شمال سوريا بعد منبج: من هدنة موضعية إلى تفاوض على شكل الدولة
توازنات ما بعد سقوط الأسد وحدود دمج الشمال الشرقي في الدولة السورية الجديدة
الملخص التنفيذي
لم تعد منبج، في ربيع 2026، مجرد نقطة اشتباك بين قوات سوريا الديمقراطية والفصائل المدعومة من تركيا؛ لقد تحولت إلى عنوان مكثف لمسألة أكبر بكثير: كيف يُعاد تركيب شمال سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وعلى أي شروط، ولمصلحة من؟ تنطلق هذه الدراسة من فرضية بسيطة في ظاهرها، ثقيلة في نتائجها: وقف إطلاق النار الذي وُسّطت له واشنطن في منبج في كانون الأول/ديسمبر 2024 لم يكن بذرة تسوية، بل كان أول تعبير واضح عن انتقال الصراع من مرحلة الدفاع عن المواقع إلى مرحلة التفاوض على الخرائط والوظائف والمرجعيات. وما بدا، لحظةً، اتفاقًا ميدانيًا محدودًا لحماية المدنيين، انكشف لاحقًا بوصفه حلقة افتتاحية في صراع أشمل على مصير الشمال الشرقي السوري برمته. [1][2][3]
تجادل الدراسة بأن المشهد الراهن لا يمكن قراءته بمنطق الأزمة الحدودية وحده، ولا بمنطق الاشتباك التركي–الكردي المجرد. فالمسألة صارت، منذ سقوط الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مسألة دولة وانتقال سياسي وتوزيع جديد للقوة داخل سوريا نفسها. فدمشق الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، لا تتعامل مع مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية بصفتها ملفًا أمنيًا فقط، بل باعتبارها الحلقة الأصعب في مشروع استعادة المركز. وتركيا لا ترى في قسد تهديدًا حدوديًا فحسب، بل ترى أيضًا أن أي بقاء لصيغة حكم ذاتي مسلح في الشمال الشرقي سيعني تثبيت سابقة استراتيجية على حدودها الجنوبية. أما الولايات المتحدة، التي بنت شراكتها مع قسد تحت عنوان الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، فقد انتقلت تدريجيًا من حماية هذا الشريك إلى إدارة هبوطه التفاوضي داخل الدولة السورية الجديدة، بالتوازي مع تقليص حضورها العسكري المباشر. [4][5][8][18]
وتخلص الدراسة إلى أربع نتائج رئيسة. أولًا، إن هدنة منبج لم تنهِ النزاع؛ بل غيّرت صورته، من قتال على المدينة إلى تفاوض على الإقليم وعلى بنية الدولة. ثانيًا، إن تركيا تكسب اليوم، نسبيًا، من مسار الدمج عبر دمشق أكثر مما كانت ستكسبه من تفاوض مباشر مع قسد؛ لأنه يحقق لها هدفين معًا: تقليص الاستقلال الكردي، وتثبيت المرجعية المركزية السورية بدل المرجعية العابرة للحدود. ثالثًا، إن قسد لم تخسر كل أوراقها رغم انكماش هامشها؛ فما تزال ملفات تنظيم الدولة، والمخيمات، والسجون، والخبرة الإدارية المحلية، والعلاقة المتبقية مع واشنطن، تمنحها وزنًا تفاوضيًا لا يجوز الاستخفاف به. رابعًا، إن روسيا، رغم تراجع حضورها في الشمال الشرقي، لم تخرج من المعادلة السورية؛ بل أعادت تركيز نفوذها حول الساحل والملف السيادي الأوسع، بما يتيح لها البقاء لاعبًا مرجعيًا كلما تعثرت التفاهمات الأميركية–التركية–السورية. [13][17][20][25][26]
وبناءً على ذلك، ترى الدراسة أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يصمد وقف النار في منبج؟ بل: أي نوع من سوريا يُبنى فوق هذا الوقف، وهل يجري دمج الشمال الشرقي بوصفه جزءًا من دولة وطنية جامعة، أم بوصفه إقليمًا يُعاد إخضاعه تحت ضغط أمني متعدد المصادر؟ هنا، تحديدًا، تتجاوز المسألة جغرافيا منبج وكوباني والحسكة؛ وتصبح اختبارًا لما إذا كانت سوريا ما بعد الأسد قادرة على إنتاج مركز سياسي جديد يستوعب التعدد ويحتكر العنف المشروع في آن، أم أنها ستكرر، بأدوات جديدة، منطق الدولة القسرية الذي فجّر البلد أصلًا.
الكلمات المفتاحية
شمال سوريا؛ منبج؛ قوات سوريا الديمقراطية؛ تركيا؛ دمشق؛ ما بعد الأسد؛ الاندماج؛ الحكم المحلي؛ تنظيم الدولة الإسلامية؛ الولايات المتحدة؛ روسيا.
مقدمة
ثمة خطأ منهجي يتكرر في كثير من الأوراق التي تتناول شمال سوريا: تُقرأ المنطقة بوصفها هامشًا أمنيًا مضطربًا يحتاج إلى مقدار أعلى من التنسيق الميداني ومقدار أقل من سوء الفهم بين الحلفاء. وهذا خطأ لأن الشمال السوري لم يعد هامشًا منذ زمن. إنه مختبر مكثف لمستقبل الدولة السورية، ولسؤال الشرعية، ولمعادلة العلاقة بين المركز والأطراف، ولحدود النفوذ التركي والأميركي والروسي في مرحلة ما بعد الأسد. والورقة التي بين أيدينا، في صيغتها الأولية، أصابت حين التقطت هشاشة اتفاق منبج وحذّرت من تحويله إلى نصر دبلوماسي وهمي، لكنها ظلت، في بعض مواضعها، أسيرة اللحظة الأولى للهدنة، قبل أن تتكشف التحولات اللاحقة التي جعلت منبج أقل أهمية كمدينة متنازع عليها، وأكثر أهمية كإشارة افتتاحية إلى مسار إعادة تركيب شمال سوريا كله.
لهذا تعيد هذه الدراسة بناء السؤال من أساسه. فهي لا تسأل: هل نجحت الهدنة؟ بل تسأل: ما الذي كشفته الهدنة عن موازين القوى الجديدة بعد سقوط الأسد؟ ولماذا تحولت منبج من جبهة قتال إلى عتبة تفاوض على إعادة دمج الشمال الشرقي في الدولة؟ وكيف تداخلت في هذا المسار حسابات دمشق وتركيا وواشنطن وقسد وروسيا، من دون أن تتطابق؟ إن النظر إلى منبج وحدها لم يعد كافيًا. فمنذ آذار/مارس 2025، حين وُقِّع أول اتفاق لدمج مؤسسات قسد في مؤسسات الدولة السورية، ثم منذ كانون الثاني/يناير 2026 حين انتقل الصراع إلى مرحلة «وقف النار والاندماج الكامل» ثم «التفاهم المشترك» و«الاتفاق المرحلي»، أصبحت المشكلة أوسع بكثير من مدينة حدودية أو من شريط أمني. [5][8][9][14]
والأهم أن التسلسل الزمني نفسه يفرض علينا تغيير زاوية التحليل. ففي كانون الأول/ديسمبر 2024 كان السؤال: هل تتمدد الفصائل المدعومة من تركيا شرقًا بعد سقوط منبج، وهل تتعرض كوباني لهجوم جديد؟ وفي كانون الثاني/يناير 2025 كان السؤال: هل تستطيع قسد الاحتفاظ بصيغة شبه مستقلة تحت مظلة أميركية متآكلة؟ أما في مطلع 2026، بعد اندفاع قوات الحكومة السورية الجديدة إلى مناطق واسعة من الشمال والشرق، وبعد بدء الانسحابات الأميركية والروسية الجزئية، صار السؤال مختلفًا: ما مقدار السلطة التي ستحتفظ بها قسد بعد الدمج، ومن الذي سيرسم شروط هذا الدمج فعليًا؟ [3][4][8][13][18]
بهذا المعنى، لا تعالج هذه الدراسة نزاعًا محليًا فحسب، بل تعالج انتقالًا في بنية الصراع. الحرب التي كانت تُدار على خطوط تماس ثابتة نسبيًا خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد انتقلت، بعد سقوطه، إلى صراع على إعادة الترتيب. وهذا النوع من الصراع أخطر من الاشتباك المباشر أحيانًا؛ لأنه لا يحسم المواقع وحدها، بل يحسم معنى السلطة نفسها. ومن هنا تأتي أهمية إعادة كتابة هذه الورقة لا بوصفها تعليقًا على هدنة، بل بوصفها دراسة في لحظة تحوّل سوري لا تزال عناصرها تتشكل.
