-
ما بعد هدنة ٩–١١ أيار: موسكو تختبر وقف النار وكييف تنقل المعركة إلى لاهاي
-
تقدير مسارات التصعيد الروسي–الأوكراني بعد الهدنة القصيرة، وحدود تحويل المساءلة الدولية إلى أداة تفاوضية
-
إقفال البيانات | ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦
- تقدّر هذه الورقة ما كشفته هدنة ٩–١١ أيار/مايو ٢٠٢٦ بين روسيا وأوكرانيا: لم تكن الهدنة مدخلًا إلى وقف مستقر للنار، بل اختبارًا قصيرًا لميزان الضغط السياسي والعسكري. ومع استئناف الضربات الواسعة بعد انتهائها، يحاول زيلينسكي نقل مركز الثقل من سؤال التهدئة إلى سؤال الضمانات والمساءلة، فيما تسعى موسكو إلى منع أي وقف نار من التحول إلى قيد سياسي أو قانوني على حركتها.
-
أولًا: الملخص التنفيذي
تتناول الورقة دلالة الهدنة القصيرة التي امتدت من ٩ إلى ١١ أيار/مايو ٢٠٢٦، وما أعقبها من عودة سريعة إلى الضربات الجوية والصاروخية الروسية، في سياق محاولة أمريكية للضغط نحو تهدئة محدودة.
الحقيقة المركزية أن الهدنة انتهت زمنيًا؛ وما جاء بعدها استئناف للتصعيد لا خرق مستمر لهدنة قائمة. هذا التمييز اللغوي ليس تفصيلًا شكليًا، بل يحدد طبيعة المساءلة القانونية والسياسية المترتبة.
تشير المعطيات إلى أن موسكو تعاملت مع الهدنة بوصفها توقفًا عملياتيًا محدودًا لا تعهدًا سياسيًا ممتدًا، بينما حاولت كييف تحويل ما بعدها إلى دليل على عدم موثوقية روسيا في أي تفاوض غير مضمون.
يستثمر زيلينسكي خطاب لاهاي والمحكمة الخاصة بجريمة العدوان لتثبيت المساءلة بوصفها جزءًا من بنية أي تسوية، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد الحرب. ويمنحه هذا التوجه قوة سياسية أمام المفاوضين، لكنه يضيّق هامش المرونة أمام الوسطاء.
تواجه أوروبا اختبارًا مزدوجًا: دعم الدفاع الجوي الأوكراني ومنع انهيار الردع المدني، وفي الوقت نفسه تحويل مشروع المحكمة الخاصة من تأسيس تمهيدي إلى أداة مؤسسية فاعلة.
السيناريو المرجح خلال الأسابيع الستة المقبلة هو استمرار التصعيد المحسوب مع إبقاء قنوات تبادل الأسرى والوساطات الجزئية مفتوحة، من دون انتقال سريع إلى وقف نار شامل أو مراقَب. وتُقدّر الورقة احتمالية هذا المسار بنحو ٦٠٪ بوصفها تقديرًا اتجاهيًا لا حكمًا إحصائيًا قطعيًا.
توصي الورقة بصوغ مقاربة أوروبية متدرجة: دعم دفاعي عاجل خلال أسابيع، وآلية تحقق مشروطة لأي هدنة لاحقة، وربط المسار التفاوضي بسلة ضمانات أمنية قابلة للتثبيت، وتفعيل المحكمة الخاصة ضمن الإطار السياسي لا خارجه.
-
ثانيًا: الإشكالية وسؤال التقدير
لا تنبع إشكالية الموقف من انتهاء هدنة قصيرة فحسب، بل من عجزها عن إنتاج أثر سياسي ممتد. فالهدنة التي جرى الحديث عنها بين ٩ و١١ أيار/مايو ٢٠٢٦ لم تكن وقفًا دائمًا لإطلاق النار، ولم تتضمن — في ما هو متاح علنًا — بنية مراقبة كافية أو ضمانات تنفيذ تمنع العودة السريعة إلى التصعيد.
لذلك يتحول السؤال التقديري من تساؤل بسيط عن الانتهاكات إلى سؤال بنيوي عن قابلية الهدنة للتحول: كيف تحولت هدنة ٩–١١ أيار/مايو ٢٠٢٦ من فرصة تهدئة محدودة إلى اختبار لشرعية التفاوض، ولقدرة كييف وأوروبا على ربط وقف النار بالضمانات والمساءلة؟
تقوم الحجة المركزية على أن الهدنة كشفت فجوة بين منطقين: منطق روسي يميل إلى استخدام التوقف المؤقت بوصفه أداة لإدارة الكلفة الدبلوماسية من دون تغيير شروط الحرب، ومنطق أوكراني–أوروبي يسعى إلى تحويل أي تهدئة مقبلة إلى مسار مقيد بضمانات عسكرية وقانونية. وبين المنطقين تتحرك واشنطن بوصفها ضاغطًا سياسيًا حذرًا، لا بوصفها ضامنًا مكتملًا.
