيء آخر. فقد يكون القرار ممكنًا قانونيًا، لكنه مكلف سياسيًا إذا اتخذ بطريقة مفاجئة أو غامضة.
يقوم حلف شمال الأطلسي على المادة الخامسة بوصفها جوهر الدفاع الجماعي. غير أن المادة الخامسة لا تعمل في الفراغ؛ تحتاج إلى خطط دفاعية، ومراكز قيادة، وقوات جاهزة، وممرات نقل، وقدرات إسناد. لذلك تؤثر قرارات التموضع في مصداقية المادة الخامسة من زاوية عملية، حتى لو لم تمس الالتزام القانوني مباشرة.
توجد أيضًا قاعدة مؤسسية غير مكتوبة بالمعنى القانوني الضيق لكنها بالغة الأهمية: التشاور قبل القرارات ذات الأثر الجماعي. فإذا غاب التشاور أو جاء شكليًا، يشعر الحلفاء بأن القرار يمس أمنهم من دون مشاركتهم في تقدير كلفته. هنا تتحول المشكلة من مسألة قانونية إلى أزمة حوكمة داخل الحلف.
في الداخل الأمريكي، يمكن أن يواجه أي خفض واسع اعتراضات من الكونغرس أو من بعض مؤسسات الأمن القومي إذا بدا أنه يضر بالمصلحة الأمريكية أو يضعف الردع ضد روسيا. لذلك لا ينبغي افتراض أن الرئيس يستطيع تحويل كل تهديد إلى تخفيض نهائي بلا قيود. غير أن مجرد التهديد المتكرر يترك أثرًا في حسابات الحلفاء، لأنهم يبدؤون التخطيط لاحتمال تغير الموقف الأمريكي مع كل إدارة أو أزمة.
٩. بديل مصفوفة المخاطر والفرص: بطاقات تقدير قابلة للنشر
بدل استخدام جدول يصعب نشره في ووردبريس، تعتمد الورقة صيغة بطاقات تقدير نصية. كل بطاقة تعرض الخطر أو الفرصة عبر أربعة عناصر: مستوى الاحتمال، مستوى الأثر، مؤشر الإنذار، ومعنى الاستجابة المطلوبة. هذه الصيغة تحافظ على وظيفة المصفوفة من دون أن تقيّد النص بجداول قابلة للكسر أو بعرض غير مناسب للهواتف.
بطاقة أولى: خطر تآكل الثقة داخل الحلف. الاحتمال مرتفع، والأثر متوسط إلى عال. مؤشر الإنذار هو تكرار القرارات الأمريكية المفاجئة أو إعلان تخفيضات إضافية من دون إحاطة أطلسية مسبقة. الاستجابة المطلوبة هي إنشاء قناة تشاور عاجلة بين واشنطن وبرلين وقيادة الحلف، لا للاعتراض العلني فقط، بل لتحديد نوع الوحدات المغادرة والفجوات الناتجة عنها.
بطاقة ثانية: خطر الفجوة اللوجستية. الاحتمال متوسط، والأثر عال إذا شمل التخفيض وحدات قيادة أو نقل أو صيانة أو دعم جوي. مؤشر الإنذار هو خروج وحدات لا يمكن تعويضها أوروبيًا خلال عام واحد. الاستجابة المطلوبة هي وضع قائمة قدرات لا قائمة أعداد: ماذا يغادر؟ ما الوظيفة التي يؤديها؟ ومن يعوضها؟ ومتى؟
بطاقة ثالثة: خطر سوء القراءة الروسية. الاحتمال متوسط، والأثر عال. مؤشر الإنذار هو تصعيد روسي في الخطاب أو المناورات أو الضغط الهجين على الجبهة الشرقية بعد الإعلان. الاستجابة المطلوبة هي أن يعلن الحلف، بالتوازي مع أي تخفيض، إجراءات تعويض واضحة على مستوى الجاهزية والتدريب والانتشار الأمامي.
