إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل: هل تدفع الدعوة إلى إنهاء اتفاق الشراكة نحو مسار أوروبي تدريجي للمساءلة؟
ملخص تنفيذي
لم يعد التحرك الإسباني في الملف الإسرائيلي يدور في نطاق الإدانة الخطابية أو الاعتراض الأخلاقي المجرد، بل انتقل إلى محاولة اختبار قدرة الاتحاد الأوروبي على فرض كلفة مؤسسية على شريكٍ تربطه به اتفاقية نافذة منذ عام 2000. فمدريد تبني موقفها على أرضية قانونية قائمة داخل اتفاق الشراكة نفسه، ولا سيما المادة الثانية التي تجعل احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية عنصرًا جوهريًا في العلاقة. ومنذ أيار/مايو 2025، لم يعد هذا النقاش نظريًا؛ إذ أطلق الاتحاد مراجعة رسمية لالتزام إسرائيل بالمادة الثانية بعد توافر «أغلبية قوية» مؤيدة لذلك، ثم خلصت المراجعة، في حزيران/يونيو 2025، إلى وجود مؤشرات على خرق الالتزامات الحقوقية. وبعد ذلك انتقل النقاش الأوروبي من سؤال المراجعة إلى سؤال المتابعة، وجرى تداول حزمة خيارات متفاوتة الحدة، شملت إمكانات تبدأ من تجميد مشاريع تقنية، ولا تنتهي نظريًا عند تعليق الاتفاق نفسه [1][2][3][4][5].
الجديد في الموقف الإسباني، كما عبّر عنه بيدرو سانشيز في 19 نيسان/أبريل 2026، ليس فقط رفع النبرة، بل نقل السجال إلى مستوى سياسي أعلى سقفًا، حين أعلن أن حكومته ستطرح على الأوروبيين في اجتماع 21 نيسان/أبريل اقتراح «كسر» أو إنهاء association مع إسرائيل. غير أن القيمة التحليلية لهذا الإعلان لا تكمن في العبارة ذاتها بقدر ما تكمن في وظيفتها السياسية: مدريد تحاول إعادة تعريف سقف النقاش الأوروبي، ودفعه من منطق «إبداء القلق» إلى منطق «اختبار الأدوات» [6][7].
مع ذلك، فإن الفارق كبير بين السقف السياسي الذي ترفعه إسبانيا وبين المسار القانوني والمؤسسي الفعلي داخل الاتحاد. فالتعليق الشامل لاتفاق الشراكة أصعب بكثير من الناحيتين السياسية والإجرائية من تعليق بعض تطبيقاته أو مزاياه القطاعية. وتُظهر الوثائق الأوروبية اللاحقة للمراجعة أن التفكير العملي داخل مؤسسات الاتحاد مال، في مراحل سابقة، إلى مبدأ التدرج وإلى اختيار التدابير التي «تقلل الاضطراب في عمل الاتفاق»، وهو ما يجعل التعليق الجزئي، لا الإنهاء الشامل، هو الأفق الأكثر واقعية إذا توافرت كتلة سياسية داعمة [3][5][8].
من هنا، لا يكمن سؤال التقدير في ما إذا كانت إسبانيا ستنتزع غدًا قرارًا نهائيًا بفسخ الاتفاق؛ فهذا احتمال ضعيف. السؤال الأهم هو ما إذا كانت ستنجح في تثبيت مبدأ جديد داخل الاتحاد: أن الشراكة مع إسرائيل لم تعد محصّنة من المراجعة الإجرائية، وأن الباب بات مفتوحًا أمام تدريج عقابي أو تقييدي، ولو بدأ في صورة جزئية. وعليه، فإن الترجيح الأرجح في المدى القريب هو اختبار سياسي مرتفع السقف داخل مجلس الشؤون الخارجية، من دون حسم نهائي، لكنه قد يدفع لاحقًا نحو مقاربة تدريجية: تجميد تطوير العلاقة، أو تعليق بعض مجالات التعاون، أو تقييد امتيازات بعينها إذا اتسعت الكتلة المؤيدة للمساءلة [4][5][8][9].
