الملخص التنفيذي
تبحث هذه الورقة في دلالة إلغاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب رحلة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، بعد ساعات من مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إسلام آباد من دون اختراق معلن. لا تتعامل الورقة مع الإلغاء بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا، بل باعتباره علامة على حدود المسار التفاوضي الذي أرادت واشنطن اختباره من غير أن تمنحه صورة تنازل سياسي واضح (١)(٢)(٣).
تكمن أهمية الحدث في أنه جاء بعد تراكم مؤشرات على قناة تفاوضية عبر باكستان، وفي ظل هدنة مشروطة واضطراب واسع في مضيق هرمز. لذلك لا يعني الإلغاء نهاية الدبلوماسية، بل انتقالها على الأرجح إلى مستوى أدنى: رسائل غير مباشرة، ضغط ملاحي محسوب، ومحاولة لصياغة تفاهم ملاحي محدود (٤)(٥).
تجادل الورقة بأن المقاربة الأميركية الراهنة تجمع بين حاجتين متعارضتين: خفض كلفة الحرب على الأسواق والحلفاء والداخل الأميركي، والحفاظ في الوقت نفسه على صورة قوة لا تتراجع إلا بعد تحصيل مقابل سياسي واضح. هذا التوتر يفسر الانتقال بين التصعيد والتهدئة، وبين فتح قناة وإغلاق مشهدها العلني.
لا تكفي دبلوماسية الإكراه وحدها لإنتاج تسوية. فالضغط العسكري والملاحي والعقابي يمكن أن يدفع الخصم إلى إرسال إشارات، لكنه لا يصنع بالضرورة ثقة كافية إذا لم تقترن المطالب بضمانة خروج، وجدول تخفيف، وضمانات تمنع تحويل كل تنازل إلى مطلب جديد.
في المقابل، يصعب على طهران قبول صيغة تُقرأ داخليًا وخارجيًا كأنها تسليم تحت الضغط. فالمسألة في الحساب الإيراني لا تتعلق بالملاحة وحدها، بل ببنية الردع، وبما إذا كانت أي تسوية ستوقف الضغط أم تفتح جولة أوسع من المطالب.
يمثل مضيق هرمز مركز الثقل في هذه الأزمة، لأنه يجمع الطاقة، والتأمين، وسلاسل الإمداد، وشرعية القدرة الأميركية على حماية الممرات الحيوية. لذلك سيظل أي تفاهم لا يعالج قواعد الحركة في المضيق، ولا يربطها بتخفيف متدرج للضغط، تفاهمًا هشًا (٥).
تقدّر الورقة أن المسار الأكثر احتمالًا في الأجل القريب ليس اتفاقًا شاملًا، بل وضع هجين: هدنة قابلة للتمديد، قنوات اتصال خلفية تعمل في مستوى منخفض، ضغط ملاحي ـ عسكري مستمر، وترتيب محدود حول الملاحة إذا توفرت صيغة تتفادي صورة الإذعان لدى الطرفين.
النتيجة المركزية أن واشنطن لا تنتقل من الحرب إلى السلام بقدر ما تعيد إدارة الحرب بلغة تفاوضية. أما نجاح هذه اللغة في إنتاج تسوية فيتوقف على قدرة الطرفين على تحديد نقطة اكتفاء واضحة: ماذا تريد واشنطن كي توقف الضغط؟ وماذا تحتاج طهران كي تجعل التنازل قابلًا للدفاع عنه؟
الإشكالية والفرضية
تنطلق الورقة من سؤال مركزي: هل يعكس الانفتاح الأميركي على التفاوض مع إيران رغبة فعلية في إنهاء الحرب، أم محاولة لإعادة إنتاج أهداف الحرب في صيغة تفاوضية أقل كلفة وأكثر قابلية للتسويق؟ يكتسب السؤال وزنه من أن إلغاء رحلة المبعوثين لم يأت في بداية الأزمة، بل بعد اختبار قناة باكستانية بدا أن واشنطن وطهران تتعاملان معها بوصفها مساحة محتملة لخفض الكلفة لا لإنهاء الصراع دفعة واحدة.
