الأحد, أبريل 19, 2026
  • من نحن
  • إرشادات النشر العلمي والتحليلي
  • انشر معنا
  • تسجيل الدخول
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .

اقتصادات الدفاع تحت الضغط

كيف أعادت الحرب منذ أكتوبر 2023 تشكيل الموازنة العسكرية والدين العام والقاعدة الصناعية في إسرائيل وإيران والولايات المتحدة؟

euarsc بواسطة euarsc
أبريل 18, 2026
في ملفات بحثية
0
الرئيسية ملفات بحثية
0
شارك
0
آراء
شارك على فيسبوكشارك على تويترشارك على الواتس أبشارك على تليغرام

اقتصادات الدفاع تحت الضغط

كيف أعادت الحرب منذ أكتوبر 2023 تشكيل الموازنة العسكرية والدين العام والقاعدة الصناعية في إسرائيل وإيران والولايات المتحدة؟

الملخّص

لم يعد من الدقة النظر إلى الحرب بوصفها مسألة عسكرية خالصة، أو إلى الموازنة الدفاعية بوصفها سطرًا منفصلًا في الحسابات العامة. فالحرب الحديثة تختبر، بالقدر نفسه تقريبًا، قدرة الدولة على تمويل القوة، وإدامة تشغيلها، وإعادة إنتاجها تحت الضغط. ومن هذه الزاوية، لا يقتصر «اقتصاد الدفاع» على حجم الإنفاق العسكري، بل يشمل الطريقة التي تنتقل بها موارد الدولة من الاقتصاد المدني إلى الجهد الحربي، والكيفية التي تتراكم بها الكلفة داخل العجز والدين والضرائب والائتمان والتصنيع العسكري. تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن التصعيد الإقليمي منذ أكتوبر 2023، ثم اتساعه إلى مواجهة أشد بين إسرائيل وإيران وما استتبعها من انخراط أمريكي متزايد، لم يُحدث مجرد طفرة إنفاقية عابرة، بل أطلق مسارًا أعمق لإعادة تشكيل اقتصادات الدفاع لدى الأطراف الثلاثة.

متعلق ببالتقرير

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟

من هدنة الضرورة إلى تفاوض ما بعد الحرب

وتجادل الدراسة بأن الفارق الحاسم بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة لا يكمن فقط في حجم الموارد المتاحة لكل منها، بل في بنية التمويل نفسها. فإسرائيل تموّل الحرب عبر مزيج من الموازنة العامة والدين والضرائب وتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية، ما يجعل الحرب قابلة للاستمرار، لكن بثمن اجتماعي وائتماني واضح. وإيران تتحرك داخل اقتصاد دفاع ظلّي؛ أي اقتصاد يجمع بين الإنفاق الرسمي المحدود وقنوات تمويل موازية ترتبط بالحرس الثوري وإيرادات الطاقة، بما يقلل الشفافية ويزيد القدرة على التكيّف تحت العقوبات، لكنه يرسّخ اختلالًا مزمنًا بين الدولة الرسمية والدولة الأمنية. أما الولايات المتحدة، فهي لا تواجه معضلة التمويل بالمعنى الذي تواجهه إسرائيل أو إيران، لكنها تتحمل عبئًا من نوع آخر: عبء إعادة تزويد الحلفاء، وتعويض المخزونات، وتمويل الانتشار والعمليات، وإدخال هذه النفقات في معادلة سياسية داخلية شديدة الاستقطاب.

وتخلص الدراسة إلى أن الحرب، حين تمتد، لا تترك وراءها نفقات عسكرية مرتفعة فحسب، بل تخلّف أيضًا مؤسسات ومصالح وعقودًا وتوقعات أمنية تدفع باتجاه تثبيت مستويات أعلى من الإنفاق الدفاعي حتى بعد انحسار القتال. وهذا هو المعنى الأعمق للتحول الجاري: انتقال اقتصاد الدفاع من وظيفة تكميلية داخل المالية العامة إلى موقع أقرب إلى «المحور المنظِّم» لأولويات الدولة. والنتيجة أن ما يبدو زيادة طارئة في زمن الحرب قد يتحول، في المدى المتوسط، إلى بنية مالية أكثر عسكرة، أكثر كلفة، وأصعب تراجعًا سياسيًا واجتماعيًا.

الكلمات المفتاحية

اقتصاد الدفاع؛ الإنفاق العسكري؛ إسرائيل؛ إيران؛ الولايات المتحدة؛ الموازنة العامة؛ الدين العام؛ الصناعات الدفاعية؛ الحرب الممتدة؛ الاستدامة المالية.

  1. مقدّمة

لا تُحسم الحروب في الميدان وحده. قد ينتصر طرف في جولة نارية قصيرة، ثم يكتشف لاحقًا أنه دخل مسارًا لا يستطيع تمويله بالوتيرة نفسها. وقد يبدو طرف آخر أضعف عسكريًا في لحظة بعينها، لكنه يطيل أمد الصراع لأنه يملك نموذجًا أقل كلفة وأكثر قدرة على الاحتمال. لهذا السبب تحديدًا، لا تكفي قراءة الحرب عبر الخرائط والضربات والتصريحات. فهناك مسرح آخر لا يقل أهمية عن الجبهة: وزارة المالية، والبنك المركزي، وسوق السندات، والمصنع، وسلسلة الإمداد، والقدرة على تحميل المجتمع كلفة القتال من دون كسر التوازن الداخلي.

من هذه النقطة تبدأ أهمية اقتصاد الدفاع. فالمقصود هنا ليس رقمًا إجماليًا للإنفاق العسكري فحسب، بل المنظومة التي تسمح بتحويل الموارد العامة إلى قدرة عملياتية مستدامة: كيف تُموَّل الحرب؟ من يدفع ثمنها؟ ما الذي يُقتطع من الإنفاق المدني لصالحها؟ كيف يُعاد ترتيب الدين والضرائب والمخزونات والصناعة من أجل إدامتها؟ ومتى يتحول التوسع العسكري من استجابة ظرفية إلى مسار بنيوي يفرض نفسه على تخطيط الدولة لسنوات؟ هذه الأسئلة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها أسئلة سياسية واستراتيجية من الدرجة الأولى.

تكمن خصوصية الحالة المدروسة في أن الصراع منذ أكتوبر 2023 لم يبقَ ضمن حدود جبهة واحدة أو معركة محدودة الأثر. فقد دخل الشرق الأوسط في دورة تصعيد طويلة، متعددة الساحات، ومتفاوتة الإيقاع، لكنها متصلة ماليًا على نحو واضح. إسرائيل دفعت نحو تعبئة عسكرية ومالية غير مسبوقة منذ عقود. وإيران وجدت نفسها أمام امتحان جديد لاقتصادها الدفاعي القائم على التكيف مع العقوبات وعلى تمويل غير متناظر. أما الولايات المتحدة، فقد عادت إلى موقع الممول والمجهز والمعوِّض عن الاستنزاف، لا بوصفها ضامنًا بعيدًا فحسب، بل بوصفها طرفًا تتحول الحرب في الإقليم إلى بند متزايد الكلفة داخل حساباته المالية والاستراتيجية.

السؤال الذي تحاول هذه الدراسة الإجابة عنه ليس سؤالًا رقميًا صرفًا من قبيل: من أنفق أكثر؟ بل سؤال أعمق: كيف أعادت الحرب تشكيل منطق التمويل العسكري نفسه لدى الأطراف الثلاثة؟ وما الذي تكشفه المقارنة بينها عن العلاقة بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية؟ الفرضية الأساسية هنا أن الإنفاق الدفاعي المرتفع لا يعني الشيء نفسه في كل الحالات؛ فهناك فرق جوهري بين دولة تموّل الحرب عبر موازنة معلنة ودين سيادي وسوق رأسمال متطور، ودولة تموّلها عبر شبكات شبه سيادية ومؤسسات أمنية اقتصادية، وقوة عظمى تموّلها عبر قاعدة مالية عالمية لكنها تصطدم في الوقت نفسه بأسئلة الاستنزاف والمشروعية الداخلية وأولوية الجبهات المتعددة.

