أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
من الشراكة البراغماتية مع طهران إلى إدارة التوازن مع واشنطن وتل أبيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الملخّص
لا يمكن فهم موقف الصين من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل عبر ثنائية مبسطة من نوع «مع إيران» أو «ضدها». فبكين لا تتحرك في هذه الأزمة باعتبارها حليفًا عسكريًا لطهران، ولا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لواشنطن أو تل أبيب، بل بوصفها قوة كبرى تسعى إلى حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة من دون تحمل الكلفة الصلبة لقيادة ترتيبات الأمن فيها. تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الصين تمارس في هذه الحرب «انحيازًا براغماتيًا منضبطًا»: فهي أقرب سياسيًا إلى رفض الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وأقرب اقتصاديًا إلى منع انهيار الدولة الإيرانية وتعطل تدفقات الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الظهور بوصفها طرفًا عسكريًا أو ضامنًا أمنيًا للصراع. ولذلك جمعت استجابتها بين إدانة استخدام القوة خارج التفويض الأممي، والدعوة إلى وقف النار، وتنشيط الوساطة، والضغط من أجل إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، مع توسيع مسارات تنويع الطاقة والاحتياطيات والعمل على حماية قمة مرتقبة بين شي جين بينغ ودونالد ترامب. [1][2][3][4]
وتجادل الدراسة بأن إيران تمثل للصين أصلًا استراتيجيًا مهمًا، لكنها ليست أصلًا لا غنى عنه. أهميتها لبكين تنبع من ثلاثة اعتبارات: النفط المخفض السعر في ظل العقوبات، وموقعها الجغرافي في الربط القاري الأوسع، وقيمتها السياسية بوصفها شريكًا يحد من انفراد الولايات المتحدة بهندسة النظام الإقليمي. غير أن هذه الأهمية لا ترقى إلى مرتبة التحالف الدفاعي، بدليل أن تنفيذ اتفاق التعاون الممتد خمسة وعشرين عامًا ظل أدنى من سقفه السياسي، وأن الشركات الحكومية الصينية الكبرى، ومنها «سينوبك»، تجنبت الانكشاف المباشر على النفط الإيراني حتى في ذروة الأزمة، فيما حافظت الصين على قاعدة تنويع صارمة تمنع اعتمادها على مورد واحد. [5][6][7][8][9][10]
وتخلص الدراسة إلى أن الموقف الصيني يقوم على أربع أولويات متلازمة: أمن الطاقة، منع انهيار إيران، تجنب الصدام الشامل مع الولايات المتحدة، وتعظيم المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن تراجع الثقة الإقليمية في الإدارة الأمريكية للصراع. وبناء على ذلك، فإن الصين تقف، في جوهر الأمر، إلى جانب بقاء التوازن لا إلى جانب انتصار ساحق لأي طرف؛ فهي تريد وقف الحرب، ولكنها تريد أيضًا أن يخرج أطرافها أكثر احتياجًا إلى الصين اقتصاديًا ودبلوماسيًا من دون أن تضطر هي إلى أن تصبح شرطي الخليج أو ممول الحرب. [10][11][12][13][14][15]
الكلمات المفتاحية
الصين؛ إيران؛ الولايات المتحدة؛ إسرائيل؛ الشرق الأوسط؛ مضيق هرمز؛ أمن الطاقة؛ الوساطة؛ التوازن الاستراتيجي؛ النظام الدولي
- مقدّمة
دخلت الصين الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل من باب المصالح لا من باب الشعارات. فمنذ الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، اتضح أن بكين لا تستطيع التعامل مع الأزمة بصفتها تطورًا شرق أوسطيًا بعيدًا؛ إذ سرعان ما مست الحرب واحدًا من أكثر الشرايين حساسية في الاقتصاد الصيني: ممرات الطاقة والملاحة في الخليج ومضيق هرمز. وفي غضون أيام، انتقلت بكين من الخطاب العام عن «التهدئة» إلى خطاب أكثر تحديدًا يربط بين وقف النار وأمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، ثم أرفقته بحراك دبلوماسي نشط شمل اتصالات رفيعة وإرسال مبعوث خاص وجولات مكوكية في الإقليم. [1][2][4][12]
لكن هذا الانخراط لا يعني أن الصين صارت لاعبًا أمنيًا موازيًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالأزمة كشفت، في الوقت نفسه، حدود القوة الصينية وحدود طموحها. إذ تمتلك بكين قدرة واسعة على الشراء والاستثمار والتأثير الدبلوماسي، لكنها لا تملك، حتى الآن، شبكة التحالفات والقواعد والقدرات العملياتية التي تخولها فرض ترتيبات أمنية في الخليج أو ضمان حرية الملاحة بقوتها الذاتية. ومن ثم، جاءت استجابتها مؤطرة بمفارقة أساسية: التأثر العميق بالحرب من دون امتلاك أدوات الحسم الصلب فيها. [10][11][15]
وتنبع أهمية دراسة الموقف الصيني من أن هذه الحرب تقع في تقاطع ثلاثة مسارات كبرى. الأول، مسار إعادة تعريف حضور الصين في الشرق الأوسط من قوة اقتصادية متنامية إلى فاعل دبلوماسي أكثر حضورًا. والثاني، مسار التنافس الأمريكي – الصيني على شكل النظام الدولي وحدود مشروعية استخدام القوة. والثالث، مسار اختبار قدرة بكين على التوفيق بين شراكتها مع إيران، وعلاقاتها العملية مع دول الخليج وإسرائيل، وسعيها في الوقت نفسه إلى إبقاء باب التفاهم مفتوحًا مع واشنطن. هذه المسارات مجتمعة تجعل السؤال عن «أين تقف الصين؟» سؤالًا في قلب التحولات الدولية، لا سؤالًا تكتيكيًا محضًا في أزمة عابرة. [10][11][22]
ومن ثم، فالسؤال ليس ما إذا كانت الصين «مع» إيران أو «ضد» الولايات المتحدة، بل كيف تدير بكين حربًا لا تريد خسارة أيٍّ من أطرافها بالكامل، مع أنها تدرك أن كل خطوة تتخذها قد تُقرأ بوصفها اصطفافًا. هذا المأزق التفسيري هو نفسه ما يمنح الموضوع أهميته البحثية: فالمسألة لا تتعلق بحدث عسكري عابر، بل بنمط صعود قوة كبرى تحاول أن تحصد مكاسب الحضور من دون أن تتحمل كلفة القيادة الأمنية التقليدية. [10][18][22]
- الإشكالية والفرضيات والمنهج
2.1. سؤال الدراسة وأطروحتها
تتمحور الدراسة حول سؤال رئيسي: أين تقف الصين فعليًا في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟ وهل يمثل سلوكها انحيازًا إلى طهران، أم حيادًا مبدئيًا، أم تموضعًا براغماتيًا متعدد المستويات؟ وتدافع الدراسة عن أطروحة مفادها أن الصين ليست محايدة بالمعنى الدقيق، لكنها ليست منحازة على طريقة التحالفات أيضًا؛ بل تمارس انحيازًا انتقائيًا إلى ما يخدم أربعة أهداف: حماية تدفقات الطاقة، منع انهيار إيران، تفادي كسر الجسور مع واشنطن، وتعظيم موقعها كقوة ضرورية في إدارة أزمات المنطقة. [1][3][4][10][22]
2.2. تمييز منهجي بين الواقعة والتفسير والتقدير
تعتمد الدراسة تمييزًا صارمًا بين ثلاثة مستويات. الأول هو مستوى الوقائع المثبتة، مثل تصريحات الخارجية الصينية، والاتصالات المعلنة، وبيانات التجارة والطاقة، ومسار الملاحة في مضيق هرمز، والتصويت في مجلس الأمن. والثاني هو مستوى التفسير، أي قراءة هذه الوقائع في ضوء منطق السياسة الخارجية الصينية ومحددات القوة الصينية. والثالث هو مستوى التقدير، أي استنتاج السلوك المرجح لبكين إذا استمرت الحرب أو اتجهت إلى التهدئة أو انفتح فيها احتمال انهيار واسع داخل إيران. هذا التمييز ضروري على نحو خاص لأن الأزمة الراهنة حفلت أيضًا بمواد إعلامية واستخباراتية وتسريبات يصعب التعامل معها بوصفها حقائق نهائية، ولا سيما في موضوع الدعم العسكري الصيني المحتمل لإيران. [15][16][22][23]
2.3. الفرضيات البديلة في تفسير السلوك الصيني
لا تكتفي الدراسة بعرض فرضيتها المركزية، بل تختبرها في مواجهة ثلاث فرضيات بديلة متداولة في الأدبيات السياسية والإعلامية. الفرضية الأولى هي «الحياد النفعي الضيق»، ومفادها أن الصين لا تكترث في هذه الحرب إلا باستمرار تدفق النفط وحماية الشحن، وأن كل ما عدا ذلك ليس سوى غطاء لغوي. والفرضية الثانية هي «الانحياز المقنّع إلى إيران»، ومفادها أن بكين تستخدم خطاب القانون الدولي والوساطة لستر دعم فعلي لطهران، أو على الأقل لمنع هزيمتها الاستراتيجية. أمّا الفرضية الثالثة فهي «استثمار الأزمة لإضعاف واشنطن»، وتفترض أن الصين تنظر إلى الحرب أساسًا من زاوية إنهاك الولايات المتحدة وتآكل شرعيتها الدولية. [1][10][11][22]
