الجمعة, أبريل 24, 2026
  • المركز
    • من نحن
    • إرشادات النشر العلمي والتحليلي
    • انشر معنا
    • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • الرئيسية
  • سوريا
  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • العلاقات العربية الأوروبية
  • أمريكا
  • روسيا
  • أمن دولي
    • حلف الناتو
  • تكنولوجيا
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
 المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .

لماذا اختارت إيران الخليج العربي ساحةً للرد على الهجوم الأمريكي في حرب ٢٠٢٦؟

دراسة في منطق الردع غير المباشر، والإكراه الطاقوي، والضغط الشبكي داخل المنطقة الرمادية للصراع

euarsc بواسطة euarsc
أبريل 24, 2026
في ملفات بحثية
وقت القراءة:1 دقيقة قراءة
A A
0
الرئيسية ملفات بحثية
0
شارك
0
آراء
شارك على فيسبوكشارك على تويترشارك على الواتس أبشارك على تليغرام

منطق الاختيار الإيراني في حرب ٢٠٢٦:

الخليج بوصفه ساحة للردع غير المباشر والإكراه الطاقوي والضغط الشبكي

دراسة بحثية محكّمة للنشر المؤسسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متعلق بالتقرير

كيف أعاد التهديد الروسي تشكيل معنى الإنفاق العسكري في أوروبا

حين يسبق الرئيسُ التفويض: معركة صلاحيات الحرب في واشنطن ولماذا باتت أخطر في لحظة التوتر الدولي

إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

الملخص

تبحث هذه الدراسة في سبب تقدّم المجال الخليجي العربي على غيره في سلّم الضغط الإيراني خلال حرب ٢٠٢٦، مع أن الخطاب الإيراني العلني قدّم المواجهة بوصفها موجّهة أساسًا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. تنطلق الدراسة من فرضية بسيطة في ظاهرها، ثقيلة في اختبارها: الخليج لم يتقدّم لأنه عربي فحسب، ولا لأنه الحلقة الأضعف بالمعنى المجرد، بل لأنه جمع، في لحظة الحرب، أربعة عناصر قلّ أن تجتمع مجتمعةً في ساحة إقليمية واحدة؛ وهي البنية الأمريكية الأمامية، والعصب الطاقوي العالمي، وإمكان الضغط الشبكي من الداخل أو من الحواف، والقدرة على تعظيم الأثر السياسي والاقتصادي للضربة خارج حدودها المباشرة. لذلك لا تتعامل الدراسة مع الاستهداف الإيراني بوصفه تعبيرًا هوياتيًا خالصًا، ولا بوصفه قرارًا عسكريًا تقنيًا معزولًا، بل بوصفه اختيارًا استراتيجيًا جرى فيه وزن العائد والكلفة وإمكانات التوسيع وقابلية الإنكار وتعدد الأدوات.

تعتمد الدراسة على مقاربة تحليلية مقارنة تجمع بين قراءة الوقائع العسكرية والطاقوية والأمنية الواردة في المصادر المفتوحة، وبين مقارنة محددة بين الخليج وبعض دول الجوار غير العربي، ولا سيما تركيا وباكستان وأذربيجان. وتُعرّف وحدة التحليل هنا بأنها نمط اختيار الساحة الممارسة عليها أدوات الضغط الإيراني خلال الحرب، لا مجرد وقوع حادثة هنا أو هناك. وتستخدم الدراسة أربعة متغيرات تفسيرية: قيمة الساحة في معادلة الردع الأمريكية، ووزنها في بنية الطاقة والتدفقات، وقابليتها للضغط متعدد الأدوات، والكلفة المتوقعة لتوسيع التصعيد فيها. وتفصل، قدر الإمكان، بين ثلاثة مستويات: الواقعة الموثقة، والتفسير المبني على ضم الوقائع إلى بعضها، والتقدير الذي يبقى راجحًا لا يقينيًا.

وتخلص الدراسة إلى أن الخليج ظهر، في الحساب الإيراني، بوصفه الساحة الأوفر مردودًا، لا الساحة الوحيدة الممكنة. ففيه يفضي الضغط إلى أكثر من نتيجة في آن: اختبار البنية الأمريكية الأمامية، وإرباك بدائل الطاقة، ورفع كلفة الحرب على الحلفاء المحليين، وإتاحة مسارات موازية للضغط الأمني والشبكي. أما الساحات غير العربية المقارنة، فلم تكن خارج الحساب الإيراني، لكنها كانت أعلى كلفة أو أقل عائدًا أو أضيق مجالًا لتراكب الأدوات. وبهذا المعنى، لا تفسر الدراسة السلوك الإيراني بعامل مفرد، بل بنموذج تركيبي يقدّم المتغيرات التشغيلية على الشروح الهوياتية المبسطة، من غير أن يستبعد أثر الإطار الأيديولوجي في ترتيب الأولويات. كما تشير إلى أن التهدئة لا تُنهي الضغط بالضرورة، بل قد تعيد توزيعه داخل منطقة رمادية يختلط فيها الردع بالاستنزاف المحدود (١) (٢) (٣) (١٨) (١٩).

الكلمات المفتاحية: إيران؛ الخليج العربي؛ حرب ٢٠٢٦؛ الردع غير المباشر؛ الإكراه الطاقوي؛ الضغط الشبكي؛ الوكلاء؛ أم القرى.

مقدمة

لا تُفهم الحروب الإقليمية الحديثة من خط الاشتباك المباشر وحده. كثير من آثارها الحاسمة يتولد بعيدًا من ساحة الإعلان السياسي الأولى، وفي ميادين لا تبدأ الحرب منها، لكنها قد تُعاد صياغة موازينها فيها. هذا ما تكشفه حرب ٢٠٢٦ في صورتها التي تعالجها هذه الدراسة. فالصراع الذي تقدّم في الخطاب الإيراني الرسمي بوصفه مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم يبقَ محصورًا في هذا المستوى. سرعان ما ظهر أن جزءًا معتبرًا من الضغط يُمارس على المجال الخليجي العربي؛ عبر ضربات على بنى طاقوية، وتهديدات صاروخية ومسيّرة، ومؤشرات أمنية على نشاط شبكي موازٍ، في وقت لم تتحول فيه دول جوار غير عربية إلى ساحات ضغط علني مماثلة من حيث الكثافة والاتساع (١) (٢).

هذه الملاحظة ليست تفصيلًا جانبيًا. فإذا كان الهدف المعلن للحرب يتصل بواشنطن وتل أبيب، فإن سؤال الاختيار الميداني يصبح سؤالًا تفسيريًا من الدرجة الأولى: لماذا تقدّم الخليج على غيره في بنك الأهداف الإيراني؟ لماذا انصبّ عليه ضغط مركّب يجمع البنية الأمريكية، والطاقة، والإرباك السوقي، وإمكان العمل من الداخل أو عبر الوكلاء، بينما اتخذ الضغط على بعض الجوار غير العربي أشكالًا أقل ظهورًا أو أقل كثافة أو أعلى إنكارًا؟ طرح السؤال بهذه الصيغة يحرّر النقاش من الاختزال السريع الذي يردّ كل شيء إلى الهوية أو الجغرافيا أو الذاكرة السياسية وحدها. فالاستهداف، في الحروب المركبة، لا يفسره انتماء الساحة فحسب، بل موقعها في معادلة الفاعل، وما يتيحه هذا الموقع من مردود ومنخفضات كلفة ومجالات توسع.

من هنا، لا تسأل الدراسة: لماذا استهدفت إيران العرب؟ فهذا سؤال ملتبس، يختزل موضوعًا مركبًا في صيغة هوياتية جاهزة. السؤال الأدق هو: ما الذي جعل الخليج يتقدم، في لحظة الحرب، على غيره بوصفه ساحة أعلى فاعلية لإيصال الردع، ونقل الكلفة، وإرباك السوق، واختبار قدرة الخصوم على امتصاص الضربة؟ بهذا المعنى، تتعامل الدراسة مع الخليج بوصفه بنية استراتيجية لا كتسمية جغرافية فحسب. ففي هذه البنية تلتقي القواعد الأمريكية، والممرات البحرية، وخطوط نقل الطاقة، ومنشآت التسييل والتصدير، والأسواق والتأمينات، وبيئات متفاوتة القابلية للضغط الأمني أو الشبكي. ولذلك فإن أي قراءة تقف عند أحد هذه العناصر وحده ستظل قاصرة، حتى إن كانت صحيحة جزئيًا.