الفرضية الرئيسة أن السلوك الأميركي لا يقوم على خيار صافٍ بين الحرب والتسوية، بل على مزج متوتر بين الضغط والتفاوض. تريد واشنطن أن تترجم فائض القوة إلى مكسب سياسي مرئي، لكنها لا تريد أن تبدو كأنها تبحث عن مخرج تحت ضغط السوق والملاحة والحلفاء. أما إيران فتحتاج إلى مخرج أيضًا، لكنها تريد مخرجًا لا يثبت عليها صورة الطرف الذي تنازل تحت الضغط. وبذلك، لا تقرأ هذه الدراسة إلغاء مسار إسلام آباد بوصفه فشلًا نهائيًا للدبلوماسية، بل بوصفه علامة على عجز الضغط الأميركي، حتى اللحظة، عن التحول إلى صيغة سياسية مكتملة: ضغط قادر على رفع الكلفة، لكنه لم ينتج بعد نقطة اكتفاء واضحة ولا ضمانة خروج قابلة للتسويق لدى الطرفين.
منهجيًا، تميّز الورقة بين الواقعة، والتفسير، والتقدير. الواقعة هي ما يرد في المصادر الموثوقة حول توجّه المبعوثين، ثم إلغاء الزيارة، ومغادرة عراقجي إسلام آباد. التفسير هو ربط هذه الوقائع بمنطق دبلوماسية الإكراه وحدود الوساطة. أما التقدير فهو ترجيح المسارات التالية بناءً على مؤشرات قابلة للمراقبة، من دون تحويل الاحتمال إلى يقين سياسي.
مخطط زمني: من التصعيد إلى تعثّر مسار إسلام آباد
يعرض هذا المخطط تسلسلًا انتقائيًا للأحداث التي تخدم سؤال الورقة. الغاية ليست سرد كل وقائع الحرب، بل تحديد اللحظات التي غيّرت وظيفة التفاوض من قناة محتملة لإنهاء التصعيد إلى أداة لإدارة كلفته.
المخطط الزمني (١): تسلسل الأحداث من التصعيد العسكري إلى تعثّر مسار إسلام آباد.
انتقال الأزمة من ضغط تفاوضي إلى صراع مفتوح يرفع كلفة أي عودة لاحقة إلى الطاولة.٢٨ شباط ٢٠٢٦
ظهور باكستان كقناة وساطة، لكن من داخل توازن هش لا يضمن وقف الضغط.٨ نيسان ٢٠٢٦
رفع القناة الباكستانية إلى مستوى سياسي أعلى، واحتمال منح الوساطة مشهدًا علنيًا.٢٤ نيسان ٢٠٢٦
تحول القناة من منصة تفاوض محتملة إلى اختبار فاشل أو مؤجل، مع محاولة أميركية لإعادة تعريف من يحتاج إلى من.٢٥ نيسان ٢٠٢٦
تثبيت هرمز بوصفه عقدة تفاوضية لا ملفًا تقنيًا، لأنه يربط أمن الطاقة بشرعية القوة الأميركية وبأوراق الردع الإيرانية.٢٤–٢٦ نيسان ٢٠٢٦
مرّر المؤشر فوق كل نقطة لعرض الواقعة ودلالتها التحليلية.
