مَن يُمسك بالفتيل؟
ورقة تقدير موقف: الغموض الاستراتيجي الأمريكي في مواجهة وضوح إيران — بين العداء المُعلن والتفاهمات الضمنية
«لا أحد يبدأ حرباً، أو بالأحرى لا ينبغي لعاقل أن يبدأ حرباً، دون أن يكون واضحاً في ذهنه منذ البداية ما ينوي تحقيقه من تلك الحرب وكيف ينوي خوضها. فالهدف السياسي هو الغاية، والحرب هي الوسيلة للوصول إليه.» كارل فون كلاوزفيتز، «في الحرب»، 1832
ملخص تمهيدي
تتناول هذه الورقة لحظة تبدو متناقضة في ظاهرها: انتشار عسكري أمريكي كثيف، وتصريحات ردعية حادة، مقابل استمرار المسار التفاوضي وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وتجادل الورقة بأن تفسير هذا التناقض لا يكتمل بالحديث عن الدبلوماسية بوصفها «مانعاً للحرب»، بل يحتاج إلى قراءة أعمق لطبيعة العلاقة الأمريكية–الإيرانية بوصفها علاقة صراع على النفوذ والقدرة على ضبط الإيقاع، مع وجود قواعد اشتباك غير مُعلنة تضبط سقف التصعيد عندما تبلغ المخاطر حدّاً يهدد المصالح الجوهرية للطرفين.
تنطلق الورقة من فرضيتين مترابطتين: الأولى أن الغموض الاستراتيجي في واشنطن بشأن تعريف «النصر» يُقيد قرار الحرب، ويحوّل الحشد إلى أداة ضغط وإدارة أزمة أكثر منه مقدمة لحسم. والثانية أن طهران، رغم خطابها الصدامي، تعمل غالباً وفق منطق «العداء المنضبط» الذي يوازن بين تعظيم المكاسب الإقليمية وتفادي مواجهة مباشرة قد تهدد كيان الدولة. وعلى هذا الأساس، تُدمج الورقة بين زاويتين: زاوية الغموض الأمريكي في الغاية، وزاوية الجدل حول ما إذا كان الصراع المتكرر يخفي في داخله تفاهمات وظيفية ضمنية وحدوداً يتجنب الطرفان تجاوزها.
الكلمات المفتاحية: الغموض الاستراتيجي، العلاقة الأمريكية–الإيرانية، قواعد الاشتباك المنضبط، النفوذ الجيوسياسي، إسرائيل، أذرع إيران الإقليمية، الردع والاستنزاف، المصالح المشتركة ونقاط الخلاف.
إشكالية التقدير
الإشكالية التي تحكم هذا التقدير هي: هل ما نشهده في العلاقة بين واشنطن وطهران عداء متجذر لا يملك إلا أن يتجه إلى حرب مفتوحة مع أول فرصة سانحة، أم أن خلف العداء المُعلن ديناميات ضبط وتفاهمات ضمنية تجعل التصعيد أداة لإدارة النفوذ لا بوابة لحسم شامل؟ ويتفرع عن ذلك سؤال أكثر عملية: من يُمسك بالفتيل فعلاً في لحظة يكون فيها الحشد ضخماً، والنوايا مُلتبسة، واحتمال الحوادث أعلى من احتمال القرار المدروس؟
المنهج وحدود التقدير
تعتمد الورقة مقاربة مركبة تجمع بين تحليل الغاية–الوسيلة (وفق منطق كلاوزفيتز)، وتحليل السياسة البيروقراطية داخل الولايات المتحدة (تعدد المراكز وتنافس الأهداف)، وتحليل الردع والتصعيد (سلالم التصعيد وقواعد الاشتباك). كما تفترض الورقة أن قراءة العلاقة الأمريكية–الإيرانية لا يمكن أن تستقيم دون إدخال العامل الثالث: إسرائيل وشبكات الفواعل غير الدولتية، لأن جزءاً معتبراً من الاشتباك يجري عبر وسطاء وساحات جانبية.