سؤال الدراسة وفرضيتها
تتمحور الدراسة حول سؤال مركزي: هل مثّلت هدنة منبج وما تلاها من مبادرات ووقفات نار في الشمال السوري بداية مسار تسوية، أم أنها كانت مجرد أدوات انتقالية لإعادة توزيع القوة بين الفاعلين إلى أن تُفرَض صيغة جديدة للسيادة في الشمال الشرقي؟
وتدافع الدراسة عن فرضية مفادها أن ما جرى منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 لا يمكن وصفه بتسوية ناضجة، بل بعملية ضغط مركّب لإعادة دمج الشمال الشرقي في الدولة السورية الجديدة بشروط لا تضعها دمشق وحدها، ولا أنقرة وحدها، ولا واشنطن وحدها، بل تخرج من تقاطع غير متكافئ بين هذه القوى جميعًا. فهدنة منبج لم تكن إلا لحظة تجميد محسوب سمحت بإعادة تنظيم الانسحاب، وإعادة تعريف خطوط السيطرة، وفتح الباب أمام ترتيبات أوسع في كوباني والحسكة والرقة ودير الزور. وما تبدو عليه الصورة اليوم من تفاهمات واتفاقات لا يجب أن يحجب الحقيقة الأساسية: النزاع لم يُحل؛ بل انتقل من سؤال «من يسيطر على البلدة؟» إلى سؤال «من يملك حق تصميم الدولة؟».
وتستخدم الدراسة مقاربة تحليلية متعددة المستويات. فهي تنظر إلى الشمال السوري من ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى المحلي المتصل ببنية قسد، والحكم المحلي، والسجون والمخيمات، والتكوين الاجتماعي المختلط للمناطق المعنية؛ والمستوى الإقليمي المتصل بتركيا ومسألة حزب العمال الكردستاني والتوازنات الحدودية؛ والمستوى الدولي المتصل بتقلص الدور العسكري الأميركي، وإعادة تموضع روسيا، والانفتاح الأوروبي المتدرج على دمشق الجديدة. وهذا التعدد المنهجي ضروري لأن اختزال الشمال السوري في مستوى واحد هو الطريق الأقصر إلى سوء الفهم.
أولًا: من سقوط منبج إلى انكشاف معنى اللحظة
حين سيطرت الفصائل السورية المدعومة من تركيا على منبج في 9 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد يوم واحد من سقوط دمشق وفرار بشار الأسد إلى روسيا، بدا الحدث في ظاهره جزءًا من الفوضى اللاحقة لانهيار النظام. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنه كان أكثر من ذلك. فقد مثّل سقوط منبج أول اختلال كبير في التوازن الذي صاغته الحرب ضد تنظيم الدولة خلال العقد السابق: قسد، الحليف الميداني الأهم لواشنطن في شرق الفرات، بدأت تخسر موقعًا عربيًا–استراتيجيًا غرب النهر، ليس أمام الجيش السوري أو روسيا كما في تفاهمات سابقة، بل أمام فصائل تدعمها تركيا مباشرة. وبعد يوم واحد فقط، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في منبج بوساطة أميركية، مع انسحاب «مجلس منبج العسكري» من المنطقة «في أقرب وقت ممكن» حرصًا على سلامة المدنيين. [1][2]
هذا التسلسل السريع مهم لأنه يقول شيئًا جوهريًا عن طبيعة القوة الأميركية في تلك اللحظة. واشنطن لم تُدافع عن بقاء قسد في منبج؛ بل تفاوضت على انسحابها المنظم. بعبارة أخرى، لم تستخدم نفوذها لوقف تغيير الخريطة، بل لإدارة هذا التغيير وتقليل كلفته. وهذه نقطة كان ينبغي التوقف عندها أكثر منذ البداية، لأنها كشفت مبكرًا أن الشراكة الأميركية مع قسد لم تعد قائمة على تثبيت وضع قائم بقدر ما صارت قائمة على إدارة تراجعه. ولأن كثيرًا من القراءة الإعلامية انشغلت يومها بسلامة المدنيين وبفكرة «احتواء التصعيد»، فقد ضاع المعنى السياسي الأهم: منبج لم تكن فقط مدينة تُنزع فتيلها؛ كانت موقعًا يُعاد تموضعه ضمن تصوّر جديد للشمال السوري. [2][3]
ثم جاء تمديد وقف النار حول منبج في 17 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع إعلان وزارة الخارجية الأميركية أن الهدف هو إطالة أمد الهدنة قدر الإمكان، فيما طرح مظلوم عبدي فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح في كوباني تحت إشراف وحضور أميركيين، مع إعادة انتشار للقوى الأمنية لمعالجة الهواجس التركية وضمان «استقرار دائم» في المنطقة. [3] هنا تحديدًا بدأ يتضح أن المعركة لم تعد فقط حول السيطرة، بل حول شروط إعادة تعريف المجال الأمني الكردي على الحدود. فقسد لم تكن تقاتل للاحتفاظ بمنبج فحسب؛ بل كانت تحاول إنقاذ كوباني من مصير مماثل، عبر عرض يتضمن تنازلًا أمنيًا محدودًا مقابل تجنب اجتياح أوسع.
غير أن اقتراح المنطقة المنزوعة السلاح لم يكن، كما روّج بعض المراقبين، مبادرة سلام مكتملة، بل كان تعبيرًا عن تبدل موازين القوى. فمن يقترح نزع السلاح من رمز مركزي في الذاكرة الكردية مثل كوباني لا يفعل ذلك من موقع الارتياح، بل من موقع البحث عن آلية لوقف التدهور. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتعامل أنقرة مع المقترح ببرود محسوب: لا رفضًا قاطعًا، ولا قبولًا حاسمًا. فهي كانت ترى أن المشكلة ليست في كوباني وحدها، ولا في عدد المسلحين أو نقاط الانتشار، بل في الصيغة السياسية التي تجعل من قسد، أو من وحدات حماية الشعب داخلها، شريكًا شرعيًا دائمًا على حدودها. ومن هنا كان المقترح، في جوهره، محاولة لتأجيل السؤال السياسي الكبير عبر معالجة بند أمني جزئي. [3][4]
والواقع أن تحذير المبعوث الأممي غير بيدرسن في 23 كانون الأول/ديسمبر 2024 من أن سوء إدارة الوضع في الشمال الشرقي قد تكون له «عواقب دراماتيكية» لم يكن توصيفًا إنسانيًا فقط، بل توصيفًا سياسيًا دقيقًا. فالرجل كان يرى أن ما يجري في منبج وكوباني ليس اشتباكًا حدوديًا عابرًا، بل اختبارًا مبكرًا لما إذا كانت سوريا ما بعد الأسد ستعيد إنتاج صراع المركز والأطراف بالسلاح، أو ستجد صيغة سياسية أوسع لدمج شرق الفرات في الدولة الجديدة. [4]
ثانيًا: الاتفاق مع دمشق لم يُنهِ المشكلة؛ بل نقلها إلى مستوى أعلى
في 10 آذار/مارس 2025 وقع أحمد الشرع ومظلوم عبدي اتفاقًا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لقسد في مؤسسات الدولة السورية. ونص الاتفاق على إدماج المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز في الإدارة المركزية، وعلى أن يتم التنفيذ بحلول نهاية العام. يومها بدا الحدث، لكثيرين، تحوّلًا تاريخيًا: الدولة السورية الجديدة تعقد تفاهمًا مع خصمها الأكثر حساسية في الشمال الشرقي، وقسد ترى في الاتفاق فرصة لبناء «سوريا جديدة» بدل أن تُترك لمصير مجهول في حال انسحاب أميركي مفاجئ. لكن التدقيق في نص الاتفاق وسياقه كان يفرض حذرًا أكبر؛ فهو لم يحدد كيف سيتم دمج قوات قسد عسكريًا في وزارة الدفاع، ولم يحسم مسألة التسلسل القيادي، ولم يوضح ما إذا كان الدمج سيتم كتشكيل جماعي أو كأفراد، وهي النقطة التي كانت دمشق ترفض فيها مطلب قسد الأساسي. [5]
الأهمية الحقيقية لاتفاق آذار/مارس 2025 أنه نقل النزاع من الميدان المباشر إلى ساحة التفاوض على شكل الدولة. فمنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال: هل تتوسع تركيا في منبج أو لا؟ بل صار: هل ستنجح قسد في تحويل قوتها العسكرية وإدارتها المحلية وخبرتها في محاربة تنظيم الدولة إلى حصة سياسية داخل الدولة السورية الجديدة؟ هذا سؤال مختلف كليًا. والفرق بين السؤالين هو الفرق بين من يدافع عن خط تماس، ومن يحاول التفاوض على مكانه في النظام السياسي المقبل. ولذلك فإن الاتفاق، على أهميته، لم يكن اختراقًا نهائيًا؛ بل كان بداية مرحلة شديدة الحساسية، لأن كل عبارة فيه كانت قابلة لتفسيرات متعارضة. [5][25]
ومع مرور الأشهر، بدأ هذا التعارض يظهر بوضوح. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025 قالت تركيا إن قسد لا تبدو راغبة في دفع عملية الاندماج قدمًا داخل هياكل الدولة السورية، وحذرت من أن استمرار أي تنسيق بين قسد وإسرائيل يُعقّد تنفيذ الاتفاق. [6] هذا الموقف التركي لم يكن مجرد تعليق على بطء التنفيذ، بل رسالة مزدوجة إلى دمشق وقسد معًا. إلى دمشق: إن شرعيتك الإقليمية الجديدة مرتبطة أيضًا بقدرتك على تفكيك الصيغة الكردية المسلحة لا التعايش معها. وإلى قسد: إن أي محاولة لكسب الوقت أو المحافظة على قدر من الاستقلالية ستُقرأ تركيًا بوصفها مراوغة لا شراكة.