| التاريخ | الواقعة | الدلالة التحليلية | الإحالة |
|---|---|---|---|
| ٢٨ شباط/فبراير ٢٠٢٦ | بدء سلسلة ضربات أميركية ـ إسرائيلية ضد إيران وفق موجز مكتبة مجلس العموم البريطاني. | انتقال الأزمة من ضغط تفاوضي إلى صراع مفتوح يرفع كلفة أي عودة لاحقة إلى الطاولة. | (٤) |
| ٨ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ | ترتيب هدنة مشروطة عبر باكستان، مع بقاء قضايا هرمز والعقوبات والملف النووي والصاروخي قيد التفاوض. | ظهور باكستان كقناة وساطة، لكن من داخل توازن هش لا يضمن وقف الضغط. | (٤) |
| ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ | رويترز تنقل أن ويتكوف وكوشنر سيتوجهان إلى باكستان لمحادثات متصلة بإيران. | رفع القناة الباكستانية إلى مستوى سياسي أعلى، واحتمال منح الوساطة مشهدًا علنيًا. | (١) |
| ٢٥ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ | عراقجي يغادر إسلام آباد بلا لقاء أميركي، وترمب يلغي رحلة المبعوثين. | تحول القناة من منصة تفاوض محتملة إلى اختبار فاشل أو مؤجل، مع محاولة أميركية لإعادة تعريف من يحتاج إلى من. | (٢)(٣) |
| ٢٤–٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦ | استمرار مركزية مضيق هرمز في المفاوضات، مع إشارة مكتبة مجلس العموم إلى أن الحركة الملاحية تراجعت بشدة وأن المضيق ظل فعليًا شبه مغلق. | تثبيت هرمز بوصفه عقدة تفاوضية لا ملفًا تقنيًا، لأنه يربط أمن الطاقة بشرعية القوة الأميركية وبأوراق الردع الإيرانية. | (٥) |
أولًا: دبلوماسية الإكراه بين الفاعلية والانغلاق
تساعد دبلوماسية الإكراه على فهم السلوك الأميركي في هذه الأزمة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير تعثره. فواشنطن لا تتفاوض من فراغ؛ بل من داخل بنية ضغط تشمل التهديد العسكري، والعقوبات، والقيود البحرية، وتوظيف الوسطاء لاختبار استعداد إيران للتنازل. بهذا المعنى، ليست الطاولة نقيضًا لساحة القتال، بل امتدادًا لها بأدوات أقل مباشرة.
غير أن دبلوماسية الإكراه لا تنجح بمجرد وجود قوة ضاغطة. يشير نقاش معاصر حول الحالة الإيرانية إلى أن نجاحها يحتاج إلى وضوح الأهداف، وصدقية التهديد، وصدقية الوعد المقابل أيضًا؛ أي أن يعرف الطرف المضغوط ما الذي سيكسبه إذا قبل، لا ما الذي سيخسره إذا رفض فقط (٦). هنا تظهر عقدة الحالة الإيرانية: إذا بدت المطالب الأميركية مفتوحة، فإن كل تنازل إيراني قد يُقرأ في طهران كبداية لمسار تفكيك أوسع لا كنهاية لأزمة محددة.
لذلك لا تكمن المشكلة في استخدام الضغط كمدخل تفاوضي بحد ذاته. فرفع السقف في بداية التفاوض ممارسة معروفة، وقد يكون وسيلة لتوسيع هامش المناورة. المشكلة تبدأ حين يتحول رفع السقف من تكتيك افتتاحي قابل للخفض إلى تضخم هدف لا يحدد نقطة اكتفاء. حين ينتقل المطلوب من ضبط الملاحة إلى النووي، ثم الصواريخ، ثم النفوذ الإقليمي، ثم طبيعة النظام، يصبح التفاوض أقل قدرة على إنتاج صفقة لأن الطرف المقابل لا يرى نهاية واضحة لمسار التنازلات.
من هنا يصبح «ضمانة الخروج» شرطًا سابقًا للتسوية، لا مكافأة لاحقة. تحتاج واشنطن، إن أرادت تحويل الضغط إلى نتيجة سياسية، إلى بيان ما الذي ستخففه عند كل خطوة إيرانية. وتحتاج إيران، إن أرادت الحفاظ على هامش مناورة، إلى أن تقبل بخطوات قابلة للتحقق لا تبدو إنكارًا لقلق خصومها. من دون هذا التدرج، يستطيع الضغط أن يطيل الأزمة، لكنه يصبح أقل قدرة على إغلاقها.
رفع كلفة التعطيل وإظهار القدرة على حماية الممرات.
ربطه بتخفيف متبادل وقواعد مرور واضحة.تحوله إلى حصار مفتوح يدفع إيران إلى التمسك بالمضيق كورقة ردع.خفض قدرة إيران على تمويل الصراع أو إطالة المواجهة.
إعلان جدول تخفيف مشروط بتعهدات محددة.اقتناع طهران بأن التخفيف غير مضمون أو قابل للارتداد.منع إيران من توسيع التصعيد أو استهداف الحلفاء.