بطاقة رابعة: فرصة تسريع الدفاع الأوروبي. الاحتمال مرتفع، والأثر عال على المدى المتوسط. مؤشر التحقق هو تحويل التعهدات المالية إلى عقود إنتاج وذخائر وأنظمة دفاع جوي وقدرات قيادة مشتركة. الاستجابة المطلوبة هي منع الاكتفاء بإعلانات سياسية عن الإنفاق، وربط التمويل بمخرجات قابلة للقياس خلال عامين إلى خمسة أعوام.
بطاقة خامسة: خطر انقسام أوروبي داخلي. الاحتمال متوسط، والأثر متوسط. مؤشر الإنذار هو تباين خطاب دول غرب أوروبا التي تنتقد الحرب على إيران ودول الجبهة الشرقية التي تركز على روسيا والردع. الاستجابة المطلوبة هي فصل الخلاف حول الشرق الأوسط عن التزامات الردع في أوروبا، حتى لا يتحول ملف إيران إلى شرخ دائم داخل الحلف.
بطاقة سادسة: فرصة إعادة تعريف الشراكة الأطلسية. الاحتمال متوسط، والأثر عال إذا أحسن الحلف إدارتها. مؤشر التحقق هو انتقال أوروبا من خطاب الاستقلال إلى بناء قدرات مشتركة، وانتقال واشنطن من الضغط الانفرادي إلى تفاوض مؤسسي. الاستجابة المطلوبة هي صياغة تفاهم جديد: أوروبا تتحمل عبئًا أكبر، والولايات المتحدة تلتزم بتشاور أوضح قبل قرارات تمس البنية الدفاعية المشتركة.
ألمانيا لا تواجه فراغًا عسكريًا فوريًا بقدر ما تواجه اختبارًا سياسيًا واستراتيجيًا: هل تستطيع تحويل صدمة تقليص الوجود الأميركي إلى تسريع منظم لبناء قدرة دفاعية أوروبية، أم ستبقى رهينة ردود فعل متقطعة لا ترقى إلى مستوى التحول المطلوب؟
١٠. السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: انسحاب محدود ومنضبط. هذا هو السيناريو الأرجح في الأفق الممتد من ستة أشهر إلى اثني عشر شهرًا. تقوم واشنطن بسحب الرقم المعلن، لكنها تتجنب المساس بوحدات القيادة والدعم الحساسة أو تعوضها بترتيبات بديلة. مؤشرات تحقق هذا السيناريو هي بدء مشاورات تقنية مع الحلف، وصدور توضيحات عن نوع الوحدات، وطمأنة دول الجبهة الشرقية، وبقاء قواعد القيادة الأساسية في ألمانيا من دون تغيير جوهري. أثر هذا السيناريو قابل للإدارة عسكريًا، لكنه يترك أثرًا سياسيًا واضحًا: ستتعلم أوروبا أن الضمانة الأمريكية تحتاج إلى تحوط دائم، حتى عندما لا تنهار.
السيناريو الثاني: تصعيد التخفيض وتحويله إلى سابقة عقابية. في هذا السيناريو، توسع واشنطن الخفض إلى أرقام أكبر أو تربطه بدول أخرى مثل إيطاليا أو إسبانيا أو بقيود على استخدام القواعد الأوروبية في أزمات الشرق الأوسط. مؤشرات تحقق هذا السيناريو هي استمرار التصريحات الأمريكية الهجومية ضد الحلفاء، وغياب إحاطة تفصيلية، وإعلان مراجعة أوسع للانتشار، وتزايد اعتراضات واشنطن على مواقف أوروبية من الحرب على إيران. أثر هذا السيناريو عالٍ لأنه يحول الوجود العسكري إلى أداة ابتزاز سياسي متكررة، ويمنح روسيا فرصة لاختبار تماسك الحلف، ويدفع أوروبا إلى ردود متباينة بين من يطلب استرضاء واشنطن ومن يدفع نحو استقلال دفاعي أسرع.