هذا كله يعني أن اتفاق آذار/مارس 2025 لم يكن تسوية، بل «إطار تفاوض تحت الضغط». ومثل هذه الأطر قد تُبطئ الانفجار، لكنها لا ترفعه من المشهد. فما دام ملف السلاح لم يُحسم، وملف الإدارة المحلية لم يُحسم، وملف العلاقة بتركيا لم يُحسم، فإن كل تأخير في التنفيذ كان سيعيد فتح السؤال نفسه بطريقة أعنف. وهذا ما حصل فعلًا في مطلع 2026.
ثالثًا: كانون الثاني/يناير 2026 — عندما انتقلت دمشق من التفاوض الناعم إلى الدمج بالقوة المدروسة
في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير 2026 انفجر التوتر مجددًا في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ثم انتقل إلى مواجهات أوسع في الشمال والشمال الشرقي. ووفق إحاطة مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري أمام مجلس الأمن في 22 كانون الثاني/يناير 2026، فإن جولة جديدة من المباحثات بين الحكومة السورية وقسد في 4 كانون الثاني لم تُحرز تقدمًا، ثم اندلعت اشتباكات مكثفة، وأدى الأمر إلى نزوح عشرات الآلاف، قبل أن تنسحب قسد شرق الفرات في 11 كانون الثاني، ثم تتحرك قوات الحكومة السورية في 17 كانون الثاني لتنتزع مساحات أوسع من سيطرة قسد. وبعد وساطة أميركية وشراكات دولية أخرى، أُعلن في 18 كانون الثاني عن «اتفاق وقف نار واندماج كامل»، لكن لقاء 19 كانون الثاني فشل في حسم التنفيذ، فعادت الاشتباكات، قبل أن يُعلَن في 20 كانون الثاني عن «تفاهم مشترك» يمنح قسد أربعة أيام للتشاور ويعيد تثبيت وقف النار. [9]
هذه الأحداث ليست مجرد جولة عنف إضافية؛ إنها لحظة انكشاف للمعادلة كلها. فدمشق الجديدة لم تعد تعتمد على الرمزية السياسية لاتفاق آذار/مارس 2025، بل استخدمت، حين تباطأ التنفيذ، مزيجًا من التقدم العسكري والوساطة الأميركية لإعادة ضبط ميزان التفاوض. وهنا تقع نقطة يجب التشديد عليها: دمشق لم تخض حربًا شاملة على قسد، ولم تترك أيضًا ملف الشمال الشرقي للمساومات المفتوحة. إنها استخدمت القوة لا لتحطيم الإقليم الكردي في لحظة واحدة، بل لتسريع إدخاله في مسار الدمج بشروط أكثر قربًا من شروط المركز. وهذا ما جعل كثيرًا من التحليلات الغربية تتحدث عن «هزيمة» لقسد، في حين أن الأدق هو القول إنها دخلت مرحلة تفاوض من موقع أضعف بكثير، من دون أن تُمحى من المعادلة تمامًا. [8][9][25][26]
وتزداد هذه الصورة وضوحًا إذا قرأنا ما جرى في 18 كانون الثاني/يناير 2026. رويترز نقلت أن الاتفاق الواسع بين الحكومة السورية وقسد بدا «ضربة كبيرة» للأكراد، وأن مظلوم عبدي أكد موافقة قواته على الانسحاب من محافظتين عربيتين أساسيتين، هما دير الزور والرقة، بما تمثلانه من ثقل نفطي وزراعي وسدود ومجال جغرافي واسع. [8] معنى ذلك أن الدمج لم يكن مجرد ترتيب إداري أو بروتوكولي؛ بل كان، جزئيًا على الأقل، إعادة توزيع حقيقية للقوة والموارد. وهذا يفسر لماذا تعثّر التنفيذ بعد يوم واحد من الإعلان: لأن جوهر الاتفاق لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا–سياديًا.
رابعًا: الولايات المتحدة — من شريك قتالي إلى مدير لانسحابٍ تفاوضي
من السهل تكرار العبارة القائلة إن واشنطن تعيش «غموضًا استراتيجيًا» في سوريا. لكن العبارة، على كثرة استخدامها، لم تعد كافية لتفسير ما يحدث. فالغموض، في السنوات الماضية، كان يعني بقاء الولايات المتحدة بين حاجتها إلى قسد في الحرب على تنظيم الدولة وحاجتها إلى احتواء غضب تركيا داخل الناتو. أما بعد سقوط الأسد، فإن الغموض تبدل نوعيًا: لم تعد المشكلة فقط كيف تحافظ واشنطن على الشراكة مع قسد من دون كسر علاقتها بأنقرة؛ بل كيف تدير انتقال هذه الشراكة نفسها إلى طور ما بعد الحاجة العسكرية المباشرة. وهذا انتقال شديد الحساسية، لأن الحليف الذي بُنيت معه شراكة دماء وسجون ومخيمات ومحاربة مشتركة لتنظيم الدولة، لا يمكن شطبه بقرار إداري. لكن الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، لم تُظهر استعدادًا سياسيًا أو عسكريًا للبقاء ضامنًا لصيغة حكم شبه مستقل في الشمال الشرقي إلى أجل غير معلوم.
لهذا كانت كل الخطوات الأميركية منذ منبج تقول الشيء نفسه، ولو من دون إعلان صريح: واشنطن تريد إدارة الهبوط، لا تثبيت الوضع القديم. فهي التي توسطت لانسحاب «مجلس منبج العسكري» من المدينة، وهي التي رعت تمديد وقف النار، وهي التي بدت أكثر ميلًا إلى دعم ترتيبات دمج تدريجي لقسد داخل الدولة السورية الجديدة، ما دام ذلك لا يطلق يد دمشق بالكامل في المنطقة، ولا يعرّض ملف تنظيم الدولة لانهيار مفاجئ. [2][3][8][15]
وتتأكد هذه القراءة أكثر في شباط/فبراير 2026، حين بدأت القوات الأميركية الانسحاب من قاعدة قسرك، أكبر قواعدها في الشمال الشرقي، بعد أسابيع من تسليم قاعدة التنف ثم الشدادي إلى القوات السورية. رويترز وصفت هذه العملية بأنها جزء من «انتقال متعمد ومشروط» مع بقاء قدرة أميركية على الرد على تهديدات تنظيم الدولة، لكن المعنى السياسي الأوضح كان أن واشنطن لم تعد ترى الوجود العسكري المباشر شرطًا لإدارة الملف السوري كما كان في السابق. [17][18] هي، بعبارة أدق، تنتقل من نموذج «التمركز للحماية والردع» إلى نموذج «التأثير من الخارج ومن خلال الوسطاء والاتفاقات».