ولا يقلّ خطرًا عن الاختزال الهوياتي اختزال آخر من نوع مختلف، هو تفسير السلوك الإيراني تفسيرًا أيديولوجيًا صرفًا. ذلك أن الإحالة المباشرة إلى «ولاية الفقيه» أو «أم القرى» أو الذاكرة التاريخية قد تمنح التحليل عنوانًا كبيرًا، لكنها لا تكفي، وحدها، لتفسير لماذا بدا خط الشرق–الغرب السعودي، أو الفجيرة، أو رأس لفان، أهدافًا ذات معنى خاص في لحظة الحرب. فهذه الأهداف تُقرأ أولًا داخل بنية الردع والطاقة والضغط متعدد الأدوات. غير أن استبعاد البعد الأيديولوجي تمامًا ليس أدق من تضخيمه. فالإطار الأيديولوجي لا يعمل هنا بديلًا من الحساب الاستراتيجي، بل مرشحًا يرتب الأولويات ويمنح الاختيار معنى سياسيًا أوسع (١٨) (١٩).

تسعى الدراسة، إذن، إلى بناء تفسير تركيبي يوازن بين المستويات المختلفة بدل أن يبتلع أحدها الآخر. وهي تفعل ذلك عبر تحديد وحدة التحليل، وضبط المقارنة، والتمييز بين الواقعة والتفسير والتقدير، ثم فحص أربعة متغيرات مركزية: قيمة الخليج في معادلة الردع الأمريكية، ومركزيته الطاقوية، وقابليته لتعدد أدوات الضغط، والكلفة المتوقعة لتوسيع الحرب في ساحات أخرى. ومن خلال هذا البناء، تحاول الدراسة الانتقال من الانطباع إلى الحجة، ومن الوصف إلى تفسير نمط الاختيار الإيراني في الحرب.

ويضيف البعد الزمني إلى هذا السؤال عنصرًا لا يصح إغفاله. ففي أنماط الصراع غير المتماثل لا تعني التهدئة، بالضرورة، انقطاع الفعل الضاغط؛ بل قد تعني نقله من الضربة الكثيفة إلى الضغط المتقطع، أو من الجبهة المعلنة إلى الساحة الأقدر على حمل الرسالة بأقل كلفة سياسية وعسكرية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استمرار الضغط على الخليج، حتى في لحظات الخفض النسبي للتصعيد في ساحات أخرى، بوصفه جزءًا من إدارة الصراع داخل منطقة رمادية لا هي حرب شاملة ولا هي سلام مستقر. وهذا البعد لا يبدل سؤال الدراسة، لكنه يوسعه: لماذا استُهدف الخليج؟ وكيف واصل حمل أثر الصراع حتى عندما انخفضت وتيرة الاشتباك في مسارح أخرى (١) (٣) (١٨) (١٩).

تقرأ الدراسة المخططات الآتية بوصفها أدوات إسناد بصري للحجة، لا بديلًا من البرهنة النصية. فهي تساعد على رؤية الاتجاهات والتراكمات وتفاوت الكثافة بين الساحات، لكنها لا تُستخدم وحدها لإصدار أحكام سببية نهائية؛ لذلك تُقرأ مع القيود المنهجية الواردة في المتن، ومع التنبيه إلى أن الأرقام المفتوحة المصدر تتفاوت باختلاف منهجية الرصد.

الشكل (١): الاعتداءات الإيرانية الموثقة على دول الخليج العربي من ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٦.

الشكل (١): الاعتداءات الإيرانية الموثقة على دول الخليج العربي من ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٦.

  تُقرأ الأرقام بوصفها مؤشرات اتجاه لا حصيلة نهائية.

يفيد الشكل (١) في إظهار أن الضغط على الخليج لا يظهر كحادثة منفردة أو موجة معزولة، بل كمسار يتكثف في لحظة الحرب ويشمل أكثر من دولة خليجية في الوقت نفسه. وهذه الدلالة البصرية لا تضيف رقمًا حاسمًا إلى الحجة بقدر ما تمنحها قرينة تنظيمية: فالساحة المستهدفة لم تكن نقطة واحدة، بل مجالًا إقليميًا تتوزع داخله الرسائل والضربات، بما يعزز فكرة العائد المركب بدل فرضية الاستهداف العرضي.

أولًا: سؤال الدراسة وفرضياتها

تنطلق الدراسة من سؤال رئيس: لماذا تقدّم المجال الخليجي العربي على غيره في سلّم الضغط الإيراني خلال حرب ٢٠٢٦، رغم أن الخطاب الإيراني المعلن ركّز على المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ ويتفرع من هذا السؤال سؤالان مساعدان: ما الوزن التفسيري الذي تحمله متغيرات الردع والطاقة والشبكات في تفسير هذا الاختيار؟ وما حدود الإطار الأيديولوجي في تفسيره بعد ضبط المتغيرات التشغيلية الأثقل؟

وتفترض الدراسة أربع فرضيات مترابطة. الفرضية الأولى أن الخليج يملك قيمة خاصة في معادلة الردع غير المباشر ضد الولايات المتحدة، لأن ضغطه يطال بنية عسكرية أمامية لا مجرد حليف إقليمي. والفرضية الثانية أن الخليج، بما يختزنه من منشآت إنتاج وتصدير وبدائل عبور، يتيح استخدام الطاقة أداة ضغط لا تقل أثرًا عن الضربة العسكرية المباشرة. والفرضية الثالثة أن بعض ساحاته تسمح بتراكب الضغط الصاروخي والبحري والأمني والشبكي، بما يرفع العائد من الساحة الواحدة. أما الفرضية الرابعة فمؤداها أن الإطار الأيديولوجي لا يفسر هذا السلوك وحده، لكنه يشارك في ترتيب الأولويات عبر تقديم أمن مركز النظام الإيراني على أمن الأطراف، وتبرير توزيع الكلفة خارج الحدود المباشرة عندما يكون ذلك أصلح لحماية المركز (١٨) (١٩).

هذه الفرضيات لا تُطرح بوصفها نتائج سابقة على الفحص. ولهذا لا تتعامل الدراسة مع كل واقعة بوصفها دليلًا قاطعًا على قصد إيراني شامل ومسبق، بل بوصفها جزءًا من صورة مركبة تحتاج إلى وصل بين الأدلة، وإلى استبعاد لتفسيرات منافسة، وإلى قدر من التحفظ في الانتقال من «ما حدث» إلى «لماذا اختير». وهذا مهم خصوصًا في الحروب التي يكثر فيها الالتباس، وتتنوع فيها مصادر المعلومات بين بيانات رسمية، وتقارير صحفية، ومعطيات أمنية، وقراءات بحثية لاحقة.

ثانيًا: مراجعة أدبيات مركزة وإطار مفهومي

تتقاطع هذه الدراسة مع أربعة حقول أدبية، من دون أن تنتمي إلى واحد منها وحده. الحقل الأول هو أدبيات الردع غير المتماثل وغير المباشر، التي تنطلق من أن الفاعل الأضعف نسبيًا لا يردّ دائمًا في المكان الذي يتلقى فيه الضغط، بل في المكان الذي يستطيع فيه تعظيم أثر الرد على خصمه أو على بيئته التشغيلية. في هذا الحقل، لا تُقاس قيمة الساحة بقربها الجغرافي من خط النار فقط، بل بقدرتها على نقل الكلفة إلى المستوى الذي يهم الخصم فعلًا: تموضعه العسكري، صورته الردعية، أو كلفة التزاماته الإقليمية. ومن هنا تكتسب القواعد الأمريكية في الخليج، لا مجرد علاقات التحالف مع دوله، قيمة تفسيرية عالية (١) (٢).

الحقل الثاني هو أدبيات الجغرافيا الطاقوية والإكراه عبر البنية التحتية. هذه الأدبيات لا تنظر إلى النفط والغاز بوصفهما موردين اقتصاديين فحسب، بل بوصفهما عقدتي عبور وتسعير وتأمين واختبار قدرة الدول على امتصاص الصدمة. فتعطيل خط بديل، أو إرباك ميناء تصدير، أو إخراج قدرة تسييل من الخدمة، لا يضرب الدولة المستهدفة وحدها؛ بل يؤثر في السوق، وفي سلوك المستوردين، وفي كلفة النقل والشحن، وفي تصورات المخاطرة (٥) (٦) (٧). ضمن هذا الإطار، يصبح الخليج موقعًا استثنائيًا؛ لأنه يجمع المورد نفسه، ومنافذ تصديره، والبدائل المعدة لتجاوز الاختناق، ومفعول الصدمة السوقية الذي يتجاوز الحدود الوطنية.