تُعبّر هذه الفجوة عن معضلة كلاسيكية في نظرية التفاوض: كلما قلّت ضمانات الامتثال، ارتفعت كلفة الثقة بين الأطراف؛ وكلما ارتفعت كلفة الثقة، ضاق هامش الاتفاق الممكن. ومن هنا يصبح تصميم آلية التحقق، لا مجرد الإعلان عن الهدنة، اختبار الجدية الحقيقي.
-
ثالثًا: السياق والتحليل
١. خلفية: هدنة محدودة لا وقف نار مراقَب
بحسب تقدير مركز الدراسات الشرقية في وارسو، وافقت روسيا وأوكرانيا، بفعل ضغط ووساطة أمريكيين، على وقف إطلاق نار بين ٩ و١١ أيار/مايو ٢٠٢٦ بمناسبة ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية. ولم يؤدِّ الاتفاق إلى توقف كامل للأعمال القتالية على خط الجبهة؛ إذ تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاكه، غير أن كثافة الاشتباكات والقصف تراجعت خلال النافذة الزمنية نفسها [١].
هذه الواقعة تضبط اللغة التحليلية. فبعد ١١ أيار/مايو لا تكون الصياغة الأدق أن روسيا «خرقت هدنة قائمة»، بل أن الحرب عادت سريعًا إلى مسار التصعيد عقب هدنة قصيرة لم تتحول إلى ترتيب مستقر. أما الحديث عن خروقات داخل مدة الهدنة فيستوجب تحقيقًا مستقلًا غير متاح حتى تاريخ إقفال هذه الورقة.
ما يمكن تثبيته، وهو ما يبني عليه هذا التقدير، أن الهدنة افتقرت إلى ثلاثة مكونات تحولها إلى ترتيب مراقَب: تعريف إجرائي متفق عليه للخرق، وآلية إبلاغ محايدة، وكلفة محددة مسبقًا على الانتهاك. وغياب هذه المكونات يجعل أي هدنة مستقبلية قابلة لتكرار الفشل ذاته ما لم تُعالَج بنيويًا.
٢. الوضع الراهن: تصعيد بعد الهدنة وتفاوض جزئي متزامن
سجّلت أوكرانيا بعد انتهاء الهدنة موجات واسعة من الضربات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ونقلت تقارير صحفية غربية أن الهجمات شملت كييف وبنى تحتية ومناطق سكنية، وأن حجم المسيّرات والصواريخ المستخدمة عكس محاولة روسية لإرهاق الدفاعات الجوية الأوكرانية، وإظهار أن أي حديث عن قرب السلام لا يقيد سلوك موسكو العسكري [٢].
في المقابل، أظهرت عملية تبادل الأسرى في ١٥ أيار/مايو أن القنوات الجزئية لم تنقطع بالكامل. فقد أفادت رويترز بأن روسيا وأوكرانيا تبادلتا ٢٠٥ أسرى من كل جانب ضمن اتفاق أوسع ارتبط بالهدنة القصيرة ومسار تبادل أكبر [٣].
المؤشر الأهم ليس وقوع هدنة قصيرة، بل غياب آلية تجعلها قابلة للتحول إلى وقف نار مراقَب. هذا هو الاختبار الحقيقي لقدرة الوساطة الدولية.
يحمل هذا التزامن — تصعيد بالصواريخ مع استمرار تبادل الأسرى — دلالة استراتيجية: الحرب لا تتحرك في خط واحد. يمكن أن يتصاعد القصف في الوقت نفسه الذي تستمر فيه صفقات إنسانية محدودة، لأن الطرفين يحتاجان إلى إدارة كلفة الحرب من دون تقديم تنازل سياسي كبير. وهذا النمط، الذي يمكن وصفه بـ«التفاوض تحت النار»، يتسم بمرونة إجرائية محدودة رغم استمرار الاشتباك العسكري.