وتنطلق الدراسة من أن كل فرضية من هذه الفرضيات تفسر جزءًا من السلوك الصيني، لكنها لا تفسره كاملًا. فالصين ليست حيادية بما يكفي لتُختزل في حماية الناقلات فقط، وليست منحازة بما يكفي لتُعدّ حليفًا عسكريًا لطهران، كما أنها لا تستطيع جعل إضعاف واشنطن غاية مطلقة إذا كان ثمن ذلك انفجارًا طاقويًا وتجاريًا يضر بالاقتصاد الصيني نفسه. لذلك يجري الترجيح هنا على أساس الفرضية الرابعة: أن الصين تتصرف بوصفها قوة موازنة اقتصادية – دبلوماسية تسعى إلى منع الحسم الإقليمي المعادي لمصالحها، من دون أن تتحمل كلفة التحالف الصلب أو الضمان الأمني المباشر. [10][11][19][22]
2.4. معايير الترجيح وحدود الأدلة
يعتمد الترجيح بين هذه الفرضيات على أربعة معايير مترابطة: اتساق الخطاب الرسمي الصيني عبر الزمن؛ وطبيعة القرارات الاقتصادية الفعلية التي اتخذتها بكين في النفط والاحتياطيات وسلاسل الإمداد؛ ومدى استعدادها لتحمّل كلفة سياسية أو عسكرية دفاعًا عن إيران؛ وكيفية موازنتها بين علاقاتها مع طهران وواشنطن وتل أبيب والعواصم الخليجية. فالسلوك الاستراتيجي لا يُفهم من التصريحات وحدها، ولا من الأسواق وحدها، بل من انتظام السلوك عبر ميادين مختلفة. [3][4][8][16][22]
وبناءً على ذلك، تتعامل الدراسة بحذر خاص مع التقارير المرتبطة بإمكان وجود دعم عسكري صيني لإيران. فبعض هذه التقارير يستند إلى مصادر استخباراتية أو تسريبات أو تقييمات صحفية معتبرة، لكنه لا يرقى، حتى الآن، إلى مستوى الحقيقة القطعية التي تتيح بناء استنتاج شامل حول انتقال الصين من الشراكة السياسية – الاقتصادية إلى الإسناد العسكري المكشوف. وعليه، يُشار إلى هذه المعطيات بوصفها «مؤشرات» أو «احتمالات» أو «تقارير متداولة» كلما اقتضى الأمر، لا بوصفها وقائع مكتملة غير قابلة للنقاش. [30][31]
لا تزعم الدراسة أنها تقدم رواية يقينية مكتملة لأزمة لا تزال مفتوحة حتى 18 نيسان/أبريل 2026. وهي، لذلك، تتجنب تحويل المؤشرات إلى نتائج نهائية. كما أنها لا تخلط بين اللغة المعيارية التي تستخدمها الصين عن «القانون الدولي» و«السيادة» وبين الدوافع الحقيقية لسلوكها؛ إذ تنطلق من فرضية أن خطاب بكين القانوني – الأخلاقي يؤدي وظيفة سياسية واستراتيجية بقدر ما يؤدي وظيفة مبدئية. وعليه، فإن الدراسة تقرأ الموقف الصيني عبر تفاعل المصالح والقيود والصورة الذاتية للدولة الصينية، لا عبر تصريحاتها وحدها. [3][4][18]
ولهذا السبب أيضًا، تتجنب الدراسة المساواة بين كل المصادر. فالتصريحات الرسمية الصينية تعكس تموضعًا معلنًا لكنها لا تكشف وحدها كامل الحسابات الاستراتيجية. وتقارير وكالات الأنباء توفر خطوطًا أكثر صلابة في رصد الوقائع اليومية وأسواق الطاقة، لكنها تحتاج إلى قراءة تركيبية أوسع. أما التحليلات البحثية فتمنح خلفية تفسيرية لكنها لا تقوم مقام الوقائع المستجدة. ومن ثم، فإن منهج الدراسة يقوم على المزاوجة بين المصدر الرسمي، والمصدر الخبري المهني، والتحليل البحثي، ثم إخضاعها جميعًا لفحص اتساقي يميز بين الثابت والمحتمل. [3][4][10][11]
- الإطار المفهومي: ما المقصود بتموضع الصين؟
3.1. البراغماتية الاستراتيجية ليست حيادًا
تستخدم الدراسة تعبير «البراغماتية الاستراتيجية» لا بمعنى الانتهازية القصيرة الأمد، بل بمعنى ترتيب الأولويات وفق هرم مصالح واضح: ما يمسّ أمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد، وصورة الصين الدولية، وعلاقاتها مع القوى الكبرى، يسبق ما عداه. بهذا المعنى، لا تكون البراغماتية نقيضًا للمبدأ تمامًا، بل طريقة لتحديد أيّ المبادئ يمكن الدفاع عنه، ومتى، وبأي أدوات، وبأي سقف من الكلفة. ومن هنا فإن تمسك الصين بمفردات السيادة والقانون الدولي لا يُقرأ، في هذه الدراسة، بوصفه ستارًا لغويًا صرفًا ولا بوصفه التزامًا أخلاقيًا خالصًا، بل بوصفه مبدأً تخدمه المصلحة ويخدمها في آن واحد. [1][3][4][18]
3.2. النفوذ لا يساوي الضمان الأمني
كذلك تميّز الدراسة بين «النفوذ» و«الضمان الأمني». النفوذ هو القدرة على جعل الآخرين يحسبون حسابًا لرد فعلك بسبب وزن السوق أو التمويل أو الشرعية الدبلوماسية أو القدرة على الفتح والإغلاق في شبكات الاقتصاد والسياسة. أمّا الضمان الأمني فهو القدرة على ردع التهديدات ميدانيًا وفرض ترتيبات ملزمة على الأرض أو في البحر. والصين تملك من الأول مقدارًا معتبرًا في الشرق الأوسط، لكنها ما تزال بعيدة عن امتلاك الثاني بالمعنى الذي تملكه الولايات المتحدة. ومن دون هذا التمييز، يسهل المبالغة في تفسير كل تحرك صيني بوصفه انتقالًا إلى موقع القوة المهيمنة، فيما الواقع يشير إلى حضور كثيف، لكن غير سيادي أمنيًا. [10][22]
3.3. الوساطة، والتسهيل، والرعاية السياسية
وتستعمل الدراسة أيضًا مفهوم «الوساطة» بدقة نسبية. فليس كل اتصال هاتفي أو مبعوث خاص أو دعوة إلى التهدئة وساطةً حاسمة. ثمة فارق بين التسهيل الدبلوماسي الذي يفتح القنوات، والرعاية السياسية التي تمنح التفاوض غطاءً، والوساطة المكتملة التي تملك أدوات ضغط وضمان ومتابعة تنفيذ. الصين، في هذه الأزمة، أقرب إلى النمطين الأولين منها إلى النمط الثالث. فهي قادرة على إبقاء خطوط الحديث قائمة، وعلى تقديم نفسها إطارًا مقبولًا نسبيًا، لكنها لا تملك حتى الآن أدوات الإلزام التي تجعل وقف النار أو ترتيبات الملاحة قابلة للفرض بذاتها. [2][18][22][29][33]
3.4. التوازن بوصفه سياسة حركة لا سياسة مسافة
وأخيرًا، لا ينبغي فهم «التوازن» على أنه وقوف جامد على مسافة واحدة من الجميع. فالتوازن، في السلوك الصيني، هو سياسة حركة مرنة: الاقتراب من طرف في ملف، والابتعاد عنه في ملف آخر، وإدارة التفاوت بين الشركاء بحيث يبقى كل منهم محتاجًا إلى الصين بدرجة ما، من دون أن يصبح أي منهم قادرًا على احتكارها أو ابتزازها. ولهذا تبدو الصين أحيانًا أقرب إلى إيران في اللغة القانونية، وأقرب إلى الخليج في ملف أمن الطاقة، وأقرب إلى واشنطن في الحرص على منع الانفجار الكبير، وأقرب إلى نفسها دائمًا في تجنب التحمل المباشر للكلفة العسكرية. [10][11][22]
- المحددات البنيوية للاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط
3.1. الطاقة بوصفها المحدد الأول
لا تزال الطاقة هي البوابة الأهم لفهم انخراط الصين في الشرق الأوسط. فالتقديرات الأمريكية الرسمية تؤكد أن تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل نسبة حاسمة من التجارة العالمية، وأن الأسواق الآسيوية هي الوجهة الرئيسية لهذه التدفقات. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، مرّا عبر المضيق في عام 2024 والربع الأول من 2025، وأن 84% من الخام والمكثفات و83% من الغاز المسال الذي عبر المضيق اتجه إلى آسيا، وكانت الصين من أبرز الوجهات المتلقية. [13][14]
هذه الأرقام لا تعني فقط أن الصين «تحتاج نفط الخليج»، بل تعني أن أي اضطراب طويل في هرمز يضرب مركزًا محوريًا في أمنها الاقتصادي. لذلك لا بد من التمييز بين حاجتين متداخلتين: حاجة الصين إلى نفط الشرق الأوسط، وحاجتها إلى قابلية التنبؤ في تدفق هذا النفط عبر ممرات بحرية مستقرة. الأولى قد تُعالج نسبيًا بالتنويع والاحتياطيات والشراء من روسيا والبرازيل وفنزويلا وغيرهم؛ أما الثانية فتتعلق ببنية أمنية بحرية لا تسيطر عليها بكين بعد. من هنا تبدو الحرب، من المنظور الصيني، تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا للسعر والكمية معًا، لا لأحدهما فقط. [9][12][13][14][20]
3.2. الاقتصاد الجيوسياسي لا الاقتصاد التجاري فقط