السيناريو الثالث: تسوية أطلسية تعيد ضبط القرار. في هذا السيناريو، تستغل برلين وقيادة الحلف الأزمة لفتح تفاوض منظم مع واشنطن. تقبل أوروبا بتحمل عبء أعلى، وتقدم ألمانيا جدولًا أوضح لتحديث قدراتها، بينما تلتزم واشنطن بجعل أي تخفيض لاحق منسقًا ومصحوبًا بإجراءات تعويض. مؤشرات تحقق هذا السيناريو هي هدوء الخطاب الأمريكي، وصدور بيان أطلسي مشترك، وربط التخفيض بإعادة تموضع لا بانسحاب عقابي، وتسريع عقود دفاعية أوروبية في مجالات الدفاع الجوي والذخائر والنقل. أثر هذا السيناريو إيجابي نسبيًا، لكنه لا يلغي المشكلة الأصلية: العلاقة الأطلسية دخلت مرحلة مشروطة، ولم تعد تعمل على افتراض تلقائية الالتزام الأمريكي.
تقدّر الورقة أن السيناريو الأول هو الأكثر احتمالًا في المدى القريب، لأن واشنطن لا تزال تحتاج ألمانيا في بنية انتشارها العالمي، ولأن خفضًا غير منضبط قد يضر بمصالح أمريكية لا أوروبية فقط. غير أن السيناريو الثاني يبقى خطرًا جديًا إذا استمرت الإدارة الأمريكية في ربط الأمن الأوروبي بخلافات سياسية خارج أوروبا. أما السيناريو الثالث فيحتاج جهدًا ألمانيًا وأطلسيًا سريعًا لتقليل كلفة التوتر قبل أن يتحول إلى قاعدة تعامل.
١١. التوصيات التنفيذية
أولًا: على الحكومة الألمانية أن تطلب من واشنطن، خلال فترة قصيرة، خريطة وظائف لا خريطة أرقام. المطلوب ليس معرفة عدد المغادرين فقط، بل معرفة مواقعهم ووحداتهم ووظائفهم وصلتهم بخطط الدفاع الأطلسية. الكلفة السياسية لهذا الطلب محدودة إذا صيغ بلغة مؤسسية هادئة، أما الخطر فيكمن في تحويله إلى مواجهة علنية مع الرئيس الأمريكي. البديل الاحتياطي هو نقل الطلب إلى قناة حلف شمال الأطلسي بدل جعله خلافًا ثنائيًا ألمانيًا أمريكيًا.
ثانيًا: على حلف شمال الأطلسي أن ينجز تقييم فجوات سريعًا خلال ثلاثة أشهر. يجب أن يجيب التقييم عن سؤال محدد: ما القدرات التي قد تتأثر إذا غادرت الوحدات المعلنة؟ لا ينبغي أن يكون التقييم بيانًا سياسيًا، بل تمرينًا عسكريًا يحدد أثر التخفيض في القيادة والسيطرة والنقل والدفاع الجوي والدعم اللوجستي. معيار النجاح هو صدور إجراءات تعويض أو إعادة توزيع قبل اكتمال الانسحاب، لا بعده.
ثالثًا: على ألمانيا أن تربط زيادة الإنفاق الدفاعي بمخرجات عملياتية لا بأرقام موازنة. الأولويات الأكثر إلحاحًا هي الذخائر، والدفاع الجوي، والنقل، والجاهزية، والقيادة الرقمية، وسلاسل الصيانة. لا تكفي زيادة مخصصات الجيش إذا بقيت القدرة غير جاهزة. معيار النجاح هو ارتفاع المخزون والجاهزية والتدريب المشترك، لا مجرد إعلان موازنات أعلى.
