الاقتصاد الإيراني بين التكيّف مع العقوبات وضغط الحرب
تعالج هذه الورقة التحول من «اقتصاد التكيّف مع العقوبات» إلى «اقتصاد الحرب»، وتقدّر حدود قدرة البنية الاقتصادية الإيرانية على الاستمرار حين يصبح الضغط ماديًّا ومباشرًا في الشحن والتصدير والعملة والمالية العامة، لا مجرد قيود قانونية ومالية متراكمة.
الملخص التنفيذي
دخلت إيران الحرب الأخيرة وهي أصلًا فوق أرضية اقتصادية مرهقة: نموّ متواضع، تضخم مرتفع، عملة متآكلة، واستثمار أجنبي محدود إلى حدّ العجز عن دفع مسار تحديث إنتاجي مستدام. غير أن مكمن الخطر الحاسم لا يكمن في هذه الهشاشة وحدها، بل في طبيعة النموذج الذي أبقى الاقتصاد قائمًا طوال سنوات العقوبات. فهذا الاقتصاد لم يتعافَ؛ بل أعاد ترتيب نفسه حول البقاء: نفط يُباع بخصومات، وأساطيل شحن معتمة، وشبكات وساطة، وقنوات مالية بديلة، ومراكز نفوذ محلية ملأت فراغ خروج الشركات الدولية. هكذا نشأ نمط يمكن وصفه بـ«اقتصاد الالتفاف»؛ اقتصاد قادر على امتصاص القيد، لكنه أقل قدرة بكثير على امتصاص الكسر.
تُظهر البيانات الأحدث أن صندوق النقد الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني في عام 2026 بنسبة 6.1%، مع قفزة في التضخم إلى 68.9% [1]، في حين يسجل البنك الدولي نموًا فعليًا في 2024 عند 3.7% فقط، وتضخمًا سنويًا عند 32.5%، وتدفقات استثمار أجنبي لا تتجاوز 0.3% من الناتج، وبطالة عند 8.3% في 2025 [2]. هذه الأرقام تكشف أن الاقتصاد لم يدخل الحرب من موقع تعبئة صاعد، بل من موقع إنهاك متراكم. وقد زادت الصورة قتامة عندما فقد الريال الإيراني في كانون الثاني/يناير 2026 جزءًا إضافيًا من قيمته، بينما أشارت رويترز إلى تضخم سنوي للأسر بلغ 60% في الفترة من 21 كانون الأول/ديسمبر إلى 19 كانون الثاني/يناير [3].
ترجّح الورقة أن الحرب لم تُسقط الاقتصاد الإيراني فورًا، لكنها أصابت منطق التكيّف نفسه في نقاطه الأكثر حساسية: جزيرة خرج، وشبكات الشحن، والتأمين، والوسطاء، وإمكانية تحويل النفط إلى نقد. وما كانت العقوبات تضغط عليه ببطء، بدأت الحرب تكشفه دفعة واحدة. لذلك، لم يعد السؤال: هل تستطيع إيران التكيّف مع العقوبات؟ بل: هل يستطيع اقتصاد الالتفاف أن يصمد حين تصبح العقد اللوجستية نفسها هدفًا عسكريًّا وماليًّا؟
الإشكالية / سؤال التقدير
السؤال الحاكم هنا هو: هل يستطيع الاقتصاد الإيراني، الذي طوّر على مدى سنوات آليات بقاء تحت العقوبات، أن يحافظ على حدّه الأدنى الوظيفي تحت ضغط حرب تستهدف الشحن والتصدير والبنية التحتية والعملة والمالية العامة في وقت واحد؟
ويتفرع عن هذا السؤال سؤالان أدقّ. الأول: هل تمثل الحرب مجرد تسريع لاختلالات قائمة، أم أنها تمثل انتقالًا نوعيًّا من اقتصاد التكيّف إلى اقتصاد الكسر؟ والثاني: هل ما يزال بوسع الدولة تمويل المجهود العسكري والحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار الاجتماعي معًا، أم أن نقطة المقايضة القسرية بين «الأمن» و«المعاش» باتت أقرب من أي وقت مضى؟
ملاحظة منهجية
تفترض هذه الورقة التمييز بين مستويين من البيانات. المستوى الأول هو المؤشرات الكلية شبه المستقرة نسبيًا، مثل تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي الخاصة بالنمو والتضخم والبطالة والاستثمار [1][2]. والمستوى الثاني هو المؤشرات الجارية المرتبطة بالحرب، مثل الصادرات النفطية الفعلية، وقدرات التخزين، وحالة الموانئ والتأمين والشحن، وهي مؤشرات تتبدل بسرعة وتبقى، بحكم طبيعة الحرب، أقل انتظامًا وأكثر عرضة للتقدير من الإحصاء الصارم. ولهذا فإن الورقة تميّز بين «حقيقة مثبتة» و«ترجيح تحليلي»، وتتعامل مع أرقام الحرب بوصفها مؤشرات اتجاه لا بوصفها يقينًا نهائيًا.