تُظهر تصريحات زيلينسكي عن وقف متبادل للضربات بعيدة المدى أن كييف لا ترفض مبدأ التهدئة، لكنها تريد نقل النقاش من إعلان سياسي سريع إلى شروط امتثال قابلة للرصد. لذلك يصبح عرض التهدئة، في القراءة الأوكرانية، اختبارًا لجدية موسكو أكثر مما هو تنازل مستقل [٦].
٣. الفاعلون: المصالح والأدوات والقيود
يتطلب فهم ديناميكية ما بعد الهدنة تحليل الفاعلين الأربعة تحليلًا يفرّق بين المصلحة المعلنة والمصلحة العملية، وبين الأداة المصرّح بها والقيد الفعلي. لذلك تُعرض خريطة الفاعلين هنا بصيغة سردية بدل الجداول، حتى تبقى النسخة صالحة للنشر الإلكتروني ومقروءة في ووردبريس.
-
أوكرانيا
تتحرك أوكرانيا ضمن معادلة مزدوجة. عسكريًا، تحتاج إلى حماية العمق المدني والبنية التحتية عبر دفاعات جوية أكثر كثافة، والاحتفاظ بقدرة ردع عبر المسيّرات والضربات البعيدة. سياسيًا، تسعى إلى منع أي تسوية سريعة تُقدَّم بوصفها وقفًا للحرب لكنها تُبقي روسيا قادرة على إعادة التصعيد من دون كلفة قانونية أو أمنية. لذلك تستخدم كييف خطاب لاهاي ومطلب الضمانات الأمنية لتحويل أي هدنة إلى قيد قانوني وسياسي على موسكو. قيدها الأساسي هو الكلفة البشرية والاقتصادية لاستمرار الحرب.
-
روسيا
تتحرك موسكو بمنطق معاكس. فهي تسعى إلى إبقاء الحرب قابلة للإدارة، واستثمار الهدن القصيرة في تقليل الكلفة الدبلوماسية من دون قبول قيد دائم. وتستخدم الضربات الواسعة بعد الهدنة لإنتاج ثلاثة آثار: استنزاف الدفاع الجوي الأوكراني، والضغط على المجتمع الأوكراني، وإبلاغ الوسطاء بأن أي وقف نار لا يحسم شروط التسوية السياسية لن يلزم موسكو. القيد الروسي الحقيقي هو الكلفة المتراكمة: اقتصادية وبشرية وتكنولوجية ودبلوماسية.
-
الولايات المتحدة
تظهر الولايات المتحدة بوصفها مصدر ضغط على الطرفين باتجاه ترتيبات قصيرة، لكنها لا تقدم — وفق المتاح — آلية ضمان كافية تجعل وقف النار قابلًا للرقابة والدوام. الدور الأمريكي مؤثر في فتح النافذة، لكنه غير كافٍ وحده لتثبيتها. وتحدّ الحسابات الداخلية الأمريكية، بما في ذلك الاستقطاب الحزبي وحجم الدعم المقبول، من قدرة واشنطن على تقديم ضمانات أمنية مكلفة في الأفق القريب.
-
أوروبا
تواجه أوروبا تحديًا مركبًا. فهي ليست وسيطًا عسكريًا مباشرًا، لكنها طرف رئيسي في تمويل الصمود الأوكراني، وبناء الإطار القانوني للمساءلة، وتقديم الدفاعات الجوية. ويزيد الأمر تعقيدًا وجود تباين داخل الاتحاد الأوروبي بين الدول الأمامية، كبولندا والدول البلطيقية، المتشددة في دعم أوكرانيا، وبعض الدول الغربية والجنوبية الأكثر تحفظًا إزاء مخاطر التصعيد. هذا التباين يقيّد القرار الأوروبي الموحد، ويمنح موسكو هامش استغلال.
٤. الإطار القانوني: لاهاي بين المساءلة والتفاوض
تكتسب الإشارة إلى لاهاي وزنًا سياسيًا وقانونيًا لأنها تنقل النقاش من سؤال وقف النار إلى سؤال مسؤولية استخدام القوة أصلًا. فالمحكمة الخاصة بجريمة العدوان ضد أوكرانيا تُنشأ ضمن إطار مجلس أوروبا، وتهدف إلى مساءلة كبار القادة السياسيين والعسكريين عن قرار استخدام القوة ضد دولة أخرى بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة [٤].