الحقل الثالث هو أدبيات الشبكات والوكلاء في السياسة الإقليمية الإيرانية. وهذه الأدبيات مهمة لأنها تنقل التحليل من سؤال «من أطلق النار؟» إلى سؤال أوسع: كيف يُوزَّع الضغط؟ عبر من؟ وبأي درجات من الإنكار؟ وما حدود التلاقي بين الدولة والوكيل والخلية والواجهة المالية؟ تشير الأدبيات المتخصصة إلى أن بنية الشبكات الإيرانية في الشرق الأوسط لم تقم على نموذج واحد؛ فهي تتراوح بين حلفاء مؤسسين ذوي حضور عسكري وسياسي كثيف، وبين شبكات أمنية ومالية، وبين مجموعات أقرب إلى الارتباط الظرفي أو المنفعي (١٨). لهذا فإن الحديث عن «ضغط شبكي» لا يجوز أن يكون تعبيرًا فضفاضًا، بل يجب أن يميّز بين مستويات مختلفة من الاختراق أو النفوذ أو القدرة على التنشيط.

أما الحقل الرابع فيتعلق بالأيديولوجيا والأمن الوجودي أو الأنطولوجي في السياسة الخارجية الإيرانية. لا يحتاج هذا الحقل إلى تضخيم، لكنه ضروري لفهم كيف ترى النخبة الإيرانية العلاقة بين المركز والأطراف، وبين بقاء النظام ومجاله الحيوي، وبين الهوية والتهديد (١٩). ويبرز هنا مفهوم «أم القرى» بوصفه تصورًا يمنح مركزية خاصة للدولة الإيرانية باعتبارها حاملة لمشروع أوسع، بما يبرر في بعض الصيغ الفكرية والسياسية تقديم سلامة المركز على سلامة المجال المحيط حين يتعذر الجمع بينهما. لا يعني ذلك أن كل قرار عملياتي يُشتق مباشرة من هذا المفهوم، لكن تجاهله بالكامل يترك التحليل دون تفسير للكيفية التي تمنح بها القيادة الإيرانية معنى أوسع لسياسات تبدو، في ظاهرها، تشغيلية بحتة.

هذا التقاطع الأدبي يفرض حذرًا اصطلاحيًا. فالدراسة لا تستخدم «الردع» بمعنى المنع المطلق، بل بمعنى التأثير في حسابات الخصم عبر تهديد ذي صدقية أو كلفة محتملة. ولا تستخدم «الإكراه الطاقوي» بوصفه حصارًا شاملًا، بل بوصفه توظيفًا لضعف البنية الطاقوية أو البنية المرتبطة بها لرفع كلفة الحرب وإرباك البيئة الدولية. كما لا تستخدم «الضغط الشبكي» بوصفه اسمًا جامعًا لكل فعل خفي، بل للدلالة على توظيف خلايا أو واجهات أو وكلاء أو بنى دعم غير تقليدية لتوسيع أثر الضغط أو خفض كلفة نسبته إلى الفاعل الأصلي. أما «العائد المركب» فالمقصود به هنا حاصل الجمع بين العائد العسكري والسياسي والاقتصادي والنفسي من الضغط على ساحة واحدة، لا مجرد حجم الضرر المباشر الذي يصيبها.

الشكل (٢): اتجاه الأعمال العدائية المرتبطة بإيران قبل حرب ٢٠٢٦.
الشكل (٢): اتجاه الأعمال العدائية المرتبطة بإيران قبل حرب ٢٠٢٦.

البيانات تقديرية ولا تُعامل بوصفها قاعدة عملياتية مغلقة.

لا يُستخدم الشكل (٢) لإثبات خط سببي آلي بين كل عملية سابقة وحرب ٢٠٢٦، بل لتوضيح أن الحرب جاءت فوق بنية تراكمية من أدوات الفعل غير المباشر. فالارتفاع النسبي في عمليات الوكلاء، مقارنة بالهجمات المباشرة، يمنح مفهوم الضغط الشبكي معنى تاريخيًا: لم يظهر هذا النمط في لحظة الحرب من فراغ، بل استند إلى خبرة طويلة في توزيع الفعل، وإدارة الإنكار، وتحويل الوكيل أو الشبكة إلى امتداد سياسي وأمني للفاعل الأصلي.

ثالثًا: المنهج وحدود الدراسة

تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية مقارنة تقوم على ثلاث خطوات متتابعة. الخطوة الأولى تجميع الوقائع الموثقة ذات الصلة، من ضربات على بنى طاقة أو منشآت أو ممرات، أو إجراءات أمنية متصلة بخلايا وشبكات، أو مؤشرات على اختلاف أنماط الضغط بين الخليج وبعض دول الجوار غير العربي. الخطوة الثانية هي ترتيب هذه الوقائع داخل متغيرات تفسيرية محددة. أما الخطوة الثالثة فهي وزن التفسير المقترح في مواجهة بدائل محتملة، بدل الاكتفاء بعرض الوقائع ثم القفز إلى نتيجة كلية.

وحدة التحليل في هذه الدراسة ليست «الدولة» بوصفها موضوعًا ساكنًا، ولا «الضربة» بوصفها حدثًا منفصلًا، بل «اختيار الساحة» التي تُمارس عليها أدوات الضغط الإيراني خلال الحرب. بهذا التعريف، لا يكون السؤال: هل تعرضت هذه الدولة أو تلك لحادثة؟ بل: لماذا بدت ساحة ما أصلح من غيرها لتجميع أدوات ضغط متعددة وتحقيق أثر يتجاوز حدودها؟ هذا التحول في وحدة التحليل ضروري، لأنه يمنع الوقوع في مقارنة سطحية بين وجود حادثة في مكان وغيابها في مكان آخر.

وتستخدم الدراسة أربعة متغيرات مقارنة. المتغير الأول هو قيمة الساحة في معادلة الردع الأمريكية، أي مقدار ما يمثله الضغط عليها من مساس بالبنية العسكرية الأمريكية أو بصورة التزاماتها الإقليمية. والمتغير الثاني هو الوزن الطاقوي، أي قدرة الساحة على نقل الاضطراب من المستوى المحلي إلى السوق الأوسع. والمتغير الثالث هو قابلية الضغط متعدد الأدوات، أي إمكان الجمع بين الضربات الصلبة والضغط الأمني أو الشبكي أو الوكائلي. والمتغير الرابع هو كلفة التوسيع، أي مقدار ما قد يستتبعه التصعيد في هذه الساحة من رد مباشر أو من توسيع للحرب على نحو لا يخدم الغرض الإيراني.

وتقارن الدراسة، على هذا الأساس، بين المجال الخليجي وبعض دول الجوار غير العربي التي حضرت في سياق الحرب أو في محيطها القريب، ولا سيما تركيا وباكستان وأذربيجان. لا تدّعي المقارنة أن هذه الحالات متماثلة في كل شيء؛ بل إن جزءًا من فائدتها يقوم على اختلافها. إلا أن المقارنة لا تكون ذات معنى ما لم تُرد كل حالة إلى المتغيرات نفسها. ولذلك لا تُستخدم هذه الدول بوصفها أمثلة اعتباطية، بل بوصفها ساحات بديلة أو ممكنة في الجغرافيا السياسية المحيطة، تختلف درجات العائد والكلفة فيها عن الخليج.

تتحدد حدود الدراسة، أولًا، بطبيعة المادة المتاحة. فهي لا تعتمد على سجلات عملياتية مغلقة، ولا على وثائق قرار إيراني داخلية، بل على مصادر مفتوحة تشمل تقارير إخبارية ووثائق بحثية وبيانات رسمية (١)–(١٩). وثانيًا، لا تنصرف الدراسة إلى تقويم أخلاقي للاستهداف، بل إلى تفسير منطق اختياره. وثالثًا، لا تفترض أن كل فعل وقع في الخليج صادر مباشرة عن قرار مركزي إيراني واحد على نحو مباشر ومكشوف؛ لذلك تميّز بين الواقعة الموثقة، والتفسير، والتقدير. هذا التمييز ليس شكليًا. فالواقعة تتعلق بما ثبت وقوعه أو إعلانه. والتفسير يتعلق بضم الوقائع إلى بعضها ضمن نمط معقول. أما التقدير فهو ما ترجحه الدراسة عندما لا تسمح الأدلة بجزم كامل.

رابعًا: الخليج بوصفه عقدة ردع أمريكي أمامي

السبب الأول الذي يفسر مركزية الخليج في الحساب الإيراني يتعلق ببنية الوجود الأمريكي نفسها. فهذه الساحة لا تستضيف فقط حلفاء لواشنطن، بل تستضيف أيضًا جزءًا من بنيتها العسكرية الأمامية: قواعد، ومراكز تشغيل، ومنشآت إسناد، ومقار بحرية، وقدرات لوجستية تمكّن الولايات المتحدة من إدارة الردع والحرب والمراقبة في الإقليم (٢). معنى ذلك أن الضغط على الخليج لا يصيب «طرفًا ثالثًا» بالمعنى البسيط، بل يلامس مباشرة المسافة التشغيلية التي تتحرك عبرها القوة الأمريكية في المنطقة.