  1. الإطار المفاهيمي والمنهجي: ما الذي نقيسه فعلًا حين نقول «اقتصاد الدفاع»؟

يُختزل مصطلح «اقتصاد الدفاع» كثيرًا إلى معنى ضيق: حجم الموازنة العسكرية السنوية. وهذا اختزال مريح، لكنه مضلل. فالإنفاق العسكري، على أهميته، لا يشرح وحده كيف تعمل الحرب داخل الاقتصاد. قد ترتفع موازنتان دفاعيتان بالمقدار نفسه، لكن إحداهما تكون ممولة عبر ضرائب إضافية ودين معلن ومشتريات شفافة، بينما تُدار الأخرى عبر كيانات شبه رسمية، أو تحويلات من قطاع الطاقة، أو إنفاق أمني لا يظهر كاملًا في الحسابات العامة. في الحالتين ثمة إنفاق، لكننا لسنا أمام البنية نفسها، ولا أمام الكلفة السياسية والاجتماعية نفسها.

لهذا تعتمد الدراسة تعريفًا أوسع لاقتصاد الدفاع بوصفه منظومة تتداخل فيها أربعة مستويات مترابطة. الأول هو التمويل: من أين تأتي موارد الحرب، وما حدود هذه الموارد، ومن يملك قرار تخصيصها؟ والثاني هو التشغيل: كيف تتحول المخصصات إلى قدرة فعلية؛ أي إلى ذخائر واعتراض وصيانة وتعبئة احتياط وإمداد واستخبارات؟ والثالث هو الامتصاص الاجتماعي والمالي: كيف ينعكس ذلك على العجز والدين والتصنيف الائتماني والضرائب والإنفاق المدني؟ أما المستوى الرابع فهو البعد المؤسسي طويل الأمد: هل تعود الدولة بعد الحرب إلى نقطة ما قبلها، أم أن الزيادة في الإنفاق تخلق شبكات عقود ومصالح ومؤسسات تجعل التراجع عنها أصعب؟

تتبنى الدراسة، لذلك، مقاربة مقارنة لا تنظر إلى إسرائيل وإيران والولايات المتحدة بوصفها حالات متشابهة يمكن قياسها بمسطرة واحدة. فالمطلوب ليس مساواة قسرية بين اقتصادات متفاوتة الحجم والقدرة والشفافية، بل تحليل الفوارق البنيوية في منطق التمويل والاستدامة. ولهذا تُعامل الأرقام بوصفها مؤشرات ضرورية، لا بوصفها الحقيقة الوحيدة. فالأرقام الإسرائيلية والأمريكية أكثر وضوحًا وتواترًا في المصادر الرسمية والأسواق، بينما تستلزم الحالة الإيرانية قدرًا أعلى من الحذر؛ لأن جزءًا معتبرًا من الإنفاق يمر عبر قنوات لا تكشفها الموازنة العامة على نحو كامل، وهو ما تؤكده الأدبيات المتخصصة وقيود الشفافية نفسها.

منهجيًا، تميز الدراسة بين ثلاث طبقات من المادة. الأولى: الوقائع الصلبة نسبيًا، مثل بيانات SIPRI، وقرارات الموازنة، وتصريحات البنوك المركزية، وتقارير وكالات التصنيف، والبيانات الحكومية المعلنة. الثانية: التقديرات التحليلية الصادرة عن مراكز أبحاث أو مشاريع أكاديمية متخصصة في تتبع الكلفة المالية للحروب. والثالثة: الاستنتاج التحليلي الذي تبنيه الدراسة من مقارنة هذه المواد لا من رواية واحدة أو مصدر واحد. ويقتضي هذا النهج احترازًا واضحًا: بعض الأرقام، خصوصًا في الحالة الإيرانية وفي تقدير كلفة المخزونات الأمريكية المستنزفة، ينبغي قراءتها بوصفها نطاقات تفسيرية معقولة لا حقائق نهائية مغلقة.

  1. قبل الحرب: ثلاثة نماذج دفاعية لا ثلاثة مستويات إنفاق فقط

قبل أكتوبر 2023، كانت الدول الثلاث تتحرك أصلًا داخل نماذج دفاعية مختلفة جذريًا، ليس فقط في الحجم، بل في الفلسفة السياسية والمالية التي يقوم عليها كل نموذج. إسرائيل كانت تمثل نموذج «التفوق النوعي المكلف»: جيش عالي التكنولوجيا، اعتماد كثيف على القوة الجوية والدفاع الصاروخي والاستخبارات، قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وسند أمريكي مؤسسي طويل الأجل. هذا النموذج لم يكن خفيف الكلفة حتى قبل الحرب؛ فقد بلغ الإنفاق العسكري الإسرائيلي في 2023 نحو 27.5 مليار دولار، أي ما يعادل 5.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة أصلًا بالنسبة إلى دولة متقدمة الدخل [1]. غير أن ارتفاع الكلفة هنا كان مقبولًا سياسيًا ما دام يُفهم بوصفه ثمنًا لتفوق رادع قابل للسيطرة.

في المقابل، لم تُبنِ إيران اقتصاد دفاعها على أساس الشفافية الموازنية ولا على قاعدة تفوق تكنولوجي موازٍ، بل على قاعدة مختلفة تمامًا: توزيع الكلفة، وتخفيض الظهور، وتعظيم المرونة تحت العقوبات. العقوبات الطويلة، والقيود على التمويل، والتقلبات الحادة في العملة والتضخم، كلها دفعت طهران إلى تطوير نموذج دفاعي هجين يجمع بين الإنفاق الرسمي، والاقتصاد الأمني الموازي، والإيرادات المرتبطة بالنفط، وشبكات الشركات والمؤسسات التي يديرها الحرس الثوري أو يؤثر فيها. ومن هنا فإن الرقم الرسمي للإنفاق العسكري الإيراني لا يكشف وحده الحقيقة التشغيلية للنموذج؛ بل يكشف فقط الجزء المعلن منها [2].

أما الولايات المتحدة، فهي تمثل نموذجًا ثالثًا لا يشبه الحالتين معًا. ليست المشكلة الأمريكية في نقص التمويل أو ضيق الحيز المالي بالمعنى الذي يواجهه حليف صغير أو دولة معاقبة؛ بل في إدارة الفائض نفسه: كيف توزع واشنطن التزاماتها بين أوكرانيا، والشرق الأوسط، والمحيطين الهندي والهادئ؟ وكيف تعيد بناء المخزونات من دون أن تدخل في دوامة اعتمادات تكميلية لا تنتهي؟ وكيف تُقنع الداخل الأمريكي بأن التمويل الخارجي الواسع لا يأتي على حساب أولويات الداخل؟ هذه ليست أسئلة محاسبية فحسب، بل أسئلة استراتيجية تتعلق بترتيب الأولويات داخل قوة عظمى مثقلة أصلًا بالتزامات كونية.

المقارنة بين هذه النماذج قبل الحرب تقود إلى نتيجة مهمة: خط الأساس لم يكن متكافئًا. إسرائيل دخلت الحرب وهي تملك قدرة تعبئة سريعة، لكن داخل اقتصاد حساس للتصنيف الائتماني ولسوق السندات وللضغط الاجتماعي. إيران دخلتها بقدرة أقل على التوسع الرسمي، لكنها أكثر خبرة في توزيع الإنفاق على قنوات غير شفافة وأدوات أقل كلفة. والولايات المتحدة دخلتها بوفرة مالية وصناعية كبيرة، لكن مع تزايد القلق من استنزاف المخزونات ومن تضخم فاتورة الانتشار والإسناد. لذلك، فإن ما فعلته الحرب لم يكن خلق أنماط جديدة من الصفر، بل دفع كل نموذج إلى أقصى منطقه الداخلي تقريبًا.