وقّع الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦ اتفاقًا لتمويل فريق تمهيدي لإنشاء المحكمة الخاصة [٥]. ويعني ذلك أن المحكمة لا تزال في طور التأسيس. غير أن الانتقال من الإعلان السياسي إلى أداة قانونية فاعلة قد يستغرق زمنًا مؤسسيًا غير قصير، بالنظر إلى متطلبات الاختصاص، والتمويل، وجمع الأدلة، وتحديد آليات التعاون. وهذا يمنح موسكو حجة بأن المسار القانوني رمزي في مرحلته الراهنة، ويمنح كييف في المقابل حجة بأن المسار المفتوح لا يمكن غلقه بأي تسوية.
ثمة تمييز جوهري ينبغي ضبطه بين مسارين قانونيين مختلفين غالبًا ما يُخلط بينهما في الخطاب السياسي: المحكمة الجنائية الدولية، التي تنظر في الجرائم الفردية — جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية — وقد أصدرت أمر اعتقال بحق بوتين؛ والمحكمة الخاصة المنشأة لجريمة العدوان بوصفها جريمة قائمة بذاتها، وهي الجريمة الأصعب سياسيًا وقانونيًا لارتباطها بقرار استخدام القوة على مستوى القيادة. هذا التمييز مهم لأن لكل مسار شروطه وإجراءاته وعقباته.
من الناحية العملية، لا تستخدم كييف العدالة الدولية بوصفها مسارًا قضائيًا منفصلًا عن السياسة، بل تحاول تحويلها إلى قيد على أي تسوية قد تفصل وقف النار عن المساءلة. وهذا يضع الوسطاء أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تشجيع وقف القتال من دون أن يبدو ذلك مكافأة للطرف الذي استخدم القوة، أو تجاوزًا لمسار المحاسبة؟
المحكمة الخاصة ليست عائقًا أمام التفاوض إذا دُمجت في إطار التسوية، لكنها تصبح عائقًا إذا وُضعت خارجه وبدت تهديدًا مستقلًا لأي طرف قد ينخرط في التفاوض.
٥. الدرس التاريخي: أخطاء مينسك ومتطلبات الهدنة المراقَبة
لا يمكن تقدير آفاق الهدنة الحالية بمعزل عن تجربة اتفاقيتَي مينسك الأولى عام ٢٠١٤ والثانية عام ٢٠١٥. فقد مثّلت الاتفاقيتان نموذجًا على هدنة مُعلنة يصعب تحويلها إلى امتثال دائم عندما تغيب آليات الإنفاذ الكافية. وأيد قرار مجلس الأمن ٢٢٠٢ لعام ٢٠١٥ «حزمة تدابير تنفيذ اتفاقات مينسك»، بما في ذلك وقف إطلاق نار شامل في مناطق من دونيتسك ولوغانسك وسحب الأسلحة الثقيلة [٧].
أفضت مينسك الثانية إلى وقف جزئي لإطلاق النار في دونباس، لكنها بقيت معلقة على قدرة بعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على الرصد والإبلاغ، لا على سلطة إنفاذ مباشرة. وقد كانت البعثة تراقب تنفيذ حزمة التدابير، لكن عملها تعرّض لقيود ترتبط بالأمن وإتاحة الوصول الميداني، ما جعل توثيق الانتهاكات ممكنًا أكثر من منعها [٨].
الدرس الأهم ليس أن الهدن تفشل بسبب سوء النية فحسب، بل أن غياب بنية الامتثال يجعل سوء النية غير مكلف. أي هدنة لاحقة في الحرب الروسية–الأوكرانية تحتاج إلى تعريف إجرائي واضح للخرق، وآلية إبلاغ محايدة وسريعة، وكلفة دبلوماسية أو مالية محددة مسبقًا على الانتهاك. بلا هذه المكونات الثلاثة تتكرر أخطاء مينسك.
تضيف هدنة أيار/مايو ٢٠٢٦ درسًا رابعًا: الدور التقني للمسيّرات والضربات البعيدة يعقّد التحقق. فحين كانت منظومات القتال في ٢٠١٤–٢٠١٥ أقرب إلى المدفعية والصواريخ قصيرة المدى، كان التحقق العسكري الميداني أوضح نسبيًا. أما اليوم، مع الطائرات المسيّرة كثيرة الإطلاق والصواريخ بعيدة المدى، فإن التمييز بين الهجوم الاستراتيجي والعملية التكتيكية الصغيرة يستدعي أدوات تقنية للمراقبة أكثر تطورًا، وهي مسألة تؤكدها أدبيات حديثة في مراقبة وقف إطلاق النار واستخدام التكنولوجيا [٩].