وضوح الخط الأحمر ووضوح مكافأة عدم تجاوزه.تحول التهديد إلى هدف متحرك يرفع كلفة القبول.توفير قناة تتفادي صورة الإذعان لدى الطرفين.
امتلاكها تفويضًا كافيًا لاختبار صيغ عملية.اختزالها في نقل رسائل متصلبة لا تصنع تسوية.كل بطاقة تعرض الوظيفة وشرط النجاح ونقطة التعثر في أداة ضغط محددة.
| المستوى | الوظيفة | شرط النجاح | نقطة التعثر |
|---|---|---|---|
| الضغط الملاحي ـ العسكري حول هرمز | رفع كلفة التعطيل وإظهار القدرة على حماية الممرات. | ربطه بتخفيف متبادل وقواعد مرور واضحة. | تحوله إلى حصار مفتوح يدفع إيران إلى التمسك بالمضيق كورقة ردع. |
| العقوبات والقيود على الصادرات | خفض قدرة إيران على تمويل الصراع أو إطالة المواجهة. | إعلان جدول تخفيف مشروط بتعهدات محددة. | اقتناع طهران بأن التخفيف غير مضمون أو قابل للارتداد. |
| التهديد العسكري | منع إيران من توسيع التصعيد أو استهداف الحلفاء. | وضوح الخط الأحمر ووضوح مكافأة عدم تجاوزه. | تحول التهديد إلى هدف متحرك يرفع كلفة القبول. |
| الوساطة الباكستانية | توفير قناة تتفادي صورة الإذعان لدى الطرفين. | امتلاكها تفويضًا كافيًا لاختبار صيغ عملية. | اختزالها في نقل رسائل متصلبة لا تصنع تسوية. |
ثانيًا: ماذا يكشف إلغاء رحلة المبعوثين؟
لا يكشف الإلغاء أن واشنطن تخلت عن التفاوض، بل يكشف أنها لم تحسم بعد شكل التفاوض الذي تريده. لو كانت أولوية التهدئة مطلقة، لمنحت الإدارة الوساطة الباكستانية فرصة أطول. ولو كان التصعيد وحده هو الخيار، لما سمحت أصلًا بظهور مسار مبعوثين إلى إسلام آباد. ما حدث يقع في منطقة رمادية: حاجة إلى قناة، وخوف من صورتها إذا بدت تنازلية.
يوحي الإلغاء بأن البيت الأبيض سعى إلى تقليص القيمة الرمزية التي كان يمكن أن تمنحها الزيارة للوسيط ولطهران معًا. فذهاب مبعوثين أميركيين كبار إلى إسلام آباد كان سيعطي الانطباع بأن واشنطن تحتاج إلى المسار. أما إلغاء السفر، ثم القول إن على إيران أن تتصل إذا أرادت التفاوض، فيعيد ترتيب المشهد لصالح رواية أميركية مفادها أن الضغط أنتج فرصة، وأن الطرف الآخر هو من يحتاج إليها.
في الوقت نفسه، لا يلغي الإلغاء حاجة واشنطن إلى مخرج. إنه يؤجل شكل المخرج ويشدده. فقد تنتقل الإدارة إلى قناة أدنى مستوى، أو تنتظر عرضًا إيرانيًا جديدًا، أو تزيد الضغط الملاحي كي تجعل العودة إلى الطاولة تبدو استجابة إيرانية لا مبادرة أميركية. وهنا تتضح وظيفة الإلغاء: ليس قطع الطريق على الدبلوماسية، بل إعادة التحكم في كلفة ظهورها.
ثالثًا: واشنطن بين خفض الكلفة وحفظ صورة القوة
تواجه واشنطن معضلة ثلاثية. أولًا، استمرار التصعيد يضغط على الملاحة والطاقة والحلفاء. ثانيًا، التراجع السريع يضعف صورة القوة التي بنى ترمب عليها خطابه. ثالثًا، أي تفاوض من دون نتيجة قابلة للقياس سيظهر كاستراحة فرضتها الكلفة لا كنجاح سياسي. لذلك تحتاج الإدارة إلى إنجاز يمكن تسويقه: فتح نسبي لهرمز، أو خفض تهديد الملاحة، أو تعهدات إيرانية محددة، أو إطار رقابي محدود.