  1. إسرائيل: من اقتصاد التفوق إلى اقتصاد التعبئة الطويلة

أشد التحولات وضوحًا وقعت في الحالة الإسرائيلية. فقد دفعت الحرب منذ أكتوبر 2023، ثم اتساعها لاحقًا، إسرائيل من نموذج «الأمن المرتفع الكلفة» إلى نموذج أقرب إلى «التعبئة المالية المستدامة». وتشير بيانات SIPRI إلى أن إنفاقها العسكري قفز في 2024 بنسبة 65 في المئة ليصل إلى 46.5 مليار دولار، مع ارتفاع العبء العسكري إلى 8.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ثاني أعلى عبء عسكري في العالم بعد أوكرانيا [1]. هذه القفزة لا تعني فقط أن إسرائيل أنفقت أكثر؛ بل تعني أن الدفاع تحوّل من قطاع كبير داخل الموازنة إلى مركز جاذبية يعيد شدّ المالية العامة كلها نحوه.

تكمن المشكلة هنا في أن الحروب الحديثة التي تخوضها إسرائيل ليست رخيصة حتى حين تبدو ناجحة عملياتيًا. فمنظومات الاعتراض الصاروخي، والطلعات الجوية الطويلة، وتعويض الذخائر الدقيقة، وتمويل قوات الاحتياط، وحماية الجبهة الداخلية، كلها عناصر مرتفعة الكلفة بطبيعتها. يكفي النظر إلى بنية الدفاع الجوي لفهم منطق الاستنزاف: فاعتراض المقذوفات والصواريخ لا يستهلك فقط ذخائر غالية الثمن، بل يفرض أيضًا استعدادًا تقنيًا وتشغيليًا دائمًا، وصيانة، واحتياطيات، وإعادة شراء متواصلة. ولهذا يصبح السؤال المالي في إسرائيل سؤالًا عن «كلفة الدفاع عن التفوق»، لا عن كلفة الحرب التقليدية فحسب.

هذا التحول انعكس سريعًا في الموازنة العامة. فبحسب رويترز، رفعت الحكومة الإسرائيلية في آذار/مارس 2026 مخصصات الدفاع في مشروع الموازنة إلى 143 مليار شيكل، مع رفع هدف العجز إلى نحو 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي [3]. وبعد ذلك بأيام أقر الكنيست الموازنة، بما مثّل تثبيتًا سياسيًا للزيادة لا مجرد إجراء مؤقت [4]. أهمية هذا التطور لا تكمن في الرقم وحده، بل في الدلالة المؤسسية: حين تنتقل الزيادة العسكرية من ملحقات طارئة إلى قلب الموازنة السنوية، تصبح الحرب جزءًا من البنية المالية الرسمية، لا حدثًا استثنائيًا على هامشها.

اللافت أن إسرائيل حاولت تمويل هذه القفزة عبر أكثر من قناة في آن واحد. فثمة اقتراض أعلى، ورفع لبعض الضرائب غير المباشرة، وضبط أو خفض في بنود مدنية، وتعويل على استمرار الدعم الأمريكي، إلى جانب رهان واضح على أن الاقتصاد الإسرائيلي ما زال قادرًا على امتصاص الصدمة بفضل قاعدته التكنولوجية وانضباطه المؤسسي. لكن هذا الرهان ليس بلا ثمن. فكل زيادة في الاقتراض تعني كلفة خدمة دين أعلى لاحقًا، وكل نقل للموارد من التعليم والصحة والرفاه إلى الدفاع يعني أن الحرب لا تستهلك الموازنة العسكرية فقط، بل تعيد صياغة العقد المالي بين الدولة والمجتمع.

هنا يظهر الفرق بين «تمويل الحرب» و«تحمّل الحرب». فإسرائيل قادرة، حتى الآن، على تمويل التوسع الدفاعي، لكنها تدفع مقابله أثمانًا متراكمة في مكان آخر: توسع العجز، ارتفاع الدين، ضغوط أكبر على الاستهلاك المدني، وتآكل تدريجي في الحيز المتاح لسياسات اجتماعية كان يمكن توجيهها إلى مجالات أخرى. ومن هذه الزاوية، لا تُقاس الكلفة الإسرائيلية بما يُصرف على الذخائر وحدها، بل أيضًا بما يُسحب من الاقتصاد المدني كي يبقى المجهود العسكري متماسكًا.

يزداد هذا المعنى وضوحًا عند النظر إلى تقديرات الكلفة المباشرة. ففي 12 نيسان/أبريل 2026 أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية أن الحرب مع إيران كلّفت الموازنة 35 مليار شيكل، منها 22 مليارًا مخصصة مباشرة للدفاع، وقد أُدرجت هذه الكلفة الأولية بالفعل في موازنة 2026 [5]. وفي سياق أوسع، كان بنك إسرائيل قد قدّر في كانون الثاني/يناير 2024 أن نفقات الحرب بين 2023 و2025 قد تبلغ نحو 220 مليار شيكل، من دون احتساب خسائر الإيرادات الأوسع [6]. الدلالة هنا مزدوجة: أولًا، أن الكلفة ليست موسمية؛ وثانيًا، أن المؤسسة النقدية نفسها تنظر إلى آثار الحرب بوصفها عبئًا مستمرًا يضغط على النمو وعلى مرونة السياسة المالية.

انعكست هذه الضغوط سريعًا في تقييم الأسواق. فقد خفّضت موديز التصنيف الائتماني لإسرائيل من A1 إلى A2 في شباط/فبراير 2024، ثم إلى Baa1 في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، قبل أن تُبقيه في كانون الثاني/يناير 2026 عند Baa1 مع تعديل النظرة إلى مستقرة [7][8]. لا ينبغي المبالغة في قراءة التخفيضات الائتمانية باعتبارها حكمًا نهائيًا على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي؛ لكنها مؤشر مهم إلى أن الحرب لم تعد حدثًا أمنيًا منفصلًا عن قراءة المخاطر السيادية. فالائتمان هنا يصبح مرآة لفكرة أبسط: كلما طالت الحرب، صار تمويلها أكثر تكلفة، حتى لو لم تصل الدولة إلى أزمة تمويل مباشرة.

غير أن الوجه الآخر للقصة أكثر تعقيدًا. فالحرب لم تُضعف الصناعة الدفاعية الإسرائيلية؛ بل سرّعت تعبئتها. فقد وسّعت «إلبيت سيستمز» و«رافائيل» و«الصناعات الجوية الإسرائيلية» خطوط الإنتاج لتلبية الطلب المحلي والخارجي، وسجلت «إلبيت» تراكمًا قياسيًا في الطلبيات بلغ 21.1 مليار دولار في آب/أغسطس 2024 قبل أن يرتفع لاحقًا إلى 22.6 مليارًا بنهاية 2024 ثم 28.1 مليارًا بنهاية 2025 [9][10][11]. هذه مفارقة لافتة: ما يضغط على المالية العامة ويثقل الدين قد ينعكس في الوقت نفسه توسعًا في قطاع صناعي يخلق عوائد وعقودًا ونفوذًا تصديريًا. لكن هذه المفارقة لا تُلغي الكلفة؛ بل تعيد توزيعها. فنجاح الصناعات الدفاعية لا يعني أن المجتمع لا يدفع، بل يعني فقط أن جزءًا من عبء الحرب يتحول إلى فرص لقطاع بعينه.

وهنا تحديدًا يظهر البعد الأعمق للتحول الإسرائيلي. فإسرائيل لا تواجه مجرد مشكلة إنفاق مرتفع، بل انتقالًا في موقع الدفاع داخل الاقتصاد الوطني. لقد أصبح الدفاع، بفعل الحرب، قطاعًا يضغط على المالية العامة من الأعلى، ويمتص الموارد من الأسفل، ويعيد تشكيل القاعدة الصناعية في الوسط. هذا كله يجعل العودة إلى ما قبل أكتوبر 2023 صعبة. فالميزانيات التي تتضخم بسرعة، وبرامج الاعتراض التي تتوسع، وخطوط الإنتاج التي تُفتح، وشبكات الاحتياط التي تُستدعى، لا تنكمش تلقائيًا بمجرد تراجع مستوى النار. وما يُرسَّخ بوصفه «استجابة للحرب» يميل لاحقًا إلى طلب التثبيت بوصفه «درسًا استراتيجيًا» يجب ألا يُنسى.