-
رابعًا: المخاطر والفرص
-
أ. المخاطر الرئيسية
يمثل تثبيت «الهدن بلا ضمانات» نمطًا أخطر من مجرد فشل هدنة واحدة. فإذا رُسّخت عادة إعلان هدن قصيرة تحت الضغط الأمريكي ثم تركها تنهار، تتحول الهدن إلى أداة لإدارة الانطباع الدولي لا إلى خطوة نحو سلام، وتتآكل مصداقية أي جهة تعلن هدنة لاحقة.
ينطوي الاستنزاف التراكمي للدفاع الجوي الأوكراني على خطر مركب: كلما أُرهقت المنظومة الدفاعية بضربات متكررة، ارتفعت كلفة الصمود الأوكراني وتعمق اعتماد كييف على الغرب في الإمداد والصيانة. هذا الاعتماد سلاح ذو حدين؛ فهو يُبقي الغرب طرفًا فاعلًا، لكنه يمنح موسكو مصلحة في تأخير قرارات الإمداد الغربي عبر الضغط الدبلوماسي.
يشكّل تآكل ثقة الوساطة خطرًا طويل الأمد. فإذا ارتبطت كل هدنة بتصعيد لاحق أوسع، ستفقد مبادرات الوساطة — الأمريكية والأوروبية والتركية وغيرها — قدرتها على الإقناع، وستصبح دول مقبلة أكثر ترددًا في إقراض مصداقيتها لمفاوضات تبدو سلفًا هشّة.
أما خطر فصل العدالة عن التسوية فيمس شرعية أي سلام مقبل. فأي مسار سياسي يتجاهل المحكمة الخاصة أو يهمشها سيخلق شرخًا بين الرأي العام الأوروبي ومؤسساته من جهة والتسوية السياسية من جهة أخرى، وسيجعل السلام الناتج هشًا في شرعيته حتى إن تحقق.
-
ب. الفرص
تمنح الهدنة الفاشلة درسًا تفاوضيًا قابلًا للاستثمار. يمكن توظيف أوجه القصور المحددة — غياب آلية التحقق، وغموض تعريف الخرق، وضعف الكلفة المترتبة — لتصميم شروط أدق لأي هدنة لاحقة. الفشل الموثق أفضل من الفشل المعمّم.
يمنح التصعيد بعد الهدنة العواصم الأوروبية حجة سياسية لتسريع الدعم الدفاعي لا تأجيله. فما كان يواجه مقاومة داخلية بحجة «تصعيد الموقف» يمكن اليوم تبريره بحجة «منع الانهيار الدفاعي» في ضوء السلوك الروسي الموثق.
يمكن للمحكمة الخاصة — إذا أُحكم تصميمها السياسي — أن تمنع التسوية المختلة لا أن تعطل التفاوض. فالمساءلة المضمونة قانونًا تزيل حافزًا رئيسيًا لاستخدام القوة مستقبلًا، وهذا ما يجعل من إنشاء المحكمة قبل التسوية، لا بعدها، ميزة تفاوضية لكييف.
يتيح استمرار تبادل الأسرى اختبار قنوات اتصال محدودة بتكلفة سياسية منخفضة، ويمكن توسيعها تدريجيًا دون رفع سقف التوقعات العامة. هذه القنوات التقنية أو الإنسانية هي غالبًا ما يبقى ممكنًا حين تنهار القنوات السياسية.
-
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
تُبنى السيناريوهات على مؤشرات قابلة للرصد حتى تاريخ إقفال البيانات في ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦، وتستبق ثلاثة مسارات محتملة على أفق ستة إلى اثني عشر أسبوعًا. النسب الواردة هنا تقديرات اتجاهية لا أحكام إحصائية مغلقة، لأن الملف متحرك وقابل لإعادة الترتيب خلال ساعات بفعل حادثة عسكرية كبرى أو قرار سياسي مفاجئ.
السيناريو الأول: تصعيد محسوب مع قنوات إنسانية مفتوحة — الاحتمالية التقديرية: ٦٠٪
تستمر روسيا في ضربات دورية واسعة لتأكيد حرية الحركة العسكرية وإرهاق الدفاع الجوي الأوكراني. وترد أوكرانيا بضربات مسيّرة انتقائية ضد البنية العسكرية واللوجستية الروسية. في الوقت نفسه، تبقى قنوات تبادل الأسرى والوساطات الجزئية قائمة، وتُستخدم لإدارة كلفة الحرب من الجانبين. وتحافظ واشنطن وأوروبا على ضغط دبلوماسي دون تقديم آلية تحقق مقبولة من الطرفين. مؤشرات تحقق هذا المسار هي: استمرار الهجمات الجوية الواسعة، وتبادل الاتهامات من دون تحقق مستقل، وتكرار صفقات إنسانية محدودة، وغياب إعلان عن آلية مراقبة دولية.