مع ذلك، لا تختزل الصين علاقتها بالشرق الأوسط في الطاقة الخام. فمنذ سنوات، توسعت شبكة مصالحها في المنطقة لتشمل الموانئ، واللوجستيات، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية، والاتصالات، وسلاسل التوريد المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. وتحاجج بروكنغز بأن الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة ستقوم على تعميق الارتباط الاقتصادي وتوسيعه خارج القطاع النفطي إلى مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والتسويات السياسية. [10]
هذا التوسع مهم لأنه يفسر سبب رفض بكين لمنطق «الفصل» بين الأزمة الأمنية والاقتصاد. فالحرب التي تعطل النفط اليوم هي نفسها الحرب التي ترفع غدًا تكلفة النقل والتأمين والمواد الأولية وتضغط على الطلب العالمي. وهذا ما بدأت البيانات الصينية تؤكده بالفعل؛ إذ تباطأ نمو الصادرات الصينية في آذار/مارس 2026 إلى 2.5% فقط، وهو أدنى مستوى في خمسة أشهر، بينما تضررت هوامش الشركات الصناعية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد والمدخلات. هنا لا يعود الشرق الأوسط بالنسبة إلى الصين مجرد مورد، بل يصبح جزءًا من بنية الاستقرار الضرورية لاستمرار نموذجها الاقتصادي ذاته. [19][21]
3.3. التوازن بدل الأحلاف
الميزة الأبرز في المقاربة الصينية للشرق الأوسط هي أنها لا تقوم، حتى الآن، على بناء أحلاف صلبة شبيهة بما فعلته الولايات المتحدة تاريخيًا، بل على إدارة توازنات واسعة تُمكِّن بكين من التعامل مع أطراف متعارضة من دون الانخراط في التزامات دفاعية مباشرة. هذا النمط ظهر في علاقة الصين المتوازية مع السعودية وإيران، ومع إسرائيل والفلسطينيين، ومع دول الخليج وإيران في الوقت نفسه. وهو ما يفسر أيضًا لماذا تنفر بكين من كل سيناريو يُجبرها على الاختيار الثنائي بين طهران وخصومها. [10][11]
غير أن سياسة التوازن ليست مرادفًا للحياد؛ فهي، عمليًا، سياسة تعظيم حرية الحركة والحد من الكلفة السياسية. وحين تشتد الأزمات، تميل بكين إلى الانحياز إلى ما يضمن استمرار هذا التوازن لا إلى ما ينسفه. لذا فإن رفضها الضربات على إيران، ورفضها حصار هرمز، ورفضها بعض مشاريع القرارات الدولية التي تعدها منحازة ضد طهران، لا يعكس بالضرورة اصطفافًا عقائديًا معها، بل يعكس خشيتها من أن تنتهي الحرب إلى ترتيب إقليمي أحادي أمريكي أو إلى فوضى مزمنة غير قابلة للإدارة. [15][16][18]
والأهم أن التوازن، في المنطق الصيني، ليس قيمة مجردة، بل أداة نفوذ. فكلما تمكنت بكين من البقاء على مسافة تشغيلية من معظم الفاعلين، ازدادت قدرتها على العمل كقناة اتصال، وكمستثمر مقبول، وكمشتري لا يمكن الاستغناء عنه. ومن ثم، فإن الدفاع الصيني عن «الاستقرار» لا يعني فقط تجنب الفوضى، بل يعني أيضًا حماية البنية التي تجعل الصين ضرورية للجميع من دون أن تكون مسؤولة عن الجميع. [10][22]
4.4. معضلة الاعتماد على أمنٍ ينتجه الآخرون
تقوم السياسة الصينية في الشرق الأوسط على مفارقة بنيوية لا يمكن إغفالها: فبكين تريد توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في الإقليم، لكنها ما تزال تعتمد، بدرجات متفاوتة، على مظلة أمنية بحرية لم تنتجها هي أصلًا. فحرية الملاحة التي تحتاجها الصين في الخليج لم تبنها البحرية الصينية عبر عقود، بل ظلت، إلى حد بعيد، منافع عامة أنتجها الوجود الأمريكي وشبكاته وتحالفاته وقواعده البحرية. وهذا لا يعني أن الصين راضية عن الهيمنة الأمريكية، لكنه يعني أنها لم تطور بعد بديلًا كاملًا عنها. [10][22]
ومن هنا، فإن بكين لا تسعى، في المدى المنظور، إلى وراثة الدور الأمني الأمريكي وراثة كاملة، بقدر ما تسعى إلى تقليص قدرة واشنطن على توظيف ذلك الدور سياسيًا ضدها، مع الاستمرار في الاستفادة من بعض نتائجه العملية. هذه النقطة أساسية لفهم سلوك الصين في الحرب: فهي تنتقد الضربات والحصار، وتدعو إلى التهدئة، لكنها لا تطرح مشروعًا واقعيًا لحماية هرمز بقوة صينية مستقلة، ولا تبدي استعدادًا لتحمل التزامات الردع الطويلة التي يفترضها مثل هذا الدور. [16][18][22]
بعبارة أخرى، تستفيد الصين من الاستقرار الذي ينتجه الآخرون أكثر مما تسهم في إنتاجه بالقوة الصلبة. ولهذا كلما تصاعدت الأزمة ولامست سؤال «من يضمن؟» ظهرت حدود المشروع الصيني بسرعة. أمّا حين تتحول المسألة إلى «من يشتري؟» أو «من يمول؟» أو «من يستطيع إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحًا؟» فإن الوزن الصيني يرتفع بوضوح. وتلك هي الفجوة المركزية التي تكشفها هذه الحرب بين اتساع النفوذ الصيني وحدود القدرة الصينية على الإكراه والضمان. [10][22]
4.5. ما الذي تريد الصين تحقيقه إيجابًا؟
من المهم هنا ألا تُقرأ السياسة الصينية فقط من زاوية «ما الذي تريد تجنبه؟». فبكين لا تتحرك بمنطق دفاعي صرف. إنها تريد، إيجابًا، ثلاثة مكاسب مترابطة في الشرق الأوسط: أولها تثبيت صورتها بوصفها شريكًا اقتصاديًا لا يطلب من الدول الانخراط في محاور سياسية صلبة؛ وثانيها توسيع حضورها في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي؛ وثالثها تكريس قبولٍ إقليمي أوسع لها بوصفها قناة تواصل مقبولة حتى بين خصوم لا يجمعهم الكثير. هذه المكاسب لا تتحقق دفعة واحدة، لكنها تشكل البوصلة التي تجعل بكين ترى في كل أزمة خطرًا يجب احتواؤه، وفي الوقت نفسه فرصةً لإعادة التموضع. [10][17][18]
وبهذا المعنى، فإن النجاح الصيني في الحرب لا يقاس فقط بمنع الخسارة، بل أيضًا بمدى القدرة على تحويل ما بعد الحرب إلى بيئة أكثر استعدادًا لاستقبال الصين اقتصاديًا ودبلوماسيًا. فإذا خرجت دول المنطقة بانطباع أن بكين أقل ميلاً إلى الإكراه، وأكثر قدرة على التمويل، وأقل تطلبًا في الاصطفاف السياسي، فإن ذلك يضاعف المكاسب الصينية حتى لو بقيت قدرتها الأمنية محدودة. ومن هنا تتداخل في الحساب الصيني مصالح الطاقة مع سمعة الدولة، ومع نموذج الحضور الذي تريد تسويقه عالميًا: حضور كثيف، لكن من دون حمولات الهيمنة العسكرية الأمريكية. [10][18][22]
- إيران في الحسابات الصينية قبل الحرب
4.1. لماذا تمثل إيران أصلًا مهمًا؟
تحتل إيران موقعًا خاصًا في المقاربة الصينية لثلاثة أسباب مترابطة. أولها أنها مورد نفطي مهم يوفر للصين نفطًا مخفض السعر في ظل العقوبات الغربية. وثانيها أنها عقدة جغرافية ذات قيمة عالية في الربط بين آسيا الوسطى وغرب آسيا والممرات الممتدة نحو المتوسط وأوروبا. وثالثها أنها دولة معادية للهيمنة الأمريكية، ما يجعلها شريكًا مناسبًا للصين في هندسة فضاء سياسي واقتصادي أقل خضوعًا للمركز الغربي. [5][6][7][24]
ولذلك لم يكن اتفاق التعاون الممتد خمسة وعشرين عامًا الذي وقع في عام 2021 مجرد ورقة رمزية. صحيح أن تفاصيله لم تُفصح كاملة، وصحيح أن التنفيذ ظل متعثرًا قياسًا بالخطاب الذي رافقه، لكن دلالته السياسية كانت واضحة: تثبيت إيران داخل أفق تعاون طويل مع الصين في مجالات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتنسيق السياسي. [5][6]
كما أن دعم الصين انضمام إيران إلى «بريكس» يضيف بعدًا مؤسسيًا إلى هذه الشراكة؛ فهو لا يوسع فقط من خيارات طهران خارج المؤسسات الغربية، بل يدرجها أيضًا داخل إطار أوسع ترى فيه بكين أداة لإعادة وزن النظام الدولي لصالح قوى الجنوب العالمي. غير أن هذا الدعم، مرة أخرى، يظل مختلفًا عن التحالف الدفاعي؛ فهو يمنح إيران مظلة سياسية ورمزية وشبكية، لا مظلة أمنية صلبة. [24]
4.2. حدود الشراكة: بين الأهمية واللا-حتمية
مع كل ذلك، لا تبدو إيران في الحسابات الصينية أصلًا لا بديل عنه. فبروكنغز تلفت إلى أن الفكر الاستراتيجي الصيني يتجنب الاعتماد على مورد واحد أو شريك واحد في النفط، وأن الصين وضعت لنفسها قاعدة غير رسمية تمنع تجاوز 20% من الواردات النفطية من أي مورد منفرد. كما تظهر بيانات رويترز أن الصين، على الرغم من شرائها كميات كبيرة من الخام الإيراني، ظلت حريصة على تنويع مورديها إلى ثمانية بلدان تقريبًا يشكلون الحصة الكبرى نفسها التي تعتمد عليها اليابان في مصدرين فقط. [9][10]