  1. إيران: اقتصاد دفاع ظلّي يشتغل تحت العقوبات لا خارجها

إذا كانت إسرائيل تمثل حالة تعبئة مالية مكشوفة نسبيًا، فإن إيران تمثل النقيض تقريبًا: اقتصاد دفاع منخفض الشفافية، شديد التكيّف، وموزع بين الدولة الرسمية والدولة الأمنية. وهذا التوصيف ليس حكمًا أخلاقيًا، بل مفتاحًا تحليليًا. فإيران، تحت العقوبات الطويلة، لا تملك رفاهية تمويل عسكري تقليدي واسع عبر موازنة معلنة قابلة للتوسع المريح. لذلك تطور نموذجها في اتجاه آخر: توسيع المرونة عبر التمويل الموازي، وتخفيف الكلفة عبر أدوات أقل سعرًا، وتعويض ضيق الموارد الرسمية بترتيبات تمويلية ترتبط بالنفط، والشبكات التجارية، ومؤسسات الحرس الثوري.

تشير بيانات SIPRI إلى أن الإنفاق العسكري الإيراني الرسمي انخفض في 2024 إلى 7.9 مليارات دولار، أي أقل بعشرة في المئة عن 2023، رغم استمرار الانخراط الإقليمي الإيراني [2]. لو قرأ المرء الرقم وحده لاستنتج أن إيران كانت تقلص دفاعها تحت الضغط. لكن هذه قراءة ناقصة. فالتراجع في الرقم الرسمي لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الفعلية أو الأولوية الدفاعية؛ بل قد يعكس حدود ما تستطيع الموازنة الإفصاح عنه أو تحمله رسميًا. ولهذا السبب، تذهب تقديرات أخرى، مثل تحليل Iran Open Data، إلى أن الموازنة الدفاعية الفعلية لسنة 2025 الفارسية ارتفعت إلى نحو 23.1 مليار دولار، بزيادة 35 في المئة، مع بقاء جزء مهم من الإنفاق موزعًا على بنود ومؤسسات لا تُقرأ بسهولة في حسابات الدولة التقليدية [12].

هذه الفجوة بين المُعلن والمُحتمل ليست تفصيلًا ثانويًا؛ إنها جزء من وظيفة النظام نفسه. فاقتصاد الدفاع الإيراني لا يشتغل على مبدأ الوضوح المحاسبي، بل على مبدأ الصمود السياسي والعملياتي. القنوات الموازية هنا ليست انحرافًا عارضًا عن الموازنة، بل وسيلة لتجاوز ضيق الموازنة. وهذا ما يفسر، جزئيًا، كيف تمكنت طهران من الحفاظ على إنفاق دفاعي وتشغيل إقليمي في ظل ضغط العملة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية ومحدودية الوصول إلى أسواق رأس المال.

لكن هذا النموذج، على قدر مرونته، ليس بلا حدود. فهو يبرع أكثر في تمويل الردع غير المباشر والحرب الشبكية منه في تمويل المواجهة التقليدية الواسعة. الحرب بالوكالة، والمسيّرات، والصواريخ الأرخص نسبيًا، وتوزيع المخاطر على جبهات متعددة، كلها أدوات تجعل الكلفة الإيرانية أقل من كلفة خصم يعتمد على الاعتراض الدائم والتفوق الجوي المرتفع الثمن. لهذا السبب، بدت استراتيجية إيران المالية والعسكرية متماسكة نسبيًا ما دامت تتحرك في إطار الاستنزاف غير المتناظر. أما حين تقترب من نمط الضربات المباشرة الأكبر كلفة، فإن حدود النموذج تظهر بسرعة أكبر.

تساعد هنا مقارنة بسيطة في منطق الكلفة، لا في الرقم المطلق وحده. فالوابل الصاروخي الواسع قد يكلّف إيران عشرات الملايين من الدولارات، لكن كلفة اعتراضه على الطرف المقابل قد تتجاوز ذلك بأضعاف [13]. هذا لا يعني أن إيران «أغنى» أو «أقوى»؛ بل يعني أن نموذجها مصمم ليجعل خصومها ينفقون أكثر لاعتراض ما تطلقه أو لاحتواء ما تحركه. اقتصاد الدفاع الإيراني، بهذا المعنى، ليس اقتصاد تفوق، بل اقتصاد إرباك: إنفاق أقل نسبيًا لإنتاج أثر استراتيجي يفرض على الخصم إنفاقًا أعلى.

غير أن نجاح هذا المنطق لا ينبغي أن يحجب مأزقه البنيوي. فكلما توسعت القنوات الخارجة عن الموازنة، اتسعت الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الأمني. وهذه الفجوة ليست مجرد مشكلة شفافية؛ إنها مشكلة كفاءة ومساءلة وتوزيع عبء. فعندما يصبح تمويل الأمن أقل خضوعًا لقواعد الموازنة العامة، تتراجع قدرة المجتمع على رؤية كلفته الحقيقية وعلى مناقشة مفاضلاته. ومن ثمّ، فإن ما يمنح النظام مرونة في زمن العقوبات قد يرسخ أيضًا اختلالًا مزمنًا في بنية الدولة والاقتصاد.

الأخطر أن هذا النموذج يراكم تناقضًا صعبًا: فهو يسمح للنظام بالحفاظ على أولويات دفاعية مرتفعة رغم الضيق الاقتصادي، لكنه يفعل ذلك على حساب الانضباط المالي والوضوح المؤسسي. ومع الوقت، لا تعود المشكلة في أن الدفاع يلتهم جزءًا من الموارد فحسب، بل في أن المجتمع لا يعرف على وجه الدقة كم يلتهم، ومن أين يأتي التمويل، وما الكلفة البديلة لهذه الخيارات. ولهذا فإن الاقتصاد الدفاعي الإيراني يبدو، في المدى القصير، شديد القدرة على التكيّف، لكنه في المدى الأطول يرسخ نمطًا من الدولة المزدوجة: موازنة رسمية مقيدة، ومنظومة أمنية تتمتع بهوامش حركة أوسع.

في هذه النقطة تحديدًا تكمن خصوصية إيران مقارنة بإسرائيل. فإسرائيل تدفع ثمن الحرب عبر الدين والعجز والضرائب والائتمان في فضاء عام مكشوف نسبيًا؛ أما إيران فتدفعه عبر التضخم، والعملة، والتخصيص غير الشفاف، وإزاحة الموارد داخل بنية أقل قابلية للمساءلة. كلاهما يدفع. لكن طريقة الدفع مختلفة، وبالتالي فإن نوع الأثر السياسي والاقتصادي مختلف أيضًا. وهذا ما يجعل المقارنة بين الدولتين مقارنة في «اقتصاديات الاستدامة» أكثر منها مقارنة في المجموعات الرقمية المجردة.

  1. الولايات المتحدة: قوة عظمى لا تعاني من الفقر الدفاعي بل من تضخم الالتزام

في الحالة الأمريكية، لا تكمن المسألة في القدرة على الدفع، بل في معنى الدفع وحدوده السياسية والاستراتيجية. فالولايات المتحدة لا تدخل هذه الحرب بوصفها دولة تحتاج إلى إعادة تعريف أولوياتها من أجل شراء السلاح؛ هي أصلًا صاحبة أكبر موازنة عسكرية في العالم، وقد بلغت نفقاتها العسكرية في 2024 نحو 997 مليار دولار وفق بيانات SIPRI، أي 37 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي تقريبًا [1]. ومع ذلك، فإن القول إن واشنطن قادرة على التمويل لا يعني أن الحرب بلا كلفة عليها، أو أن هذه الكلفة لا تفرض إعادة نظر في توزيع المخزونات والأعباء والأولويات.