السيناريو الثاني: هدنة جديدة بشروط تحقق أقوى — الاحتمالية التقديرية: ٣٠٪
تضغط واشنطن والعواصم الأوروبية باتجاه صيغة هدنة أكثر صرامة: نطاق محدد، وآلية مراقبة تقنية أو سياسية، وكلفة دبلوماسية واضحة على الخرق. قد تقبل موسكو الصيغة بحسابات تكتيكية، مثل تخفيف الضغط الاقتصادي أو استيعاب الدعم الغربي، مع إبقاء نيتها في اختبار حدودها لاحقًا. وقد تقبل كييف بشروط أقل من المثالية تحت ضغط غربي، مع إبقاء مسار لاهاي والضمانات الأمنية على جدول النقاش. مؤشرات تحقق هذا المسار هي: مباحثات غير مباشرة بوساطة تركية أو خليجية، وهدوء نسبي في الضربات لأسبوعين فأكثر، وتصريحات أمريكية–أوروبية متناسقة عن شروط الهدنة، واجتماع فني حول آليات المراقبة.
السيناريو الثالث: انهيار نافذة التهدئة وتوسيع الضربات — الاحتمالية التقديرية: ١٠٪
ترتفع كلفة الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية بما يستدعي ردًا أوروبيًا أكثر صرامة. وتؤدي عمليات الرد الأوكرانية العميقة داخل الأراضي الروسية إلى تصعيد روسي أوسع نطاقًا. وقد تتعطل قنوات التبادل الإنسانية وتنهار لغة الوساطة المحدودة لمصلحة لغة الردع والعقوبات. في هذا المسار يتعزز خطاب لاهاي والمساءلة، لكن فرص وقف النار القريب تتراجع حادًا. مؤشرات تحقق هذا المسار هي: ازدياد وتيرة الهجمات وتوسع أهدافها، وضربات أوكرانية عميقة داخل روسيا، وتعطّل تبادل الأسرى، وانهيار أي مسار وساطة جارٍ.
-
سادسًا: الترجيح
يُرجّح السيناريو الأول، أي التصعيد المحسوب مع قنوات إنسانية مفتوحة، بنسبة تقديرية تقارب ٦٠٪ على أفق ستة أسابيع. ويستند هذا الترجيح إلى أسباب بنيوية أكثر مما يستند إلى قراءة نوايا الأطراف.
أولًا، يزيل غياب بنية التحقق بعد هدنة أيار/مايو الحافز الميداني للالتزام بأي توقف. فروسيا لا تواجه كلفة منضبطة على استئناف الضربات، والتصعيد بالنسبة إليها استمرار للوضع القائم.
ثانيًا، يدل تبادل الأسرى في ١٥ أيار/مايو على أن الطرفين يملكان مصلحة في الإبقاء على قنوات محددة حتى أثناء التصعيد. وهذا يقلل احتمالية انهيار كل القنوات في الوقت نفسه، ولا ينفي إمكان تدهورها لاحقًا.
ثالثًا، تعيق الحسابات الأمريكية الداخلية تقديم ضمانات مكلفة في الأفق القصير. والضغط الأمريكي من دون ضمانات قد يكفي لفتح نافذة تفاوضية، لكنه لا يكفي لتثبيتها.
يُرجّح السيناريو الثاني بنسبة تقديرية تقارب ٣٠٪. يصبح هذا المسار أكثر احتمالًا إذا تصاعدت الكلفة الاقتصادية على روسيا، أو إذا تبلورت صياغة أوروبية–أمريكية مشتركة لآلية تحقق مقبولة من الطرفين. أما السيناريو الثالث فيُرجّح بنسبة تقديرية تقارب ١٠٪؛ إذ يتطلب اجتماع شروط متعددة في وقت واحد، وهو سيناريو غير مرجح لكنه غير مستبعد.
التحذير المنهجي ضروري هنا: أي ترجيح في ملف متحرك بهذه السرعة يجب أن يُقرأ بوصفه تقديرًا اتجاهيًا لا حكمًا إحصائيًا. أي حادثة عسكرية كبرى، أو قرار أمريكي مفاجئ، أو تحول في موقف إحدى العواصم الأوروبية قادر على إعادة ترتيب الترجيحات خلال ساعات.