أولًا: اقتصاد تكيّف، لا اقتصاد تعافٍ
قبل التحول العسكري الأخير، لم يكن الاقتصاد الإيراني في حالة انهيار كامل، لكنه لم يكن قريبًا من التعافي أيضًا. رقم النمو الحقيقي الذي يسجله البنك الدولي لعام 2024، والبالغ 3.7% [2]، لا يعبّر عن دينامية توسع صحية بقدر ما يعكس استمرار الحركة فوق قاعدة هشة: تضخم مرتفع، وتراجع في قيمة العملة، وضعف شديد في الاستثمار المنتج. بل إن صندوق النقد انتقل في تقديراته الأحدث إلى صورة أكثر قتامة لعام 2026: انكماش بنسبة 6.1% وتضخم عند 68.9% [1]. بهذا المعنى، كان الاقتصاد يتحرك أصلًا على حافة اختلال كلي، والحرب لم تفعل إلا أنها دفعت هذه الحافة إلى الأمام.
ومع مطلع 2026 سجل الريال الإيراني مستوى متدنيًا جديدًا في السوق الموازية، عند نحو 1.5 مليون ريال مقابل الدولار، فيما كانت الأسعار قد سبقت العملة نفسها إلى كشف عمق الأزمة. فرقم التضخم السنوي للأسر الذي نقلته رويترز ــ 60% في شهر واحد مرجعيًا ــ لا يعني فقط ارتفاعًا في الأسعار؛ بل يعني شيئًا أعمق: انتقال التضخم من كونه معطًى اقتصاديًّا مزمنًا إلى كونه خبرة يومية تلتهم الاستهلاك والادخار والثقة بالنقد معًا [3]. ولذلك لم تعد المعضلة الإيرانية مسألة اختلال في المؤشرات الكلية فحسب، بل أزمة قدرة على تثبيت التوقعات وحماية المجال المعيشي من التآكل السريع.
وتزداد دلالة هذه الصورة حين تُقرأ إلى جانب تدفقات استثمار أجنبي صافية لا تتجاوز 0.3% من الناتج في 2024 [2]. فاقتصاد بهذه الدرجة من الجفاف الاستثماري لا يفتقد التمويل فقط، بل يفتقد الزمن أيضًا؛ إذ لا يملك رفاهية التأخر في التحديث، ولا قدرة حقيقية على إعادة بناء قطاعات الإنتاج على نحو مستدام. ومن ثمّ، فإن الحرب لا تضرب اقتصادًا متماسكًا ثم تربكه، بل تضرب اقتصادًا أنهكته العقوبات أصلًا، وأبقته حيًا من دون أن تمنحه شروط التعافي.