هذه القاعدة تعني شيئًا بالغ الأهمية: الصين تريد من إيران ما تستطيع أن تمنحه، لكنها لا تريد ربط أمنها القومي بمصير إيران وحدها. ولهذا السبب، لم تتردد الشركات الصينية الكبرى في البحث عن بدائل حتى خلال الحرب. فقد أعلنت «سينوبك» صراحة أنها لن تشتري النفط الإيراني، وأنها ستخفض التشغيل وتزيد الشراء من السعودية عبر ينبع ومن مصادر أخرى خارج الشرق الأوسط. هذا السلوك ليس تفصيلًا إداريًا؛ بل يعكس فلسفة أعمق: الاستفادة من إيران ما دام ذلك ممكنًا، من دون الوقوع في أسرها. [8][9]
4.3. لماذا لا تريد الصين انهيار إيران؟
إذا كانت الصين قادرة على الاستعاضة عن جزء من النفط الإيراني، فلماذا لا تقبل بسهولة سيناريو انهيار النظام الإيراني؟ الجواب يتجاوز الطاقة. تشير بروكنغز إلى أن الصين، بوصفها دولة تضع الاستقرار السياسي فوق كل اعتبار، تنظر بقلق إلى صور السقوط الفوضوي للأنظمة، ولا سيما حين يكون الغرب حاضرًا في الخلفية. فالقضية، من منظور النخبة الصينية، لا تتعلق فقط بخسارة شريك، بل بفتح سابقة سياسية ورمزية عن انهيار نظام تحت ضغط مركب من العقوبات والحرب والاحتجاج، وهي سابقة لا ترغب بكين في تطبيعها. [11]
ثم إن انهيار إيران قد لا يفتح بالضرورة على سلطة صديقة للصين، بل قد يطلق فوضى أمنية طويلة أو يفضي إلى سلطة جديدة تسعى إلى إعادة التموضع مع الغرب. في الحالتين، تخسر الصين: إما بسبب الفوضى التي تضرب الطاقة والمشاريع، وإما بسبب تحول جيوسياسي يعيد تقوية الموقع الأمريكي في الإقليم. لذلك، فإن الموقف الصيني لا يقوم على الرغبة في انتصار طهران عسكريًا، بل على الرغبة في بقائها قابلة للحياة، قابلة للتفاوض، وغير منهارة. [6][10][11]
5.4. إيران أصلٌ جيوسياسي لا مجرد موردٍ نفطي
لا تكتسب إيران أهميتها للصين من كونها مصدرًا للخام فقط. فهي تمثل أيضًا عقدة جيوسياسية في فضاء آسيا الغربية، ودولةً خاضعة للعقوبات الغربية لكنها لم تنقطع عن الاقتصاد العالمي، وشريكًا يفيد بكين في اختبار حدود قدرتها على بناء شراكات طويلة مع دولٍ متنازع على شرعيتها الدولية. ومن هذه الزاوية، تبدو إيران حقل اختبار لطريقة اشتغال الصين مع البيئات المعاقَبة: الاستفادة الاقتصادية حيث يمكن، وتوسيع الأطر المؤسسية البديلة، لكن من دون تبني كلفة الحماية السياسية والعسكرية الكاملة. [5][11][24]
ولهذا السبب أيضًا، لا ينبغي الخلط بين القيمة الجيوسياسية لإيران والقيمة العملية الفعلية للعلاقة معها. فكلما ارتفعت المخاطر في الداخل الإيراني أو على مسارات التصدير والشحن، انخفضت القيمة العملية لبعض مزايا الشراكة، ولو بقيت القيمة السياسية العامة قائمة. وهذه النقطة تساعد على فهم سبب إصرار الصين على منع انهيار إيران، وفي الوقت ذاته امتناعها عن ربط أمنها القومي بمصيرها. فالأصل الجيوسياسي مهم، لكنه يظل مشروطًا بقابلية الأصل للاستعمال، لا بمجرد رمزيته. [7][8][11][20]
- الصين بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة: هندسة المسافات
6.1. الشراكة البراغماتية لا التحالف
كثير من النقاشات العربية تميل إلى المبالغة في تقدير عمق الاصطفاف الصيني مع إيران. غير أن بنية العلاقة بين البلدين لا تبرر هذا التوصيف. فالصين تستفيد من إيران، وتستثمر فيها سياسيًا واقتصاديًا، وتعارض ضربها بلا تفويض، لكنها لم تُظهر في أي لحظة استعدادًا لتحويل هذه الشراكة إلى تحالف دفاعي. حتى في موضوع السلاح، ظلت بكين حذرة جدًا، ورفضت علنًا التقارير التي تحدثت عن نيتها إرسال أسلحة إلى إيران، ووصفتها بأنها افتراءات وتداعيات خبيثة. [16]
وإذا كان من الممكن افتراض وجود أشكال من الإسناد غير المباشر أو المزدوج الاستخدام، فإن ذلك يظل ضمن المنطقة الرمادية التي تسمح للصين بمنع الانهيار الكامل من دون تحمل كلفة التحول إلى طرف مقاتل. بعبارة أخرى، العلاقة الصينية – الإيرانية ليست علاقة «حليف يدافع عن حليف»، بل علاقة «شريك يمنع خسارة شريكه ما دامت كلفة المنع مقبولة». وهذا فارق بنيوي لا تكتيكي فقط. [6][10][11][16]
6.3. الولايات المتحدة بوصفها قيدًا وهيكلًا في آن واحد
إذا كانت إسرائيل تمثل قيدًا تكتيكيًا على الحركة الصينية، فإن الولايات المتحدة تمثل القيد البنيوي الأوسع. فبكين لا تدير ملف إيران في فراغ، بل في سياق تنافس شامل مع واشنطن يشمل التجارة والتقنية وتايوان والمحيطين الهندي والهادئ. ولهذا اكتسبت قمة شي – ترامب المرتقبة في ربيع 2026 وزنًا مباشرًا في السلوك الصيني؛ إذ صار مطلوبًا من بكين أن تنتقد الحرب بما يكفي لحماية صورتها ومصالحها، لكن من دون أن تدفع العلاقة مع واشنطن إلى قطيعة أو صدام لا يمكن احتواؤه. [22]
بهذا المعنى، لا تقيد الولايات المتحدة الصين فقط بوصفها خصمًا، بل أيضًا بوصفها منتجًا للبيئة التي تتحرك فيها الصين نفسها. فهي ما تزال الفاعل الأمني الأثقل في الخليج، والطرف القادر على تحويل العقوبات إلى أداة تعطيل واسعة، وصاحبة التأثير الأكبر في إسرائيل وفي كثير من البنى المالية والبحرية التي يحتاجها الاقتصاد العالمي. ولهذا فإن أي قراءة للموقف الصيني تتجاهل هذا القيد البنيوي ستنتهي، غالبًا، إلى المبالغة في تقدير ما تستطيع بكين فعله أو ما ترغب في فعله من أجل إيران. [10][16][22]
6.2. إسرائيل في الحسابات الصينية: شريك تقني لا خصمٌ وجودي
على الرغم من تصاعد النقد الصيني للضربات الإسرائيلية على إيران منذ 2025، لا تتعامل بكين مع إسرائيل بوصفها عدوًا استراتيجيًا يقتضي القطيعة. فالعلاقة بين الجانبين، وإن تضررت بفعل الحروب المتعاقبة وضغوط واشنطن، لم تقم أصلًا على تحالف سياسي شامل، بل على تعاون اقتصادي – تقني ومصالح محددة. وهذا يعني أن المجال ما يزال مفتوحًا، من منظور الصين، لإعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل متى تراجعت شدة الأزمة أو تبدلت البيئة السياسية المحيطة بها. [10][25][32]
غير أن هذه العلاقة تحكمها قيود واضحة. فإسرائيل ليست فاعلًا مستقلًا تمامًا عن المظلة الأمريكية في الملفات الحساسة، لا سيما التكنولوجيا المتقدمة والبنية الأمنية. ولذلك لا يمكن للصين أن تراهن على تعميق شراكة استراتيجية مع تل أبيب بمعزل عن موقف واشنطن. وهي، لهذا السبب، تحاول إبقاء العلاقة في نطاقها العملي الممكن: عدم تحويل إسرائيل إلى خصم مبدئي، لكن من دون السماح لها أيضًا بأن تصبح بوابة ضغط أمريكي إضافية على السياسة الصينية في الشرق الأوسط. [10][22]
وعليه، فإن الموقف الصيني من إسرائيل في هذه الأزمة هو موقف نقدي – تحفظي، لا موقف قطيعة شاملة. وهذا ينسجم مع القاعدة نفسها: بكين تريد وقف الأفعال التي تضر بمصالحها وتخالف سرديتها القانونية، لكنها لا تريد توسيع دائرة الخصوم إلى الحد الذي يضيق معها هامش حركتها في المنطقة. [18][25]
- السلوك الصيني منذ اندلاع الحرب
5.1. الإدانة القانونية لا الاصطفاف العسكري
منذ الأيام الأولى للحرب، صاغت الصين موقفها الرسمي بلغة قانونية – سياسية واضحة نسبيًا. فقد دعت إلى وقف فوري للهجمات واستئناف الحوار، ثم شددت لاحقًا على أن الحرب «ما كان ينبغي أن تقع»، وأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران جرت من دون تفويض أممي وفي أثناء عملية تفاوض جارية، بما يخالف القانون الدولي ومبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. [1][3][4]
هذا الموقف يحمل ثلاث رسائل. الرسالة الأولى موجهة إلى إيران، ومفادها أن بكين لا تساوي بين الطرف الذي بدأ استخدام القوة والطرف الذي وقع عليه الهجوم. الرسالة الثانية موجهة إلى دول الجنوب العالمي، ومفادها أن الصين ما تزال تتمسك بسردية «السيادة وعدم التدخل» في مواجهة النموذج الأمريكي. أما الرسالة الثالثة فموجهة إلى الولايات المتحدة نفسها: الصين مستعدة لاستخدام الخطاب القانوني لتقويض شرعية أفعال واشنطن حين ترى في ذلك مصلحة استراتيجية. غير أن شيئًا واحدًا كان غائبًا عن هذا الخطاب: أي تعهد صريح بالدفاع عن إيران أو تقديم ضمانات عسكرية لها. وهذا الغياب بالغ الدلالة. [1][3][4][18]