وتُقرّ الورقة بحدّين منهجيين: أولهما أن كثيراً من القواعد الضمنية لا تُعلن رسمياً، بل تُستدل من أنماط السلوك وتوقيت الردود وحدودها. وثانيهما أن المعطى النووي والأمني شديد الحساسية، ما يجعل بعض التقديرات عرضة للتبدل مع ظهور معلومات جديدة. لذلك تُقدّم الورقة مؤشرات متابعة (Early Indicators) تسمح بتحديث الترجيحات دون هدم الهيكل التحليلي.
1:1 المقدمـــــــــــــة
تمتلك إيران سردية تاريخية كثيفة تُغذي تصورات الذات ودورها الإقليمي. فخطاب النخبة الحاكمة لا يتعامل مع الدولة بوصفها كياناً قومياً حديثاً فحسب، بل بوصفها امتداداً تاريخياً «جديراً» بمكانة قيادية في المجال الجيوسياسي المحيط. وهذه السردية، بمعزل عن تقييم صحتها، تؤدي وظيفة سياسية واضحة: تبرير كلفة الصمود، وتقديم النفوذ الإقليمي باعتباره حقاً تاريخياً لا مجرد خيار سياسي.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى إيران عبر عدسة مزدوجة: دولة «مُربكة» للمنظومة الإقليمية التي تقودها واشنطن، لكنها في الوقت نفسه فاعل لا يمكن شطبه من الحسابات دون دفع كلفة أمنية واقتصادية ضخمة. ومنذ عقود، ظلَّت العقوبات والتهديدات وخيارات القوة على الطاولة عناصر ثابتة في الخطاب الأمريكي، بينما ظلَّت طهران تُدير هذا الضغط بمزيج من الصبر الاستراتيجي، وبناء القدرات غير المتكافئة، وتوسيع شبكة النفوذ عبر الحلفاء.
منذ أكتوبر 2023 وما تلاه من تصعيد إقليمي متعدد الساحات، انتقل الاحتكاك إلى مرحلة أعلى حساسية، حيث صار خطر التدحرج أقرب من أي وقت سابق. وفي هذا السياق، تأتي لحظة فبراير 2026 لتطرح سؤالاً أكثر دقة: لماذا لم تتحول التهديدات إلى حرب شاملة، رغم توافر دوافع إعلامية وسياسية لدى أكثر من طرف؟ وهل لأن الطرفين يُحسنان ضبط الاشتباك، أم لأن كلاً منهما يعجز عن دفع كلفة النتيجة النهائية؟
2:1 الجدل القائم في العلاقة الأمريكية–الإيرانية
ينقسم النقاش التحليلي حول العلاقة الأمريكية–الإيرانية إلى اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول يرى أن ما يبدو عداءً متصاعداً يخفي في العمق نمطاً من التعايش الوظيفي: صراع على النفوذ تُدار حدوده بعناية، بحيث لا يتحول إلى حرب مفتوحة، بل يُستخدم لتعظيم المكاسب السياسية والإقليمية لكل طرف بتكلفة يمكن التحكم بها. ويستند هذا الاتجاه إلى ملاحظة أن الاشتباك غالباً ما يجري في «الساحات الطرفية» لا في قلب الدولتين، وأن التصعيد يتوقف عادة عند عتبات تُفهم ضمنياً على أنها خطوط حمراء.
أما الاتجاه الثاني فيؤكد أن العداء متجذر بنيوياً، وأنه وإن خضع أحياناً لضبط تكتيكي، فإنه يبقى صراعاً صفرياً في ملفات جوهرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وبميزان الردع في الخليج، وبالملف النووي. ويشير هذا الاتجاه إلى أن مسار العقوبات والعمليات السرية والاغتيالات والاختراقات السيبرانية لا ينسجم مع فكرة «التفاهم»، بل يعكس رغبة مستمرة في إضعاف إيران وتقييد قدرتها على التحول إلى قوة إقليمية مكتملة الأركان.
بين هذين الاتجاهين، تقترح هذه الورقة قراءة ثالثة أكثر تركيباً: ليست العلاقة تحالفاً سرياً، وليست عداءً مطلقاً لا يعرف الضبط؛ بل هي صراع مُدار ضمن قواعد اشتباك مرنة، تتصلب عندما تُهدد المصالح الجوهرية، وتلين عندما ترتفع كلفة المواجهة المباشرة. وفي هذه المنطقة الرمادية، تُصبح إدارة الإيقاع هي «النصر الواقعي» لكلا الطرفين.