هذا المعطى مهم لأن الرد الإيراني، في بيئة عدم التكافؤ، لا يحتاج إلى أن يحقق تناظرًا عسكريًا مباشرًا مع الولايات المتحدة كي يكون ذا معنى. يكفي، في كثير من الحالات، أن يثبت أن البنية الأمامية التي تجعل الوجود الأمريكي فعالًا ليست بعيدة عن الكلفة. الخليج، بهذه الدلالة، ليس ساحة جانبية، بل نقطة اختبار لصدقية الردع الأمريكي ولقدرة الحليف المحلي على تحمّل تبعات انخراطه في هذه البنية. فحين تُستهدف ساحة تجمع القواعد والممرات والاقتصاد الريعي الطاقوي، فإن أثر الضربة لا يقاس فقط بقدر التدمير، بل بما تتركه من سؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة حماية البيئة التي تعتمد عليها لإدارة القوة؟ (١) (٢)

ويزداد هذا المتغير وضوحًا حين تُقارن الساحة الخليجية بغيرها. تركيا، مثلًا، ترتبط بناتو وتملك بنية دولة وموقعًا يرفع كلفة أي انزلاق واسع عليها. وباكستان أظهرت في سابقة ٢٠٢٤ أنها قادرة على الرد المباشر داخل إيران، بما يجعل توسيع التصعيد عليها أكثر مخاطرة (١١). أما أذربيجان، فعلى حساسيتها من زاوية الطاقة والارتباطات الأمنية، فإن توسيع الضغط عليها لا ينتج الأثر نفسه الذي ينتجه الضغط على شبكة القواعد والبنى الأمريكية في الخليج. بهذا المعنى، لم يكن الخليج مجرد «هدف متاح»، بل كان ساحة يلتقي فيها الرد على الحليف المحلي بالضغط على البنية الأمريكية الأمامية في الوقت نفسه.

ومن المهم هنا التمييز بين القدرة على الإيذاء والرغبة في التوسيع. فليست كل ساحة قابلة للاستهداف جديرة بالاستهداف بالمستوى نفسه. الساحة التي تمنح ضربة واحدة أو سلسلة محدودة من الضربات أثرًا سياسيًا واقتصاديًا ورسالة ردعية إلى واشنطن تكون، في الحساب العقلاني، أرجح من ساحة قد تستدعي ردًا أوسع من دون أن تمنح العائد نفسه. ومن هذه الزاوية يفسَّر تمركز الضغط على الخليج بوصفه جزءًا من هندسة الرسالة إلى واشنطن: لستم بمنأى عن الكلفة لأنكم لستم منفصلين عن هذه الساحة.

ويصح، في هذا الموضع، التنبيه إلى أن الردع غير المباشر لا يعمل فقط عبر إصابة القوات أو المنشآت العسكرية بالمعنى الضيق. في كثير من الأحيان، يكفي جعل البيئة التي تعمل فيها هذه القوات أكثر هشاشة وأعلى كلفة وأقل قابلية للاستقرار النفسي والسياسي. فالقاعدة التي تُحاط بمنشآت طاقة حيوية، وموانئ، وشبكات مالية، وأسواق تأمين وشحن، لا تعمل في فراغ. ضغط المجال المحيط بها جزء من الضغط عليها. وهذا ما يفسر لماذا يصبح المساس بالمجال الخليجي مساسًا بصورة التزام واشنطن نفسها، حتى حين لا تكون القاعدة العسكرية هي الهدف المباشر للضربة.

ومن زاوية أخرى، يسمح الخليج لإيران بتحويل الرسالة من خطاب الرد العسكري إلى خطاب أوسع عن عبء الوجود الأمريكي في المنطقة. فحين ترتفع كلفة التأمين، وتُربك البدائل الطاقوية، ويشعر الحلفاء المحليون بأن التهديد يمر من فوقهم لا من بعيد عنهم، فإن سؤال الاستمرار في تموضع مكلف قرب إيران يكتسب وزنًا سياسيًا إضافيًا. هذا ليس ردعًا بالمعنى الكلاسيكي الذي يقوم على منع الفعل تمامًا، بل ردع بالتشكيك في سهولة الفعل واستدامته.

خامسًا: الخليج بوصفه عقدة طاقة وإكراه

إذا كان متغير الردع الأمريكي يفسر جانبًا من الاختيار الإيراني، فإن متغير الطاقة يفسر جانبًا آخر لا يقل وزنًا. فالمجال الخليجي ليس خزانًا للنفط والغاز وحسب، بل هو أيضًا شبكة بدائل ومرافئ ومسارات عبور، أي بنية كاملة تسمح للدول المنتجة بالالتفاف على الاختناقات البحرية أو تخفيف أثرها. ولهذا فإن ضرب منشأة أو خط أو ميناء في هذه الساحة قد يحمل معنى مضاعفًا: لا يضرب الأصل وحده، بل يضرب البديل المعدّ للتخفيف من أثر التهديد (٥) (٦).

تظهر السعودية المثال الأوضح في هذا الباب. فخط الشرق–الغرب ليس مجرّد أصل تقني لنقل النفط، بل خيار استراتيجي بُني أصلًا لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وربط الحقول الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر. لذلك، حين يُصاب هذا الخط خلال الحرب، لا تُقرأ الضربة بوصفها مساسًا ببنية نقل فحسب، بل بوصفها مساسًا بالحل الذي يفترض أن يحدّ من قدرة إيران على استخدام الاختناق البحري ورقة ضغط (٣) (٤). الأثر هنا ليس ماديًا فقط؛ إنه أثر على منطق البدائل ذاته: حتى المسار الذي أُنشئ لتقليص الهشاشة يمكن أن يتحول بدوره إلى نقطة هشاشة.

المثال الإماراتي لا يبتعد عن هذا المنطق. فالفجيرة، بما تمثله من منفذ خارج هرمز عبر خط حبشان–الفجيرة، هي بديل جغرافي واستراتيجي معًا. لكن الحرب أظهرت أن البديل الجغرافي لا يلغي قابلية الإكراه إذا صار البديل نفسه داخل مدى التهديد (٥). هذا مهم لأن منطق الإكراه الطاقوي لا يقوم على منع مطلق للتدفق، بل على نزع الاطمئنان من فكرة البديل الآمن، ورفع كلفة التشغيل والتأمين، وإفهام السوق أن تجاوز عقدة واحدة لا يعني تحييد الساحة كلها.

أما الحالة القطرية، فتكشف وجهًا آخر من وجوه الإكراه الطاقوي. فرأس لفان ليست منشأة محلية التأثير فقط، بل موقع ينعكس عليه جزء وازن من تجارة الغاز الطبيعي المسال. من هنا، فإن أي ضربة تعطل قدرة التسييل أو التصدير لا تبقى محصورة في العلاقة بين الفاعل المستهدف والدولة المالكة للمنشأة؛ بل تتجاوز ذلك إلى السوق الأوسع، وإلى عقود الإمداد، وإلى حسابات البدائل لدى المستوردين (٦) (٧). بهذا المعنى، تصبح الطاقة أداة ضغط سياسية بقدر ما هي مورد اقتصادي: مجرد تعريضها للاهتزاز يوسع دائرة المتضررين ويضغط على أكثر من عاصمة في وقت واحد.

من الخطأ، إذن، النظر إلى استهداف الطاقة في الخليج باعتباره ضربة «اقتصادية» مستقلة عن المعنى الاستراتيجي. ففي البيئات التي تتكثف فيها الطاقة والبنى العسكرية والممرات والبدائل، يصبح ما هو اقتصادي جزءًا من لغة الحرب نفسها. الضربة على خط أو ميناء أو منشأة ليست رسالة إلى الشركة أو الدولة المالكة فقط، بل إلى الحليف الأمريكي، وإلى السوق، وإلى الحكومات التي راهنت على أن البنية البديلة ستمتص الصدمة. ومن هنا تتبين قيمة الخليج في الحساب الإيراني: ساحة واحدة تسمح بتحويل ضربة موضعية إلى موجات متتالية من الأثر السياسي والسوقي.