5.2. الوساطة: وظيفة سياسية أكثر من كونها قدرة حاسمة
لم تكتف بكين بالإدانة الكلامية، بل أرسلت مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط، وأعلنت أنها تقوم بدبلوماسية مكوكية للحد من التصعيد، كما أجرى وانغ يي عشرات المكالمات والاجتماعات مع نظرائه من دول المنطقة والقوى المعنية. وفي نيسان/أبريل 2026 كانت رويترز قد أحصت نحو ثلاثين اتصالًا واجتماعًا في هذا السياق، في حين جال المبعوث الصيني على خمس عواصم خليجية وعربية. [2][4][22]
لكن تقييم وظيفة هذه الوساطة يقتضي الحذر من المبالغة. فالصين قادرة بالفعل على فتح القنوات، وطرح نفسها طرفًا مقبولًا من عدة جهات، والاستفادة من الرصيد الذي راكمته منذ وساطتها بين السعودية وإيران في 2023، غير أنها لا تمتلك وسائل الإلزام أو الردع التي تحولها إلى وسيط حاسم يفرض صيغة نهائية. ولذلك ينبغي فهم الوساطة الصينية على مستويين: مستوى عملي يهدف إلى منع الانفجار الكامل وإبقاء خطوط الاتصال حيّة، ومستوى رمزي – استراتيجي يهدف إلى تكريس صورة الصين كقوة سلام مسؤولة في مقابل صورة أمريكية أكثر اقترانًا بالضربات والقوة الخشنة. [2][10][22][23]
5.3. هرمز بوصفه مركز القرار الصيني
إذا كان ثمة ملف واحد يمكن اعتباره لبّ القرار الصيني في الحرب، فهو مضيق هرمز. فمنذ الأيام الأولى للتصعيد، دخلت بكين في محادثات مع طهران من أجل السماح بمرور آمن للنفط الخام وسفن الغاز الطبيعي المسال، بينما شددت على أن حماية الملاحة في المضيق مصلحة للمجتمع الدولي كله. [12][16]
وتستند هذه الحساسية إلى سبب موضوعي صريح: هرمز ليس مجرد ممر نفطي عادي، بل نقطة اختناق تمس مباشرة الأسواق التي تعتمد عليها الصين. فبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تظهر أن المضيق يمر عبره أكثر من ربع النفط المنقول بحرًا على مستوى العالم، وأن الأسواق الآسيوية – وفي مقدمتها الصين – هي الأكثر تعرضًا لأي تعطيل فيه. ومن هنا، فإن الأولوية الصينية لم تكن مجرد التعاطف مع إيران أو الاعتراض على الضربات، بل الحيلولة دون تحول الحرب إلى شلل طويل في شريان التجارة والطاقة العالمي. [13][14]
5.4. بين رفض الحصار ورفض التوسع العسكري
عندما أعلنت الولايات المتحدة إجراءات الحصار البحري، سارعت الصين إلى القول إن حصار هرمز لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي، وإن الحل يكمن في وقف النار الشامل والدائم لا في رفع منسوب الضغط العسكري. وفي مجلس الأمن، لم تكتفِ الصين بالتحفظ اللفظي، بل شاركت روسيا في إسقاط مشروع قرار يدعو إلى تنسيق الجهود الدولية لحماية الملاحة، معتبرة أن الصيغة المطروحة منحازة ضد إيران ويمكن أن تمنح غطاءً لتصعيد أكبر. [15][16]
هذا السلوك يعكس منطقًا صينيًا متماسكًا. فبكين لا تريد فتح المضيق بأي ثمن، إذا كان الثمن هو شرعنة استخدام أوسع للقوة الأمريكية. وهي، في الوقت ذاته، لا تقبل أيضًا أن يظل المضيق رهينة لحرب استنزاف طويلة. لذلك تتبنى معادلة دقيقة: فتح الممرات من خلال تسوية سياسية أو على الأقل هدنة مستقرة، لا من خلال تكريس وضع أمني يعمق اعتماد المنطقة على الإكراه العسكري الأمريكي. [15][16]
وزاد هذا المسار وضوحًا مع استمرار الخارجية الصينية في ربط أي مسار للتهدئة بعودة «المحادثات ذات المعنى»، ومع اتصالات وانغ يي المتكررة بنظرائه في المنطقة، بما في ذلك حديثه مع نظيره الإيراني والدعوة إلى اغتنام كل فرصة متاحة للسلام. فالصين لم تكتفِ، عمليًا، بإدانة الضربات الأولى، بل حافظت على خطاب تفاوضي متصل طوال أسابيع الحرب، وهو ما يعزز قراءة موقفها بوصفه سعيًا إلى منع تبلور منطق الحرب الدائمة، لا مجرد رد فعل ظرفي على موجة التصعيد الأولى. [22][29][33]
- اختبار الفرضيات المتنافسة: أين تقف الصين فعلًا؟
8.1. هل يفسر «الحياد النفعي» السلوك الصيني؟
تبدو فرضية الحياد النفعي مغرية للوهلة الأولى؛ فالصين أكبر مستورد للطاقة، وكل اضطراب في هرمز يمسّها مباشرة، وقد اتخذت بالفعل إجراءات لتوسيع الاحتياطيات وتنويع الإمدادات ورفع الإنتاج المحلي. لكن هذه الفرضية، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فلو كانت بكين لا ترى في الحرب إلا مسألة ناقلات، لما كان ثمة داعٍ إلى لغة الإدانة القانونية الصريحة، ولا إلى إرسال مبعوث خاص، ولا إلى التشديد المتكرر على وقف الضربات واستئناف المفاوضات، ولا إلى تحميل الحصار البحري الأمريكي معنى سياسيًا وقانونيًا يتجاوز أثره الاقتصادي المباشر. [1][2][16][18][26][27]
الأدق أن يقال إن أمن الطاقة هو نقطة الانطلاق في القرار الصيني، لا نهايته. فهو المحدد الأكثر استعجالًا، لكنه لا يفسر وحده حرص بكين على منع انهيار الدولة الإيرانية، ولا رغبتها في البقاء داخل المعادلة التفاوضية، ولا استثمارها المستمر لخطاب الشرعية الدولية. وحين يصبح المتغير الاقتصادي وحده غير كافٍ لتفسير بقية عناصر السلوك، يسقط ادعاء أن الصين مجرد مشترٍ كبير للنفط يحاول حماية حسابه التجاري. إنها أكثر من ذلك، لكنها أقل من أن تكون ضامنًا أمنيًا أو قائدًا للحرب. [10][11][22]
8.2. هل الانحياز المقنّع إلى إيران هو التفسير الأفضل؟
في المقابل، تقوّي بعض المعطيات فرضية الانحياز المقنّع إلى إيران. فالصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وقد دعمت طهران في أطر غير غربية، وتحدثت تقارير متعددة عن احتمال انتقال صواريخ أو مكونات أو أنظمة دفاعية صينية إلى إيران، أو عن تفاوض في هذا الشأن. كما أن الخطاب الصيني يحمّل الضربات الأمريكية والإسرائيلية مسؤولية أساسية عن التصعيد، ويرفض علنًا منطق تغيير الأنظمة بالقوة. كل ذلك يجعل فرضية الميل إلى إيران أكثر من مجرد سوء فهم. [5][7][24][30][31]
لكن هذه الفرضية تصطدم بسؤال بسيط: أين تظهر كلفة الانحياز إذا كان انحيازًا حقيقيًا؟ حتى الآن، لا توجد مؤشرات قاطعة على أن بكين قررت تحمل كلفة دفاعية صلبة عن طهران. لم تُشترَ إيران علنًا من قبل الشركات الحكومية الكبرى في ذروة الأزمة، ولم تنتقل الصين إلى مظلة إنقاذ مالية واسعة، ولم تضع نفسها في موقع المواجهة المفتوحة مع واشنطن دفاعًا عن إيران. بل إن مجمل السلوك يشير إلى مساعدة ما يكفي لمنع التدهور الكامل، لا ما يكفي لتحويل الصين إلى طرف في الحرب. ومن ثم، فالتفسير الأدق ليس «الانحياز المقنّع» بالمعنى التحالفي، بل «الانحياز المحدود» الذي تحكمه حدود الكلفة. [8][22][26][30]
8.3. هل تنظر الصين إلى الحرب أساسًا بوصفها فرصة لإضعاف الولايات المتحدة؟
ثمّة جانب صحيح في هذا الطرح أيضًا. فكل حرب أمريكية طويلة في الشرق الأوسط تتيح لبكين، موضوعيًا، فرصة لمراكمة خطاب نقدي حول القانون الدولي والهيمنة والكلفة الاقتصادية العالمية للقرارات الأمريكية. كما أن كل تراجع في الثقة الإقليمية بواشنطن يفتح مجالًا أوسع للحضور الصيني الاقتصادي والدبلوماسي. لكن تحويل هذا الجانب إلى التفسير الوحيد يظل مبالغة؛ لأن الصين، لو جعلت إنهاك الولايات المتحدة أولويتها المطلقة، لكانت أكثر استعدادًا لتحمل انفجار أوسع في أسواق النفط والغاز، وهو ما لا يظهر في سلوكها الفعلي. [18][19][21][22]
بمعنى آخر، تستفيد الصين من أخطاء واشنطن، لكنها لا تسعى إلى تعظيمها مهما كانت الكلفة. فهي تريد من الحرب أن تُضعف صورة الولايات المتحدة، لا أن تدمّر بيئة التجارة العالمية التي يعيش عليها اقتصادها. وهذا فارق بالغ الأهمية. إن السياسة الصينية، في هذه الأزمة، ليست سياسة «كلما خسر الأمريكيون ربحتُ أنا»؛ بل سياسة «أستفيد من خسائرهم ما دامت لا تنقلب خسارةً عليّ». ولذلك اقترنت لهجتها النقدية بحذر شديد من الانزلاق إلى مواجهة تُفسد قنوات الاتصال مع واشنطن أو ترفع كلفة الطاقة والتمويل إلى مستويات مدمرة. [19][22]