غير أن هذا التحول يطرح سؤالًا أكثر خطورة من مجرد أعداد الجنود والقواعد: ماذا يبقى من النفوذ الأميركي حين ينكمش الوجود الميداني؟ الجواب ليس صفرًا بالطبع. فما تزال واشنطن تمسك بخيوط مهمة: ملف تنظيم الدولة، ملف المحتجزين، أدوات الضغط الدبلوماسي، العلاقة مع تركيا، القدرة على منح الشرعية أو حجبها عن ترتيبات الدمج، والاتصال المباشر مع قيادات قسد ودمشق على السواء. لكن هذا النفوذ لم يعد من النوع الذي يصنع نظامًا إقليميًا مصغرًا شرق الفرات، بل من النوع الذي يحاول منع الانهيار الكامل أو العودة إلى الفوضى الصافية. ولذلك فإن السياسة الأميركية لم تعد تُقاس بقدرتها على حماية المشروع الكردي، بل بقدرتها على إدارة نهايته الجزئية أو تحويره داخل الدولة الجديدة بأقل خسائر ممكنة. [15][18][25]
خامسًا: تركيا — أمن قومي فعلي، لكن بلغة إعادة تشكيل المجال السياسي
من أكبر أخطاء التحليل اختزال الموقف التركي في معادلة واحدة: «تركيا تخشى حزب العمال الكردستاني». هذه المعادلة صحيحة، لكنها ناقصة. فأنقرة تخشى بالفعل أي بنية مسلحة ملاصقة لحدودها ترى فيها امتدادًا تنظيميًا أو سياسيًا لحزب العمال الكردستاني، وقد كررت ذلك رسميًا في كل المحطات تقريبًا. لكن السياسة التركية في شمال سوريا لم تعد منذ وقت طويل سياسة صدّ أمني خالص. إنها سياسة إعادة تشكيل للحيز الحدودي السوري بما يمنع نشوء كيان كردي شبه مستقل، ويُبقي المرجع الأمني النهائي بيد الدولة السورية المركزية أو بيد ترتيبات أمنية لا تكون قسد قطبها الحاكم. [7][10][11]
هذا ما يجعل أنقرة تبدو، في الظاهر، أكثر قربًا من دمشق الجديدة مما كانت عليه من أي سلطة سورية سابقة في هذا الملف. فبعد سنوات كانت فيها تركيا تتعامل مع النظام الأسدي بوصفه خصمًا وعدوًا ومصدرًا للفوضى، وجدت في السلطة الانتقالية الجديدة شريكًا محتملًا لتحقيق هدفها الأهم: تفكيك الصيغة الكردية المسلحة عبر دمجها في الدولة أو إضعافها حتى تتخلى عن مطلبها السياسي والعسكري الخاص. ولهذا قالت مصادر تركية لرويترز في 19 كانون الثاني/يناير 2026 إن الاتفاق الذي تخلى بموجبه الأكراد عن مناطق طالما سيطروا عليها قد يزيل العقبة الرئيسية أمام تقدم مسار السلام الداخلي بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. [10]
هذه النقطة تستحق وقفة طويلة. فتركيا، المنخرطة منذ 2025 في عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني، لا تنظر إلى شمال سوريا كملف خارجي منفصل تمامًا عن مسارها الداخلي. على العكس، إن تراجع استقلالية قسد ودخولها في صيغة دمج مع دمشق يخفف، من وجهة النظر التركية، أحد أهم التعقيدات العابرة للحدود في الملف الكردي كله. ولذلك دعا أردوغان في 21 كانون الثاني/يناير 2026 القوات الكردية في سوريا إلى إلقاء السلاح وحل نفسها فورًا، معتبرًا أن هذا هو الطريق الوحيد لمنع مزيد من الصراع. [11] والعبارة، رغم حدتها، لا تعني أن أنقرة تريد حربًا دائمة؛ بل تعني أن سقفها السياسي من أي تسوية هو زوال الصيغة المسلحة المستقلة، لا مجرد ضبطها.
لكن هل يعني ذلك أن تركيا تكتفي بما تقوله دمشق؟ ليس بعد. فأنقرة تدعم، من حيث المبدأ، أي مسار يعيد الشمال الشرقي إلى سلطة الدولة السورية، لكنها لا تتعامل مع هذا الدمج بوصفه مسألة ثقة، بل بوصفه مسألة تحقق. أي إنها تريد أن ترى بنية قسد تُفكك أو تُعاد صياغتها فعلًا، لا أن تُغطى بعبارات قانونية جديدة بينما تستمر كما هي. ومن هنا يمكن فهم إصرارها على أن تأتي التسوية عبر دمشق، لا عبر تفاوض مباشر مع قسد، وأن يكون معيار النجاح هو السلاح والتسلسل القيادي وطبيعة الإدارة المحلية، لا البيانات المعلنة وحدها. [6][7][10]
سادسًا: قوات سوريا الديمقراطية — من فائض الشرعية القتالية إلى مأزق الشرعية السياسية
لوقت طويل، استطاعت قسد أن تحول دورها في الحرب على تنظيم الدولة إلى مصدر قوة مزدوجة: قوة عسكرية ميدانية، وقوة سياسية مستمدة من شراكتها مع التحالف الدولي ومن سردية «القتال ضد الإرهاب». لكن ما بعد سقوط الأسد قلب هذه المعادلة. فالدور القتالي الذي منحها شرعية خارجية لم يعد كافيًا وحده لحماية صيغة الحكم التي بنتها في شمال وشرق سوريا. بل إن هذا الدور نفسه صار، paradoxically، أحد أسباب الضغط عليها: فملفات السجون والمخيمات ومحاربة بقايا تنظيم الدولة جعلت القوى الدولية والإقليمية ترى في قسد بنية لا يمكن تجاهلها، ولكن أيضًا لا يمكن الإبقاء عليها بصيغتها القديمة إذا كان المطلوب إعادة بناء الدولة السورية.
ولذلك دخلت قسد التفاوض من موقع معقد: ليست قوة مهزومة تمامًا، لكنها ليست قوة قادرة على فرض شروطها. اتفاق آذار/مارس 2025 منحها نافذة أمل بأن تُدمج كتلةً واحدة أو شريكًا له خصوصية داخل الدولة. غير أن دمشق رفضت فكرة الاندماج ككتلة مستقلة، وفضّلت دمج المقاتلين والأجهزة ضمن هياكل مركزية. ثم جاءت أحداث كانون الثاني/يناير 2026 لتقضي على الجزء الأكبر من الوهم القائل إن الوقت يعمل لمصلحة قسد. فالخسائر الإقليمية، والانسحابات من دير الزور والرقة، وتبدل المزاج الأميركي، والتقارب التركي–السوري في الملف الأمني، كلها عوامل جعلت القيادة الكردية تتفاوض من موضع دفاعي، لا هجومي. [5][8][15][18]
مع ذلك، سيكون من التبسيط المخل القول إن قسد صارت بلا أوراق. فما تزال هي الطرف المحلي الأكثر خبرة في إدارة السجون التي تضم آلاف المقاتلين من تنظيم الدولة، وما تزال المخيمات الكبيرة مثل الهول ذات حساسية قصوى لا تستطيع دمشق ولا أنقرة ولا حتى واشنطن التعامل معها كملف إداري بسيط. والأمم المتحدة حذرت صراحة من خطورة انتقال إدارة بعض مراكز الاحتجاز والمخيمات في ظروف فوضوية، ومن مؤشرات على هروب بعض المحتجزين، بما يهدد بعودة تنظيم الدولة إلى استثمار السيولة الأمنية في الشمال الشرقي. [9][12] هذه الملفات تمنح قسد وزنًا وظيفيًا حقيقيًا، حتى وهي تفقد جزءًا من وزنها السياسي والعسكري.
ثم إن قسد ليست فقط بنية عسكرية؛ إنها أيضًا شبكة حكم محلي وإدارات ومجالس وخبرات بيروقراطية راكمتها خلال سنوات. صحيح أن هذه البنية موضع اعتراض واسع، وصحيح أنها لم تنجح في بناء شرعية متساوية بين المكونات العربية والكردية، لكن وجودها الواقعي يجعل عملية الدمج أكثر تعقيدًا من مجرد استبدال رايات أو نقل حواجز. وهذا يفسر لماذا ظلّ سؤال «كم من السلطة سيبقى محليًا بعد الدمج؟» سؤالًا مفتوحًا حتى بعد الاتفاقات المتلاحقة. [26]
ولعل المعضلة الأهم لدى قسد اليوم ليست عسكرية بل سياسية–تصورية. فهي تعرف أن الصيغة القديمة التي جمعت بين سلاح مستقل، وإدارة ذاتية شبه مكتملة، وشراكة خاصة مع الولايات المتحدة، لم تعد قابلة للاستمرار كما كانت. لكنها لا تملك في المقابل تصورًا مطمئنًا تمامًا لما يمكن أن تكون عليه داخل الدولة السورية الجديدة. الخوف الكردي ليس فقط من خسارة المكاسب المادية؛ بل من فقدان الاعتراف الذي صيغ خلال سنوات الحرب باعتباره حقًا في الشراكة لا منّة من المركز. وكلما تأخر تقديم ضمانات واضحة حول الحقوق اللغوية والإدارية والتمثيل السياسي، ازداد هذا الخوف وتحول إلى عامل يعقّد الدمج نفسه.
سابعًا: دمشق الجديدة — استعادة الدولة أم إعادة إنتاج المركز القسري؟
قد يكون أهم ما تغير في الملف السوري كله بعد سقوط الأسد هو عودة سؤال الدولة بوصفه سؤالًا عمليًا، لا خطابًا نظريًا. فطوال سنوات الحرب، كانت عبارة «وحدة سوريا» تُستخدم غالبًا كشعار سياسي أو ديبلوماسي، فيما كانت البلاد مجزأة فعليًا إلى سلطات ونفوذ وجيوش ووسطاء. أما بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، فقد أصبحت السلطة الجديدة في دمشق مطالبة بتحويل الشعار إلى بنية حكم. ومن هنا لا يمكن فهم سلوك أحمد الشرع وحكومته تجاه قسد إلا بوصفه جزءًا من مشروع أوسع: استعادة المركز، لا فقط إنهاء جيب مسلح على الحدود.