ثانيًا: كيف اشتغل اقتصاد الالتفاف طوال سنوات العقوبات؟
لم ينجُ الاقتصاد الإيراني من العقوبات عبر استعادة اندماجه الطبيعي في السوق العالمية، بل عبر تأسيس منظومة بديلة موازية. النفط استمر في التدفق، لكن عبر خصومات، وتبديل للهويات البحرية، وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى، وشركات وساطة، ومرافئ عبور، ومشترين مستعدين لتحمّل جزء من المخاطر مقابل سعر أدنى. وزارة الخزانة الأميركية ما تزال تصف هذه المنظومة، في آخر حزمة عقوبات أعلنتها في 15 نيسان/أبريل 2026، بأنها شبكة تهريب ونقل غير مشروع مرتبطة بنخب نافذة وسفن وشركات متعددة الجنسيات [4]. أي أن ما أبقى الاقتصاد الإيراني واقفًا لم يكن قناة مستقرة، بل منظومة التفاف متغيرة، عالية الكلفة، ومحكومة دومًا بهوامش ضيقة من المراوغة.
هذا المسار لم يقتصر على النفط. فالتجارة الإيرانية توسعت كذلك عبر دول الجوار ومراكز إعادة التصدير، وعبر تسويات بالعملات الإقليمية، ومقايضات، وشبكات «حوالة» خارج النظام المصرفي التقليدي. وفي الداخل ملأت مؤسسات مرتبطة بمراكز النفوذ السياسي والاقتصادي الفراغ الذي خلفه خروج الشركات الأجنبية. وعلى هذا النحو تشكّلت بنية هجينة يتداخل فيها الرسمي مع غير الرسمي، والقانوني مع الموارب، والاقتصادي مع الأمني. وقد سمح هذا التداخل للاقتصاد بأن يتفادى الانهيار، لكنه لم يسمح له بأن ينتج توازنًا صحيًا؛ بل أنتج اقتصادًا ينجو بكلفة عالية، ويفتقد كلما طال الزمن جزءًا إضافيًا من الكفاءة والشفافية والإنتاجية.
تكمن المفارقة هنا في أن الآليات التي منحت الاقتصاد قدرة على الاحتمال هي نفسها التي عمّقت هشاشته. فالاقتصاد الذي يعتمد على وسطاء وممرات غير معلنة وتأمين مرتفع ومشترين يخفون المخاطر داخل السعر، يصبح أكثر حساسية لأي اضطراب جيوسياسي، وأكثر تعرضًا لضغوط الشحن والرقابة والعقوبات الثانوية. ولهذا كان كافيًا أن تلوّح واشنطن، في نيسان/أبريل 2026، بتوسيع العقوبات الثانوية على مشتري النفط الإيراني وناقليه حتى يصبح الضغط موجّهًا إلى قلب النموذج، لا إلى هامشه [4]. فالمسألة لم تعد استهداف البائع فقط، بل تخويف المشتري والممول والناقل في وقت واحد.
ثالثًا: الحرب تغيّر طبيعة الضغط، لا شدته فقط
العقوبات تضغط ببطء. أما الحرب، فتُنزل الضغط من مستوى القاعدة القانونية إلى مستوى العقدة المادية: الميناء، والمضيق، والمنشأة، والتأمين، والسلامة التشغيلية، وسلسلة التحصيل المالي. وهذا هو الفارق الحاسم بين اقتصاد العقوبات واقتصاد الحرب. الأول يستطيع أن يبتكر قنوات التفاف؛ الثاني يواجه احتمال كسر القنوات نفسها.
تظهر هذه النقلة بوضوح في جزيرة خرج. فبحسب رويترز، يمر عبر هذه الجزيرة نحو 90% من الخام الإيراني المعدّ للتصدير [5]، كما ظلت الصادرات بين 28 شباط/فبراير و11 آذار/مارس 2026 تدور بين 1.1 و1.5 مليون برميل يوميًّا [5]. هذه الأرقام لا تكشف فقط أهمية خرج؛ بل تكشف مفارقة أعمق: اقتصاد يبدو متشعبًا في صورته الخارجية، لكنه يعتمد فعليًا على عقدة واحدة شديدة الحساسية. أي أن اللامركزية الظاهرة في الشبكات الرمادية تُخفي مركزية قاسية في البنية المادية.