8.4. التفسير الأرجح: قوة موازنة اقتصادية – دبلوماسية تمنع الحسم وتخفض الكلفة
بجمع هذه الاختبارات معًا، يظهر أن التفسير الأرجح هو أن الصين تتحرك بوصفها قوة موازنة اقتصادية – دبلوماسية تريد منع حسم إقليمي يعيد تشكيل الشرق الأوسط على نحو معادٍ لها، لكنها تريد فعل ذلك بأدوات منخفضة الكلفة نسبيًا. فهي لا تريد نصرًا أمريكيًا – إسرائيليًا صافيًا يهمش إيران ويجدد مركزية واشنطن. ولا تريد، في المقابل، حربًا مفتوحة تعطل الطاقة وتدفعها إلى تحمل أعباء ليست مستعدة لها. وهي، فوق ذلك، لا تريد لإيران أن تنهار، لكنها لا تريد كذلك أن تتحول إلى عبء استراتيجي لا يمكن إدارته. [10][11][22]
هذا التفسير ينسجم مع انتظام السلوك الصيني عبر الملفات المختلفة: خطاب قانوني يرفض الضربات والحصار؛ نشاط دبلوماسي يفتح القنوات ولا يَعِد بما لا يستطيع؛ حذر اقتصادي يدفع إلى التنويع لا إلى الارتهان؛ واستعداد محدود، إن صحّت بعض التقارير، لتقديم دعم منخفض البصمة السياسية لا يبلغ حدّ التورط المكشوف. ومن هنا فإن سؤال «هل الصين مع إيران؟» يصبح سؤالًا ناقصًا. الأدق أن نسأل: ما الحد الأدنى الذي يمنع هزيمة إيران، وما الحد الأقصى الذي تتجنبه الصين كي لا تصبح جزءًا من الحرب؟ في المسافة بين الحدين تتموضع بكين فعلًا. [8][22][30][31]
- الحرب بوصفها اختبارًا للقوة الصينية
7.1. ما الذي تستطيع الصين فعله؟
تكشف الأزمة الراهنة أن الصين باتت قادرة على ثلاثة أشياء بفاعلية نسبية. أولًا، التأثير في أسواق الطاقة عبر حجم الطلب، وإعادة توجيه سلاسل التوريد، واستخدام الاحتياطيات، والضغط الدبلوماسي لتخفيف اختناقات الملاحة. ثانيًا، توفير قنوات اتصال ووساطة مع أطراف لا تثق بعضها ببعض. ثالثًا، تحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز خطابها عن «القانون الدولي» و«السيادة» و«التسوية السياسية». [12][15][16][20][22]
هذه القدرات ليست هامشية؛ فهي تكفي لجعل الصين طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي حسابات طويلة حول مستقبل الحرب أو أمن الطاقة أو إعادة الإعمار. لكنها، في الوقت نفسه، لا تعني أن بكين قادرة على إدارة المسرح عسكريًا أو فرض ترتيبات ردعية فيه. ومن ثم، فالقوة الصينية هنا هي قوة نفوذ شبكي ودبلوماسية اقتصادية، لا قوة هيمنة أمنية. [10][11][15]
7.2. وما الذي لا تستطيع فعله؟
لا تستطيع الصين، في الوضع الراهن، أن تكون ضامنًا أمنيًا للخليج بديلًا عن الولايات المتحدة. ليس لأنها تفتقر فقط إلى القواعد والبوارج والانتشار العملياتي، بل أيضًا لأنها لا تبدو راغبة سياسيًا في تحمل عبء كهذا بعيدًا عن مسرحها الأول في غرب الهادئ. تشير بروكنغز بوضوح إلى أن بكين ستبقي أولوياتها العسكرية مركزة حول تايوان والبحار المحيطة بها، وأن توسعها في الشرق الأوسط سيظل غالبًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا أكثر منه أمنيًا. [10]
ولهذا السبب تحديدًا، فإن الصين تستفيد من الأمن الذي ينتجه الآخرون حتى حين تنتقده. فهي تتضرر من اضطراب هرمز، لكنها لا تمتلك بنية مستقلة كاملة لتأمينه. وتريد خفض كلفة الوجود الأمريكي في المنطقة، لكنها لا تملك بعد بديلاً عمليًا يملأ الفراغ الذي قد يتركه هذا الوجود إذا انسحب سريعًا. وهذا التناقض ليس عرضًا مؤقتًا، بل سمة بنيوية في صعود الصين العالمي حتى الآن. [10][13][14][15]
7.3. الفيتو في مجلس الأمن: تعبير عن المبدأ أم عن الحساب؟
يمكن قراءة الفيتو الصيني – الروسي ضد قرار حماية الشحن في هرمز من زاويتين متكاملتين. فمن زاوية أولى، هو تعبير عن موقف مبدئي يرفض تحويل الأمن البحري إلى مدخل لشرعنة استخدام القوة ضد إيران. ومن زاوية ثانية، هو فعل مصلحي يهدف إلى منع الولايات المتحدة من ترجمة الأزمة إلى مظلة قانونية دولية تعيد تثبيت هيمنتها الأمنية على الممرات الحيوية. [15]
هاتان الزاويتان ليستا متناقضتين. فالسياسة الخارجية الصينية كثيرًا ما تمزج بين اللغة المعيارية والحساب الاستراتيجي. والمهم هنا أن بكين، حتى حين تعترض على صيغة أمنية مدعومة غربيًا، لا تفعل ذلك لأنها تقبل بإغلاق المضيق، بل لأنها تريد صيغة أقل عدائية تجاه إيران وأكثر التصاقًا بمنطق وقف النار والتفاوض. وهذا يضعها في موقع معقد: هي مع فتح الملاحة، لكنها ضد الآلية التي قد تفتحها إذا كانت تعيد توطيد التفوق الأمريكي. [15][16]
والخلاصة المنهجية هنا أن الحرب لم تكشف ضعف الصين بقدر ما كشفت نوع قوتها. فهي قوة قادرة على التأثير في اتجاهات السوق، وفي حسابات بعض العواصم، وفي اللغة القانونية السائدة حول الأزمة، لكنها ليست بعدُ قوة قادرة على تحويل هذا التأثير إلى نظام أمني بديل. ولذا فإن قراءة الأزمة بوصفها برهانًا على «فشل» الصين أو على «صعودها الحاسم» معًا قراءة مضللة؛ الصحيح أنها برهان على انتقال الصين إلى مرحلة من الحضور الكثيف الذي لم يكتمل بعد في صورة هيمنة. [10][22]
- الاقتصاد السياسي للحرب: ماذا تكسب الصين وماذا تخسر؟
8.1. الخسارة الفورية: الطاقة والنقل والتجارة
الحرب لم تكن مكسبًا اقتصاديًا مباشرًا للصين. فقد أظهرت بيانات نيسان/أبريل 2026 تباطؤ الصادرات الصينية وتقلص الفائض التجاري بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وضعف الطلب العالمي. كما أدت الأزمة إلى زيادة الضغوط على المصنعين الصينيين، وخصوصًا في القطاعات كثيفة الاستهلاك للمواد الأولية التي ارتفعت أسعارها على وقع الاضطراب في الشرق الأوسط. [19][21]
وعلى صعيد الطاقة، أظهرت رويترز أن الصين لا تزال تعاني صعوبات في تعويض كامل النقص في الإمدادات الشرق أوسطية، وأن وارداتها الإجمالية من الخام والوقود تراجعت مقارنة بالعام السابق، على الرغم من التحول نحو روسيا والبرازيل وشمال أفريقيا. وهذا يعني أن قدرة الصين على التنويع مهمة لكنها ليست عصا سحرية؛ إذ تظل هناك كلفة انتقالية ملموسة كلما تضررت الممرات التقليدية في الخليج. [20]
8.2. المكسب المتوسط: توسيع شبكة البدائل
لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى الجانب الآخر. فالأزمات كثيرًا ما تدفع الصين إلى تسريع مسارات كانت قائمة أصلًا. والحرب الحالية دفعت بكين إلى توسيع تعاونها مع الإمارات في الطاقة التقليدية والجديدة، وإلى البحث عن بدائل نفطية وغازية أوسع، وإلى استخدام أكبر للاحتياطيات وتنويع المنتجات والمسارات. ومن المرجح أن يؤدي هذا كله إلى جعل منظومة الأمن الطاقوي الصينية أكثر مرونة على المدى المتوسط، حتى لو ارتفعت كلفتها في المدى القصير. [17][18][20]
كما أن الحرب تعزز جاذبية الصين لدى بعض الفاعلين الإقليميين باعتبارها شريكًا اقتصاديًا لا يربط الاستثمار بالشروط السياسية نفسها التي تربطه بها واشنطن في أحيان كثيرة. وهذه ليست مسألة ثانوية؛ إذ قد تترجم لاحقًا إلى عقود أوسع في البنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا اللوجستية والذكاء الاصطناعي. [10][17][18]
8.3. إعادة الإعمار بوصفها أفقًا صينيًا محتملًا
ثمة بعد آخر لا ينبغي إغفاله، وهو أن الصين، حتى إذا تضررت مشاريعها الحالية في إيران بسبب الحرب، قد تجد نفسها في موقع متميز للمشاركة في إعادة الإعمار إذا انتهت الحرب أو تجمدت عند مستوى يسمح بعودة الاستثمارات. وقد كشفت رويترز عن استمرار عقود ومناقصات صينية في إيران شملت قطاعات من الصلب والطاقة والنقل والشبكات الكهربائية حتى قبيل اندلاع الحرب، بما يدل على أن إيران بقيت، رغم كل شيء، مجالًا مفتوحًا أمام الشركات الصينية حين يتراجع الحضور الغربي. [7]
هذا لا يعني أن الصين تتمنى الدمار من أجل الإعمار، بل يعني أنها تملك قدرة خاصة على العمل في البيئات عالية المخاطر مقارنة بالمستثمرين الغربيين. فإذا انتهت الأزمة إلى مرحلة تسويات غير مكتملة ولكنها قابلة للإدارة، فغالب الظن أن بكين ستكون في مقدمة القوى المستعدة للعودة اقتصاديًا، لا سيما إذا اقترنت إعادة الإعمار بترتيبات تمويل وتوريد لا تريدها الدول الغربية أو لا تستطيع المخاطرة بها. [7][10]