سؤال التقدير
هل يملك التحرك الإسباني فرصة فعلية لنقل علاقة الاتحاد الأوروبي بإسرائيل من منطق الشراكة التقليدية إلى منطق المساءلة المؤسسية، أم أنه سيبقى عند حدود الضغط السياسي المرتفع من دون أثر تنفيذي حاسم؟
ملاحظة منهجية
|
أولًا: من مراجعة المادة الثانية إلى رفع السقف الإسباني
الأساس القانوني للعلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل هو اتفاق الشراكة الأورو-متوسطي النافذ منذ عام 2000. وتكمن مركزية هذا الاتفاق في أن مادته الثانية لا تتعامل مع حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية بوصفها لغة ديباجية عامة، بل بوصفها «عنصرًا جوهريًا» في العلاقة كلها. هذه الصياغة ليست تفصيلًا ثانويًا؛ فهي التي تتيح، من حيث المبدأ، القول إن الإخلال بتلك القاعدة لا يطال المناخ السياسي المحيط بالاتفاق فقط، بل يطال أحد شروطه التأسيسية [1][3].
طوال الأشهر الأولى من الحرب على غزة، ظلّ الاتحاد الأوروبي منقسمًا بين دول أرادت ترجمة الاعتراض الحقوقي إلى أدوات ضغط، وأخرى فضّلت إبقاء العلاقة مع إسرائيل داخل حدود النقد السياسي والضغط اللفظي. غير أن 20 أيار/مايو 2025 شكّل منعطفًا مهمًا؛ إذ أعلنت كايا كالاس أن هناك «أغلبية قوية» تؤيد مراجعة التزام إسرائيل بالمادة الثانية، وأُطلقت بالفعل المراجعة بعد طلب هولندي مدعوم من 17 دولة عضو وفق ما نقلته رويترز [2][10]. هنا انتقل الملف من الاعتراض السياسي إلى المسار المؤسسي الرسمي.
ولم يتوقف الأمر عند إطلاق المراجعة. ففي 23 حزيران/يونيو 2025 قُدِّمت نتائجها إلى مجلس الشؤون الخارجية، وأكدت الممثلة العليا أن النقاش بدأ على أساس تقرير يرى وجود مؤشرات إلى خرق الالتزامات الحقوقية [4]. وبعد ثلاثة أيام فقط، أحاط المجلس الأوروبي علمًا بالتقرير، ودعا مجلس الاتحاد إلى مواصلة النظر في المتابعة المناسبة خلال تموز/يوليو 2025، آخذا في الحسبان تطور الوضع على الأرض [5]. وبذلك صار الملف، للمرة الأولى، مقيمًا داخل البنية الإجرائية للاتحاد، لا في هامشها.
وفي تموز/يوليو 2025 توسّع النقاش من جديد. فقد أشار مجلس الشؤون الخارجية إلى «جرد» لإجراءات ممكنة، فيما كشفت رويترز عن ورقة خيارات تضمنت عشرة مسارات متفاوتة، من تجميد مشاريع فنية إلى إجراءات أوسع تصل نظريًا إلى تعليق اتفاق الشراكة نفسه [8][11]. والأهم من ذلك أن وثيقة رسمية متداولة في مجلس الاتحاد ذهبت أبعد من مستوى النقاش النظري، حين بررت جزئيًا إمكان تعليق مشاركة إسرائيل في بعض مكونات برنامج «أفق أوروبا» على أساس أن المادة الثانية قد تكون انتُهكت، وأن المادة 79 تسمح باتخاذ «تدابير مناسبة»، على أن يُعطى الأولوية لما يسبب أقل اضطراب ممكن في عمل الاتفاق [12].
هذه الخلفية تفسر لماذا لا يبدو تصريح سانشيز في 19 نيسان/أبريل 2026 قفزة معزولة أو نزوة خطابية انتخابية. نعم، الصياغة الإسبانية اختارت التعبير الأعلى حدةً، لكنّها لم تُنشئ الملف من الصفر؛ بل جاءت لتستثمر تراكمًا مؤسسيًا سابقًا، ولتحاول دفعه من خانة «النقاش» إلى خانة «الاختيار». ومعنى ذلك أن مدريد لا تختبر فقط موقف إسرائيل، بل تختبر كذلك حدود استعداد الاتحاد نفسه لربط قيمه المعلنة بأدواته العملية [6][7].
ثانيًا: ماذا تريد إسبانيا فعلًا؟
القراءة السطحية للموقف الإسباني تكتفي بعبارة «إنهاء اتفاق الشراكة»، ثم تبني عليها استنتاجًا مفاده أن مدريد تدفع مباشرة نحو القطيعة الأوروبية مع إسرائيل. غير أن القراءة الأدق تفترض تفكيك هذا الخطاب إلى مستويين: مستوى الإعلان السياسي، ومستوى المسار التنفيذي الممكن. على المستوى الأول، تريد إسبانيا رفع الكلفة المعنوية على الحكومة الإسرائيلية الحالية، وإجبار العواصم الأوروبية المترددة على اتخاذ موقع واضح: إما أن تظل الشراكة محصّنة مهما بلغت الانتهاكات، وإما أن تصبح قابلة للتقييد حين تتعارض مع شرطها القيمي. على المستوى الثاني، تدرك مدريد على الأرجح أن الوصول الفوري إلى تعليق شامل أمر عسير، لكنها تراهن على أن السقف المرتفع قد يوسّع المجال أمام تسوية أقل حدة وأكثر قابلية للتنفيذ [6][7].