يظهر العبء الأمريكي أولًا في الدعم المباشر لإسرائيل. فوفق CRS، تلتزم الولايات المتحدة بموجب مذكرة التفاهم القائمة بتقديم 3.8 مليارات دولار سنويًا من المساعدات العسكرية لإسرائيل، تشمل 3.3 مليارات من التمويل العسكري الخارجي و500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي [14]. لكن ما حدث منذ أكتوبر 2023 تجاوز هذا الإطار الدوري بكثير. فقد قدّر مشروع Costs of War في جامعة براون أن الولايات المتحدة قدمت، حتى أيلول/سبتمبر 2025، ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل منذ اندلاع الحرب، منها 17.9 مليارًا في العام الأول و3.8 مليارات في العام الثاني [15][16]. هذا الرقم لا يشمل فقط المال المباشر؛ بل يعكس نمطًا أوسع من النقل السريع للذخائر، وتعويض الاستخدام العالي، وتوسيع الالتزام إلى ما وراء القاعدة الاعتيادية للدعم.

غير أن العبء الأهم لا يظهر في التحويلات وحدها، بل في المخزونات. فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بما تستطيع إنفاقه، بل أيضًا بما تستطيع تعويضه بعدما يُستهلك. وحين تتسارع وتيرة الشحنات والمساعدات والعمليات، تدخل واشنطن في معادلة مختلفة: ليس كيف تدعم الحليف فحسب، بل كيف تعيد تكوين ما خرج من مستودعاتها هي. من هنا تتكرر في الخطاب الدفاعي الأمريكي عبارة «إعادة ملء المخزون» بوصفها بندًا مستقلًا في طلبات الاعتماد. إن ما يُصرف على الحرب لا يذهب كله إلى الجبهة؛ جزء كبير منه يُصرف كي تستعيد الولايات المتحدة حالتها الأصلية من الجاهزية بعد أن تكون قد موّلت الحرب وسلّحت حلفاءها وأدارت انتشارها في الوقت نفسه.

هذا المعنى برز بوضوح أكبر مع النقاشات التي ظهرت في واشنطن خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026. فقد نقلت رويترز أن البنتاجون طلب من البيت الأبيض الموافقة على حزمة تمويل تكميلي تتجاوز 200 مليار دولار مرتبطة بالحرب مع إيران وإعادة بناء المخزونات، فيما أشارت تغطيات لاحقة إلى أن الرقم ما يزال موضع أخذ ورد سياسي وأن الإدارة لم تكن قد بلورت طلبًا نهائيًا إلى الكونغرس حتى منتصف نيسان/أبريل [17][18]. لا يهم هنا فقط ما إذا كان الرقم سيُعتمد كاملًا أم سيُخفض؛ المهم أن مجرد طرحه يكشف حجم الفاتورة المتوقعة حين تتحول الحرب من دعم لحليف إلى استنزاف لمنظومة تسليح وانتشار ومخزون أمريكية أوسع.

بهذا المعنى، لا تتمثل الكلفة الأمريكية في «المساعدة لإسرائيل» وحدها، بل في ثلاثة مستويات متداخلة. أولًا، تمويل الدعم المباشر والمستعجل. ثانيًا، تعويض الذخائر والمخزونات التي تُسحب من الاحتياطي أو تُنتج على عجل. ثالثًا، إدخال هذه التكاليف في معركة سياسية داخلية تدور في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة أصلًا عجزًا ماليًا مرتفعًا واستقطابًا حادًا حول دورها الخارجي. ومن ثم، فإن مشكلة واشنطن ليست في أن المال غير متوافر، بل في أن الحرب تسرّع منطقًا قديمًا: تضخم الالتزامات الدفاعية بحيث يصبح كل صراع جديد مبررًا لجولة أخرى من الاعتمادات التكميلية والجدل حول أولويات الدولة.

ثمة بعد آخر أقل ظهورًا، لكنه شديد الأهمية. الولايات المتحدة، بخلاف إسرائيل وإيران، لا تخوض هذه الحرب بوصفها معركة وجودية على أرضها أو على حدودها المباشرة. لذلك فإن كلفة الحرب تُقرأ داخلها عبر وسيط سياسي: هل يخدم الإنفاق الإضافي المصلحة الأمريكية المباشرة، أم أنه امتداد غير محسوب لالتزامات الحلفاء؟ هذه المسألة ليست نظرية. فكلما اتسعت الفاتورة، برز سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: هل تتحمل الولايات المتحدة عبئًا دفاعيًا خارجيًا أكبر من العائد الذي تجنيه منه؟ وفي بيئة سياسية منقسمة، يصبح هذا السؤال جزءًا من اقتصاد الدفاع نفسه، لا مجرد تعليق خارجي عليه.

ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في تصوير الولايات المتحدة بوصفها ضحية استنزاف مالـي قريب. فالفارق الهائل بين قدرتها التمويلية وقدرة إسرائيل أو إيران يجعل المقارنة في حدود معينة مضللة. واشنطن ليست على حافة أزمة تمويل بسبب هذه الحرب. لكن الصحيح أيضًا أن الإنفاق الدفاعي الأمريكي، حين يتضخم باستمرار عبر قوانين أساسية واعتمادات تكميلية ومبررات متلاحقة، يتحول إلى بنية سياسية صعبة التراجع. أي إن الحرب لا تضعف الولايات المتحدة بمعنى الإفلاس، لكنها تعمّق ميلًا قديمًا داخلها: تحويل السياسة الخارجية إلى التزام مالي متسع يقاوم الانكماش حتى عندما يتراجع التهديد المباشر.

  1. اختبار الفرضيات البديلة: هل نحن أمام طفرة مؤقتة أم تحوّل بنيوي فعلًا؟

قد يُعترض على أطروحة هذه الدراسة بالقول إن ما نراه ليس أكثر من استجابة طارئة ستنحسر تلقائيًا مع تراجع القتال، وإن الحديث عن «تحول هيكلي» ينطوي على قدر من التهويل. وهذه فرضية تستحق النقاش الجدي، لأن كثيرًا من الحروب تشهد بالفعل قفزات إنفاقية تنخفض لاحقًا حين تهدأ الجبهات. غير أن ما يرجح الاستنتاج البنيوي في الحالة الراهنة ليس مجرد الارتفاع العددي، بل طبيعة البنود التي ارتفعت. فالزيادات تركزت في مجالات لا تُستهلك مرة واحدة ثم تنتهي: إعادة بناء مخزونات، وتوسيع دفاع جوي، وفتح خطوط إنتاج، وشراء أنظمة اعتراض، وإعادة تنظيم احتياط، ورفع قدرة التصنيع، وتعويض استنزاف مؤسساتي طويل. هذه كلها بنود تميل بطبيعتها إلى الاستمرار حتى بعد تراجع مستوى النار.

فرضية ثانية تقول إن الاقتصاد في الحالات الثلاث كبير بما يكفي لامتصاص الصدمة، وإن المؤشرات التي تبدو مقلقة الآن ستتبدد بمجرد استعادة النمو. هذه الفرضية تصح جزئيًا في الحالة الأمريكية، وتصح بقدر أقل في الإسرائيلية، وتصبح أضعف كثيرًا في الإيرانية. لكن حتى في الولايات المتحدة، لا يلغى حجم الاقتصاد سؤال الأولوية. فالقوة العظمى قد لا تُهددها الحرب بإفلاس مباشر، لكنها قد تعيد توجيه مواردها على نحو يخلق ضغوطًا سياسية واستراتيجية طويلة المدى. وفي إسرائيل، أثبتت التخفيضات الائتمانية ورفع أهداف العجز أن السوق لا تتعامل مع الحرب بوصفها أثرًا عابرًا بالكامل. أما في إيران، فإن القول بقدرة الاقتصاد على الامتصاص يغفل أصل المشكلة: الاقتصاد هناك لا يمتص الصدمة بقدر ما يوزعها عبر التضخم والعملات والقنوات الموازية.