ومن هنا يمكن فهم الإكراه الطاقوي أيضًا بوصفه آلية لفرض الكلفة على النظام الدولي الأوسع، لا على الدولة المستهدفة وحدها. فالسوق لا تستجيب فقط لفقدان الكميات، بل لتصور المخاطر المحيطة بخطوط النقل والمرافئ والتأمين والشحن. وكلما ارتفع احتمال التعطيل، ولو في صورة محدودة أو متقطعة، اتسعت دائرة الأثر لتشمل مستوردين ومؤمِّنين وفاعلين اقتصاديين بعيدين نسبيًا عن مسرح الضربة المباشر. وهنا تكتسب الساحة الخليجية ميزتها الخاصة في الحساب الإيراني: فهي ساحة يمكن أن تنتقل فيها كلفة الفعل من المستوى المحلي إلى مستوى دولي أوسع، من غير حاجة إلى حرب إغلاق شامل أو إلى تعطيل طويل الأمد حتى تُنتج أثرًا سياسيًا واقتصاديًا محسوسًا (٣) (٥) (٦) (٧).

والأهم أن الإكراه الطاقوي في هذه الحالة لا يعمل على مستوى المنع الكامل وحده، بل على مستوى إنتاج عدم يقين مستمر. فالسوق لا تنتظر توقفًا شاملًا كي تتصرف كما لو أن الخطر قائم. يكفي أن تصبح البدائل نفسها قابلة للتعطيل أو الاضطراب حتى ترتفع الأسعار، وتزداد أقساط التأمين، وتتغير سلوكيات المستوردين والناقلين. هذه الخاصية تجعل الخليج ساحة جذابة لاستراتيجية تريد تعظيم الأثر بأدوات أقل من الحرب الشاملة.

سادسًا: الضغط الشبكي والوكائلي وتعدد الأدوات

لا يكتمل تفسير مركزية الخليج إذا حُصر الأمر في الصواريخ والطاقة. فجزء من خصوصية هذه الساحة أنها تتيح، بدرجات متفاوتة، الجمع بين الضغط المباشر والضغط من الداخل أو من الحواف. وهذا ما تكشفه الوقائع الأمنية المتعلقة بخلايا أو شبكات أو واجهات مرتبطة بإيران أو بحلفائها في بعض الدول الخليجية (٨) (٩) (١٣) (١٤) (١٥). لا يعني ذلك أن الخليج كله متجانس في مستوى الاختراق، ولا أن كل بيئاته قابلة بالقدر نفسه للضغط الشبكي. لكن وجود هذا الاحتمال، حتى بدرجات متباينة، يمنح الساحة الخليجية بعدًا لا يتوافر بالقدر نفسه في مسارح أخرى.

القيمة التفسيرية لهذا البعد لا تكمن في مجرد وجود خلية أو شبكة. فهي تكمن في ما يتيحه ذلك من توزيع للكلفة والوسائل. الساحة التي يمكن أن تُضغط عبر ضربة على منشأة، وتهديد بحري، ورسالة صاروخية، وإشارة أمنية داخلية، ليست كساحة لا يملك الفاعل فيها إلا أداة واحدة. كل أداة إضافية لا تزيد فقط مقدار الضغط؛ إنها تزيد أيضًا مرونة الإدارة الإيرانية للتصعيد، لأنها توسع طيف الخيارات بين الفعل المنسوب بوضوح والفعل القابل للإنكار أو الالتباس.

ويكتسب هذا البعد وزنه الأكبر حين يوضع في السياق العربي الأوسع. فإيران راكمت، خلال عقود، خبرات متفاوتة في العمل عبر وكلاء أو شبكات أو صلات نفوذ في ساحات عربية عدة. حزب الله في لبنان مثال على الوكيل المؤسس الذي يجمع العسكري والسياسي. والميليشيات العراقية المدعومة من إيران تمثل صيغة أخرى من صيغ القوة غير المباشرة. والحوثيون في اليمن يضيفون بعدًا بحريًا وصاروخيًا يلامس العمق الخليجي وممراته (١٦) (١٧) (١٨). هذا التفاوت في أشكال الوكالة مهم لأن الخليج لا يعيش منعزلًا عن هذه البيئات؛ إنه يتأثر بها، ويقع في مدى بعضها، ويواجه أثرها على أمنه البحري والطاقوي.

لكن التحليل الدقيق يقتضي الحذر هنا أيضًا. فليس كل ما يرتبط بإيران يدخل في السلة نفسها، وليس كل وكيل يؤدي الوظيفة نفسها. لذلك تُستخدم عبارة «الضغط متعدد الأدوات» هنا بمعنى محدود ومضبوط: قدرة الساحة الخليجية على أن تكون نقطة تقاطع بين ضغوط صلبة وأخرى أمنية وشبكية ووكائلية، لا بمعنى أنها خاضعة كلها لاختراق واحد أو مركز قيادة واحد ظاهر. بهذا التحديد، يصبح الحديث عن الشبكات والوكلاء مكمّلًا للتحليل، لا بديلًا من ضبطه.

وإذا أريد مزيد من الدقة، أمكن تفكيك هذا البعد الشبكي إلى أربع طبقات متداخلة. الطبقة الأولى هي طبقة الوكلاء العسكريين القادرين على نقل الضغط عبر الصواريخ أو المسيّرات أو التهديد البحري. والطبقة الثانية هي طبقة الخلايا الأمنية والاستخبارية التي تراقب البنى الحساسة أو تنقل المعلومات أو توفر الغطاء الميداني. والطبقة الثالثة هي طبقة الواجهات المالية واللوجستية التي تسهّل الحركة والتمويل والتغطية. أما الطبقة الرابعة فهي طبقة الدعم المعلوماتي والتوجيهي التي قد تسهم في تحديد الإحداثيات أو رصد أثر الضربات أو تعظيم صداها النفسي والإعلامي. ولا تعمل هذه الطبقات دائمًا بالدرجة نفسها أو بالكثافة نفسها، لكن تراكبها المحتمل هو ما يرفع قيمة الخليج بوصفه ساحة ضغط متعددة المستويات (٨) (٩) (١٦) (١٧) (١٨).

الشكل (٣): النشاط العسكري للميليشيات المرتبطة بإيران في سوريا من ٢٠١٢ إلى ٢٠٢٤.

الشكل (١): الاعتداءات الإيرانية الموثقة على دول الخليج العربي من ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٦.
الشكل (١): الاعتداءات الإيرانية الموثقة على دول الخليج العربي من ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٦.

 تُستخدم بيانات سوريا هنا لتوضيح الخلفية الوكائلية لا لإثبات تشابه مباشر بين الساحات.

توضح بيانات سوريا، بقدر ما تسمح به طبيعتها التقديرية، أن نموذج الوكالة المرتبط بإيران لا يقوم على فاعل واحد ولا على وظيفة واحدة. ثمة فاعل عسكري علني، ورافعة مذهبية–تعبوية، ومساندة تنظيمية، وشبكات تيسير محلية وعابرة للحدود. ولا يعني إدخال هذه الخلفية أن الساحة الخليجية تطابق الساحة السورية؛ فالفارق بينهما عميق في بنية الدولة والمجتمع والحرب. لكنه يوضح أن ما تسميه الدراسة «الضغط الشبكي» ليس استعارة، بل نمطًا إقليميًا تعلّمت إيران تشغيله بدرجات متفاوتة بحسب الساحة والكلفة والإنكار الممكن.

ويستحق هذا الموضع تمييزًا إضافيًا بين «الوكيل» و«الشبكة». الوكيل، في المعنى الذي يفيد الدراسة، فاعل مسلح أو منظم يملك قدرة مستقلة نسبيًا على الفعل العلني والممتد. أما الشبكة فتشير إلى بنية أضيق أو أكثر خفاءً، قد تتصل بالتمويل أو الرصد أو التيسير أو الإرباك أو التخريب المحدود. الخلط بين المصطلحين يفسد التحليل؛ لأنه يوهم بتجانس ميداني غير موجود. وفي الحالة الخليجية، تكمن الخصوصية في أن الساحة تقع عند تقاطع التأثيرين معًا: مدى بعض الوكلاء الإقليميين، وإمكان بعض الشبكات المحدودة داخليًا أو عبر الحواف.

ويضيف هذا التقاطع ميزة أخرى إلى الساحة الخليجية في الحساب الإيراني: القدرة على معايرة الضغط. فالفاعل الذي يملك فقط أداة صلبة يضطر في كثير من الأحيان إلى الاختيار بين التصعيد أو التراجع. أما من يملك طيفًا أوسع من الوسائل، فيستطيع الحركة بين رسائل درجاتها مختلفة. وهذه المرونة مهمة في الحروب التي لا يراد لها أن تنقلب إلى مواجهة شاملة غير قابلة للضبط. من هنا يصير الخليج، في بعض لحظات الحرب، أصلح من غيره لسياق يراد فيه الضغط والإرباك والإشارة والإنكار بنسب متفاوتة.