تقدّر الورقة أن مقاربة ترمب لا تضع السلام المؤسسي الصلب في مركزها الأول، بل تبحث عن مخرج قابل للتسويق الداخلي بوصفه ثمرة ضغط ناجح. هذا لا يعني أن الإدارة ترفض التسوية، بل يعني أنها تريد تسوية لا تكسر خطاب التفوق. الفرق مهم: فالتسوية التي تبدو في واشنطن نتيجة قوة قد تبدو في طهران إذعانًا، والتسوية التي تحفظ وجه طهران قد تبدو في واشنطن تنازلًا غير مستحق.
يضاف إلى ذلك أن الحلفاء ليسوا كتلة واحدة. إسرائيل قد ترى في إطالة الضغط فرصة لإضعاف إيران أكثر، بينما تحتاج واشنطن إلى إدارة الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب. أما دول الخليج فتحتاج إلى أمن الممرات والمنشآت، لكنها تخشى أن تتحول أراضيها ومصالحها إلى ساحة ارتداد. هذا التباين لا يمنع التنسيق، لكنه يجعل القرار الأميركي محكومًا بحسابات أوسع من ثنائية الحرب والسلام.
رابعًا: طهران وسؤال الضمان قبل التنازل
تنظر طهران إلى التفاوض من زاوية مختلفة. فالقضية لا تنحصر في فتح ممر أو تخفيف ضغط أو ترتيب لقاء. إذا قدمت تنازلات واسعة تحت الضغط، فقد يرى خصومها أن الضغط نجح وأن جولات لاحقة يمكن أن تنتزع ما هو أعمق. لذلك يصبح سؤال الضمان سابقًا على تفاصيل الاتفاق: هل يتوقف الضغط إذا قدّمت إيران تعهدًا؟ هل تُرفع بعض القيود؟ هل تصبح أي صيغة رقابية نهاية لمسار أم بداية لمطالب جديدة؟
يصعب على طهران قبول صيغة تُقرأ داخليًا وخارجيًا كأنها تسليم تحت الضغط. وهذا لا يعود فقط إلى الاعتبارات الأيديولوجية أو الاعتبارات الدعائية، بل إلى منطق دولة تشعر بأن أدوات ردعها هي ما يمنع انتقال الضغط من ملف إلى آخر. لذلك تحاول إيران أن تظهر انفتاحها على الدبلوماسية من دون أن تمنح واشنطن مشهدًا تفاوضيًا مجانيًا تحت الضغط.
لكن الهامش الإيراني ليس مفتوحًا. تعطيل هرمز أو تهديد الملاحة يرفع كلفة الأزمة على الآخرين، لكنه يرفعها على إيران أيضًا. وكلما طال الاضطراب زادت احتمالات تشديد الضغط، واتساع العزلة، ووقوع حادث يفرض على القرار السياسي مسارًا لم يكن يريده. من هنا، تحتاج طهران إلى مخرج أيضًا، لكن مخرجًا لا يجرّدها من ورقة التفاوض قبل الحصول على مقابل واضح.
خامسًا: مضيق هرمز بوصفه مركز الثقل
لا تُستخدم الإشارة إلى «الإغلاق» أو «الحصار» هنا بمعناها القانوني النهائي إلا حيث يرد ذلك في مصدر موثق، بل بوصفها توصيفًا عمليًا لتعطّل المرور البحري أو تقييده بفعل التهديد، أو الاعتراض، أو إجراءات التفتيش، أو المخاطر العسكرية. فمضيق هرمز ليس مساحة بحرية عادية؛ إذ تقع ممراته ضمن نطاق شديد الحساسية بين المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية، وتخضع حركة المرور فيه لاعتبارات حرية الملاحة وقواعد المرور العابر في المضائق الدولية. لذلك فإن أي ترتيب تفاوضي لا يقتصر على فتح الممر، بل يحتاج إلى قواعد اشتباك، وضمانات مرور، وآلية تحقق تمنع تحويل الملاحة إلى أداة ضغط يومية.