وهناك فرضية ثالثة معاكسة تقريبًا، ترى أن التركيز على الموازنة يبالغ في شأن الاقتصاد ويقلل من أثر الإرادة السياسية والأيديولوجيا والاعتبارات الأمنية. وهذه ملاحظة مهمة، لأن الحروب لا تُدار بالحسابات المالية وحدها. لكن الفصل الحاد بين الإرادة والقدرة خطأ تحليلي. فالإرادة السياسية تستطيع أن تدفع الدولة إلى الإنفاق، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء كلفة هذا الإنفاق أو منعه من الظهور في مكان ما: في الدين، أو التضخم، أو المخزون، أو الائتمان، أو القطاع المدني. بعبارة أخرى، لا تناقض بين القول إن القرار الأمني سياسي بالأساس، والقول إن قابليته للاستمرار تُختبر اقتصاديًا كل يوم.

ثمّة فرضية رابعة أكثر دقة تقول إن الزيادة الراهنة لا تدل على عسكرة الاقتصاد بقدر ما تدل على «تصحيح متأخر» لسنوات من نقص الاستعداد. هذا القول يجد له وجاهة في الحالة الإسرائيلية والأمريكية على السواء؛ إذ يمكن المجادلة بأن الحرب كشفت نقصًا في المخزون أو فجوات في الجاهزية ينبغي أصلًا سدها. غير أن التصحيح، حتى لو كان مبررًا، يظل تصحيحًا مكلفًا يعيد ترتيب الموارد ويخلق بنية إنفاق أعلى. أي إن الجدل حول ما إذا كانت الزيادة «ضرورية» لا يغير حقيقة أنها، حين تُدمج في العقود والموازنات والصناعات، تنتج أثرًا بنيويًا لا يقل أهمية عن الدافع الذي أطلقها.

وبذلك، فإن اختبار الفرضيات البديلة لا يضعف الأطروحة الأساسية بقدر ما ينقّيها. فالدراسة لا تدعي أن كل زيادة إنفاقية ستبقى إلى الأبد، ولا أن الاقتصاد وحده يفسر الحرب، ولا أن الحالات الثلاث متماثلة. ما تقوله على نحو أدق هو أن الحرب الراهنة أطلقت دينامية مالية ومؤسسية ترجح معها استمرارية مستويات أعلى من الإنفاق الدفاعي، حتى لو اختلف مدى هذه الاستمرارية وآلياتها من حالة إلى أخرى. وهذا استنتاج أكثر تواضعًا من الحتمية، لكنه أكثر صلابة من اختزال ما يحدث في كونه موجة عابرة ستتبدد تلقائيًا.

  1. ما الذي تكشفه المقارنة؟ ليست المسألة «من يدفع أكثر» بل «من يحوّل المال إلى زمن أطول»

عند الانتقال من قراءة كل حالة على حدة إلى المقارنة بينها، يتبين أن السؤال المركزي ليس حجم الإنفاق في ذاته. فالحروب لا تكسبها الموازنات الأكبر بالضرورة، بل النظم التي تستطيع تحويل المال إلى قدرة مستدامة مع كلفة سياسية واجتماعية مقبولة نسبيًا. وهذه النقطة تضع الحالات الثلاث في مواقع مختلفة تمامًا. الولايات المتحدة هي الأقدر على الدفع، لكنها ليست الأكثر استعدادًا لتحويل كل أزمة إقليمية إلى التزام مفتوح سياسيًا. إسرائيل هي الأكثر تعبئةً ووضوحًا في تحمل الكلفة، لكنها أيضًا الأكثر تعرضًا لأن يتحول الأمن إلى عبء بنيوي على المالية العامة. أما إيران فهي الأضعف في الشفافية والحيز المالي الرسمي، لكنها قد تكون الأقدر على تخفيض الكلفة الظاهرة للحرب عبر توزيعها على قنوات وأدوات أقل سعرًا وأكثر غموضًا.

ومن هنا فإن الكفاءة العسكرية–المالية لا تتحدد فقط بحجم الناتج المحلي أو مقدار الموازنة، بل أيضًا بنسبة التبادل بين الكلفة والأثر. إسرائيل تدفع كثيرًا كي تحافظ على التفوق، لكن جزءًا كبيرًا من هذا الإنفاق يذهب إلى الدفاع عن الجبهة الداخلية، وإلى منع الاختراق، وإلى تعويض الاستهلاك المرتفع لمنظومات شديدة الكلفة. إيران، على العكس، لا تستطيع أن تنافس في التفوق النوعي الشامل، فتسعى إلى فرض معادلة تجعل خصومها ينفقون أكثر لاعتراض ما تطلقه أو لاحتواء ما تحركه. الولايات المتحدة، من جانبها، تدفع من موقع الضامن والمزود وصاحب المخزون الأكبر، ولذلك فإن إنفاقها ليس إنفاقًا على معركة واحدة، بل على قابلية خوض معارك متعددة في آن واحد.

هذا يفسر لماذا قد تبدو بعض المؤشرات متناقضة ظاهريًا. فإسرائيل، رغم قدرتها التكنولوجية العالية، ليست في وضع مالي «مريح» كلما طال أمد الحرب. وإيران، رغم ضيقها الاقتصادي، ليست عاجزة بالضرورة عن مواصلة شكل معين من الحرب ما دام الشكل نفسه متوافقًا مع نموذجها غير المتناظر. والولايات المتحدة، رغم اتساعها المالي، ليست بمنأى عن سؤال الاستنزاف، لأن استنزاف القوة العظمى لا يعني عجزها عن الدفع، بل اضطرارها المستمر إلى توسيع الالتزامات وتبريرها وإعادة ملء ما يُسحب من قدراتها.

تكشف المقارنة أيضًا أن الشفافية ليست فضيلة أخلاقية فقط؛ إنها عامل يحدد نوع الضغط الذي تتعرض له الدولة. إسرائيل والولايات المتحدة، بحكم انكشافهما الأعلى للمؤسسات والأسواق والتصنيف الائتماني والجدل البرلماني، تواجهان ضغطًا علنيًا على كلفة الحرب ومسارات تمويلها. إيران، بحكم انخفاض الشفافية، تتجنب جزءًا من هذا الضغط المؤسسي، لكنها تدفع ثمنًا آخر يتمثل في اتساع المسافة بين الإنفاق الفعلي والإنفاق المعلن، وبين الدولة الرسمية ومراكز القوة الأمنية. وبعبارة أخرى: ما يَحجب الكلفة أمام الجمهور لا يُلغيها، بل يغير موقعها وآلية امتصاصها.

الأكثر أهمية أن الحرب، في الحالات الثلاث، لا تعيد توزيع المال فقط، بل تعيد تعريف ما يُعد «طبيعيًا» في الموازنة. ما كان استثنائيًا في 2023 قد يغدو قاعدة في 2026. وما كان يُقدَّم باعتباره ملحقًا عاجلًا قد يصبح جزءًا من البنية الأساسية للإنفاق. هذا هو التحول الذي ينبغي الانتباه إليه. فالحرب لا تُنتج فقط فواتير، بل تُنتج أيضًا عتبات نفسية وسياسية جديدة: عتبة أعلى لما يُعد إنفاقًا مقبولًا، وعتبة أقل لما يُعد اقتطاعًا مرفوضًا من المجال المدني. وعندما ترتفع العتبة الأولى وتنخفض الثانية، نكون قد دخلنا فعلًا في طور عسكرة مالية أعمق.