هذا المشروع يملك عناصر قوة حقيقية. فدمشق الجديدة تحظى باعتراف خارجي متزايد، والاتحاد الأوروبي يستعد، بحسب وثيقة اطلعت عليها رويترز في 17 نيسان/أبريل 2026، لاستعادة الاتصالات السياسية الرسمية مع سوريا وبدء حوار رفيع المستوى مع السلطات الانتقالية، مع دعم واضح لتنفيذ اتفاق دمج المؤسسات الكردية في الدولة وتوسيع حقوق الأكراد السوريين ضمن مسار سياسي أوسع. [20] كما أن البنك الدولي يتحدث، في وثائقه الخاصة بسوريا لعام 2026، عن استقرار سياسي عام بعد أكثر من عام على الانتقال، وإن ظل الوضع الأمني هشًا وتندلع فيه نوبات عنف متفرقة. [22] هذه المؤشرات تمنح دمشق رصيدًا سياسيًا واقتصاديًا وأمميًا لم يكن متاحًا للنظام السابق في سنواته الأخيرة. ويكتسب هذا الزخم وزنًا إضافيًا إذا أُضيف إليه تعيين سيبان حمو، قائد وحدات حماية الشعب، نائبًا لوزير الدفاع لشؤون المناطق الشرقية في آذار/مارس 2026، وهو تطور رمزي وعملي معًا لأنه يشير إلى أن الدمج لم يعد وعدًا تفاوضيًا فقط، بل بدأ يترك بصمات مؤسسية داخل بنية الدولة نفسها. [19]
لكن هذا لا يحل المشكلة الجوهرية. فاستعادة الدولة ليست هي نفسها إعادة إنتاج المركز بالطريقة القديمة. وإذا كانت السلطة الجديدة تريد دمج الشمال الشرقي على أسس أكثر قابلية للحياة من أسس النظام الأسدي، فإن عليها أن تجيب عن أسئلة لم تُحسم بعد: ما حدود اللامركزية المقبولة؟ ما الضمانات الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد؟ هل يكون الدمج اعترافًا بالتعدد داخل الدولة، أم عودة إلى نموذج الدولة الموحدة شكليًا والمانعة سياسيًا؟ الأمم المتحدة رحبت في كانون الثاني/يناير 2026 بالمرسوم رقم 13 الذي يتصل بالحقوق اللغوية والثقافية والمدنية للأكراد السوريين، واعتبرته خطوة مشجعة، لكن الخطوات الرمزية لا تكفي وحدها إذا ظلت بنية السلطة ذاتها غير محسومة. [9]
الأخطر أن مركزية دمشق الجديدة قد تغريها بالذهاب بعيدًا في منطق الفرض. فالنجاح العسكري والسياسي النسبي في الشمال قد يدفع السلطة إلى تصور أن الزمن يعمل لصالحها بالكامل، وأن قسد لا تملك إلا القبول بما يُعرض عليها. وهذا تقدير قد يكون خاطئًا. صحيح أن قسد أضعف بكثير مما كانت عليه قبل عام، لكن دمج منطقة شاسعة ومعقدة اجتماعيًا وأمنيًا واقتصاديًا مثل الشمال الشرقي لا يمكن أن ينجح بالقسر وحده. كل خطوة سريعة أكثر مما تحتمل البيئة المحلية قد تفتح الباب أمام مقاومات جديدة: كردية، عربية، تنظيمية، أو حتى جهادية. ولهذا فإن سؤال الدولة هنا لا ينفصل عن سؤال الكيفية: هل يجري التوحيد عبر بناء عقد سياسي جديد، أم عبر توسيع نطاق السيطرة وحسب؟
والواقع أن ما يمنح دمشق أفضلية اليوم ليس القوة المجردة فقط، بل تغير البيئة الدولية من حولها. فالغرب الذي كان يتحدث قبل أعوام عن «حل سياسي» نظري صار أقرب إلى دعم أي مسار يعيد قدرًا من التماسك إلى الدولة السورية ويخفف موجات اللجوء والفوضى والاقتصاد غير النظامي. وهذا التحول يمنح المركز فرصة كبيرة، لكنه يمنحه أيضًا إغراء الاستسهال: أي الظن بأن المجتمع الدولي سيبارك أي شكل من أشكال التوحيد. وهذه ليست بالضرورة فرضية صحيحة على المدى الأطول، لأن استقرار الدولة لا يُقاس فقط باتساع خرائطها، بل بقدرتها على إنتاج ولاء داخلي قابل للاستمرار.
ثامنًا: روسيا — تراجع في الشمال الشرقي، لا خروج من المعادلة
من المغري القول إن روسيا خرجت من الملف الشمالي بعد سقوط الأسد وتقدم السلطة الجديدة المدعومة إقليميًا. لكن هذه العبارة تبسيطية. فصحيح أن رويترز كشفت في 26 كانون الثاني/يناير 2026 أن روسيا بدأت سحب قواتها من مطار القامشلي، حيث كان لها وجود منذ 2019، وأن جزءًا من هذه القوات نُقل إلى قاعدة حميميم أو عاد إلى روسيا، إلا أن التقرير نفسه أكد أن موسكو لا تزال متوقعة الحفاظ على قاعدتيها الرئيسيتين في الساحل السوري، وأن أحمد الشرع كان قد أبلغ فلاديمير بوتين سابقًا التزامه بالاتفاقات القائمة بين البلدين. [13] معنى ذلك أن روسيا لم تعد اللاعب المرجّح في الشمال الشرقي، لكنها أيضًا لم تفقد صفتها كقوة مرجعية في الملف السيادي السوري الأوسع.
وهذا مهم لسببين. الأول أن تراجعها في الشمال الشرقي يفتح المجال أمام ترتيبات أميركية–تركية–سورية أكثر مباشرة، بما يفسر تسارع اتفاقات الدمج في مطلع 2026. والثاني أن بقاءها على الساحل، ومحافظتها على علاقتها بالسلطة الجديدة، يمنحها قدرة على العودة إلى المشهد كلما احتاجت دمشق إلى موازنة علاقة أو توسيع هامش مناورتها مع الغرب. فروسيا لم تعد، كما كانت في عهد الأسد، مظلة النظام الحصرية؛ لكنها تحولت إلى شريك ثقيل لا يمكن شطبه من حسابات إعادة بناء الدولة والجيش والعلاقات الخارجية.
ومن الزاوية التحليلية، ينبغي الحذر من المبالغة في توصيف موسكو بأنها «المستفيد من التعقيد» كما كان صحيحًا في مراحل سابقة. في الشمال الشرقي تحديدًا، خسر الروس جزءًا من دورهم المباشر لمصلحة تفاهمات صارت تُطبخ أكثر بين دمشق وواشنطن وأنقرة. لكنهم ما زالوا يربحون شيئًا آخر: كلما تعثر التفاهم بين هذه الأطراف، عاد الاحتياج إلى ورقة روسية ما، سواء على مستوى الشرعية الدولية أو التوازن العسكري أو ملف القواعد والعقود والسيادة. لذا فالأدق أن يقال إن روسيا لم تعد مهندسة المشهد في الشمال الشرقي، لكنها بقيت إحدى قواه الكامنة.
بل إن بقاء موسكو في الساحل يمنحها نوعًا آخر من التأثير غير المباشر على ملف الشمال: فهي تستطيع، بحكم حضورها العسكري والعقودي وعلاقاتها بالجيش السوري ومؤسسات الدولة القديمة، أن تؤثر في إيقاع إعادة بناء المركز نفسه. وإذا كانت دمشق الجديدة تسعى إلى تنويع شركائها وعدم الارتهان الكامل لأي محور، فإن روسيا ستظل، على الأرجح، جزءًا من سياسة الموازنة هذه، لا سيما إذا واجه الانفتاح الغربي حدودًا أو شروطًا قاسية.
تاسعًا: البعد المهمل في النقاش — تنظيم الدولة، السجون، والمخيمات
غالبًا ما يُدفع هذا الملف إلى الهوامش عند الحديث عن تركيا وقسد ودمشق. لكنه في الواقع من أثقل الملفات وأكثرها تأثيرًا في شروط التفاوض. فقسد لم تكتسب أهميتها الدولية فقط من كونها قوة كردية محلية أو شريكًا في الحرب على تنظيم الدولة، بل من كونها أيضًا الجهة التي تولت إدارة عبء أمني وإنساني غير مسبوق: آلاف المحتجزين من عناصر التنظيم، ومخيمات مكتظة بأسرهم ومحيطهم، وشبكات تمويل وهروب وتجدد محتملة. ولذلك فإن كل حديث عن دمج قسد في الدولة السورية من دون تصور واقعي لمستقبل هذه البنية الأمنية هو حديث ناقص.
الإحاطة الأممية في 22 كانون الثاني/يناير 2026 كانت صريحة في هذا الجانب. فقد حذرت من ضرورة عدم السماح لتنظيم الدولة باستثمار السيولة الجارية في الشمال الشرقي، وأشارت إلى انتقال بعض مراكز الاحتجاز إلى سيطرة الحكومة السورية، مع وجود مؤشرات على هروب بعض المحتجزين، ودعت إلى تنظيم دقيق لعملية نقل السيطرة على السجون والمخيمات. [9] كما نقلت رويترز أن الولايات المتحدة شرعت في عملية نقل محتجزين من سوريا إلى العراق، وأنها تحدثت عن احتمال نقل الآلاف لاحقًا. [12] كل هذا يعني أن ملف «دمج قسد» ليس شأنًا دستوريًا أو عسكريًا فحسب؛ بل هو أيضًا ملف إدارة خطر جهادي عابر للحدود.