سابعًا: المقارنة المنهجية مع تركيا وباكستان وأذربيجان

لا تكفي الإشارة العابرة إلى هذه الحالات المقارنة. ففائدة المقارنة هنا لا تنشأ من تعداد الأمثلة، بل من ردّها إلى المتغيرات نفسها. ووتظهر المقارنة، بعد ردّ الحالات إلى المتغيرات نفسها، على النحو الآتي. في متغير الردع الأمريكي، يحتل الخليج موقعًا متقدمًا لأنه يمس البنية الأمامية للوجود الأمريكي مباشرة، بينما لا تمنح تركيا أو باكستان أو أذربيجان هذا المستوى نفسه من المساس الرمزي والتشغيلي. وفي متغير الطاقة، يظل الخليج أقدر على نقل الاضطراب من المستوى المحلي إلى السوق العالمي، لأن صلته بإنتاج النفط والغاز وتصديرهما وبدائل عبورهما أوثق وأكثر كثافة (٥) (٦) (٧).

وفي متغير تعدد الأدوات، يظهر تفوق الخليج مرة أخرى. ذلك أنه يجمع، بدرجات متفاوتة، بين قابلية الاستهداف الصلب، وإمكان الضغط البحري، واحتمالات النشاط الشبكي، وتأثره بعمل وكلاء إقليميين في محيطه. أما الساحات الثلاث المقارنة، فلكل واحدة منها سبب يضيّق هذا التراكب: تركيا ترفعها عضوية الناتو وبنية الدولة وقدرة الرد؛ وباكستان ترفعها سابقة الرد المباشر داخل إيران؛ وأذربيجان تضيق فيها دائرة العائد الشامل، حتى وإن بقيت حساسة في بعض الملفات (١٠) (١١) (١٢).

أما متغير كلفة التوسيع، فهو ربما الأكثر حسمًا في المفاضلة. فاستراتيجية الضغط الإيراني في هذه الحرب، كما ترجح الدراسة، لم تكن تبحث عن ساحة تمنح أثرًا فقط، بل عن ساحة تمنح أثرًا مع بقاء كلفة الانزلاق فيها قابلة للاحتمال. باكستان ترفع هذه الكلفة سريعًا؛ وتركيا ترفعها سياسيًا وعسكريًا؛ وأذربيجان لا تمنح، في المقابل، العائد المركب الذي يبرر التصعيد المفتوح. الخليج وحده يجمع، في حدود اللحظة المدروسة، بين أثر عالٍ وكلفة توسيع أدنى نسبيًا.

هذا لا يعني أن الخليج كان ساحة بلا مخاطر لإيران. لكن المقارنة لا تقوم على انعدام الكلفة، بل على تفاوتها. ومن هنا فإن عبارة «الأدنى نسبيًا في كلفة التوسيع» لا تعني سهولة الحرب في الخليج، بل تعني أن كلفة توسيع الضغط فيه بدت، من منظور إيراني راجح، أقل من كلفة فتح مسارات ضغط أوسع في الساحات المقارنة. هذا التحديد مهم لأنه يجنّب التفسير الانزلاق إلى جزم لا تسمح به المادة المتاحة.

ثامنًا: البدائل التفسيرية وحدود التفسير المقترح

لا يكون التفسير قويًا لأنه أنيق، بل لأنه يصمد أمام البدائل. لذلك لا يكفي أن نقول إن الخليج يجمع القواعد والطاقة والشبكات، ثم نكتفي. كان يمكن، من حيث المبدأ، أن تُفسَّر مركزية الخليج بتفسيرات أخرى. أول هذه البدائل هو القرب التشغيلي: ربما استُهدف الخليج أكثر لأنه الأقرب إلى مسارح الإطلاق أو إلى خطوط العمل القائمة. هذا البديل يحمل وجاهة جزئية، لكنه لا يفسر وحده استهداف البدائل الطاقوية تحديدًا، ولا يفسر معنى التركيز على ساحة تجمع في الوقت نفسه البنية الأمريكية والطاقة والقدرة على تعظيم الأثر السوقي.

البديل الثاني هو تفسير الفرصة الظرفية. ومقتضاه أن بعض الوقائع وقعت لأن الفرصة كانت متاحة في لحظة محددة، لا لأن الخليج يحتل مكانة مميزة في الحساب الإيراني. هذا التفسير مفيد لأنه يذكّر بألا نغلق التحليل داخل منطق حتمي. غير أنه يظل ناقصًا إذا لم يفسر لماذا تتكرر أفضل «الفرص» في الساحة نفسها التي تحمل أصلًا أعلى عائد مركب. الفرصة تفسر التوقيت، لكنها لا تفسر، وحدها، أفضلية الساحة.

البديل الثالث هو أن الرسائل كانت موجهة إلى واشنطن فحسب، وأن الخليج لم يكن إلا لوحة عرض لهذه الرسائل. هذا البعد حاضر بدوره. لكن تحويل الخليج إلى مجرد وسيط عديم القيمة الذاتية يفرغ التحليل من معناه. فلو كان الأمر رسالة رمزية مجردة، لما اكتسبت منشآت الطاقة والبدائل والممرات هذا الوزن. الأرجح أن الساحة الخليجية لم تكن مجرد لوحة عرض، بل جزءًا من مضمون الرسالة نفسها: هنا توجد البنية الأمريكية، وهنا توجد الطاقة، وهنا ترتفع كلفة الحرب على أكثر من مستوى.

البديل الرابع يتعلق بقابلية الإنكار. فقد يقال إن بعض الساحات غير العربية أقل صلاحية للضغط لأن العمل فيها أقل قابلية للإنكار السياسي أو الأمني. وهذا تفسير مهم، وتستفيد الدراسة منه، لأنه يدخل مباشرة في متغير «كلفة التوسيع». فالساحة التي يصعب فيها توزيع الفعل بين مستويات منسوبة وغير منسوبة ليست كساحة تسمح بدرجات مختلفة من الوضوح والإنكار. ولهذا لا يناقض هذا البديل التفسير المقترح، بل يرفده ويمنحه مزيدًا من الضبط.

والبديل الخامس هو اختزال الاختيار في العامل الهوياتي أو القومي. وهذا بديل حاضر بقوة في الخطاب العام، لكنه الأضعف تفسيرًا. ذلك أنه قد يفسر شحنة الخطاب أو سهولة تعبئة الرأي العام، لكنه لا يفسر اختيار أهداف بعينها ولا ترتيب الأولويات الميدانية. لو كان العامل الهوياتي كافيًا لكان من المتوقع أن تتقارب أنماط الضغط على الساحات العربية كلها، وهو ما لا تؤيده المعطيات. لذلك تتعامل الدراسة مع هذا العامل بوصفه طبقة مرافقة أو مبررة أحيانًا، لا بوصفه مفتاح التفسير الرئيس.

تستخلص الدراسة، من فحص هذه البدائل، أن تفسير مركزية الخليج لا ينبغي أن يتحول إلى حتمية مغلقة؛ فهو تفسير راجح، لا يقين نهائي. غير أن هذا التفسير يظل الأقدر على جمع المعطيات المتفرقة في إطار واحد: الخليج جمع، أكثر من غيره، قيمة الردع الأمريكي، والوزن الطاقوي، وقابلية الضغط متعدد الأدوات، ومستوى كلفة يسمح بتوسيع الضغط من دون فتح جبهة أعلى تكلفة من العائد المتوقع.

تاسعًا: الإطار الأيديولوجي وحدوده التفسيرية

يبقى السؤال عن موقع الأيديولوجيا في هذا البناء. هل يكفي أن نقول إن المتغيرات التشغيلية تفسر السلوك، ثم نغلق الباب؟ الجواب لا. فالإطار الأيديولوجي لا يغيب من السياسة الإيرانية، لكنه يعمل هنا بوظيفة محددة ينبغي عدم تحميلها ما لا تحتمل. هذه الوظيفة هي ترتيب الأولويات وتبرير تقديم المركز على الأطراف عندما يُنظر إلى بقاء النظام بوصفه القيمة الحاكمة (١٩).

في هذا السياق، يكتسب مفهوم «أم القرى» دلالته التحليلية بوصفه تصورًا يعطي لمركز النظام موقعًا مرجعيًا يتقدم على غيره. لا يعني ذلك أن أي قرار عملياتي يمكن تفسيره مباشرة بهذا المفهوم، ولا أن النصوص الفكرية تنتقل حرفيًا إلى غرف العمليات. لكن هذا الإطار يساعد في فهم لماذا لا ترى القيادة الإيرانية تناقضًا بين حماية المركز عبر نقل الكلفة إلى أطراف إقليمية، وبين الاستمرار في خطاب عابر للحدود. فالمجال المحيط، في هذه الرؤية، ليس مساويًا للمركز في القيمة الوجودية، وإن كان جزءًا من المجال الحيوي أو من عمق الردع.