في هذا المعنى، لا ينبغي قراءة التصعيد الإسباني بوصفه خطابًا احتجاجيًا صرفًا. هو أداة تفاوض داخل البيت الأوروبي ذاته. فمدريد تعرف أن الاكتفاء بالمطالبة بخطوات متواضعة منذ البداية قد يذيب المبادرة في بيروقراطية بروكسل، فيما يتيح السقف المرتفع إعادة ترتيب النقاش حول «ما الذي يمكن فعله» بدل الاكتفاء بالسؤال القديم: «هل ينبغي أن نفعل شيئًا أصلًا؟». لهذا، فحتى إذا لم تمرّ صيغة «الإنهاء»، فإن مجرد فرضها على جدول الأعمال يُعدّ في حد ذاته محاولة لتعديل مركز الثقل السياسي داخل الاتحاد.
ثمة بعد آخر في السلوك الإسباني لا يقل أهمية. فسانشيز يحرص، في صياغته العلنية، على الفصل بين إسرائيل كدولة وبين الحكومة الإسرائيلية الحالية. هذا الفصل ليس تجميلًا لغويًا؛ بل هو جزء من هندسة الحجة. فلو قُدّم الطرح الإسباني على أنه مواجهة مع إسرائيل ككيان، لاتُّهم بسهولة بأنه اصطفاف أيديولوجي أو خصومة سياسية مطلقة. أما حين يُصاغ باعتباره اعتراضًا على سلوك حكومة محددة وعلى خرق قانوني-قيمي لشروط اتفاق قائم، فإنه يكتسب قدرًا أكبر من القابلية للتسويق أوروبيًا [6].
من هنا، فإن الهدف الإسباني الأعمق ليس فقط «معاقبة» إسرائيل، بل إجبار الاتحاد على حسم سؤال اتساقه الداخلي: هل شرط حقوق الإنسان في الاتفاقيات الخارجية قاعدة حقيقية أم بند رمزي؟ وإذا كان الاتحاد قد قبل أصلًا فتح المراجعة، ثم سجّل مؤشرات إلى الخرق، فإن بقاء العلاقة على حالها من دون أدوات متابعة سيحوّل المراجعة ذاتها إلى اعتراف عديم الأثر. مدريد تراهن على هذه المفارقة تحديدًا.
ثالثًا: حدود المسار القانوني والمؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي
أكبر خطأ في تقدير هذا الملف هو مساواة الشعار السياسي بالنتيجة القانونية. فتعليق اتفاق شراكة شامل يختلف جذريًا، من حيث التعقيد السياسي والإجرائي، عن تعليق جزء من تطبيقاته أو أحد البروتوكولات المرتبطة به. النصوص الأوروبية المتاحة لا تنفي إمكان اتخاذ «تدابير مناسبة» إذا اعتُبر أن أحد الطرفين أخلّ بالتزاماته، لكنها لا ترسم طريقًا بسيطًا أو آليًا نحو «الفسخ» الكامل؛ بل تترك هامشًا واسعًا للتقدير السياسي، وتدفع، في حالات كثيرة، نحو التدرج واختيار التدابير الأقل اضطرابًا لعمل الاتفاق [1][3][12].
وتساعد التجربة الأوروبية في 2025 على فهم هذه النقطة. فبعد مراجعة المادة الثانية، لم يتجه الاتحاد مباشرة إلى طرح إنهاء شامل، بل ناقش رزمة خيارات متفاوتة: بعضُها سياسي أو رمزي، وبعضُها تقني أو قطاعي، وبعضها يتصل ببرامج التعاون والبحث والامتيازات التجارية. وظهر في الوثائق والنقاشات أن مسارات بعينها يمكن أن تُصاغ قانونيًا بطريقة تسمح بالمرور عبر أغلبيات مؤهلة، كما في بعض ترتيبات برامج الاتحاد أو الترتيبات التجارية المحددة، بينما تبقى المسارات الأشد وطأة عرضة لمستوى أعلى من الانقسام والتعطيل [11][12][13].