هنا، تحديدًا، يتضح لماذا لا يمكن شطب قسد بقرار سياسي، حتى لو تراجعت جغرافيًا. فالجهات التي تضغط لإنهاء استقلاليتها النسبيّة تعرف في الوقت ذاته أنها تحتاج إلى شبكاتها، وإلى كوادرها، وإلى معرفتها التفصيلية بالمجتمع المحلي وبملف المعتقلين والمخيمات. وهذا ما يجعل أي دمج ناجح عملية تفاوضية مركبة، لا مجرد إعلان ولاء. كما يفسر شيئًا من الحذر الأميركي: فواشنطن مستعدة لتقليص وجودها، لكنها ليست مستعدة لرؤية فراغ أمني يسمح لتنظيم الدولة بالعودة إلى المسرح الشرقي من جديد. [18][24][25]
ويُضاف إلى ذلك أن المخيمات والسجون ليست مشكلة أمنية فقط؛ بل مشكلة شرعية ومحاسبة وموارد وإدارة. فالدولة السورية الجديدة التي تريد استعادة هذه الملفات ستحتاج إلى بنية مؤسسية وقضائية وإنسانية ليست مكتملة بعد، وإلى تعاون دولي لا يبدو مضمونا بالكامل. فإذا انتقلت هذه الملفات إلى دمشق من دون استعداد كافٍ، فقد تتحول من علامة على استعادة الدولة إلى علامة على عجزها. وإذا بقيت معلقة بين الطرفين، فستظل قنبلة موقوتة تقيّد أي حديث واثق عن استقرار مستدام.
عاشرًا: الاقتصاد وإعادة الإعمار — الصمت الكبير في أوراق الأمن
واحدة من أضعف حلقات النقاش حول شمال سوريا أن معظم التحليلات تتعامل مع المنطقة كما لو أنها فضاء أمني خالص، فيما هي أيضًا فضاء اقتصادي بالغ الأهمية. فالرقة ودير الزور ليستا مجرد محافظتين انسحبت منهما قسد أو تنازلت عنهما في اتفاقات كانون الثاني/يناير 2026؛ إنهما قلب الموارد الزراعية والنفطية والمائية في شرق البلاد. والاتفاقات التي تعيد هذه المناطق إلى الإدارة المركزية لا تغيّر خرائط السيطرة فقط؛ بل تغيّر توزيع الموارد، وقدرة الدولة على تمويل نفسها، وقدرة الأطراف المحلية على الاحتفاظ بنفوذ تفاوضي. [8][22]
وفي مستوى أوسع، لا يمكن فصل ملف الشمال الشرقي عن مسار التعافي الاقتصادي السوري كله. فالبنك الدولي قدّر في تموز/يوليو 2025 أن الاقتصاد السوري يواجه تحديات هائلة رغم توقع نمو متواضع بنسبة 1 في المئة عام 2025 بعد انكماش 1.5 في المئة عام 2024، وأن القيود الأمنية والمالية لا تزال تضغط بقوة على فرص التعافي. [21] كما أكد في وثائق مشروعه لعام 2026 أن سوريا استفادت من رفع قسم مهم من العقوبات ومن عودة النقاشات الاستثمارية والمالية الدولية، لكن الوضع الأمني الهش لا يزال يهدد هذه الفرص. [22] ومن جهته، أشار صندوق النقد الدولي في شباط/فبراير 2026 إلى أن البيانات الأولية توحي بتحسن في أداء الموازنة المركزية لعام 2025، مع عجز أقل واعتماد أقل على تمويل المصرف المركزي، لكنه شدد أيضًا على هشاشة البنية الاقتصادية والمؤسساتية وعلى الحاجة إلى بناء قدرات طويلة الأمد. [24]
هذه المعطيات تجعل من دمج الشمال الشرقي مسألة مالية بقدر ما هي مسألة سيادية. فمن دون استعادة الموارد، لا تستطيع دمشق تمويل مشروع دولة جديد. ومن دون تصور عادل لتوزيع هذه الموارد وللحكم المحلي في المناطق المنتجة، سيبدو الدمج، في عيون قطاعات واسعة من السكان، عملية استحواذ مركزي لا مشروع تعافٍ وطني. وهنا تكمن إحدى أكبر الثغرات في الخطاب السائد: الجميع يتحدث عن السلاح والحدود والميليشيات، لكن القليل فقط يتحدث عن النفط والقمح والسدود والرواتب والخدمات والاقتصاد السياسي للاندماج.
وليس تفصيلًا صغيرًا أن الانفتاح الأوروبي الجديد على دمشق يربط، من جهة، بين الأمن والهجرة والحدود، ويربط، من جهة أخرى، بين التجارة والاستثمار والإصلاح المؤسسي. [20] فالموارد التي ستعود إلى المركز عبر دمج الشمال الشرقي ليست فقط عنصرًا في ميزان القوى الداخلي؛ إنها أيضًا عنصر في قابلية سوريا الجديدة للاندماج في الإقليم والأسواق ومشاريع النقل والطاقة. وهذه زاوية أساسية لأن من يقرأ المسألة كلها من نافذة الأمن وحده سيفوته أن الصراع على الشمال الشرقي هو أيضًا صراع على من يمسك بمفاتيح التعافي السوري المقبل.
حادي عشر: هل ما يجري تسوية أم إعادة إخضاع؟
هذا السؤال لا يمكن الهروب منه إذا أردنا قراءة جادة للمشهد. فهناك مدرستان في تفسير ما يحدث. الأولى ترى أن ما يجري هو الطريق الواقعي الوحيد لإنهاء تشظي سوريا: سلطة جديدة في دمشق، تفاهمات لدمج شرق الفرات، تقليص للنفوذ الأجنبي المباشر، وفتح تدريجي للبلاد على الاقتصاد والدبلوماسية. ومن هذا المنظور تبدو تنازلات قسد مؤلمة لكنها جزء من عودة الدولة. أما المدرسة الثانية فترى أن هذه العملية، وإن حملت عنوان «الدمج»، تنطوي عمليًا على إعادة إخضاع طرف محلي أساسي تحت ضغط تركي–سوري–أميركي مشترك، من دون توفير ضمانات واضحة لحقوقه السياسية والإدارية والثقافية.
الحقيقة، في تقديري، تقع في منطقة بين المدرستين، لكنها أقرب إلى الثانية مما يُقال علنًا. نعم، لا يمكن بناء دولة سورية قابلة للحياة مع استمرار جيوش متوازية ومرجعيات سيادية متعددة إلى ما لا نهاية. لكن هذا لا يبرر النظر إلى دمج قسد كأنه عملية إدارية بلا كلفة سياسية. فالقضية الكردية في سوريا ليست ملف سلاح فقط، بل ملف تمثيل واعتراف وحكم محلي وعدالة انتقالية. وإذا لم تُترجم التفاهمات الجارية إلى عقد سياسي يضمن شيئًا من ذلك، فإن الدمج سيبقى، في نظر قطاع واسع من الأكراد، إعادة إخضاع بقشرة دستورية. [9][20][25]
ومن جهة أخرى، لا يمكن لقسد أن تتصرف كما لو أن الزمن توقف عند لحظة التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة. المنطقة تغيّرت، والدولة السورية تغيّرت، والغطاء الأميركي تقلص، والتقاطع التركي–السوري في ملف تفكيك الصيغة المسلحة صار أوضح. ومن ثم فإن أي محاولة للتمسك بالصيغة القديمة كاملة ستبدو أقرب إلى سياسة إنكار من كونها استراتيجية واقعية. ولهذا فإن مأزق الشمال الشرقي ليس بين «انتصار الدولة» و«خيانة الأكراد» كما يروّج بعض الخطاب الدعائي، بل بين ضرورة إعادة بناء الدولة واستحالة نجاحها إذا أعادت إنتاج المركز القسري ذاته.
والأدق، في تقديري، أن ما يجري هو «إعادة دمج غير متكافئة». ليست إعادة إخضاع صريحة تمامًا، لأن ثمة تفاوضًا وضمانات ورعاية دولية ومكاسب كردية جزئية باقية أو محتملة؛ وليست تسوية عادلة مكتملة، لأن توازن القوى الذي يحكمها يميل بوضوح إلى المركز وإلى القوى الإقليمية الداعمة له. هذا التوصيف المركّب أفضل من الثنائيات الحادة لأنه يلتقط حقيقة المرحلة: هناك تفاوض، نعم؛ لكن التفاوض يجري من موقع ضغط غير متكافئ. وهناك دولة تعود، نعم؛ لكن عودتها لم تُحسم بعد على أسس سياسية متوازنة.