3:1 القضايا الخلافية
تتعدد ملفات الخلاف بين واشنطن وطهران، إلا أن أهميتها لا تأتي من كثرتها، بل من كونها مترابطة: النووي يعيد تعريف الردع، والصواريخ تُسعّر التدخل، والوكلاء يوسّعون ساحة الاشتباك، وإسرائيل تحوّل الخلاف إلى معادلة أمن وجودي. وعندما تتداخل هذه الملفات، يصبح من الصعب فصل «السياسة» عن «الميدان»، وهو ما يفسر أن كثيراً من فرص التهدئة تذوب أمام حادثة واحدة في ساحة جانبية.
3:1:1 الملف النووي الإيراني: بين الردع والتحقق
الملف النووي هو أكثر الملفات قابلية لتحويل الخلاف إلى قرار حرب، لأنه يُعيد تعريف ميزان الردع. غير أن المشكلة المركبة هنا تكمن في أمرين: أولاً، أن الضربة العسكرية، حتى لو كانت ناجحة تكتيكياً، لا تضمن منع إعادة البناء، ولا تُنتج آلية تحقق مستدامة. وثانياً، أن التفاوض دون آليات رقابة فعّالة يتحول إلى إدارة وقت، لا إلى حل.
من منظور واشنطن، يتقاطع النووي مع هاجس «نقطة اللاعودة»، بينما من منظور طهران يتقاطع مع ذاكرة العزلة وتجربة الحرب الطويلة، ومع الاعتقاد بأن امتلاك القدرة هو ضمانة لعدم تكرار سيناريوهات إسقاط الأنظمة. لذلك، فإن جوهر الأزمة ليس تقنياً فقط، بل هو أزمة ثقة: هل يُمكن بناء ترتيب يضمن لطهران الحد الأدنى من الأمن دون أن يمنحها مظلة ردع تُوسع نفوذها؟
3:1:2 القدرات الصاروخية ومنطق الاستنزاف
تُعد الصواريخ الباليستية والمسيّرات حجر زاوية في الاستراتيجية الإيرانية لأنها تحقق ثلاث وظائف معاً: الردع، والرد المتناسب، وإدارة الاستنزاف. وهي في الوقت نفسه تُشكل معضلة للولايات المتحدة وحلفائها لأن منظومات الاعتراض الباهظة تُستنزف بسرعة عندما تُواجه موجات إشباع متتابعة. لهذا تُفضّل طهران أحياناً إبقاء التوتر في مستوى «قابل للإدارة»، لأن فاعلية الاستنزاف تتضاءل إذا تحولت المعركة إلى حرب شاملة تستدعي تدميراً واسعاً للقدرات.
3:1:3 أذرع النفوذ الإقليمي: توحيد الساحات دون توحيد القرار
ينتشر نفوذ طهران عبر شبكات حلفاء مسلحين يتيحون لها نقل الاشتباك بعيداً عن الحدود الإيرانية. غير أن هذه الشبكات ليست دائماً أدوات طيّعة بالكامل؛ فلكل ساحة حساباتها المحلية، ولكل فاعل هامش مبادرة قد يُحرج الراعي أو يفرض عليه قراراً لم يُرد اتخاذه. لذلك تُمارس طهران مزيجاً من التحكم والاحتواء: دعم لتأمين النفوذ، وضبط لمنع التحول إلى حرب مباشرة مع الولايات المتحدة.
3:1:4 إسرائيل كعامل تفجير: من الردع إلى «العتبة الوجودية»
تدخل إسرائيل في قلب المعادلة لأنها تتعامل مع الملف النووي والصاروخي بوصفه تهديداً وجودياً لا مجرد منافسة نفوذ. وهذا يخلق توتراً دائماً بين واشنطن التي تسعى غالباً إلى ضبط التصعيد، وبين تل أبيب التي قد ترى في الضربة الوقائية حلاً ضرورياً. وتزداد حساسية هذا التوتر عندما يتزامن التصعيد مع ضغوط داخلية في الولايات المتحدة، أو مع ديناميات انتخابية، أو مع أزمة ثقة مع الحلفاء الإقليميين.