رابعًا: على الاتحاد الأوروبي أن يتجنب تحويل الأزمة إلى شعار فضفاض عن الاستقلال الاستراتيجي. المطلوب هو استقلال وظيفي تدريجي في مجالات محددة، لا ادعاء استقلال شامل. تبدأ الأولويات من الدفاع الجوي والذخائر والصناعة الدفاعية المشتركة والتعاقد الموحد. الخطر أن تتنازع الدول الأوروبية على القيادة السياسية بدل بناء القدرة. البديل هو مشاريع صغيرة قابلة للتنفيذ بين دول راغبة بدل انتظار إجماع أوروبي كامل.
خامسًا: على واشنطن أن تدرك أن استخدام القوات كورقة عقاب يضر بمصالحها لا بمصالح أوروبا فقط. فالوجود الأمريكي في ألمانيا يخدم القيادة العالمية الأمريكية، ويمنح واشنطن قدرة وصول إلى مسارح متعددة. إذا أرادت الإدارة الأمريكية تحميل أوروبا عبئًا أكبر، فالأجدى أن تفعل ذلك عبر تفاوض مؤسسي لا عبر مفاجآت تضعف الثقة. معيار النجاح الأمريكي هو أن تنفق أوروبا أكثر من دون أن تشك في أصل الالتزام الأطلسي.
سادسًا: على دول الجبهة الشرقية أن تضبط خطابها حتى لا يتحول القلق من الانسحاب إلى صراع جغرافي داخل الحلف بين شرق وغرب. يمكن لهذه الدول أن تطلب تعويضات ردعية إضافية، لكنها يجب ألا تعرض الأمر بوصفه نقلًا للثقة من ألمانيا إلى الشرق. فالحلف يحتاج إلى عمق ألماني وجبهة شرقية قوية في الوقت نفسه.
سابعًا: على مراكز التقدير وصناع القرار التمييز بين الانسحاب العددي والانسحاب الوظيفي. الانسحاب العددي قد يكون محدودًا. أما الانسحاب الوظيفي فيمس القدرة على القيادة والتحرك والتنسيق. لذلك ينبغي أن تركز المتابعة القادمة على نوعية القوات لا على الرقم المعلن في العنوان.
١٢. النتائج الرئيسة
النتيجة الأولى أن قرار سحب خمسة آلاف جندي لا يكفي وحده للحكم على تراجع الردع الأمريكي في أوروبا. معيار التقييم الحقيقي هو نوع الوحدات ووظائفها ومدى اتصالها بخطط الحلف.
النتيجة الثانية أن طريقة الإعلان أضرّت بالثقة أكثر مما أضرّ الرقم بالقدرة العسكرية الفورية. فالحلفاء يستطيعون إدارة خفض منسق، لكنهم يجدون صعوبة في إدارة قرار مفاجئ يحمل دلالة عقابية.
النتيجة الثالثة أن ألمانيا انتقلت من موقع الدولة المستفيدة من الحماية إلى موقع الدولة المطالبة بإثبات قدرتها على تحمل العبء. هذا التحول لن يكتمل عبر الإنفاق وحده، بل عبر جاهزية قابلة للاختبار.
النتيجة الرابعة أن أوروبا ستستخدم القرار لتسريع خطاب الدفاع المشترك، لكنها ستواجه فجوة بين الطموح والقدرة. فالمشكلة ليست في إعلان الاستقلال، بل في إنتاج القدرات التي تجعل الاستقلال ممكنًا جزئيًا.
النتيجة الخامسة أن واشنطن تعيد تسعير الضمانة الأطلسية بدل الانسحاب الكامل منها. تريد الولايات المتحدة حضورًا أقل كلفة وأكثر خضوعًا لشروطها السياسية، مع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي الذي يمنحه هذا الحضور.
النتيجة السادسة أن روسيا ستراقب إدارة الحلف للأزمة لا القرار وحده. فإذا ظهر الانسحاب منضبطًا ومصحوبًا بتعويضات، يبقى أثره محدودًا. وإذا ظهر كخلاف مفتوح، يصبح مادة لاختبار الردع والضغط الهجين.