لكن هذه الفرصة المحتملة لا ينبغي فصلها عن معضلتها الأخلاقية والسياسية. فكلما توسع حضور الصين في بيئات ما بعد الحرب، تعاظمت الحاجة إلى تفسير ما إذا كانت بكين تستثمر الفوضى أم تساعد على ترميمها. ولأن الصين تقدم نفسها باعتبارها قوة سلام وتنمية، فإن نجاحها المستقبلي لن يعتمد على حجم العقود وحده، بل على قدرتها على إقناع شركائها بأن عودتها ليست مجرد استعاضة عن انسحاب الغرب، بل إضافة حقيقية للاستقرار وإعادة البناء. [10][22]
ومع أن بعض هذه الخسائر آنية، فإن أثرها الاستراتيجي أعمق مما يبدو. فكل أزمة كبرى في الخليج تعيد تذكير بكين بأن قدرتها على التخطيط الطويل الأمد للممرات التجارية والطاقة تظل رهينة لعوامل أمنية لا تتحكم بها تحكمًا كاملًا. ومن ثم، فإن الحرب لا تدفع الصين فقط إلى تنويع الموردين؛ بل تدفعها أيضًا إلى إعادة التفكير في توازنها بين الكفاءة الاقتصادية من جهة، والصلابة الجيوسياسية من جهة أخرى. فالمورد الأرخص ليس دائمًا المورد الأأمن، والممر الأقصر ليس دائمًا الممر الأقل تعرضًا للابتزاز. [19][20][21][26][27]
- الصين وإيران بعد الحرب: أي علاقة؟
9.1. استمرار الشراكة… لكن بشروط أشد براغماتية
من المرجح أن تخرج العلاقة الصينية – الإيرانية من هذه الحرب أكثر وضوحًا من حيث حدودها. فالحرب أثبتت لإيران أن الصين لن تتخلى عنها سياسيًا بسهولة، لكنها أثبتت لها أيضًا أن بكين لن تقاتل من أجلها. وفي المقابل، أثبتت للصين أن الاعتماد المفرط على النفط الإيراني، حتى لو كان مربحًا سعريًا، يمكن أن يتحول سريعًا إلى عبء إذا ارتبط بمخاطر ملاحية وحربية عالية. لذلك، فإن النتيجة الأرجح ليست فك الارتباط، بل إعادة معايرة أدق للشراكة. [7][8][20][22]
وقد تشمل هذه المعايرة توسيع مجالات التعاون غير النفطي إذا وجدت الصين بيئة عمل أقل خطورة، أو العكس: إبقاء إيران أساسًا كمورد نفطي وشريك سياسي محدود الوظيفة إذا ظلت الفوضى مرتفعة. وفي كلتا الحالتين، ستسعى الصين إلى تقليص انكشافها الأحادي، لا إلى القطيعة مع طهران. [5][6][7]
9.2. هل يمكن أن تعيد الصين النظر جذريًا؟
إعادة النظر الجذرية في العلاقة تبقى احتمالًا ضعيفًا ما لم تقع ثلاثة تحولات كبرى معًا: انهيار حاد ومستمر في قدرة إيران على التصدير، وتصاعد غير قابل للاحتواء للمخاطر الأمنية على المشاريع الصينية، وظهور بدائل إقليمية أو دولية تمنح بكين ما تمنحه إيران بسعر سياسي أقل. ما دون ذلك، تبدو الشراكة قابلة للاستمرار لأنها تخدم حاجة صينية حقيقية، حتى لو كانت حاجة قابلة للتعويض الجزئي. [9][10][11]
ومع ذلك، فإن الرسالة الأهم التي تعلمتها الصين من الحرب هي أن قيمة إيران بالنسبة إليها ليست ثابتة بذاتها، بل مشروطة بقدرتها على البقاء موردًا واصلًا لا نقطة اختناق. فإذا تحولت إيران من جسر إلى عبء دائم، فسيميل المنطق الصيني إلى توسيع المروحة الإقليمية والاعتماد أقل على العلاقة الثنائية الخاصة، من دون أن يصل ذلك بالضرورة إلى حد التخلي السياسي عن طهران. [7][9][20]
ولهذا يرجَّح أن تتجه العلاقة، في المدى المتوسط، إلى قدر أكبر من «الانتقائية الوظيفية». فالصين ستبقي على ما يفيدها من النفط والتجارة والربط المؤسسي، لكنها ستصبح أكثر تشددًا في فحص المخاطر، وأكثر ميلًا إلى تفضيل المشروعات القابلة للحماية أو الإخلاء أو التعويض السريع. أما المشاريع التي تفترض استقرارًا سياسيًا أو ماليًا أو لوجستيًا طويل الأمد، فقد تتعرض لإعادة تقييم أكثر برودة مما كان سائدًا قبل الحرب. والنتيجة ليست فك الارتباط، بل انتقال الشراكة من مرحلة الوعود العريضة إلى مرحلة الفرز الأكثر صرامة. [7][8][11][22]
- البعد النظامي: ماذا تعني الحرب للتنافس الأمريكي – الصيني؟
10.1. الحرب كمرآة لشرعية القوة
من أهم ما تتيحه الحرب لبكين أنها تمنحها مادة خصبة للطعن في الادعاء الأمريكي بقيادة «النظام القائم على القواعد». فحين تقول الصين إن الضربات على إيران جرت من دون تفويض أممي وإنها انتهكت سيادة دولة في أثناء مسار تفاوضي، فهي لا تدافع عن إيران فقط، بل تبني أيضًا سردية أشمل عن انتقائية الغرب في استخدام القانون الدولي. [3][4][18]
هذه السردية تجد صدى واسعًا في دول الجنوب العالمي، حتى لو لم تتبنَّ هذه الدول جميعها السياسات الصينية نفسها. وهي مهمة لأن بكين لا تحتاج إلى إقناع الجميع بأنها أكثر أخلاقية من الولايات المتحدة؛ يكفيها أن تزرع الشك في ادعاء واشنطن احتكار الشرعية. والحرب، بهذا المعنى، ليست أزمة إقليمية فقط، بل مناسبة لإعادة توزيع الرمزية السياسية في النظام الدولي. [10][18]
10.2. تايوان في الخلفية
رغم أن الصين لا تكرر رسميًا مقارنة ميكانيكية بين إيران وتايوان، فإن الحرب تقدم لها مختبرًا سياسيًا مهمًا. فمن جهة، تستطيع بكين أن تشير إلى أن واشنطن تبرر استخدام القوة الوقائية حين يتعلق الأمر بأمن حلفائها أو بمخاوفها من التهديدات المستقبلية. ومن جهة ثانية، تذكّرها الحرب بأن الولايات المتحدة، حتى وهي غارقة في أزمات الشرق الأوسط، لا تزال قادرة على الحفاظ على التزاماتها تجاه تايوان وعلى إدارة أكثر من مسرح في وقت واحد. [18][22]
ولذلك، فالحرب لا تمنح الصين شرعية مجانية لأي تحرك تجاه تايوان، لكنها تمنحها حججًا إضافية في معركة السرديات حول السيادة وازدواجية المعايير. وفي المقابل، تفرض عليها أيضًا أن تحسب جيدًا كلفة أي اندفاع عسكري واسع، لأن الدرس الآخر الذي تنتجه الأزمة هو أن السيطرة على التصعيد أصعب من إطلاقه. وهذا استنتاج تحليلي يستند إلى بنية الموقف، لا إلى تصريح صيني مباشر. [18][22]
10.3. من الشرق الأوسط إلى النظام الدولي
عمليًا، لا تنظر بكين إلى هذه الحرب باعتبارها ملفًا إقليميًا منفصلًا عن بنية التنافس الدولي. فهي تختبر فيها مدى استعداد واشنطن لاستخدام القوة عندما ترى أن مصالحها أو مصالح حلفائها مهددة، كما تختبر قدرة الولايات المتحدة على الجمع بين إدارة حرب في الشرق الأوسط والحفاظ على انضباط تحالفاتها في شرق آسيا. وفي الوقت نفسه، تحاول الصين أن تظهر لدول المنطقة وللجنوب العالمي أنها أقل ميلًا إلى العسكرة وأكثر التزامًا بلغة التسوية. هذه المعركة على الصورة ليست ثانوية؛ لأنها جزء من التنافس على تعريف من هو «الفاعل المسؤول» في النظام الدولي. [10][18][22]
غير أن توظيف الصين لهذه الحرب في السجال الدولي يظل محكومًا بحذر مزدوج. فهي لا تريد أن تبدو كمن يبرر لنفسه مسبقًا ما يرفضه عند الآخرين، ولا تريد في الوقت نفسه أن تترك لواشنطن وحدها احتكار تعريف الشرعية الدولية. لذلك تميل بكين إلى استخدام لغة عامة عن السيادة ورفض الانتقائية وضرورة المفاوضات، مع ترك هامش واسع للتأويل الاستراتيجي. وهذا ما يجعل أثر الحرب على ملف تايوان أثرًا سياسيًا – سرديًا بالدرجة الأولى، لا أثرًا قانونيًا مباشرًا يمنح الصين «سابقة جاهزة». [18][22][28]
- تقييم ختامي للموقع الصيني في الحرب
إذا أردنا تلخيص الموقف الصيني بجملة واحدة، فيمكن القول إن الصين تقف إلى جانب «إدارة الأزمة بما يمنع خسارة الجميع دفعة واحدة، ويزيد اعتماد الجميع عليها بعد توقف النار». فهي ليست مع إيران بوصفها قضية هوية أو تحالف مصيري، لكنها أقرب إلى منع إضعافها الحاد أو انهيارها. وليست مع الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب، لكنها لا تريد أيضًا تدمير إمكانات التفاهم مع واشنطن ولا إغلاق باب العلاقة مع تل أبيب. وهي، قبل هذا وبعده، مع بقاء مضيق هرمز مفتوحًا، ومع عودة التفاوض، ومع كل ما يسمح بتحويل الأزمة إلى فرصة لتعظيم النفوذ الصيني بأقل كلفة أمنية ممكنة. [1][4][12][16][18][22]