ثاني عشر: السيناريوهات المرجحة خلال الاثني عشر شهرًا القادمة
السيناريو الأول، وهو الأرجح في المدى القريب، يتمثل في «الاندماج المتدرج تحت رقابة متقاطعة». في هذا السيناريو تتقدم عملية دمج مؤسسات قسد على مراحل، مع بقاء هوامش محلية في الإدارة والأمن المدني وبعض الخصوصيات الثقافية واللغوية، لكن من دون احتفاظ قسد ببنية عسكرية مستقلة. تدعم هذا السيناريو مجموعة من المؤشرات: الدعم الأممي لعملية الدمج السلمي، الانفتاح الأوروبي على دمشق، استمرار التراجع الأميركي العسكري مع بقاء نفوذ دبلوماسي، وحرص تركيا على تحقيق هدفها الأمني عبر المركز السوري بدل حرب مفتوحة جديدة. [9][18][20][25] غير أن هذا السيناريو يبقى هشًا إذا لم تُحسم مسألة السجون والمخيمات والموارد على نحو قابل للتطبيق.
السيناريو الثاني هو «الغموض التفاوضي الطويل». هنا لا ينهار وقف النار، ولا يكتمل الدمج. تبقى مناطق الشمال الشرقي معلقة بين رايتين وسلسلتين من السلطة: سلطة مركزية تتوسع قانونيًا وإداريًا، وبنية محلية كردية–عربية تحتفظ بأشكال مختلفة من النفوذ اليومي والرمزي. هذا السيناريو مريح نسبيًا لواشنطن لأنه يتيح لها التأثير من دون التزام كامل، ومريح جزئيًا لقسد لأنه يمنحها وقتًا ومساحة تنفس، لكنه أقل راحة لتركيا ودمشق لأنهما تريدان حسمًا أوضح في ملف السلاح والمرجعية. [15][18][26] ومع ذلك قد يكون هذا السيناريو هو الشكل العملي للمرحلة الانتقالية إذا تعذر الحسم من دون كلفة عالية.
أما السيناريو الثالث فهو «العودة إلى التصعيد». وقد ينجم عن ثلاثة تطورات مترابطة: تعثر الدمج بسبب الخلاف على السلاح والتسلسل القيادي؛ وقوع انهيار أمني في ملف تنظيم الدولة أو السجون؛ أو شعور تركيا بأن دمشق لا تتحرك بالسرعة الكافية نحو تفكيك قسد. هذا السيناريو أقل ترجيحًا من السابقين في الأجل القصير، لكنه ليس بعيدًا، لأن كل العوامل البنيوية التي صنعت الصراع ما تزال قائمة: انعدام الثقة، تضارب الرؤى حول اللامركزية، التنافس على الموارد، والتوظيف الإقليمي للملف الكردي. [7][9][12][26]
وإذا طُلب ترجيحٌ الآن، فالراجح هو مزيج من السيناريوين الأول والثاني: اندماج يتقدم على نحو غير متساوٍ، مع بقاء جيوب من الغموض المقصود في الإدارة والتمثيل المحلي وملفات الأمن الثقيل. أي إننا قد نرى مزيدًا من الدولة على الأرض، لكن ليس بالضرورة مزيدًا من الحسم السياسي في كل سؤال من الأسئلة المؤجلة.
ثالث عشر: ما الذي ينبغي أن يُفهم الآن بصورة أوضح؟
أول ما ينبغي فهمه أن منبج لم تعد مركز القصة، لكنها لا تزال مفتاحها التفسيري. فمنبج كانت اللحظة التي انكشف فيها أن واشنطن مستعدة لإدارة انسحاب حليفها لا منع خسارته، وأن تركيا تستطيع استخدام الفصائل المحلية لتغيير الخريطة بسرعة حين تسمح البيئة السياسية بذلك، وأن قسد ليست في موقع يمكنها من الدفاع عن كل امتداداتها غرب الفرات. بهذا المعنى، كانت منبج ليست مجرد مدينة سقطت؛ كانت لحظة انكسار في صورة «المنطقة المستقرة نسبيًا» التي تشكلت خلال سنوات الحرب على تنظيم الدولة.
وثاني ما ينبغي فهمه أن الملف الكردي السوري لم يعد منفصلًا عن إعادة تأسيس الدولة السورية نفسها. فحتى لو رغبت بعض الأطراف الدولية في إبقائه ملفًا أمنيًا تقنيًا، فإن التحولات منذ 2025 جعلت ذلك مستحيلًا. دمج المعابر وحقول النفط والأجهزة العسكرية والإدارات المحلية يعني أن الشمال الشرقي صار قلبًا من قلوب النقاش على الدستور والسلطة والهوية والموارد، لا ملحقًا حدوديًا.
وثالث ما ينبغي فهمه أن تركيا لا تطالب، في جوهر موقفها الحالي، فقط بتراجع الخطر العسكري، بل بانتهاء الصيغة التي تسمح لهذا الخطر أن يتجدد سياسيًا. ولذلك فهي تتعامل مع الدمج في الدولة السورية بوصفه فرصة استراتيجية، لا مجرد تفاهم أمني. ومن لا يفهم هذه النقطة سيظل يظن أن منطقة منزوعة السلاح أو آلية رقابة مشتركة يمكن أن تكون كافية وحدها لإرضاء أنقرة، وهذا غير صحيح.
ورابع ما ينبغي فهمه أن قسد، على الرغم من ضعفها النسبي، ليست طرفًا فائضًا عن الحاجة. فكل من يريد دمج الشمال الشرقي في الدولة يحتاج، بدرجات متفاوتة، إلى جزء من خبراتها ومؤسساتها وشبكاتها. والرهان على محوها التام رهان غير واقعي، مثلما أن الرهان على بقاء صيغتها القديمة كاملًا لم يعد واقعيًا هو الآخر. هذه المنطقة الوسطى غير المريحة هي بالتحديد ما يجعل الملف كله مفتوحًا وصعبًا.
وخامس ما ينبغي فهمه أن نجاح دمشق في استعادة المركز لن يُقاس بعدد النقاط التي رفعت فوقها علم الدولة، بل بقدرتها على جعل هذه العودة مقبولة اجتماعيًا وسياسيًا، لا ممكنة عسكريًا فقط. فالدول لا تستقر بالاستعادة القسرية وحدها، بل بما تنتجه من معنى مشترك للانتماء ولتوزيع السلطة والثروة.
النتائج والخلاصة التحليلية
تُفضي هذه الدراسة إلى جملة من النتائج المترابطة.
النتيجة الأولى أن وقف إطلاق النار في منبج لم يكن محطة ختامية في صراع محلي، بل لحظة افتتاحية في عملية أكبر لإعادة توزيع القوة في شمال سوريا بعد سقوط الأسد. لذلك فإن تقييمه بوصفه نجاحًا أو فشلًا بذاته يضلل أكثر مما يوضح؛ لأنه يحجب وظيفته الفعلية كأداة انتقال من القتال على المواقع إلى التفاوض على المجال السياسي والسيادي. [1][2][3]
والنتيجة الثانية أن الولايات المتحدة لم تعد تدير في شمال سوريا سياسة شراكة صلبة مع قسد، بل سياسة هبوط تفاوضي لهذا الشريك داخل الدولة السورية الجديدة. التوسط في منبج، ورعاية صيغ الدمج، والتخفيض التدريجي للوجود العسكري، كلها مؤشرات على أن واشنطن أعادت تعريف هدفها: لم يعد تثبيت كيان شبه مستقل شرق الفرات، بل منع الفراغ والانهيار، وضمان ألّا تتحول عملية الدمج إلى فوضى تنعش تنظيم الدولة أو تدفع تركيا إلى حرب أوسع. [2][5][15][18]
والنتيجة الثالثة أن تركيا تقترب اليوم من تحقيق جانب مهم من أهدافها الاستراتيجية من خلال مسار الدمج عبر دمشق، لا من خلال الاجتياح المفتوح وحده. فهي تحصل، نسبيًا، على ما كانت تطالب به منذ سنوات: تقليص البنية الكردية المسلحة، وربط الشمال الشرقي بسلطة مركزية سورية، وتخفيف أثر الملف السوري على مسارها الداخلي مع حزب العمال الكردستاني. لكن هذا النجاح يبقى نسبيًا؛ لأن أنقرة لم تحصل بعد على ضمانة نهائية بأن الصيغة الكردية القديمة انتهت سياسيًا وأمنيًا، لا شكليًا فقط. [10][11]
والنتيجة الرابعة أن قسد انتقلت من فائض الشرعية القتالية إلى مأزق الشرعية السياسية. لم تعد إنجازاتها ضد تنظيم الدولة وحدها كافية لتثبيت وضعها السابق، لكنها ما تزال تحتفظ بوظائف لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، من إدارة ملفات المحتجزين والمخيمات إلى شبكات الحكم المحلي والاتصال بالمجتمعات المحلية وبالعواصم الغربية. وهذا يعني أن تقليصها لا يساوي إلغاءها، وأن الدمج الناجح لا بد أن يمر عبر استيعاب جزء منها لا عبر محوه الكامل. [9][12][25][26]
والنتيجة الخامسة أن دمشق الجديدة ربحت زخمًا سياسيًا وعسكريًا واضحًا في ملف الشمال الشرقي، لكن ربحها هذا قد ينقلب عبئًا إذا فُهم بوصفه تفويضًا لإعادة بناء الدولة بالمنطق المركزي القسري نفسه. فالاعتراف الخارجي المتزايد والانفتاح الأوروبي والمؤشرات الاقتصادية الأولية أفضل من السابق، لكنها لا تلغي أن استقرار سوريا يتوقف على إنتاج عقد سياسي أكثر شمولًا. فإذا استُخدم الدمج فقط لتوسيع السيطرة من دون معالجة المسألة الكردية وسؤال اللامركزية والتمثيل والموارد، فإن سوريا قد تتوحد إداريًا على الورق بينما تُبقي بذور نزاع جديد داخلها. [20][21][22][24]
والنتيجة السادسة أن روسيا، رغم تراجع دورها المباشر في الشمال الشرقي، لم تغادر المعادلة السورية. لقد أعادت تركيز ثقلها في الساحل وفي الملف السيادي الأشمل، ما يجعلها لاعبًا احتياطيًا مهمًا كلما تعثرت التفاهمات بين دمشق وأنقرة وواشنطن. ومن ثم فإن تراجعها الميداني في القامشلي لا يجب أن يُقرأ على أنه انعدام تأثير، بل على أنه تبدل في موقع التأثير وأدواته. [13]
أما النتيجة السابعة، وهي الأعمق سياسيًا، فتتمثل في أن الشمال السوري لم يعد ساحة تُدار فيها أزمة حدودية، بل ساحة يُعاد عبرها تعريف مركز الدولة السورية نفسها. وهذا هو السبب في أن كل الأطراف تتعامل معه بحساسية أعلى من مجرد الحساسيات الأمنية التقليدية: فالمعركة الجارية ليست على منبج ولا كوباني وحدهما، بل على من يملك حق القول إنه يمثل سوريا المقبلة، وعلى أي صيغة من الوحدة ستقوم هذه الدولة إذا قامت.