-
سابعًا: التوصيات التنفيذية
تُبنى التوصيات على أساس ثلاثة معايير: تحديد الجهة المعنية، ومؤشر القياس الذي يثبت النجاح، والخطر الرئيسي الذي ينبغي التحسب له. والهدف تجنب توصيات الخطاب العام التي تبدو مقنعة دون أن تُلزم أحدًا بفعل محدد.
١. للاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا
تسريع حزم الدفاع الجوي والاعتراض
ينبغي إعطاء أولوية فورية لحماية المدن والبنية الحيوية، على أن يُتخذ القرار السياسي خلال أسابيع لا أشهر، وأن ينفَّذ فنيًا بصورة متدرجة. مؤشر القياس هو انخفاض نسبة الضربات التي تصل إلى أهداف مدنية أو حيوية خلال شهرين. أما الخطر الرئيسي فهو تصعيد دبلوماسي روسي واتهامات بالانجرار المباشر إلى النزاع.
ربط أي دعم سياسي لهدنة لاحقة بشرط آلية تحقق
لا ينبغي دعم أي إعلان هدنة جديد قبل تحديد زمن الهدنة ونطاقها وتعريف الخرق وقناة الإبلاغ. مؤشر القياس هو وجود نص مكتوب لآلية التحقق قبل الإعلان السياسي. أما الخطر فهو رفض روسي يُوظَّف سياسيًا، وانقسام أوروبي بين الدول الأكثر تشددًا والأكثر مرونة.
دعم المحكمة الخاصة ماليًا وسياسيًا
ينبغي تأطير المحكمة الخاصة كجزء من هندسة التسوية لا عائقًا أمامها. الإطار الزمني المقترح هو ستة أشهر للانتقال من الفريق التمهيدي إلى بنية مؤسسية أكثر تشغيلًا. مؤشر القياس هو بدء جمع الأدلة وتحديد نطاق الاختصاص بوضوح. أما الخطر فهو استخدام المحكمة ذريعة لتعطيل التفاوض إذا لم يُحكم تأطيرها السياسي مسبقًا.
-
٢. لأوكرانيا
تثبيت التمييز اللغوي بين الخرق والاستئناف
ينبغي الاستمرار في التمييز بين خرق الهدنة داخل مدتها واستئناف التصعيد بعد انتهائها. الإطار الزمني فوري، ويجب تطبيقه في كل تصريح ووثيقة رسمية. مؤشر القياس هو غياب التناقض في التوصيف اللغوي بين المؤسسات الرسمية. أما الخطر فهو تشتيت انتباه الرأي العام الداخلي الذي يميل إلى لغة أكثر حدة.
بناء ملف موثق للهجمات بعد الهدنة
ينبغي إعداد ملف قانوني يفرّق بوضوح بين الواقعة الموثقة والتقدير السياسي. الإطار الزمني ثلاثة أشهر لإنتاج ملف أولي قابل للتقديم أمام هيئات دولية. مؤشر القياس هو قبول الملف من جهة قانونية دولية مستقلة دون إعادة تصنيف وقائعه. أما الخطر فهو فقدان المصداقية إذا خُلط بين الوقائع والتقديرات.
استخدام ملف تبادل الأسرى لتثبيت قنوات اتصال إنسانية
ينبغي تقديم تبادل الأسرى للرأي العام بوصفه قناة إنسانية محدودة لا مؤشرًا على سلام شامل. الإطار الزمني مستمر، ويرتبط بكل إعلان تبادل. مؤشر القياس هو استمرار التبادل وانخفاض مخاطر انهياره حين يتصاعد القصف. أما الخطر فهو استثمار موسكو لصور التبادل دعائيًا مع استمرار الضربات.
-
٣. للولايات المتحدة والوسطاء
عدم الاكتفاء بإعلان هدن قصيرة
ينبغي اشتراط تصميم تحقق ومتابعة لأي مبادرة لاحقة قبل أي جولة ضغط دبلوماسي جديدة. مؤشر القياس هو وجود وثيقة تقنية لآلية التحقق قبل الإعلان السياسي. أما الخطر فهو تراجع الثقة بالوساطة الأمريكية إذا تكررت هدن بلا بنية امتثال.
إدارة التوازن بين خفض العنف وعدم شرعنة مكاسب الحرب
ينبغي تصميم شروط تسوية صريحة لا تفصل خفض العنف عن الضمانات. مؤشر القياس هو صياغة مرجعية موحدة لشروط التسوية يقبلها الشركاء الأوروبيون. أما الخطر فهو ضغط داخلي أمريكي باتجاه تسوية سريعة غير مشروطة.