من هنا لا تبدو الضربات على خرج في آذار/مارس مجرد ضربة رمزية. فقد وصفت رويترز الجزيرة بأنها المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، وحذّرت من أن تعطيلها قد يزيل نحو مليوني برميل يوميًّا من السوق [6]. وقبل ذلك كانت إيران قد رفعت مخزونها العائم إلى مستويات قياسية قاربت 200 مليون برميل، في محاولة لتحويل الخطر من منشآت ثابتة إلى احتياطي بحري متحرك [6]. هذه المناورة ذكية، لكنها لا تلغي الحقيقة الأساسية: النفط الذي لا يجد ممرًا آمنًا، وتأمينًا، ومشتريًا، لا يتحول تلقائيًا إلى إيراد مالي. ومع انتقال التهديد من «صعوبة البيع» إلى «هشاشة المنفذ» يتغير معنى الصمود كله.
رابعًا: من اختناق الصادرات إلى اختناق الدولة
ما إن تُضرب الصادرات في اقتصاد يعتمد على النفط والعملات الصعبة لتثبيت وارداته وسعر صرفه وميزانيته، حتى يتسع الأثر بسرعة من قطاع الطاقة إلى قلب الدولة نفسها. فالعجز لا يبقى رقمًا في الموازنة، بل ينتقل إلى النقد، ثم إلى الأسعار، ثم إلى منظومة الدعم، ثم إلى التماسك الاجتماعي. هذا هو المسار الإيراني المحتمل اليوم.
في 15 نيسان/أبريل 2026 نقلت رويترز عن محللين تقديرًا يقول إن إيران قد تتحمل توقفًا كاملًا في الصادرات لمدة تصل إلى شهرين قبل أن تضطر إلى خفض الإنتاج، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى أن القدرة على الاستمرار قد تكون أقصر بكثير إذا تقلصت السعات التخزينية البرية والفعلية [7]. معنى ذلك أن الحرب لا تهدد الإيرادات فقط؛ بل تهدد أيضًا قدرة الدولة على إبقاء الحقول والمنشآت والإنتاج نفسه ضمن الوتيرة السابقة. وحين يبدأ الإنتاج في التراجع لا يعود الضرر ماليًّا فقط، بل يصبح ضررًا تشغيليًّا واستراتيجيًّا.
وما يزيد الخطر أن الحرب لا تضرب الإيرادات وحدها، بل تضرب البنية التي يمكن أن تعوضها لاحقًا. فقد تحدثت رويترز عن أضرار واسعة أصابت الاقتصاد والبنية الأساسية، وعن خوف متصاعد داخل النظام من لحظة ما بعد الحرب بقدر الخوف من الحرب نفسها [8]. فالدولة هنا لا تواجه سؤال «كم نخسر من الصادرات؟» وحده، بل سؤالًا أشمل: «كم سيكلفنا أن نبقي المجتمع ساكنًا ونحن نعيد تمويل الحرب وإصلاح الأضرار معًا؟». وفي هذه النقطة يصبح التضخم ملفًا سياسيًّا بقدر ما هو ملف اقتصادي؛ لأن القدرة على تمويل الدعم واستيراد الغذاء والدواء والوقود لم تعد مجرد سياسة اجتماعية، بل خط الدفاع الأخير بين الدولة وبين انفجار داخلي جديد.
خامسًا: المجتمع بوصفه جبهة اقتصادية داخلية
حين يطول أمد الحرب في اقتصاد متآكل أصلًا، لا تبقى الجبهة الحقيقية عند المضيق أو الميناء فقط؛ بل تنتقل إلى المطبخ والسوق والراتب والقدرة على الوصول إلى السلع الأساسية. هنا تتحول الأسرة الإيرانية نفسها إلى ساحة يتقاطع فيها الاقتصاد مع السياسة. فكل تراجع إضافي في سعر الصرف يضرب القدرة الشرائية. وكل اضطراب في الشحن ينعكس على أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج. وكل توسع نقدي لتمويل الحرب يترجم، بعد فترة قصيرة، إلى موجة تضخم جديدة.