ولهذا فإن التعليق الجزئي ليس صيغة مخففة فحسب، بل هو في الواقع التعبير الأكثر عملية عن فلسفة المادة 79 كما استُخدمت في النقاشات الأوروبية: إيقاع كلفة ملموسة من دون تفجير العلاقة كلها دفعة واحدة. كما أن هذا المسار يتيح للدول المترددة الانضمام إلى إجراء محدود يمكن تسويقه بوصفه ضغطًا لتعديل السلوك، لا قطيعةً استراتيجية شاملة. وهذه ميزة سياسية مهمة؛ لأنها تمنح العواصم الحذرة مخرجًا من معادلة «مع إسرائيل أو ضدها»، وتعيد النقاش إلى منطق الأدوات المتدرجة.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن الاتحاد ليس فاعلًا مركزيًا بسيطًا، بل بنية متعددة المراكز: مجلس، ومفوضية، وممثلة عليا، ودول أعضاء متفاوتة المصالح والذاكرات التاريخية والحساسيات الانتخابية. لذلك، فإن أي مبادرة من نوع المبادرة الإسبانية تحتاج، لكي تتحول إلى أثر تنفيذي، إلى شيء أكثر من الجاذبية الخطابية: تحتاج إلى بناء كتلة، وصياغة أداة، وتحديد أساس قانوني، ثم اجتياز اختبار الإرادة السياسية. ومن دون هذه السلسلة، يبقى السقف العالي منتجًا للضجيج أكثر من كونه منتجًا للقرار.
رابعًا: خريطة الفاعلين داخل الاتحاد
تتحرك إسبانيا من موقع مزدوج: موقع قيمي يقدّم نفسه بوصفه مدافعًا عن اتساق أوروبا مع القانون الدولي، وموقع سياسي يسعى إلى قيادتها داخل معسكر أوروبي يريد تجاوز لغة التنديد. ولذلك تبدو مدريد حريصة على الظهور بوصفها رأس الحربة في معسكر المساءلة، لا مجرد دولة معترضة. هذه المكانة تمنحها قدرة على ضبط الإيقاع السياسي للنقاش، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة أغلبية صلبة.
إيرلندا وسلوفينيا هما الأقرب إلى الاصطفاف مع إسبانيا في هذا الملف. والرسالة المشتركة التي بعث بها وزراء خارجية الدول الثلاث إلى كايا كالاس قبل أيام، والتي تحدثت صراحة عن إجراءات إسرائيلية «تخالف حقوق الإنسان وتنتهك القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني»، تؤكد أن هناك نواة سياسية تتحرك بتنسيق ظاهر، لا بمجرد تعاطف متفرق [14]. كما تبقى هولندا فاعلًا مهمًا؛ لأنها كانت بوابة الانتقال من الاعتراض السياسي إلى طلب المراجعة الرسمي في أيار/مايو 2025 [10].
في الجهة المقابلة، تمثل ألمانيا القيد الأثقل. فبرلين أعلنت في حزيران/يونيو 2025 أنها لا تؤيد لا التعليق الكامل ولا الجزئي، وهو موقف لا يعبّر فقط عن تقدير آني، بل عن ثقل تاريخي وسياسي عميق يرتبط بمفهوم «مصلحة الدولة» الألمانية تجاه إسرائيل [13]. وهذا يعني أن أي انتقال إلى إجراء أوروبي واسع سيبقى بالغ الصعوبة ما لم يتبدل الموقف الألماني، أو ما لم يُصغ الإجراء بطريقة تتجاوز الحاجة إلى إجماع سياسي شامل.
توجد كذلك دول متحفظة أخرى، بعضها يتحرك من منطلق تقليدي مؤيد لإسرائيل، وبعضها من منطلق الخشية من سابقة يمكن أن ترتد على شبكات الشراكات الأوروبية الأخرى. لهذا السبب لا ينبغي اختزال التردد الأوروبي في الموقف الألماني وحده، وإن ظلّ هو الأكثر وزنًا. فحتى الدول غير الرافضة مبدئيًا للعقوبات قد تفضّل خطوات محدودة ومجزأة على القفز إلى تعليق شامل.