ومع ذلك، ينبغي وضع حد واضح لهذه الأيديولوجيا داخل التفسير. فالقول إن الخليج استُهدف لأنه عربي، أو لأن الذاكرة الإيرانية تجاه العرب سلبية، تفسير ضعيف؛ لأنه يعجز عن شرح اختيار أهداف طاقوية وبدائل عبور ومرافئ بعينها. كما يعجز عن تفسير لماذا لم تُستهدف كل الساحات العربية بالقدر نفسه. لذلك تُبقي الدراسة العامل الأيديولوجي في مكانه الصحيح: ليس محركًا منفردًا، بل إطارًا يضفي معنى على خيارات تحكمها، في الأساس، حسابات الردع والطاقة والشبكات والكلفة.

ويفيد هذا التحديد في منع خلطين شائعين. الخلط الأول بين «الخطاب» و«القدرة». فاللغة السياسية الإيرانية قد تكون عالية النبرة، لكنها لا تعني أن كل قرار ميداني يصدر عنها مباشرة. والخلط الثاني بين «المشروعية الذاتية» و«السبب العملي». قد يستخدم النظام خطابًا يشرعن أفعاله داخليًا أو إقليميًا، لكن السبب العملي لاستخراج الساحة المفضلة يظل في وزن العائد والكلفة وما يتيحه المجال المستهدف من قدرة على الإيصال. بهذا المعنى، لا يلغى العامل الأيديولوجي، لكنه يُعاد إلى حجمه التحليلي الصحيح.

وتعني هذه النتيجة أيضًا أن الخليج قد يبقى، في أي جولة تصعيد لاحقة، ساحة مناسبة لإدارة المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام. فالضغط المنخفض الحدة، إذا توزع بين البنية الطاقوية والضغط الشبكي والتهديد البحري والرسائل الردعية، يتيح لإيران إبقاء التوتر حيًا من دون أن تضطر، في كل مرة، إلى تبني منطق المواجهة المفتوحة. وهذا لا يجعل الخليج قدرًا محتومًا لكل صراع، لكنه يجعله، في ظل البنية الإقليمية القائمة، من أكثر الساحات قابلية لحمل ضغط متدرج يمكن رفعه أو خفضه تبعًا لتقدير الكلفة والعائد (١) (٥) (١٨) (١٩).

عاشرًا: الدلالات الأوسع للنتائج

لا تقف نتائج الدراسة عند حدود فهم حالة حرب ٢٠٢٦ وحدها. فهي تشير، على نحو أوسع، إلى أن الخليج سيبقى، في أي مواجهة إقليمية كبرى تتورط فيها إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ساحة مرشحة لتلقي ضغط يفوق ما قد يتوقعه الفهم التقليدي للصراع. والسبب أن القيمة التي يمنحها الخليج لأي فاعل يريد نقل الكلفة إلى خصومه لا ترتبط بحدث واحد؛ بل ببنية ثابتة نسبيًا: قواعد، وممرات، وطاقة، وسوق، وساحات قابلة للتأثر بعمل الوكلاء أو الشبكات.

وتكشف النتائج أيضًا أن منطق «البدائل» في الطاقة لا يلغي منطق «الهشاشة»، بل قد يعيد إنتاجه في صورة جديدة. فكل بنية صُممت أصلًا لتجاوز الاختناق يمكن أن تتحول، في ظروف الحرب، إلى هدف يثبت أن تجاوز عقدة واحدة لا يكفي لتحييد الجغرافيا كلها. وهذه دلالة تتجاوز الحالة الإيرانية نفسها؛ إذ تمس فهمًا أوسع للعلاقة بين الأمن الطاقوي والأمن الاستراتيجي في الممرات والمنافذ البديلة.

ومن الدلالات المهمة كذلك أن الضغط الشبكي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ملحقًا أمنيًا ثانويًا. ففي البيئات التي ترتفع فيها قيمة الساحة، يصبح مجرد احتمال العمل من الداخل أو من الحواف جزءًا من حسابات الحرب، حتى إن لم يتحول إلى فعل واسع النطاق. هذا الاحتمال يكفي أحيانًا لرفع الكلفة على الدولة المستهدفة، ولإجبارها على توزيع جهدها بين حماية المنشآت والبنية التحتية ومراقبة الداخل والحدود والفضاء البحري في آن واحد.

وتضيف هذه النتائج أثرًا مؤسسيًا لا يقل أهمية عن أثرها العملياتي. فتمركز الضغط الإيراني على أكثر من ساحة خليجية لا يبقي الخليج في موقع المتلقي السلبي للضربة، بل يدفعه إلى إعادة تعريف الردع بوصفه مسألة جماعية لا ثنائية. حين يتكرر الاستهداف، لا يعود الأمر حادثة بين طهران وعاصمة خليجية منفردة، بل اختبارًا لفكرة الأمن المشترك داخل مجلس التعاون، ولقدرة الدول الخليجية على تحويل الانكشاف إلى تنسيق دفاعي وقانوني وسياسي أكثر انتظامًا. ومن هذه الزاوية، قد تكون إحدى نتائج الاختيار الإيراني للخليج أنه يدفع الساحة التي أُريد لها أن تتحمل الكلفة إلى إنتاج أدوات ردع جماعي أصرح: تبادلًا أسرع للمعلومات، وتكاملًا أعلى في الدفاع الجوي، وتنسيقًا ماليًا ودبلوماسيًا يرفع كلفة الهجمات من غير الانزلاق، بالضرورة، إلى حرب مفتوحة تمنح التصعيد الإيراني مجالًا أوسع مما يستحق (٢٠).

حادي عشر: النتائج الرئيسة

وتستخلص الدراسة سبع نتائج مترابطة. أولًا، الخليج لم يكن هامشًا للحرب، بل ساحة وسيطة أُعيد عبرها توزيع الكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق العالمية (١) (٢). ثانيًا، الطاقة لم تكن هدفًا ثانويًا أو مكمّلًا، بل دخلت في صلب منطق الإكراه، لأن استهداف البدائل نفسها كان جزءًا من معنى الضربة (٣) (٤) (٥) (٦) (٧). ثالثًا، خصوصية الخليج لا تُختزل في منشآته أو ممراته، بل في قابلية بعض ساحاته لتعدد أدوات الضغط، من الصلب إلى الأمني والشبكي والوكائلي (٨) (٩) (١٦) (١٧) (١٨).

رابعًا، المقارنة مع تركيا وباكستان وأذربيجان لا تُظهر غياب الضغط عن هذه الساحات، بل تُظهر اختلافًا في مردوده وكلفة توسيعه وعلنية ممارسته (١٠) (١١) (١٢). خامسًا، التفسير الأيديولوجي لا يختفي، لكنه لا ينهض وحده لتفسير نمط الاختيار الإيراني؛ إذ لا يستقيم فهم الاستهداف من دون متغيرات الردع والطاقة والشبكات (١٨) (١٩). سادسًا، العائد المركب هو المفتاح الأكثر قدرة على جمع هذه المعطيات: الخليج يتيح، في الساحة نفسها، عائدًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا لا توفره الساحات المقارنة بالقدر نفسه. سابعًا، التفسير الراجح هنا ليس أن إيران اختارت الخليج لأنه الأسهل مطلقًا، بل لأنه منحها أفضل توازن نسبي بين المردود المرتفع وكلفة التوسيع المحتملة.

ثاني عشر: خاتمة

تدل حرب ٢٠٢٦، في الصورة التي تعالجها هذه الدراسة، على أن جغرافيا الصراع الفعلية لا تُختزل في جغرافيته المعلنة. فالمواجهة التي قُدمت خطابيًا بوصفها مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أعادت توزيع أثقالها على ساحة خليجية جمعت ما تحتاجه إيران لتوجيه رسالة مركبة: هنا الوجود الأمريكي الأمامي، وهنا الطاقة، وهنا الممرات والبدائل، وهنا إمكان الضغط متعدد الأدوات. لذلك لم يكن الخليج «ضحية جانبية»، ولا «مسرحًا ثانويًا» للحرب، بل جزءًا من منطقها.