4:1 المصالح المشتركة: التقاطع الذي لا يُعلن
على الرغم من طابع العداء المُعلن، توجد مساحات تقاطع وظيفي لا يمكن تجاهلها. ففي لحظات معينة، قد يستفيد الطرفان من وجود خصم ثالث يُشكل تهديداً للفوضى الشاملة، أو من بقاء توازن يمنع انهيار نظم إقليمية بطريقة تُطلق موجات هجرة وتطرف واضطراب أسعار طاقة. كما أن كلا الطرفين يستفيد أحياناً من إبقاء الصراع «محصوراً» في الساحات الطرفية، لأن المواجهة المباشرة تعني مخاطر لا يمكن التنبؤ بها.
غير أن هذه المصالح المشتركة ليست أساساً لشراكة، بل هي سقف وظيفي يُساعد على تفسير لماذا يتجنب الطرفان تجاوز خطوط معينة، ولماذا تعود قنوات التفاوض غالباً بعد كل موجة تصعيد. إن وجود تقاطع لا ينفي الصراع، لكنه يفسر «الحدود» التي يعمل داخلها الصراع.
5:1 النقـــاش: دمج الغموض الأمريكي مع «العداء المنضبط» الإيراني
يظهر الغموض الاستراتيجي الأمريكي بوضوح عندما تُطرح الأهداف على شكل سلة واسعة: منع النووي، تفكيك الصواريخ، إسقاط النظام، وتحييد الوكلاء. هذه السلة تُنتج استراتيجية مجوفة لأن كل هدف يفرض أدوات مختلفة وزمناً مختلفاً و«يوماً تالياً» مختلفاً. وعندما تغيب الغاية المحددة، يصبح الحشد العسكري بذاته مصدر ضغط: على صانع القرار، وعلى المؤسسة العسكرية، وعلى الحلفاء، وعلى الأسواق.
في المقابل، تتصرف طهران غالباً وفق منطق أقل طموحاً وأكثر قابلية للتحقق: منع هزيمة استراتيجية، وتثبيت نفوذ إقليمي كافٍ لردع الخصوم، وإدارة التوتر بما يمنع الحرب الشاملة. هذا الاتساق لا يعني أن إيران «تملك زمام المبادرة» بشكل مطلق، لكنه يمنحها قدرة على استثمار الوقت: تحويل كل موجة ضغط إلى تعلم، وتحويل كل ضربة إلى حافز لتطوير وسائل منع الوصول والاستنزاف.
ومن هنا تتضح فكرة «الفتيل»: الفتيل لا يوجد في يد واحدة. واشنطن تملك القدرة على الإشعال، لكنها لا تملك تعريفاً محسوماً لما سيأتي بعد الاشتعال. وطهران تملك قدرة على رفع الكلفة وضبط السقف، لكنها لا تملك ضمانة لمنع حادثة من التدحرج إذا تعددت الساحات وتداخلت الحسابات. وفي هذه المنطقة الرمادية، تصبح المخاطرة الأكبر هي التصعيد غير المقصود، لا القرار المخطط.
6:1 تقدير المسارات والسيناريوهات
يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية في الأجل القصير، لا بوصفها نبوءات، بل بوصفها خرائط ترجيح تُختبر عبر المؤشرات. المسار الأول هو تهدئة مرحلية تُعيد ترتيب الأولويات حول ترتيبات تحقق ورقابة وتخفيف متبادل للخطوات التصعيدية. هذا المسار يظل هشاً إذا بقي التحقق ضعيفاً أو إذا اعتبره أي طرف تنازلاً سياسياً داخلياً.
المسار الثاني هو ضربة محدودة تُدار بعناية لاستعادة الردع أو تحسين شروط التفاوض. نجاحه يتطلب ضبطاً لقواعد الاشتباك وقناة تواصل تمنع التدحرج. أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في تصعيد غير مقصود ينطلق من حادثة بحرية أو اشتباك في ساحة طرفية، ثم يتوسع بفعل ضغط السياسة الداخلية وحتمية الرد.