أما المجر، فقد تغيّر موقعها المحتمل بعد سقوط فيكتور أوربان في انتخابات 12 نيسان/أبريل 2026. هذا التحول لا يعني تلقائيًا أن بودابست صارت جزءًا من معسكر الضغط على إسرائيل؛ فالحكومة الجديدة لم تتسلّم السلطة بعد، ولا يوجد ما يثبت أنها ستصطف تلقائيًا مع مدريد في هذا الملف. لكنه يعني شيئًا مهمًا: أن عقدة تعطيل أوروبية مزمنة فقدت رأسها السياسي الأكثر صدامية، وأن هامش الحركة داخل الاتحاد قد يصبح أوسع مما كان عليه في عهد أوربان [15].
وتبقى المفوضية الأوروبية والممثلة العليا في موقع وسيط حاسم. فهما لا تنتجان القرار وحدهما، لكنهما تملكان القدرة على تحويل السجال المجرد إلى خيارات قانونية عملية: ما الذي يمكن تعليقه؟ بأي أساس؟ وبأي آلية تصويت؟ وكلما تأخرت هذه الترجمة، بقي النقاش أسير المواقف العامة. وكلما قُدمت سلّة إجراءات واضحة، انتقل الخلاف من الشعارات إلى المفاضلة بين أدوات محددة.
خامسًا: لماذا يصعب الانتقال من الإدانة إلى الإجراء؟
العقبة الأولى هي فجوة الإرادة. فداخل الاتحاد الأوروبي إجماع متزايد، أو شبه إجماع، على أن الوضع الإنساني والقانوني في غزة بالغ السوء، لكن هذا لا يعني وجود إجماع موازٍ على نوع الكلفة الواجب فرضها على إسرائيل. كثير من الدول تقبل بلغة قاسية في البيانات، لكنها تتردد حين يتحول الكلام إلى امتيازات تجارية أو برامج علمية أو صيغ تعاون مؤسسي. بكلمات أخرى: لا توجد مشكلة كبرى في توصيف الأزمة؛ المشكلة تبدأ عند سؤال الأداة.
العقبة الثانية أن أوروبا لا تتحرك في فراغ أخلاقي فقط، بل في شبكة مصالح وسوابق. فتعليق اتفاق شراكة قائم مع دولة مرتبطة بالاتحاد بعلاقات كثيفة في التجارة والبحث والحوار السياسي ليس قرارًا تقنيًا. إنه سابقة سياسية كبيرة، وسيقرأه الشركاء الآخرون بوصفه إشارة إلى أن بنود القيم قد تتحول، في ظروف معينة، إلى أدوات تقييد فعلية. بعض العواصم لا تعارض هذا من حيث المبدأ، لكنها تخشى توسيع نطاقه العملي.
العقبة الثالثة هي الطبيعة المركبة للعلاقة الأوروبية-الإسرائيلية. فهذه ليست علاقة تجارية صرفة، ولا مجرد إطار حوار سياسي. إنها حزمة متشابكة من المسارات: تجارة، وبحث علمي، وتعاون تقني، وحوار منتظم، وملفات إقليمية. لذلك فإن السؤال ليس فقط: هل نعلّق؟ بل: ماذا نعلّق أولًا، وماذا سيترتب على ذلك، وكيف نمنع انتقال القرار من وظيفة الضغط إلى وظيفة القطيعة غير المحسوبة؟ هنا تحديدًا تبدو الأدوات القطاعية أكثر قابلية للتسويق من الصيغ القصوى.
العقبة الرابعة تتعلق بالتوقيت الإقليمي. فاجتماع 21 نيسان/أبريل 2026 لا ينعقد في سياق فلسطيني-إسرائيلي صرف؛ بل في ظل بيئة شرق أوسطية أوسع مشدودة إلى الحرب مع إيران وتداعياتها على لبنان والخليج والممرات البحرية. وهذا يعني أن بعض العواصم الأوروبية قد تنظر إلى المبادرة الإسبانية من زاوية أوسع: هل هذا توقيت مناسب لإعادة هيكلة العلاقة مع إسرائيل، أم أن الأولوية يجب أن تبقى لاحتواء الانفجار الإقليمي الأوسع؟ أجندة المجلس نفسها تعكس هذا التداخل، إذ تدرج بند «الوضع في الشرق الأوسط» في ضوء الحرب في إيران وآثارها الإقليمية، لا بوصفه جلسة مخصصة حصريًا لاتفاق الشراكة [9][16].