لا يمكن فهم الأزمة من دون مضيق هرمز. فهو ليس مجرد جغرافيا بحرية، بل نقطة ضغط تجمع الطاقة، والتأمين، وسلاسل الإمداد، وشرعية القدرة الأميركية على حماية الممرات. وفق موجز مكتبة مجلس العموم البريطاني، يمر عبر المضيق نحو ٢٠٪ من النفط العالمي ونحو ٢٠٪ من الغاز الطبيعي المسال سنويًا، وكان نحو ٣٠٠٠ سفينة يستخدمونه شهريًا قبل الأزمة، بينما تراجعت الحركة إلى نسبة محدودة جدًا من مستواها السابق (٥).
بالنسبة إلى واشنطن، إعادة فتح هرمز أو خفض المخاطر فيه تمثل شرطًا لأي إعلان نجاح. فالقوة الأميركية لا تقاس بعدد القطع البحرية فقط، بل بقدرتها على ضمان تدفق التجارة والطاقة. وإذا بدا أن الولايات المتحدة لا تستطيع تأمين ممر بهذا الحجم، فإن كلفة الأزمة تصبح سياسية بقدر ما هي اقتصادية.
بالنسبة إلى إيران، يشكل هرمز ورقة توازن. لا تستطيع طهران مجاراة فائض القوة الأميركي، لكنها تستطيع رفع كلفة هذا الفائض في مساحة بحرية حساسة. لذلك يصعب أن تتخلى عن الورقة مجانًا. وكل ترتيب ملاحي لا يتضمن تخفيفًا متدرجًا للضغط، وضمانًا لعدم تحويل الانفتاح إلى مطلب جديد، سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار عند أول حادث.
يمر عبر المضيق نحو خُمس النفط العالمي وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال سنويًا، ويقع أضيق أجزائه ضمن المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية، مع قنوات ملاحة ضيقة. لذلك لا يعمل هرمز كممر بحري فقط، بل كاختبار لقدرة القوى الكبرى على حماية الاقتصاد البحري العالمي (٥).
سادسًا: الوساطة الباكستانية وحدود الجسر
تملك باكستان قيمة في هذه الأزمة لأنها تستطيع مخاطبة الطرفين من موقع مختلف عن موقع الحلفاء المباشرين لواشنطن أو الوسطاء التقليديين في الخليج. لكنها لا تملك وحدها القدرة على فرض تسوية. دورها الحقيقي هو فتح الممر السياسي، وتخفيف كلفة الاتصال، وتقديم صيغة تتفادى صورة الإذعان لدى الطرفين. أما كتابة النتيجة فتظل مرهونة بما إذا كانت واشنطن مستعدة لتعريف نقطة الاكتفاء، وما إذا كانت طهران مستعدة لتقديم خطوة قابلة للتحقق.
بعد إلغاء الزيارة، لم تفقد باكستان دورها، لكنها فقدت جزءًا من زخمها العلني. كان وصول المبعوثين الأميركيين سيمنحها صورة منصة تفاوض. أما بعد الإلغاء، فيبدو دورها أقرب إلى مسار نقل مواقف. والفرق بين الاثنين جوهري: منصة التفاوض تخلق توقعًا بالنتائج، أما مسار نقل المواقف فيمنع الانهيار ولا يضمن الاختراق.
لذلك قد تتجه المرحلة التالية إلى وساطة متداخلة: باكستان للرسائل السياسية، وربما عُمان أو قناة أمنية لتفاصيل الملاحة، وطرف دولي آخر لتثبيت بعض الضمانات. هذا لا يعني قرب التسوية، لكنه يعني أن الطرفين لا يريدان إغلاق كل الأبواب، حتى وهما يرفعان كلفة الجلوس العلني إلى الطاولة.