ولا تبدو السلطة غافلة عن هذا الخطر. رويترز أشارت في 30 آذار/مارس، ثم مجددًا في 18 نيسان/أبريل 2026، إلى اتساع القمع الأمني والخشية من لحظة ما بعد الحرب، حين قد يهدأ القصف الخارجي لكن تبقى تكلفة الحرب داخل البيوت والأسواق [8][9]. هذه الملاحظة مهمة لأنها تعني أن النظام لا يخشى فقط أثر الضربات؛ بل يخشى أيضًا الأثر المؤجل لانكشاف الاقتصاد. فالناس قد تصبر تحت وقع الحرب، لكنها تعود بعد تراجعها مباشرة إلى سؤال المعاش، لا إلى سؤال الجبهة. وإذا عجزت الدولة عن تمويل الاستقرار المعيشي بالقوة أو بالدعم، فإن الخطر الاجتماعي يصبح أقرب وأكثر كثافة.
وعليه، فإن التضخم في الحالة الإيرانية ليس رقمًا محايدًا؛ إنه آلية تآكل سياسي. والعملة ليست مجرد أداة تبادل؛ إنها ميزان ثقة بين الدولة والمجتمع. وكلما فقدت الدولة قدرتها على حماية هذا الميزان، تقلص هامشها في إدارة الاحتقان بالوسائل الاقتصادية، واتسعت حاجتها إلى التعويض الأمني والقمعي.
سادسًا: أين تنتهي قدرة الصمود؟
من الخطأ المبالغة في هشاشة إيران إلى حدّ توقع الانهيار الفوري، كما أن من الخطأ المعاكس المبالغة في قدرة نموذجها على الاحتمال. الأدق أن هذا الاقتصاد ما يزال يملك بعض أدوات التخفيف: طاقة تخزينية، وقدرة على خفض الإنتاج جزئيًّا، وخبرة واسعة في تشغيل الشبكات الرمادية، وسوقًا داخلية كبيرة نسبيًّا. لكن هذه الأدوات كلها تنتمي إلى منطق التمديد لا إلى منطق الحل. إنها تؤخر الاستحقاق؛ لا تلغيه.
والحد الفاصل هنا ليس رقمًا واحدًا، بل مدة تعطيل الشرايين الرئيسية. فإذا عاد المرور والتأمين والتصدير إلى درجة معقولة خلال أسابيع قليلة، فسيستعيد نموذج التكيّف بعض فاعليته. أما إذا طال الحصار وتعطلت خرج أو تكررت الضربات على البنية اللوجستية، فإن الاقتصاد سينتقل من «إدارة الضغوط» إلى «إدارة الانكماش». وعندئذ تصبح الأولوية الرسمية ليست التنمية ولا حتى الاستقرار الكلي، بل شراء الوقت ومنع الانفلات. وهذا فرق جوهري؛ لأن اقتصاد شراء الوقت قد يبقى حيًّا طويلًا، لكنه لا يبني استقرارًا، بل يؤجل الانكسار شهرًا بعد آخر.
المخاطر والفرص
الخطر الأول يتمثل في اختناق الصادرات النفطية على نحو مستمر، سواء عبر الحصار البحري، أو ارتفاع كلفة التأمين، أو تكرار الاستهداف للعقد التشغيلية الحساسة مثل خرج [5][6][7]. والخطر الثاني هو تسارع التضخم وتدهور الريال في ظل توسع العجز وتمويل الحرب من الداخل [1][3]. أما الخطر الثالث فهو تآكل منظومة الدعم الداخلي بما يرفع احتمالات الاحتقان الاجتماعي حين تنخفض قدرة الدولة على موازنة «الأمن» و«المعاش» [8][9]. ويضاف إلى ذلك خطر تشديد العقوبات الثانوية على المشترين والوسطاء بما يضرب قلب شبكة الالتفاف نفسها [4].