سادسًا: أين تكمن الفرصة الإسبانية رغم ذلك؟
رغم القيود السابقة، لا ينبغي التقليل من قيمة التحرك الإسباني. فنجاحه لا يُقاس فقط بقدرته على انتزاع قرار نهائي فورًا، بل بقدرته على تعديل «سقف الممكن» داخل النقاش الأوروبي. وحتى وقت قريب، كان مجرد الحديث عن تعليق اتفاق الشراكة يبدو، في كثير من العواصم، طرحًا احتجاجيًا لا أكثر. أما اليوم، وبعد المراجعة الرسمية، وتقرير الخرق المحتمل، وجرد الخيارات، والاقتراحات القطاعية اللاحقة، فقد أصبح النقاش يدور لا حول شرعية التفكير في الأدوات، بل حول أي أدوات يمكن حشد الأصوات لها [2][4][8][12].
هذه النقلة مهمة جدًا؛ لأنها تعني أن معسكر المساءلة لم يعد يطلب من الاتحاد القفز فوق مراحله المؤسسية، بل يطالبه بتفعيل ما بدأه بالفعل. وهذا يمنح مدريد عنصرًا ضاغطًا قويًا: إذا كانت المراجعة قد أنجزت، وإذا كانت مؤشرات الخرق قد سُجلت، وإذا كانت المتابعة قد طُرحت سابقًا، فكيف يمكن تبرير العودة إلى النقطة الصفر؟
الفرصة الثانية أن المسار التدريجي يسمح ببناء ائتلاف أوسع من الائتلاف اللازم للتعليق الشامل. فالدول التي لا تريد تحطيم العلاقة قد تقبل، تحت ضغط المراجعة واعتبارات المصداقية، بإجراءات جزئية: تجميد تطوير العلاقة، أو وقف بعض المشاريع التقنية، أو تقييد مزايا محددة في البحث العلمي أو التجارة. وقد أظهرت التطورات في 2025 أن بعض هذه الأدوات ليس افتراضًا نظريًا، بل دخل أصلًا إلى مستوى الاقتراح المؤسسي [11][12][17].
أما الفرصة الثالثة فتكمن في اللحظة السياسية الأوروبية ذاتها. فهزيمة أوربان أضعفت أحد أبرز مراكز التعطيل، والضيق الأوروبي من الوضع الإنساني في غزة لم يعد محصورًا في الأجنحة اليسارية أو في الدول المعروفة تقليديًا بمواقفها النقدية. وحتى إن بقيت برلين متحفظة، فإن مساحة الضغط باتت أوسع، لأن السؤال لم يعد: هل يوجد أي اعتراض أوروبي جدي؟ بل: ما هي درجة الإجراء الممكن، ومن يملك الجرأة على تسميته؟
سابعًا: المخاطر والفرص
الخطر الأول على المبادرة الإسبانية أن يتحول ارتفاع السقف إلى فخ سياسي. فإذا طُرح «إنهاء الاتفاق» بوصفه النتيجة الوحيدة المقبولة، ثم اصطدم برفض أوروبي واسع، فقد تبدو مدريد كأنها خسرت معركة أرادت منها تثبيت القيادة. والخطر هنا لا يقع على إسبانيا وحدها؛ بل قد يمتد إلى خطاب المساءلة كله، إذ يمنح المعسكر الرافض حجة مفادها أن ما طُرح كان أقرب إلى المزايدة منه إلى السياسة العملية.
الخطر الثاني أن يُنتج الانقسام الأوروبي نتيجة معاكسة: أي تثبيت وضع يقرّ بوجود خرق محتمل للمادة الثانية، لكنه يعجز عن توليد أثر مؤسسي ذي معنى. وإذا وقع ذلك، فسوف يتضرر الاتحاد مرتين: مرة لأنه فتح المراجعة، ومرة لأنه عجز عن البناء عليها. وعندئذ يتحول شرط حقوق الإنسان من أداة ضغط إلى شاهد على حدود الإرادة الأوروبية.
الخطر الثالث أن تُستهلك اللحظة كلها في سجال حول الصياغة: هل نقول «إنهاء» أم «تعليق» أم «إعادة نظر»؟ ذلك أن الجدل حول الألفاظ قد يبتلع النقاش حول الأدوات الأشد قابلية للتطبيق. والخلل هنا ليس لغويًا فحسب؛ بل سياسي أيضًا، لأن المعارك الرمزية قد تمنع تراكم خطوات صغيرة لكنها مؤثرة.
في المقابل، تتيح المبادرة الإسبانية ثلاث فرص رئيسية. أولها أنها تفرض على الاتحاد الانتقال من لغة التحذير إلى لغة المفاضلة بين أدوات ملموسة. وثانيها أنها تمنح الدول المتقاربة فرصة لتشكيل كتلة أكثر تماسكا حول مسار تدريجي لا حول شعار مجرد. وثالثها أنها قد تخلق، حتى في حال الفشل الفوري، مرجعية سياسية جديدة تجعل أي حكومة أوروبية راغبة في الضغط لاحقًا أقل حاجة إلى اختراع الملف من جديد.