سابعًا: خريطة الفاعلين ومصالحهم وأدواتهم
| الفاعل | المصلحة | الأدوات | نقطة الهشاشة |
|---|---|---|---|
| الولايات المتحدة | خفض كلفة الحرب، إعادة فتح الملاحة، منع ظهور التفاوض كتراجع، تحصيل نتيجة قابلة للتسويق. | ضغط ملاحي، عقوبات، تهديد عسكري، وسطاء، خطاب سياسي داخلي. | تحويل الضغط إلى تسوية من دون الظهور كطرف يبحث عن مخرج. |
| إيران | الحفاظ على الردع، منع التسليم تحت الضغط، الحصول على ضمانات، استثمار هرمز كورقة تفاوض. | تعطيل أو تهديد الملاحة، رسائل عبر الوسطاء، صمود تفاوضي، أدوات إقليمية. | تخفيف الكلفة من دون فقدان ورقة الضغط أو شرعية الموقف الداخلي. |
| باكستان | تعزيز دور الوسيط، منع انفجار إقليمي، تحويل موقعها إلى قناة سياسية ذات قيمة. | استضافة، نقل رسائل، اتصالات مع الطرفين. | ضعف القدرة على فرض ضمانات أو تغيير سقوف الأطراف. |
| إسرائيل | إضعاف القدرات الإيرانية، منع تسوية تمنح إيران هامش تعافٍ سريع. | ضغط سياسي وأمني على واشنطن، ضربات أو تهديدات، تنسيق استخباري. | تباين نقطة الاكتفاء مع واشنطن إذا ارتفعت كلفة الحرب. |
| الدول الخليجية | حماية المنشآت والممرات، تفادي انتقال التصعيد إلى أراضيها، استقرار الطاقة. | اتصالات أمنية، ضغوط دبلوماسية، تنسيق بحري، قنوات تهدئة. | أن تتحول إلى مساحة ارتداد إذا فشل التفاهم حول هرمز. |
| أوروبا وآسيا | استقرار الطاقة وسلاسل الإمداد، منع اتساع الصدمة الاقتصادية. | ضغط دبلوماسي، مبادرات بحرية، رسائل إلى الطرفين. | محدودية القدرة على تغيير حسابات الحرب إذا غلب منطق الردع. |
ثامنًا: مصفوفة المخاطر والفرص
لا تقيس المصفوفة التالية ما هو مرغوب، بل ما يبدو مرجحًا في ضوء توازنات الضغط والوساطة والملاحة. لذلك تستخدم الورقة تقديرًا نوعيًا للاحتمال والأثر، مع مؤشرات تحقق قابلة للرصد.
مرّر المؤشر فوق خلايا الاحتمال والأثر لقراءة المؤشرات والنتيجة المتوقعة.
| الخطر/الفرصة | الاحتمال | الأثر | مؤشرات التحقق | الأثر المتوقع |
|---|---|---|---|---|
| استدامة الوضع الهجين | مرتفع | مرتفع | هدنة مشروطة، رسائل وساطة بلا اختراق، بقاء الضغط الملاحي، غياب إعلان تفاوض مباشر. | إطالة الأزمة وخفض الانفجار الفوري مع إبقاء احتمال الاشتعال قائمًا. |
| حادث بحري كبير | متوسط | شديد | زيادة الاعتراضات، تضارب قواعد الاشتباك، خطاب تهديدي، تحرك عسكري غير منسق. | انتقال القرار السياسي خلف الحدث الميداني، واحتمال توسع التصعيد. |
| انهيار قناة الوساطة | متوسط | مرتفع | تبادل اتهامات علنية، تراجع دور باكستان، رفض صيغ قبل مناقشتها. | فقدان أداة امتصاص التوتر وعودة لغة الإكراه الصافي. |
| تفاهم ملاحي محدود | متوسط | متوسط إلى مرتفع | خطاب أقل حدة، رسائل عن ضمانات متدرجة، صياغات حول المرور أو التفتيش أو عدم الاستهداف. | خفض كلفة الأزمة وفتح باب تفاوض أوسع إذا صيغ بلا إذلال. |
| تسوية سياسية أوسع | منخفض إلى متوسط | مرتفع | قبول أميركي بنقطة اكتفاء واضحة، وقبول إيراني بتعهدات قابلة للتحقق، وضمانات وسيطة. | إنهاء تدريجي للأزمة، لكنه يتطلب شجاعة سياسية غير ظاهرة حتى الآن. |
تاسعًا: السيناريوهات المرجحة
تُختزل السيناريوهات هنا في ثلاثة مسارات كبرى، مع إدماج مسار «التجميد الطويل» داخل سيناريو إدارة الأزمة؛ لأن التجميد ليس مسارًا مستقلًا بقدر ما هو طور ممتد من الوضع الهجين.