المسار الرابع هو استمرار «الحشد بلا حسم» مع تصاعد قدرات منع الوصول والاستنزاف، بما يجعل الأزمة أطول وأعلى كلفة، ويُراكم احتمالات الحوادث. وفي هذا المسار، لا تقع الحرب لأن القرار اتُّخذ، بل لأن التحكم بالإيقاع يتآكل تدريجياً.
مؤشرات المتابعة المبكرة
ترجح التهدئة عندما تظهر لغة رسمية تتحدث عن مراحل ومعايير تحقق وجدول زمني، وتبدأ إجراءات تخفيض متبادل للمخاطر (مثل تقليص الاحتكاك البحري أو تجميد خطوات معينة). وترجح الضربة المحدودة عندما تتزامن رسائل سياسية عن «خط أحمر» مع حركة أصول نوعية وتهيئة سردية إعلامية تُبرر العمل العسكري كخيار أخير.
أما التصعيد غير المقصود فتُنذر به زيادة حوادث الاحتكاك، وتغيّر قواعد الاشتباك، وانقطاع قنوات التواصل، وارتفاع وتيرة العمليات في ساحة أو أكثر دون تنسيق سياسي واضح. ويصبح عامل الداخل الإيراني أكثر تأثيراً عندما ينتقل من احتجاجات متقطعة إلى اتساع جغرافي وقطاعي، أو عندما تظهر مؤشرات انقسام مؤسسي أو تغير في سلوك الأجهزة الأمنية.
التوصيات والاستنتاجات
أولاً، لا يمكن لصانع القرار الأمريكي تقليل مخاطر الحرب دون تقليص سلة الأهداف إلى هدف أولي واحد قابل للقياس والتحقق، ثم بناء الخيارات حوله. تعريف النصر ليس ترفاً فكرياً؛ إنه شرط وظيفي يمنع تحوّل الحشد إلى عبء وإلى مصدر ضغط يدفع نحو قرار متسرع أو نحو انزلاق غير مقصود.
ثانياً، إدارة المخاطر الميدانية يجب أن تُعامل بوصفها أولوية مستقلة، لأن بيئة الاحتكاك العالية تجعل الحوادث بذاتها مُحرّكات للتصعيد. وعليه، فإن تعزيز قنوات منع الاحتكاك البحري والجوي وتحديث قواعد الاشتباك لتقليل الاجتهاد الميداني يخفضان احتمال التدحرج حتى في غياب اتفاق سياسي واسع.
ثالثاً، أي مسار تفاوضي لا يُبنى على قابلية تحقق سيبقى مساراً هشاً. لذلك ينبغي أن تقترن الترتيبات المرحلية بآليات رقابة واضحة وحوافز تدريجية، مع الاعتراف بأن الضربة العسكرية قد تُضعف فرص التحقق إذا دفعت طهران نحو مزيد من الغموض والتشتيت. وبذلك تصبح الموازنة بين الردع والتحقق هي جوهر إدارة الأزمة.
وفي الختام، الفتيل لا يُمسك به طرف واحد. لكنه يصبح أقرب للاشتعال عندما تتراكم ثلاثة عناصر معاً: غموض الغاية لدى الطرف الأقوى، واتساق الاستنزاف لدى الطرف الأضعف، وتعدد الساحات بما يُضعف القدرة على التحكم. لذلك فإن الطريق الأكثر أماناً هو تقليل مساحة الغموض السياسي، وتوسيع مساحة الضبط الميداني، وربط الردع بأفق تحقق واقعي لا بشعارات قصوى.
المراجع المختارة (للاستكمال عند النشر وفق معيار المركز)
أدبيات النظرية الاستراتيجية: كارل فون كلاوزفيتز، «في الحرب»، 1832 (ترجمات معتمدة).
تقارير رسمية ووثائق سياسة: بيانات وتصريحات رسمية أمريكية وإيرانية، ووثائق رقابية دولية بشأن الملف النووي.
أدبيات تحليلية: دراسات مراكز أبحاث دولية حول الردع، الحروب بالوكالة، وأمن الخليج والممرات البحرية، إضافة إلى تقارير صحفية كبرى مُدعّمة بوثائق عند الاقتضاء.
أمن دولي