ثامنًا: مصفوفة احتمال × أثر
يمكن ترتيب المسارات المحتملة على النحو الآتي: المسار الأول هو استمرار الضغط السياسي من دون قرار تنفيذي كبير، واحتماله مرتفع لأن الانقسام الأوروبي ما زال قائمًا، ولأن أجندة مجلس 21 نيسان/أبريل 2026 أوسع من ملف الاتفاق وحده؛ أما أثره فمتوسط إلى مرتفع لأنه يبقي ملف المساءلة حيًا ويزيد الكلفة المعنوية على إسرائيل من دون تغيير مباشر في بنية العلاقة [9][13][16].
المسار الثاني هو الانتقال إلى إجراءات جزئية أو قطاعية، مثل تجميد بعض أوجه التعاون أو تقييد مزايا محددة في برامج الاتحاد أو الترتيبات التجارية. واحتماله متوسط، لكنه يملك أثرًا مرتفعًا؛ لأنه ينقل العلاقة من الحصانة السياسية إلى منطق الكلفة المحددة والقابلة للقياس. كما أن سوابق 2025 أظهرت أن هذا المسار هو الأكثر قابلية للترجمة القانونية والسياسية [8][12][17].
المسار الثالث هو تعليق شامل للاتفاق أو إنهاؤه في الأمد المنظور. واحتماله منخفض، لكن أثره بالغ الارتفاع. غير أن انخفاض الاحتمال لا يعود إلى ضعف الحجة الإسبانية وحده، بل إلى اتساع الكتلة اللازمة لمثل هذا القرار، وإلى الثقل الألماني، وإلى الطبيعة المركبة للعلاقة نفسها [3][13].
|
المسار |
الاحتمال | الأثر | الدلالة المختصرة |
|
ضغط سياسي من دون قرار تنفيذي كبير |
مرتفع |
متوسط/مرتفع |
يبقي ملف المساءلة حيًا، لكنه لا يغيّر بنية العلاقة مباشرة. |
|
تعليق جزئي أو قطاعي لبعض المزايا |
متوسط |
مرتفع |
ينقل النقاش من الخطاب إلى الكلفة المؤسسية المحددة والقابلة للقياس. |
|
تعليق أو إنهاء شامل لاتفاق الشراكة |
منخفض |
بالغ الارتفاع |
يحمل قيمة رمزية وقانونية كبيرة، لكنه يصطدم بأعلى درجات الانقسام. |
تاسعًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: اختبار سياسي حاد من دون حسم تنفيذي. في هذا السيناريو ترفع إسبانيا السقف داخل اجتماع 21 نيسان/أبريل، وتتوسع النقاشات، لكن المخرجات تنحصر في استمرار التداول، أو في طلب مزيد من العمل من المؤسسات الأوروبية، أو في تجديد الضغط اللفظي على إسرائيل. مؤشرات هذا السيناريو هي بقاء الموقف الألماني على حاله، وغياب ورقة تنفيذية متوافق عليها، واستمرار تغليب المقاربة الإقليمية الواسعة على ملف الاتفاق في حد ذاته. هذا هو السيناريو الأرجح في الأجل القصير.
السيناريو الثاني: ترسيخ مسار تدريجي للمساءلة. هنا لا تنتزع مدريد قرار «الإنهاء»، لكنها تنجح في انتزاع شيء أكثر استدامة: قبول أوروبي بأن المتابعة يجب أن تترجم إلى أدوات جزئية محددة. وقد يبدأ ذلك بتجميد تطوير العلاقة، أو بإحياء بعض المقترحات القطاعية التي طُرحت في 2025، أو بتمهيد سياسي يسمح للمفوضية والممثلة العليا بصياغة خيارات تنفيذية أكثر وضوحًا. مؤشرات هذا السيناريو هي اتساع الكتلة المؤيدة للضغط، وتحول النقاش من الجدل الرمزي إلى تحديد مجالات التعليق الممكنة.
السيناريو الثالث: إعادة احتواء المبادرة الإسبانية. في هذا المسار تتمكن الدول المتحفظة من امتصاص الزخم الإسباني عبر إعادة النقاش إلى المربع الأخلاقي العام: مزيد من الإدانات، مزيد من الدعوات إلى احترام القانون الدولي، وربما مزيد من التذكير بنتائج المراجعة، لكن من دون ربط ذلك بأداة جديدة. هذا السيناريو لا يعني هزيمة إسبانيا وحسب؛ بل يعني أيضًا تكريس حدود المساءلة الأوروبية.