في المقابل، لا تخلو الصورة من فرص محدودة، لكنها تظل هشّة ومشروطة. فإذا عادت الملاحة في هرمز إلى درجة مقبولة، وتراجعت المخاطر التأمينية، واستُعيد جزء من انتظام الشحن، فقد يستعيد اقتصاد الالتفاف بعض فاعليته السابقة [10]. كما أن أي مسار تفاوضي يفضي إلى تجميد بعض أدوات الخنق النفطي أو تقليص الضربات على البنية اللوجستية سيمنح طهران فسحة زمنية إضافية [10][11]. غير أن هذه الفرص لا تعني تعافيًا؛ إنها تعني فقط إبطاء الانكشاف.
السيناريوهات
السيناريو الأول هو سيناريو الاحتواء القصير. وفيه تبقى الحرب أو الهدنة ضمن سقف يمنع التدمير الأوسع للمرافئ والعقد اللوجستية، وتعود الملاحة في هرمز بصورة غير طبيعية بالكامل لكنها كافية لتمرير جزء من الصادرات. في هذا السيناريو يستعيد اقتصاد التكيّف بعض فاعليته، من دون أن يخرج من منطقة الخطر. وترتفع احتمالاته إذا غابت الضربات الجديدة على خرج، وتراجعت كلفة التأمين، وبقي تطبيق العقوبات الثانوية دون توسع حاد [5][10].
السيناريو الثاني هو سيناريو الاستنزاف الممتد، وهو الأرجح في المدى المتوسط. هنا لا ينهار الاقتصاد، لكنه يدخل طورًا من التآكل الشديد: صادرات أقل، شحن أعلى كلفة، تضخم أعلى، دعم أضعف، وتآكل متواصل في القدرة الشرائية. تبقى الدولة قادرة على البقاء، لكنها تخسر تدريجيًّا أدوات الاستقرار. وهذا السيناريو يصبح أكثر ترجيحًا إذا ظل الحصار البحري أو تهديده قائمًا، وتراجعت الصادرات نحو الصين، وواصل الريال فقدان قيمته، واتسعت قبضة الأمن داخل المدن [3][4][7][8].
أما السيناريو الثالث فهو كسر بنيوي لنموذج التكيّف. وفيه تتعرض البنية اللوجستية والطاقوية لتكرار الاستهداف، أو يشتد تطبيق العقوبات الثانوية والحصار بما يمنع تحويل النفط إلى إيراد فعلي لفترة طويلة. عندئذ لا يعود الحديث عن «تكيّف» بل عن إعادة تشكيل قسرية للاقتصاد تحت ضغط حرب طويلة. هذا السيناريو ليس الأرجح الآن، لكنه يصبح أكثر احتمالًا بسرعة إذا طال أمد الحصار وتعطلت العقد البحرية على نحو أعمق [1][4][6][7].
التوصيات
أولًا، يجب التعامل مع خرج وهرمز بوصفهما مؤشرين سابقين على التحول الاقتصادي، لا مجرد عقدتين عسكريتين. فالإصابة فيهما لا تعني خسارة في الشحن فقط، بل تعني إعادة تعريف لقدرة الدولة على تمويل نفسها. ثانيًا، ينبغي الفصل تحليليًّا بين «قدرة النظام على البقاء» و«قدرة الاقتصاد على الاستقرار»؛ فالخلط بينهما يبالغ في تقدير الصمود. ثالثًا، يجب وضع التضخم وسعر الصرف والدعم في صلب قراءة الاستقرار الداخلي الإيراني، لا في هامشها؛ لأن لحظة الانكشاف الاجتماعي غالبًا ما تأتي بعد هدوء العمليات، لا أثناء ذروتها. رابعًا، يتعين مراقبة العقوبات الثانوية على المشترين والوسطاء بقدر مراقبة الضربات العسكرية نفسها، لأن الخنق المالي قد ينتج أثرًا مساويًا للضربات أو أشد. وخامسًا، فإن أي تقدير جاد لآفاق الصراع ينبغي أن يقرأ الاقتصاد الإيراني بوصفه اقتصاد بقاء طويل النفس، لا اقتصادًا قادرًا على استعادة التوازن بذاته ما لم يتغير شكل الضغط الواقع عليه.