  1. ما بعد الأرقام: كيف تُعيد الحرب ترتيب العلاقة بين الأمن والاقتصاد والمجتمع؟

من أسوأ طرق قراءة اقتصاد الدفاع النظر إليه بوصفه فرعًا تقنيًا منعزلًا عن الحياة الاجتماعية. فالمال الذي يذهب إلى الحرب لا يأتي من فراغ؛ إنه يُنقل من مكان إلى آخر. وعندما تتسع المخصصات الدفاعية بهذا الشكل، لا يعود السؤال فقط عن سلامة الموازنة، بل عن شكل الدولة نفسها: أي دولة تتشكل عندما يصبح الدفاع أولوية فوقية دائمة؟ أي نمط من المواطنة يتكرس عندما تُطلب من المجتمع تضحيات ضريبية وخدمية متكررة باسم الأمن؟ وكيف يتبدل معنى «الطبيعي» في الإنفاق العام حين يصبح الاستثناء العسكري هو الأصل؟

في الحالة الإسرائيلية، تبدو هذه الأسئلة حاضرة بوضوح. فالحرب لا تضغط على العجز والدين فقط، بل تعيد توزيع الموارد داخل مجتمع يواجه أصلًا تباينات طبقية ومناطقية وحساسيات سياسية حادة. وعندما يُطلب من الحكومة أن تزيد الدفاع وتخفض بعض البنود المدنية أو تؤجلها، فإن الرسالة الضمنية لا تتعلق بالموازنة وحدها، بل بترتيب القيمة السياسية للقطاعات. في مثل هذه اللحظات، تُقاس قوة الدولة أيضًا بقدرتها على إقناع المجتمع بأن ما يُقتطع منه اليوم لن يتحول إلى خصم دائم من مستقبله. وكلما طالت الحرب، صعب هذا الإقناع.

في إيران، تتخذ المسألة شكلًا مختلفًا. فضعف الشفافية لا يخفف الاحتكاك الاجتماعي، بل يعيد توطينه في مكان آخر: التضخم، والعملة، والقدرة الشرائية، والانطباع الشعبي بأن الأولويات الأمنية تتقدم على الأولويات المعيشية. وعندما تُموَّل الحرب عبر قنوات لا تمر كلها في الموازنة الرسمية، يصبح من العسير على المجتمع أن يرى بوضوح كلفة الاختيار الأمني، لكنه يلمس أثره اليومي في السوق والأسعار والعملة وفرص العيش. بهذا المعنى، لا ينتج الاقتصاد الدفاعي الإيراني إجماعًا تعبويًا بقدر ما ينتج نوعًا من «التكيّف القسري» مع دولة أمنية تملك أدوات تجاوز لا يملكها الاقتصاد المدني.

أما الولايات المتحدة، فالإشكال فيها أقل ارتباطًا بالتضحيات المعيشية المباشرة وأكثر ارتباطًا بمشروعية التوسع الخارجي. فالحرب هنا تُناقش داخل سؤال أكبر: ما حدود الدور الأمريكي في العالم، ومن الذي يحدد الأولويات، وما الذي يعنيه أن يتحول الشرق الأوسط مجددًا إلى مبرر لطلب اعتمادات ضخمة بينما تتراكم احتياجات داخلية أخرى؟ لهذا السبب، لا تُقرأ كلفة الحرب الأمريكية في سوق السلع اليومية بالطريقة نفسها التي تُقرأ بها في إسرائيل أو إيران، لكنها تُقرأ بقوة في الكونغرس، وفي سجالات العجز، وفي معارك الموازنة الاتحادية، وفي الجدل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تموّل استراتيجيات الآخرين أكثر مما تموّل استقرارها الداخلي.

هذه الفروق الثلاثة تكشف نقطة مشتركة واحدة: الحرب لا توسع الاقتصاد الدفاعي فقط، بل توسع السلطة السياسية للمنطق العسكري داخل الدولة. وكلما زادت قدرة هذا المنطق على فرض نفسه بوصفه أولوية عليا، صار من الأصعب على القطاعات المدنية أن تستعيد مواقعها السابقة حتى بعد توقف القتال. إن عسكرة المالية العامة تبدأ رقمًا في الموازنة، لكنها لا تنتهي هناك؛ فهي تنتهي عادة في تحول أعمق في ترتيب الأولويات، وفي تعريف المقبول وغير المقبول داخل المجال العام.

  1. لماذا يصعب التراجع بعد الحرب؟ منطق «التثبيت المؤسسي»

من الأخطاء المتكررة في قراءة الإنفاق العسكري الظن أن ما يرتفع بسرعة يهبط بالسرعة نفسها فور تراجع الخطر. التاريخ يقول غير ذلك. فالمخصصات الدفاعية التي تتضخم أثناء الحرب تخلق خلال وقت قصير بنية كاملة تقاوم الانكماش: عقودًا طويلة الأجل، وخطوط إنتاج جديدة، وحججًا عملياتية مبنية على «الدروس المستخلصة»، وشبكات بيروقراطية توسعت لتدير الإنفاق المرتفع، وتحالفات سياسية واقتصادية تستفيد من تثبيته. هذا ما يمكن تسميته «التثبيت المؤسسي» للزيادة الحربية.

يتجلى هذا المنطق في الحالة الإسرائيلية بوضوح. فحين تُفتح خطوط إنتاج جديدة للصواريخ والذخائر وأنظمة الدفاع، وحين تُدمج الزيادات في الموازنة الأساسية بدل الملحقات العابرة، يصبح من الصعب جدًا أن تعود الدولة ببساطة إلى نسب ما قبل الحرب. سيقال إن التهديد لم يختفِ، وإن المخزون يحتاج إلى إعادة تكوين، وإن الجبهة الداخلية تحتاج إلى حماية أوسع، وإن الحرب كشفت فجوات لا بد من سدها. وكل هذه الحجج قد تكون صحيحة جزئيًا. لكن نتيجتها العملية واحدة: تثبيت مستوى أعلى من الإنفاق الدفاعي بوصفه «الوضع الجديد».

في إيران، يأخذ التثبيت المؤسسي شكلًا مختلفًا. فالقنوات الموازية التي تنمو تحت ضغط الحرب لا تنكمش بسهولة، لأنها تصبح جزءًا من اقتصاد النفوذ ذاته. وعندما يتمدد دور مؤسسات أمنية أو شبه عسكرية في التمويل والإنتاج والتوزيع، يصبح تقليص هذا الدور لاحقًا مسألة سياسية حساسة، لا قرارًا ماليًا بسيطًا. وبذلك، فإن الحرب لا تزيد الإنفاق وحسب، بل تُعمّق أيضًا وزن الفاعلين الذين يديرون هذا الإنفاق خارج الأطر التقليدية للدولة.

أما في الولايات المتحدة، فإن التثبيت المؤسسي يعمل عبر مسار آخر: العقود الدفاعية الكبرى، وضغط الشركات، والانتشار الصناعي للمجمع العسكري، وتعدد الجبهات التي تُستخدم لتبرير الإنفاق المرتفع. وما إن تُفتح جولة اعتمادات تكميلية كبيرة حتى يصبح من السهل سياسيًا أن تتحول إلى خط أساس أعلى في السنوات التالية، باسم الردع، أو إعادة البناء، أو الاستعداد للجبهة المقبلة. وهكذا لا تخرج الحرب من الموازنة الأمريكية بسهولة حتى بعد أن تخرج من شاشات الأخبار.

لهذا فإن الخطر الأكبر ليس الإنفاق المرتفع أثناء الحرب فحسب، بل تحوله إلى «طبيعة ثانية» للسياسة المالية. وعندما يحدث ذلك، لا يصبح السؤال: كم كلفتنا هذه الحرب؟ بل: ماذا بقي من القدرة السياسية على إعادة ترتيب الأولويات بعدها؟ هذا هو السؤال الذي يحدد ما إذا كانت الحرب عارضًا مكلفًا أم نقطة انعطاف في بنية الدولة نفسها.