-
ثامنًا: الخاتمة
لم تفشل هدنة ٩–١١ أيار/مايو لأنها قصيرة فقط، بل لأنها كشفت أن وقف النار في الحرب الروسية–الأوكرانية لا يصبح ذا معنى بمجرد إعلان التوقف. يحتاج وقف النار إلى ضمانات، وآلية تحقق، وتعريف دقيق للخرق، وربط سياسي يمنع تحوله إلى استراحة عملياتية. وبغياب هذه المكونات، تتكرر أخطاء مينسك في سياق أكثر تعقيدًا تكنولوجيًا وأوسع جغرافيًا.
يتحول النقاش بعد الهدنة من سؤال «من أطلق النار؟» إلى سؤال أعمق: من يملك القدرة على جعل التهدئة ملزمة؟ هذا السؤال لا تُجيب عنه الإرادة السياسية وحدها، بل يتطلب هندسة مؤسسية: جهة تحقق، وتعريفًا إجرائيًا، وكلفة مسبقة على الانتهاك.
لا تمثل لاهاي في هذا السياق تفصيلًا قانونيًا منفصلًا عن الجبهة، بل جزءًا من صراع على شكل السلام نفسه: هل يكون السلام تجميدًا مؤقتًا للعنف، أم ترتيبًا يربط وقف القتال بالمساءلة والضمانات؟ ما لم تُحل هذه المعادلة في هيكل الهدنة الجديدة لا في ملحق لاحق لها، ستبقى الهدن القصيرة قابلة للتكرار والفشل.
الاختبار الحقيقي للأطراف ليس الإعلان عن هدنة، بل تصميم آلية تجعل الهدنة أغلى من خرقها.
في هذا الضوء، تكون قيمة هذا التقدير في تأطير النقاش: ليس للتنبؤ بنهاية الحرب، بل لتمييز المسارات القابلة للتحقق من تلك التي لا تعدو كونها إعلانات. والفارق بين الاثنين هو بنية الامتثال لا حسن النوايا.
-
المراجع
[١] Centre for Eastern Studies (OSW). «A mutual ceasefire on Victory Day. Day 1539 of the war». ١٢ أيار/مايو ٢٠٢٦.
URL: https://www.osw.waw.pl/en/publikacje/analyses/2026-05-12/a-mutual-ceasefire-victory-day-day-1539-war
[٢] The Guardian. «Ukraine hit by second day of large-scale Russian missile and drone strikes». ١٤ أيار/مايو ٢٠٢٦؛ و«Ukraine attacks Russia with drones after suffering three days of massive strikes». ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦.
URL: https://www.theguardian.com/world/2026/may/14/ukraine-second-day-large-scale-russian-missile-drone-strikes
[٣] Reuters. «Russia and Ukraine swap 205 prisoners of war each». ١٥ أيار/مايو ٢٠٢٦.
URL: https://www.reuters.com/world/europe/russia-ukraine-swap-205-prisoners-war-each-2026-05-15/
[٤] Council of Europe. «Special Tribunal for the Crime of Aggression against Ukraine: Frequently Asked Questions». نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
URL: https://www.coe.int/en/web/special-tribunal-ukraine/frequently-asked-questions
[٥] European Commission. «EU and Council of Europe agree to set up an advance team for the Special Tribunal». كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦.
URL: https://enlargement.ec.europa.eu/news/eu-and-council-europe-agree-set-advance-team-special-tribunal-crime-aggression-against-ukraine-2026-01-24_en
[٦] Kyiv Independent. «Ukraine war latest: Zelensky offers deep-strike ceasefire to Moscow». ١١ أيار/مايو ٢٠٢٦.
URL: https://kyivindependent.com/ukraine-war-latest-zelensky-offers-deep-strike-ceasefire-to-moscow/
[٧] United Nations Security Council. Resolution 2202 (2015), endorsing the Package of Measures for the Implementation of the Minsk Agreements. ١٧ شباط/فبراير ٢٠١٥.
URL: https://digitallibrary.un.org/record/787968
[٨] OSCE. «The OSCE Special Monitoring Mission to Ukraine (closed): reports and mandate context».
URL: https://www.osce.org/ukraine-smm/reports
[٩] Center for Security Studies, ETH Zürich. «Ceasefire Monitoring and Verification and the Use of Technology». ٢٠٢٤.
URL: https://css.ethz.ch/content/dam/ethz/special-interest/gess/cis/center-for-securities-studies/pdfs/MediationResources21_CeasefireMonitoringTechnology.pdf





