الخاتمة
لم ينهَر الاقتصاد الإيراني تحت العقوبات لأنه أعاد ترتيب نفسه حول البقاء. لكنه يواجه في الحرب ما هو أشد من العقوبات: انكشاف البنية التي جعلت البقاء ممكنًا. فالشبكات الرمادية تستطيع امتصاص القيد، لكنها لا تستطيع دائمًا امتصاص تعطل الميناء، واهتزاز المضيق، وخوف شركات الشحن، وتهديد المشترين، وتآكل العملة في الوقت نفسه. ومن هنا، فالترجيح الأرجح ليس الانهيار الشامل السريع، ولا استعادة التوازن. الأرجح هو دخول إيران طورًا من اقتصاد الحرب المنهك: اقتصاد قادر على البقاء، لكنه يراكم في كل شهر كلفة أعلى على الموازنة، والعملة، والدعم، والشرعية الاجتماعية.
وهذا النوع من الاقتصادات لا يسقط دفعة واحدة؛ لكنه يفقد، بصمت، قدرته على إنتاج الاستقرار من داخله. وحين يبلغ اقتصاد البقاء هذا الحد، لا يصبح السؤال كيف ينجو، بل إلى متى يستطيع أن يواصل النجاة بالكلفة نفسها.
المراجع
[1] International Monetary Fund, Islamic Republic of Iran and the IMF, 2026 projected real GDP (-6.1%) and consumer prices (68.9%). https://www.imf.org/en/countries/irn
[2] World Bank Data, Iran, Islamic Rep.: GDP growth 3.7% (2024), inflation 32.5% (2024), FDI net inflows 0.3% of GDP (2024), unemployment 8.3% (2025). https://data.worldbank.org/country/iran-islamic-rep
[3] Reuters, ‘Iran’s rial drops to record low against dollar, tracking websites say’, 27 January 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/irans-currency-drops-record-low-against-dollar-tracking-websites-say-2026-01-27/
[4] U.S. Department of the Treasury, ‘Economic Fury Targets Illicit Oil Smuggling Network Run by Iranian Regime Elite’, 15 April 2026. https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0443
[5] Reuters, ‘Iran’s main oil and gas production and infrastructure’, 18 March 2026. https://www.reuters.com/business/energy/irans-main-oil-gas-production-infrastructure-2026-03-18/
[6] Reuters, ‘Kharg Island, struck by US, is key hub for Iran oil exports’, 14 March 2026. https://www.reuters.com/business/energy/kharg-island-struck-by-us-is-key-hub-iran-oil-exports-2026-03-14/
[7] Reuters, ‘Iran can go up to two months without oil exports before cutting output, analysts say’, 15 April 2026. https://www.reuters.com/business/energy/iran-can-go-up-two-months-without-oil-exports-before-cutting-output-analysts-say-2026-04-15/
[8] Reuters, ‘Fearing economic collapse after war, Iran cracks down on dissent’, 30 March 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/fearing-economic-collapse-after-war-iran-cracks-down-dissent-2026-03-30/
[9] Reuters, ‘Iranians fear sharpening pressure after war and crackdown’, 18 April 2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/iranians-fear-sharpening-pressure-after-war-crackdown-2026-04-18/
[10] Reuters, ‘UK’s Cooper urges full resumption of shipping through Strait of Hormuz’, 18 April 2026. https://www.reuters.com/world/europe/uks-cooper-urges-full-resumption-shipping-through-hormuz-strait-2026-04-18/
[11] Reuters, ‘The Iran war has revealed Trump’s pressure point: the economy’, 18 April 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-war-has-revealed-trumps-pressure-point-economy-2026-04-18/