  1. الاستنتاج العام: الحرب لا تستهلك المال فقط؛ إنها تعيد تعريفه

يمكن الآن صياغة الخلاصة الأساسية بوضوح أكبر. ما جرى منذ أكتوبر 2023 لا يُفهم على نحو كافٍ إذا قُرئ بوصفه طفرة عسكرية ظرفية رفعت الإنفاق الدفاعي لدى إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. الأدق أن نقول إن الحرب أعادت ترتيب العلاقة بين الأمن والمال والمؤسسة والدولة في كل حالة من هذه الحالات، ولكن بطرق مختلفة. في إسرائيل، اندفعت الموازنة نحو تعبئة طويلة، بحيث صار الدفاع يعيد تشكيل العجز والدين والإنفاق المدني والقاعدة الصناعية في آن واحد. في إيران، عززت الحرب نموذج اقتصاد الدفاع الظلّي، حيث تعمل القنوات الموازية بوصفها آلية صمود تحت العقوبات، لكنها في الوقت نفسه تعمّق المسافة بين الدولة الرسمية والدولة الأمنية. وفي الولايات المتحدة، كشفت الحرب أن وفرة الموارد لا تلغي مشكلة الاستنزاف، بل تنقلها إلى مستوى آخر: إدارة المخزونات، وتبرير الاعتمادات، وترتيب الأولويات داخل قوة عالمية مثقلة أصلًا بالتزاماتها.

الدلالة الأعمق للمقارنة أن القدرة العسكرية لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من سلاح، بل بما تملكه من قابلية مستدامة لتمويل هذا السلاح سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. فالدولة التي تستطيع الإنفاق يومًا أو شهرًا ليست بالضرورة الدولة التي تستطيع تحمّل منطق الحرب لسنوات. والدولة التي تخفي جزءًا من الكلفة لا تلغي الكلفة، بل تؤجل انكشافها أو تعيد توزيعها. والدولة الأقدر على الدفع ليست بمنأى عن أن تتحول التزاماتها الخارجية إلى عبء دائم على بنيتها المالية.

لهذا كله، لا ينبغي النظر إلى اقتصاد الدفاع بوصفه ملحقًا تقنيًا بالدراسات العسكرية، بل بوصفه قلبًا من قلوب التحليل الاستراتيجي. فما تُظهره الحرب الحالية هو أن المسافة بين الأمن والاقتصاد صارت أضيق من أي وقت مضى. وحين تصبح الموازنة نفسها جزءًا من ساحة القتال، يعود السؤال الحاسم أقل رومانسية وأكثر صرامة: ليس من يملك السلاح الأكثر تطورًا فقط، بل من يستطيع أن يموّل الحرب من دون أن يخسر الدولة التي يدّعي أنه يحميها.

وبهذا المعنى، فإن الخلاصة النهائية للدراسة ليست أن الإنفاق العسكري ارتفع؛ فهذه حقيقة أولية معروفة. الخلاصة الأهم هي أن الحرب دفعت الأطراف الثلاثة إلى طور جديد من «العسكرة المالية»: طور ترتفع فيه كلفة التراجع السياسي عن الإنفاق الدفاعي، وتتقلص فيه المسافة بين قرار الحرب وشكل الاقتصاد نفسه. وما دام هذا الطور قائمًا، فإن وقف إطلاق النار، متى حصل، لن يكون نهاية الكلفة، بل بداية حسابها الحقيقي.

المراجع

[1] Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Trends in World Military Expenditure, 2024, April 2025.
[2] SIPRI, Military Expenditure Database / regional notes on Iran and the Middle East, 2025 update.
[3] Reuters, “Israel cabinet OKs revised budget, cenbank says Iran war needs careful fiscal management,” 11 March 2026.
[4] Reuters, “Israeli parliament approves 2026 state budget,” 29 March 2026.
[5] Reuters, “Iran war has cost Israel $11.5 billion in budgetary expenses, ministry says,” 12 April 2026.
[6] Bank of Israel, “Remarks by the Governor of the Bank of Israel at the cabinet meeting to approve the state budget for 2024,” 14 January 2024.
[7] Reuters, “Moody’s downgrades Israel’s credit rating to A2,” 9 February 2024.
[8] Reuters, “Moody’s cuts Israel’s rating to Baa1,” 27 September 2024; and Moody’s Ratings, outlook changed to stable from negative, 30 January 2026.
[9] Reuters, “Israel defence firm Elbit’s quarterly profit, sales gain due to Gaza war,” 14 August 2024.
[10] Elbit Systems, Fourth Quarter and Full Year 2024 Results, 18 March 2025.
[11] Reuters, “Israel’s Elbit Systems sees further growth from Iran war,” 17 March 2026.
[12] Iran Open Data, “Iran’s Military Budget Soars 35% to $23B in 2025,” 9 May 2025.
[13] تقديرات كلفة الهجمات والاعتراضات الصاروخية كما وردت في تغطيات صحفية وتحليلية متخصصة خلال 2024–2026، مع ضرورة التعامل معها بوصفها تقديرات تشغيلية لا أرقامًا نهائية مغلقة.
[14] Congressional Research Service, U.S. Foreign Aid to Israel: Overview and Developments since October 7, 2023, updated 2025.
[15] Brown University, Costs of War Project, U.S. Military Aid and Arms Transfers to Israel, October 2023–September 2025, 7 October 2025.
[16] Associated Press, “US has given at least $21.7 billion in military aid to Israel since war in Gaza began, report says,” 7 October 2025.
[17] Reuters, “Pentagon seeks more than $200 billion in budget request for Iran war,” 18 March 2026.
[18] Reuters, “White House offers no hint of Iran war cost as it seeks military funding surge,” 15 April 2026.
اسم: ألمانياإيرانالاتحاد الأوروبيالخليج العربيالصينتقدير موقف
يشاركTweetأرسليشارك
المنشور السابق

أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟

المنشور التالي

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

euarsc

euarsc

المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية منصة بحثية مستقلة تُعنى بإنتاج معرفة رصينة حول القضايا السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي تصل العالم العربي بأوروبا، وتؤثر في مساراته الراهنة والمستقبلية

متعلق بـتقرير ذو صلة

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران
ملفات بحثية

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

بواسطة euarsc
أبريل 18, 2026
1
أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
الصين

أين تقف الصين في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟

بواسطة euarsc
أبريل 18, 2026
0
من هدنة الضرورة إلى تفاوض ما بعد الحرب
ليبيا

من هدنة الضرورة إلى تفاوض ما بعد الحرب

بواسطة euarsc
أبريل 17, 2026
7
انقسام أوروبي حول تأمين مضيق هرمز:
إيران

انقسام أوروبي حول تأمين مضيق هرمز:

بواسطة euarsc
أبريل 17, 2026
7
المنشور التالي
اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

I agree to the Terms & Conditions and سياسة الخصوصية.

المركز العربي الأوروبي للدراسات. السياسية والاجتماعية.

Facebook-f X-twitter Youtube Telegram Rss Instagram Soundcloud
© 2011 تأسس

معايير

  • أوراق سورية
  • بلاد الشام
  • ملفات بحثية
  • سوريون في المهجر

أوروبا النشر

  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • تعليقات الباحثين
  • حلف الناتو

العلاقات العربية

  • العلاقات العربية الأوروبية
  • الخليج العربي
  • دراسات إعلامية
  • ملفات بحثية

النشر اوروبا

  • الولايات المتحدة الامريكية
  • روسيا
  • أمن دولي
  • الأمن الإقليمي

© 2026 euarsc -كافة العلامات الخاصة بـ euarsc وكل ما تتضمنه من حقوق الملكية الفكرية  ملك لـ euarsc لا تستخدم إلا بتصريح مسبق euarsc.

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • الابلاغ عن الإساءة
  • تواصل معنا

مرحبًا بعودتك!

تسجيل الدخول إلى الحساب

نسيت كلمة المرور ?

استرجع كلمة مرورك

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • العلاقات العربية الأوروبية

© 2026 المركز - العربي ، الأوروبي للدراسات.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية الخصوصية.