السيناريو الرابع: انزياح أوروبي أكبر من المتوقع. يظل هذا السيناريو الأقل ترجيحًا في الأمد القريب، لكنه غير مستحيل إذا وقع تدهور ميداني شديد أو تبدلت مواقف عواصم كبيرة. عندها قد تتحول المبادرة الإسبانية من طرح طليعي إلى نقطة ارتكاز لائتلاف أوسع يدفع نحو تعليق أشد وطأة. غير أن هذا المسار يحتاج إلى تحولات لم تكتمل مؤشراتها بعد.
عاشرًا: الترجيح
الترجيح الأقرب، في أفق اجتماع 21 نيسان/أبريل 2026 وما يليه مباشرة، هو أن مدريد ستنجح في رفع مستوى الاشتباك السياسي داخل الاتحاد، لكنها لن تنتزع قرارًا نهائيًا بإنهاء اتفاق الشراكة. غير أن الاكتفاء بهذه النتيجة بوصفها «فشلًا» سيكون قراءة مبتسرة. فالإنجاز الأرجح للمبادرة الإسبانية لا يكمن في الفسخ الشامل، بل في توسيع الشرعية السياسية لمسار تدريجي يربط بين تقرير المراجعة وبين أدوات متابعة جزئية. وهذا، في الحساب المؤسسي البارد، قد يكون أهم من شعار لا يملك بعد الكتلة اللازمة لتمريره.
وعليه، فإن السؤال الصحيح ليس: هل ستكسر إسبانيا الاتفاق غدًا؟ بل: هل ستفرض على الاتحاد الاعتراف بأن الشراكة مع إسرائيل لم تعد بمنأى عن التقييد المؤسسي؟ إذا تحقق هذا الاعتراف، ولو ضمنيًا، فإن النقاش الأوروبي يكون قد دخل مرحلة جديدة بالفعل: مرحلة لا تعود فيها المساءلة مجرد لغة احتجاج، بل احتمالًا مؤسسيًا قابلًا للبناء التدريجي.
حادي عشر: التوصيات العملية
- لإسبانيا والدول المتحالفة معها: الأجدى سياسيًا وقانونيًا ألا تُدار المعركة بمنطق «كل شيء أو لا شيء». الأفضل هو تثبيت السقف السياسي المرتفع بوصفه أداة تعبئة، مع الدفع في الوقت نفسه نحو سلّم إجراءات متدرج يبدأ من تجميد تطوير العلاقة وينتقل، عند الضرورة، إلى أدوات قطاعية. الكلفة المحتملة لهذا المسار أنه قد يُقرأ على أنه تراجع عن شعار «الإنهاء»، لكن بديله الواقعي أفضل من خسارة المعركة كلها في جولة واحدة.
- للممثلة العليا والمفوضية الأوروبية: المطلوب تحويل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الهندسة المؤسسية. أي تقديم ورقة واضحة تحدد: ما الذي يمكن تعليقه؟ على أي أساس قانوني؟ وبأي آلية تصويت؟ وماذا ستكون كلفة كل خيار سياسيًا واقتصاديًا؟ كل تأخير في هذا التحويل يتيح للانقسام السياسي أن يبتلع الأثر العملي للمراجعة.
- للدول المترددة داخل الاتحاد: إذا كان التعليق الشامل غير مقبول لديها، فإن الإبقاء على العلاقة بصيغتها الحالية بات أكثر كلفة على صدقية الاتحاد. قبول خطوات جزئية محدودة قد يكون أقل كلفة من الدفاع عن الجمود الكامل بعد تقرير رسمي سجّل مؤشرات إلى الخرق. وبعبارة أخرى: ليس المطلوب من هذه الدول أن تعتنق السقف الإسباني كله، بل أن تعترف بأن اللاشيء لم يعد خيارًا مريحًا.
- للفاعلين الأوروبيين المعنيين بالسياسة المتوسطية: ينبغي تجنب الخلط بين الضغط المشروع على الحكومة الإسرائيلية وبين نسف كل قنوات التأثير دفعة واحدة. فالتدرج ليس ضعفًا بالضرورة؛ قد يكون في هذه الحالة هو الشكل الوحيد الممكن لتحويل القانون والقيم إلى سياسة قابلة للحياة. المهم ألا يتحول التدرج إلى ذريعة للتسويف، ولا إلى غطاء لإفراغ المراجعة من معناها.
مراجع مختصرة