ولا يعني ذلك أن التفسير المقترح يحسم كل شيء. فهو لا يدّعي كشف قرار داخلي إيراني مكتوب، ولا يختزل كل الوقائع في مخطط أحادي صارم. لكنه يقدّم إطارًا أرجح من البدائل المبسطة: اختارت إيران الساحة التي تمنحها أفضل توازن بين العائد والكلفة، وأكبر قدرة على تحويل الضربة الموضعية إلى أثر إقليمي ودولي ممتد. وفي هذه المعادلة، تقدّم الخليج على غيره لأنه جمع، أكثر من غيره، بنية الردع الأمريكي، وثقل الطاقة، وقابلية تراكب الأدوات، مع بقاء كلفة التوسيع فيه أدنى نسبيًا من فتح مسار تصعيد أوسع في ساحات أخرى.

ومن ثم، فإن أي قراءة مستقبلية لاحتمالات التصعيد في المنطقة لا تستطيع التعامل مع الخليج بوصفه مجرد فضاء خلفي للحرب، أو مجرد خزان للطاقة، أو مجرد حزمة قواعد عسكرية. إن قوته، من وجهة نظر الأطراف المتصارعة، هي نفسها مصدر هشاشته؛ لأنه الساحة التي تتراكب فيها الوظائف، وتتعاظم فيها الرسائل، وتتضاعف فيها آثار الضربة الواحدة. وهذا هو جوهر المنطق الذي حاولت الدراسة تفسيره: الساحة الأهم ليست دائمًا الساحة التي تبدأ فيها الحرب، بل الساحة التي تسمح بتحويل الحرب إلى كلفة موزعة على أكبر عدد من الخصوم والمستويات.

المراجع

(١) وكالة رويترز، «دول الخليج تقول للولايات المتحدة إن إنهاء الحرب لا يكفي وإن قدرات إيران يجب أن تُضعف»، ٢٧ آذار ٢٠٢٦.
(٢) وكالة رويترز، «ما أبرز القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط؟»، ٢٨ شباط ٢٠٢٦.
(٣) وكالة رويترز، «إصابة خط الشرق–الغرب النفطي السعودي في هجوم إيراني وتقييم الأضرار»، ٨ نيسان ٢٠٢٦.
(٤) وكالة رويترز، «السعودية تقول إن الهجمات قلّصت إنتاج النفط وتدفق خط الشرق–الغرب»، ٩ نيسان ٢٠٢٦.
(٥) وكالة رويترز، «الطرق البديلة للنفط والغاز في الشرق الأوسط في ظل اضطراب مضيق هرمز»، ٢١ نيسان ٢٠٢٦.
(٦) وكالة رويترز، «دور قطر في سوق الغاز العالمية»، ١٩ آذار ٢٠٢٦.
(٧) وكالة رويترز، «أضرار هجوم إيراني تُخرج ١٧ في المئة من قدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي المسال من الخدمة لثلاث إلى خمس سنوات»، ١٩ آذار ٢٠٢٦.
(٨) وكالة رويترز، «الإمارات تعلن تفكيك شبكة ممولة من إيران وحزب الله»، ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
(٩) وكالة الأنباء القطرية، «أمن الدولة يعلن ضبط خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني»، ٣ نيسان ٢٠٢٦.
(١٠) وكالة رويترز، «تركيا تقول إن دفاعات حلف شمال الأطلسي أسقطت صاروخًا إيرانيًا رابعًا داخلًا»، ٣٠ آذار ٢٠٢٦.
(١١) وكالة رويترز، «باكستان نفذت ضربات داخل إيران»، ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٤.
(١٢) وكالة رويترز، «أذربيجان تقول إنها أحبطت مخططات إيرانية بينها خطة لاستهداف خط أنابيب رئيس»، ٧ آذار ٢٠٢٦.
(١٣) وكالة رويترز، «السعودية تعلن توقيف ١٨ شخصًا في تحقيق تجسس»، ١٩ آذار ٢٠١٣.
(١٤) وكالة رويترز، «السعودية تصدر أحكامًا على ثمانية متهمين بالتجسس لصالح إيران»، ٢٥ شباط ٢٠٢٠.
(١٥) وكالة رويترز، «محكمة كويتية تؤيد حكم الإعدام بحق عضو في خلية تجسس منسوبة إلى إيران»، ٢١ تموز ٢٠١٦.
(١٦) وكالة رويترز، «ما حزب الله؟ وكيف أعاد الحرس الثوري الإيراني بناء جاهزية حزب الله للحرب؟»، ٢٠٢٣ و٢١ آذار ٢٠٢٦.
(١٧) وكالة رويترز، «لماذا لم ينخرط الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، بالكامل في الحرب؟» وتغطيات متصلة بتهديدات الصواريخ للمملكة العربية السعودية ومنطقة مكة، ٢٠١٦–٢٠٢٦.
(١٨) مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، «الشبكات الإيرانية في الشرق الأوسط»، ٦ آذار ٢٠٢٥.
(١٩) ألين شادنتس، «اللايقين والأمن الوجودي في السياسة الخارجية الإيرانية»، مجلة غلوبال ستاديز كوارترلي، ٢٠٢٣.
(٢٠) سكينة المشيخص، «بعد تجاوز إيران خطوطها الحمراء.. هل ترد دول الخليج؟»، موقع الحرة، ٢٠٢٦.
اسم: أميركاإيرانالخليج العربيالسعوديةتعليق الباحثينتقدير موقف
يشاركTweetأرسليشارك
المنشور السابق

هل تقترب أوروبا من جيش موحّد أم من اتحاد دفاعي أكثر صلابة؟

المنشور التالي

الاقتصاد الألماني بعد حرب إيران: صدمة الطاقة تكشف هشاشة النموذج الصناعي

euarsc

euarsc

المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية منصة بحثية مستقلة تُعنى بإنتاج معرفة رصينة حول القضايا السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي تصل العالم العربي بأوروبا، وتؤثر في مساراته الراهنة والمستقبلية

متعلق بـتقرير ذو صلة

كيف أعاد التهديد الروسي تشكيل معنى الإنفاق العسكري في أوروبا

كيف أعاد التهديد الروسي تشكيل معنى الإنفاق العسكري في أوروبا

أبريل 22, 2026
0
حين يسبق الرئيسُ التفويض: معركة صلاحيات الحرب في واشنطن ولماذا باتت أخطر في لحظة التوتر الدولي

حين يسبق الرئيسُ التفويض: معركة صلاحيات الحرب في واشنطن ولماذا باتت أخطر في لحظة التوتر الدولي

أبريل 21, 2026
2
إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

إسبانيا واختبار المساءلة الأوروبية لإسرائيل:

أبريل 21, 2026
0
أسباب فشل مفاوضات إسلام آباد: كيف دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض تحت الإكراه؟

أسباب فشل مفاوضات إسلام آباد: كيف دخلت واشنطن وطهران مرحلة التفاوض تحت الإكراه؟

أبريل 19, 2026
3
المنشور التالي
الاقتصاد الألماني بعد حرب إيران: صدمة الطاقة تكشف هشاشة النموذج الصناعي

الاقتصاد الألماني بعد حرب إيران: صدمة الطاقة تكشف هشاشة النموذج الصناعي

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

I agree to the Terms & Conditions and سياسة الخصوصية.

أثبت أنك إنسان: 4   +   4   =  

المركز العربي الأوروبي للدراسات. السياسية والاجتماعية.

Facebook-f X-twitter Youtube Telegram Rss Instagram Soundcloud
© 2011 تأسس

معايير

  • أوراق سورية
  • بلاد الشام
  • ملفات بحثية
  • سوريون في المهجر

أوروبا النشر

  • الاتحاد الأوروبي
  • أوراق اجتماعية
  • تعليقات الباحثين
  • حلف الناتو

العلاقات العربية

  • العلاقات العربية الأوروبية
  • الخليج العربي
  • دراسات إعلامية
  • ملفات بحثية

النشر اوروبا

  • الولايات المتحدة الامريكية
  • روسيا
  • أمن دولي
  • الأمن الإقليمي

© 2026 euarsc -كافة العلامات الخاصة بـ euarsc وكل ما تتضمنه من حقوق الملكية الفكرية  ملك لـ euarsc لا تستخدم إلا بتصريح مسبق euarsc.

  • سياسة الخصوصية
  • الشروط والأحكام
  • الابلاغ عن الإساءة
  • تواصل معنا

مرحبًا بعودتك!

تسجيل الدخول إلى الحساب

نسيت كلمة المرور ?

استرجع كلمة مرورك

يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني لإعادة تعيين كلمة المرور الخاصة بك.

تسجيل الدخول
لم يتم العثور على نتيجة .. .
عرض جميع النتائج .. .
  • العلاقات العربية الأوروبية

© 2026 المركز - العربي ، الأوروبي للدراسات.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية الخصوصية.