النتيجة السابعة أن المسار الأطلسي يدخل مرحلة جديدة لا تقوم على نهاية التحالف، بل على نهاية الافتراضات القديمة حول تلقائية الضمانة الأمريكية وثباتها السياسي.
١٣. الخاتمة التركيبية
لا يعلن قرار واشنطن سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا نهاية الوجود الأمريكي في أوروبا، لكنه يعلن نهاية براءة الثقة الأوروبية القديمة في استمرارية هذا الوجود. فالضمانة الأمريكية لم تعد تُفهم بوصفها مظلة ثابتة لا تتأثر بالخلاف السياسي، بل صارت أداة قابلة لإعادة التسعير والتفاوض وربما العقاب. هنا تكمن دلالة القرار: ليس في أنه يزيل القوة الأمريكية من ألمانيا، بل في أنه يذكّر الأوروبيين بأن هذه القوة قد تتحول من طمأنة مؤسسية إلى ورقة ضغط رئاسية.
في المقابل، لا تستطيع أوروبا أن تردّ على هذه اللحظة بخطاب إنشائي عن الاستقلال ولا بذعر سياسي من التخلي الأمريكي. المطلوب هو طريق ثالث: بناء قدرات فعلية، وتوسيع الإنفاق المنضبط، وتثبيت التشاور داخل الحلف، ومنع تحويل كل خلاف مع واشنطن إلى أزمة وجودية. فالأمن الأوروبي لا يزال يحتاج الولايات المتحدة، لكنه لم يعد يستطيع الاكتفاء بها. والولايات المتحدة لا تزال تحتاج أوروبا، لكنها لم تعد تريد دفع كلفة الضمانة بالطريقة القديمة.
تقدير الورقة أن الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان القرار بداية إعادة تموضع منضبط أم مقدمة لسياسة ضغط أوسع. المؤشر الحاسم لن يكون التصريح القادم، بل الوثيقة العسكرية التي ستحدد من يغادر، ومن يبقى، وما الوظيفة التي ستتغير. عند هذه النقطة فقط يمكن الفصل بين الانسحاب بوصفه تعديلًا في الانتشار، والانسحاب بوصفه تحولًا في معنى الالتزام الأمريكي نفسه.
١٤. مراجع مختارة
[١] يورونيوز، تقرير شونا موراي، «لا استراتيجية وراء انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي من ألمانيا بحسب مصادر»، ٣ أيار/مايو ٢٠٢٦.
[٢] يورونيوز، «ترامب يعلن سحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا وسط خلاف مع ميرز»، ٢ أيار/مايو ٢٠٢٦.
[٣] وكالة أسوشيتد برس، «مع تخطيط الولايات المتحدة لتقليص قواتها في ألمانيا، ترى أوروبا حاجة إلى دور أكبر داخل حلف شمال الأطلسي»، ٥ أيار/مايو ٢٠٢٦.
[٤] رويترز، «وزارة الدفاع الألمانية تقول إنه لا يوجد إلغاء نهائي لنشر أسلحة أمريكية»، ٤ أيار/مايو ٢٠٢٦.
[٥] رويترز، «الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يقول إن الأوروبيين تلقوا رسالة ترامب»، ٤ أيار/مايو ٢٠٢٦.
[٦] حلف شمال الأطلسي، «إعلان قمة لاهاي»، ٢٥ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.
[٧] حلف شمال الأطلسي، «الإنفاق الدفاعي والتزام الخمسة في المئة»، ١٠ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
[٨] وزارة المالية الاتحادية الألمانية، «مشروع الموازنة الاتحادية لعام ٢٠٢٥»، ٢٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٥.
[٩] معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، «استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي وتزايد الإنفاق الأوروبي والآسيوي»، نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
[١٠] بريكنغ ديفنس، «هيغسيث يأمر بسحب خمسة آلاف جندي أمريكي من ألمانيا»، ٢ أيار/مايو ٢٠٢٦.



