هذا التوصيف يفسر لماذا بدت الصين في لحظات كثيرة أكثر نشاطًا مما كانت عليه في أزمات سابقة، من دون أن تتحول إلى فاعل حاسم. فقد أدركت بكين أن مصالحها المباشرة تضغط عليها كي تتحرك، لكنها أدركت أيضًا أن المبالغة في التحرك قد تورطها في التزامات لا تريدها. والنتيجة هي ما يمكن تسميته «دبلوماسية الحافة»: الاقتراب من مركز الأزمة بما يكفي للتأثير في مسارها، والابتعاد عنها بما يكفي لتجنب دفع أثمان الهيمنة الأمنية. [10][22]
والأهم أن هذا التموضع لا يعكس فقط حدود الصين، بل يعكس أيضًا طبيعة مشروعها الدولي. فبكين لا تريد أن ترث النموذج الأمريكي في الشرق الأوسط بحمولته العسكرية والأمنية الكاملة، بل تريد أن تحصد ما يسمح به تآكل ذلك النموذج من فرص اقتصادية ودبلوماسية ورمزية. بعبارة أخرى، الصين تريد أن تتوسع من خلال الفراغات التي يصنعها الآخرون، لا من خلال ملء كل الفراغات بنفسها. [10][18][22]
ويترتب على ذلك أن معيار النجاح الصيني ليس إنهاء الحرب من موقع القائد، بل الخروج منها من دون خسارة أي خط رئيس في استراتيجيتها: أن تبقى إيران موجودة وقابلة للتعامل، وأن يبقى الخليج مفتوحًا نسبيًا أمام الطاقة والتجارة، وأن تظل واشنطن محتاجة إلى قنوات لا تستطيع الاستغناء عنها، وأن لا تتحول إسرائيل إلى خصم نهائي، وأن تخرج دول المنطقة بانطباع أن الصين، حتى حين لا تستطيع الضمان، تستطيع على الأقل أن تخفض المخاطر وأن تُبقي البدائل مفتوحة. وهذا معيار أقل درامية من معايير الانتصار العسكري، لكنه أكثر اتساقًا مع طبيعة المشروع الصيني نفسه. [10][18][22][34]
- السيناريوهات المرجحة
12.1. السيناريو الأول: تهدئة تفاوضية طويلة
يفترض هذا السيناريو استمرار الهدنة الحالية أو تحويلها إلى إطار تفاوضي أكثر صلابة يشمل الملاحة والملف النووي والضمانات المتبادلة. في هذه الحال، ستكون الصين من أكبر المستفيدين نسبيًا؛ إذ تستعيد جزءًا مهمًا من انسياب الطاقة، وتكرس حضورها الدبلوماسي، وتحافظ على إيران من دون الاصطدام بواشنطن، وتوسع في الوقت نفسه شراكاتها مع الخليج. وهو السيناريو الأقرب إلى التفضيل الصيني الرسمي. [12][16][17][18][22][23]
12.2. السيناريو الثاني: حرب منخفضة الشدة طويلة الأمد
يفترض هذا السيناريو بقاء التوتر عند مستوى الضربات المتقطعة والضغط البحري والاقتصادي من دون انهيار شامل. هنا ستواصل الصين على الأرجح ما بدأت به فعلًا: تنويع سريع للطاقة، استخدام أكبر للاحتياطيات، دفع دبلوماسي متواصل، وإبقاء خطوط الإسناد الاقتصادي غير المباشر لإيران ضمن الحد الذي يمنع الانهيار الكامل. هذا السيناريو مكلف للصين لكنه قابل للإدارة. [15][16][19][20][22]
12.3. السيناريو الثالث: تدهور حاد أو انهيار داخلي في إيران
يمثل هذا السيناريو أسوأ الاحتمالات بالنسبة إلى بكين. إذ لا يهدد فقط تدفقات النفط والاستثمارات، بل يهدد أيضًا بفوضى سياسية – أمنية أو بإعادة تموضع إيراني يوسع الهامش الأمريكي. وإذا ظهرت مؤشرات قوية على اقتراب هذا السيناريو، فمن المرجح أن تكثف الصين دبلوماسيتها وأن توسع، ضمن هوامشها، ما يمكن أن يحول دون الانهيار الكامل، مع الاستعداد في الوقت نفسه لإعادة توزيع انكشافها الطاقوي بسرعة أكبر. [10][11][20][22]
13.4. مؤشرات الترجيح في اللحظة الراهنة
حتى 18 نيسان/أبريل 2026، تبدو الصورة الأقرب إلى مزيج بين السيناريوهين الأول والثاني: تهدئة هشة تُبقي باب التفاوض مفتوحًا، لكنها لا تنهي الحرب سياسيًا ولا تعيد الملاحة إلى وضعها الطبيعي الكامل. فالتقارير الأخيرة تشير إلى بدء عبور محدود لبعض القوافل، لكن مع بقاء الحاجة إلى تنسيق أمني خاص، ومع استمرار تردد شركات الشحن وارتفاع المخاطر التأمينية. وهذا يعني أن وقف النار، حتى إن استمر، لا يساوي عودة كاملة إلى ما قبل الحرب. [34][35]
في مثل هذا السياق، يُرجّح أن تواصل الصين استراتيجية «الاحتواء من دون التورط»: ضغط دبلوماسي من أجل تفاوض أوسع، وتكيف اقتصادي عبر التنويع والاحتياطيات، وحفاظ على قنوات مع إيران والخليج وواشنطن في آن واحد. أمّا انتقالها إلى دور أكثر صلابة فلن يحدث، على الأرجح، إلا إذا واجهت أحد احتمالين: انهيارًا فعليًا يهدد بقطع طويل للطاقة، أو فرصة تفاوضية كبرى ترى فيها بكين أن كلفة توسيع دورها أقل من كلفة البقاء في الخلف. وحتى اللحظة، لا تشير الوقائع إلى أن أيا من هذين الشرطين قد تحقق بالكامل. [22][26][34][35]
- نتائج الدراسة
أولًا، تُظهر الحرب أن الصين ليست محايدة؛ لكنها منحازة إلى بنية مصالحها أكثر من انحيازها إلى أي طرف منفرد. ثانيًا، تؤكد الأزمة أن إيران مهمة للصين، لكن أهميتها لا ترقى إلى مرتبة الأصل غير القابل للاستبدال. ثالثًا، تكشف الوقائع أن أمن الطاقة هو الحلقة الأقوى في تفسير السلوك الصيني الفعلي، من الخطاب القانوني إلى الوساطة إلى رفض حصار هرمز. رابعًا، يتضح أن بكين تسعى إلى تعظيم مكاسبها من تراجع الثقة الإقليمية في الولايات المتحدة، ولكنها تفعل ذلك من دون تحمل كلفة الحلول الأمنية الصلبة. خامسًا، تؤكد الأزمة أن مشروع الصين في الشرق الأوسط ما يزال مشروع نفوذ اقتصادي – دبلوماسي قبل أن يكون مشروع قوة أمنية. [8][10][12][15][18][22]
وتعني هذه النتائج، على المستوى الأوسع، أن الصين لا تسعى في هذه المرحلة إلى انتزاع الشرق الأوسط من الولايات المتحدة انتزاعًا مباشرًا، بل إلى إعادة تشكيل شروط الحضور فيه بحيث يصبح أي ترتيب مستقر ناقصًا من دونها. وهذا فارق مهم؛ لأنه يجعل معيار النجاح الصيني ليس الانتصار العسكري ولا بناء أحلاف حصرية، بل أن يخرج الجميع من الحرب مدركين أن الاقتصاد، والطاقة، وإعادة الإعمار، والوساطة، والتسويات المقبلة، كلها ملفات لا يمكن ترتيبها بكفاءة من دون المرور ببكين. [10][17][18][22]
ولا تقل أهمية ذلك عن دلالة أخرى أوسع: فالصين تتعلم، من هذه الأزمة، أن التوسع الاقتصادي وحده لا يساوي تلقائيًا قدرة على صياغة النظام الإقليمي. وكلما ازدادت مصالحها في الشرق الأوسط، ازدادت الفجوة بين ما تريده من الاستقرار وما تستطيع فرضه منه. ومن المرجح أن تدفعها هذه الفجوة إلى تعميق أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والتقنية، لا إلى الاندفاع السريع نحو نموذج أمريكي مكلف في الانتشار والتحالفات. [10][18][22]
- خاتمة
تكشف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل أن الصين بلغت من الحضور في الشرق الأوسط حدًا يجعلها غير قادرة على اللامبالاة، لكنها لم تبلغ بعد حدّ القدرة على فرض ترتيبات الأمن الإقليمي أو قيادتها. ومن ثم، فإن موقعها في الحرب ليس موقع الحليف العسكري ولا موقع المتفرج، بل موقع القوة الكبرى التي تسعى إلى تقليل الخسائر، ومنع الانهيار، وتوسيع النفوذ عبر الدبلوماسية والاقتصاد وخطاب الشرعية الدولية. [10][15][18][22]
والخلاصة الجوهرية هي أن الصين لا تريد انتصارًا إيرانيًا بقدر ما لا تريد هزيمة إيرانية كاسحة؛ ولا تريد نصرًا أمريكيًا – إسرائيليًا يعيد تثبيت الهيمنة الغربية على الإقليم؛ كما لا تريد فوضى تخرج عن السيطرة فتضرب قلب أمنها الطاقوي والتجاري. لذلك تقف، في النهاية، إلى جانب التوازن القابل للإدارة، لا إلى جانب الحسم. إنها تريد إطفاء النار، ولكن من دون أن تتحول هي نفسها إلى رجل الإطفاء الذي يتحمل وحده الكلفة. وهذه، على الأرجح، هي الصيغة الأدق لوصف مكان الصين في هذه الحرب حتى 18 نيسان/أبريل 2026. [1][4][12][16][18][22]
ولهذا، فإن القيمة التحليلية للحرب لا تكمن فقط في معرفة أين تقف الصين اليوم، بل في كشف النمط الذي قد يحكم حضورها غدًا: حضور يتوسع كلما أمكن توزيع الكلفة على الآخرين، ويتراجع كلما اقتضى الأمر التزامًا أمنيًا صلبًا. وإذا كان الشرق الأوسط قد مثّل، خلال العقد الماضي، ساحة صعود النفوذ الصيني الاقتصادي، فإن حرب 2026 قد تصبح اللحظة التي فُحص فيها، للمرة الأولى بهذا القدر من الوضوح، مقدار ما يستطيع هذا النفوذ أن يفعله حين تصير السياسة أعلى صوتًا من التجارة. [10][22][34]
الهوامش والإحالات