خاتمة
حين يُقرأ شمال سوريا من بعيد، يبدو كأنه فسيفساء من الجيوب المسلحة والتفاهمات المؤقتة والتدخلات المتقاطعة. لكن من يقترب أكثر يرى شيئًا أدق: المنطقة كلها دخلت، منذ سقوط الأسد، في مفاوضة شاقة على معنى الدولة السورية نفسها. ومنبج كانت البداية المرئية لهذا التحول، لا لأن المدينة هي الأهم جغرافيًا بالضرورة، بل لأنها كانت المكان الذي ظهر فيه لأول مرة، بوضوح لا لبس فيه، أن القوى الكبرى لم تعد تتصارع فقط على وقف النار، بل على الشكل الذي سيليه.
لهذا لا يجوز أن نخدع أنفسنا بلغة التهدئة وحدها. صحيح أن الوقفات المتكررة للنار، واتفاقات الدمج، وانتشار القوات الحكومية، والانفتاح الأوروبي، كلها مؤشرات إلى أن سوريا تتحرك، أخيرًا، نحو شكل من إعادة التماسك. لكن التماسك شيء، والتسوية العادلة شيء آخر. وما يزال من المبكر القول إن الشمال الشرقي دخل حقًا في تسوية. الأدق أنه دخل في إعادة ترتيب قسرية–تفاوضية، تشارك في صنعها دمشق وتركيا وواشنطن وقسد، فيما تراقبها موسكو من موقع أقل تقدمًا وأقل غيابًا في آن.
المشكلة ليست في أن الدولة السورية تريد استعادة سيادتها؛ هذه رغبة مفهومة بل وضرورية. المشكلة في الطريقة التي تُعرَّف بها هذه السيادة: هل هي سيادة تستوعب التنوع وتُحوّل قوى الأمر الواقع إلى جزء من عقد وطني جديد؟ أم هي سيادة تعني ببساطة أن يعود المركز ويأمر، وأن يتراجع الأطراف ويطيعوا، ولو تحت رايات جديدة؟ بين هذين المعنيين تقع كل هشاشة المرحلة المقبلة.
ولعل هذه هي الخلاصة الأهم: ما يجري في شمال سوريا ليس نهاية المسألة الكردية، ولا عودة بسيطة للدولة، ولا انتصارًا كاملًا لتركيا، ولا انسحابًا أميركيًا نهائيًا، ولا هزيمة روسية قاطعة. إنه، بالأحرى، طور انتقالي مضطرب تتكسر فيه الصيغ القديمة من دون أن تستقر الصيغة الجديدة بعد. وفي مثل هذه الأطوار لا تكون المعارك الحاسمة دائمًا تلك التي تُخاض بالسلاح وحده، بل تلك التي تُخاض على تعريف الشرعية، وعلى من يملك حق القول إن الدولة عادت، وماذا تعني عودتها أصلًا.
ولهذا، فإن قيمة هذه الورقة لا تكمن في أنها تقدم وصفة سريعة أو تفاؤلًا مجانيًا، بل في أنها تعيد وضع المسألة في موضعها الصحيح: شمال سوريا ليس ملفًا هامشيًا في سوريا الجديدة، بل أحد الأسماء الأخرى للسؤال السوري كله. ومن لا يقرأه بهذا العمق سيبقى أسير تفاصيل ميدانية متحركة، فيما القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر: في كيفية ربط هذه التفاصيل، وفي الجرأة على تسمية ما يجري كما هو، لا كما تتمنى الأطراف أن يبدو.
المراجع
[1] Reuters, “Rebels take Syrian city from U.S.-backed group after U.S.-brokered withdrawal deal”, 9 December 2024.
[2] Reuters, “Syrian Democratic Forces, rebels reach U.S.-brokered ceasefire agreement in Manbij”, 10 December 2024.
[3] Reuters, “Ceasefire between Turkey and U.S.-backed rebels extended; SDF proposes demilitarized zone in Kobani”, 17 December 2024.
[4] Reuters, “New conflict in northeast Syria could bring dramatic consequences, U.N. envoy says”, 23 December 2024.
[5] Reuters, “Syria’s interim president signs deal with Kurdish-led SDF to merge forces”, 10 March 2025.
[6] Reuters, “Turkey says Kurdish-led SDF does not appear to advance integration with Damascus”, 22 December 2025.
[7] Reuters, “Turkey says Syrian government could use force against Kurdish-led SDF”, 15 January 2026.
[8] Reuters, “Syria government, Kurdish forces agree sweeping integration to end clashes”, 18 January 2026.
[9] United Nations Department of Political and Peacebuilding Affairs, Briefing to the Security Council on Syria by Assistant Secretary-General Khaled Khiari, 22 January 2026.
[10] Reuters, “Syria deal could remove main obstacle to Turkey-PKK peace, Turkish officials say”, 19 January 2026.
[11] Reuters, “Erdogan says Kurdish forces in Syria must lay down arms and disband now”, 21 January 2026.
[12] Reuters, “Syrian government takes over prison in northern Syria after negotiated Kurdish exit”, 23 January 2026.
[13] Reuters, “Russia withdrawing troops from airport in northeast Syria, sources say”, 26 January 2026.
[14] United Nations, Statement attributable to the Spokesperson for the Secretary-General on Syria, 30 January 2026.
[15] Reuters, “Risk of missteps hangs over U.S.-backed ceasefire deal in northeast Syria”, 13 February 2026; and Reuters, “Syrian government, Kurdish forces agree ceasefire and phased integration deal”, 30 January 2026.
[16] Reuters, “Syrian government forces deploy towards Kurdish-run city after ceasefire deal”, 2 February 2026.
[17] Reuters, “In milestone, U.S. pulls out of strategic Syria base and hands it over to Damascus”, 12 February 2026.
[18] Reuters, “U.S. military begins withdrawing from main base in northeast Syria”, 23 February 2026; and Reuters, “Some U.S. troops departing Syria, official says”, 18 February 2026.
[19] Reuters, “Syria appoints Kurdish YPG commander Sipan Hamo deputy defence minister”, 10 March 2026.
[20] Reuters, “EU to restore Syria relations, strengthen trade and security ties, document shows”, 17 April 2026.
[21] World Bank, New World Bank Report Highlights Syria’s Economic Challenges and Recovery Prospects for 2025, 7 July 2025.
[22] World Bank, Project Information Document, 19 March 2026; and Syria Macro Poverty Outlook, January/March 2026 updates.
[23] IMF, “Syria—IMF Staff Concludes Staff Visit to Damascus”, 10 June 2025.
[24] IMF, “IMF Staff Concludes Staff Visit to Syria”, 25 February 2026.
[25] CSIS, “How Syria Can Succeed in Integrating the Kurds”, 22 January 2026.
[26] International Crisis Group, “Preventing Further Escalation in Syria’s North East”, 20 January 2026; and “An Opportunity for Calm in North-eastern Syria”, 30 January 2026.