خفض احتمال الانفجار الفوري، مع بقاء كلفة الاقتصاد والملاحة والثقة مرتفعة. قد يتحول إلى تجميد تفاوضي طويل إذا انخفض زخم الوساطة.
تهدئة السوق وفتح باب تفاوض أوسع، لكنها لا تحل ملف النووي والصواريخ والعقوبات إلا إذا ارتبطت بخطوات لاحقة.
صدمة في الطاقة والملاحة، احتمال توسع إقليمي، وتعقيد العودة إلى التفاوض لأن كل طرف سيحتاج إلى رفع كلفة التراجع.
يعرض الشكل درجة الترجيح النوعية، لا قياسًا إحصائيًا مغلقًا.
| السيناريو | الاحتمال | الأفق الزمني | مؤشرات التحقق | الأثر |
|---|---|---|---|---|
| ١. إدارة الأزمة من دون حل | الأكثر ترجيحًا | أسابيع إلى أشهر قليلة | استمرار الهدنة، مسار نقل مواقف منخفضة المستوى، ضغط ملاحي قائم، غياب اتفاق معلن. | خفض احتمال الانفجار الفوري، مع بقاء كلفة الاقتصاد والملاحة والثقة مرتفعة. قد يتحول إلى تجميد تفاوضي طويل إذا انخفض زخم الوساطة. |
| ٢. تسوية جزئية حول الملاحة | متوسط | أسابيع | تفاهم على قواعد مرور، خفض بعض الإجراءات، ضمانات محدودة، عودة الوساطة إلى الواجهة. | تهدئة السوق وفتح باب تفاوض أوسع، لكنها لا تحل ملف النووي والصواريخ والعقوبات إلا إذا ارتبطت بخطوات لاحقة. |
| ٣. عودة التصعيد | متوسط | فوري إلى شهر | حادث بحري كبير، انهيار القنوات الخلفية، تشديد أميركي إضافي، رد إيراني محسوب أو واسع. | صدمة في الطاقة والملاحة، احتمال توسع إقليمي، وتعقيد العودة إلى التفاوض لأن كل طرف سيحتاج إلى رفع كلفة التراجع. |
عاشرًا: مؤشرات المتابعة خلال الأسابيع المقبلة
- ما إذا كانت واشنطن ستعود إلى قناة باكستان بمبعوثين كبار، أم ستكتفي بمسار نقل مواقف أدنى مستوى.
- حركة السفن في مضيق هرمز، وحجم التفتيش أو الاعتراض، وما إذا كانت هناك استثناءات لدول بعينها.
- أي صيغة أميركية تربط تخفيف الضغط بخطوة إيرانية محددة، بدل الاكتفاء بمطالب عامة.
- نبرة الخطاب الإيراني بشأن «المفاوضات المفروضة» وما إذا كانت ستتراجع لصالح لغة «الضمانات المتبادلة».
- موقف الدول الخليجية من الترتيبات البحرية، وهل تدفع نحو تهدئة تقنية أم نحو تشديد جماعي.
- موقف إسرائيل من أي ترتيب جزئي؛ لأن رفضها أو ضغطها قد يرفع سقف واشنطن مجددًا.
- استجابة الأسواق وأسعار الطاقة والتأمين البحري، لأن استمرار الضغط الاقتصادي قد يفرض على الطرفين مرونة لا يظهرانها علنًا.
حادي عشر: اختبار الفرضية المضادة: هل كان الإلغاء مناورة ضغط؟
لا تكتمل قراءة إلغاء مسار إسلام آباد من دون اختبار الفرضية المضادة: هل كان الإلغاء دليل تعثر، أم مناورة ضغط محسوبة لإجبار طهران على تقديم عرض أفضل؟ لا تستبعد الورقة هذا الاحتمال، لكنها تميّز بين مناورة ناجحة ترفع كلفة الخصم ثم تنتج تنازلًا قابلًا للقياس، وبين مناورة تكشف ضيق هامش القرار إذا لم تفتح بابًا إلى صيغة خروج واضحة. لذلك لا يُحاكم الإلغاء بذاته، بل بنتائجه اللاحقة: هل يقود إلى تعهد إيراني محدد، أو إلى تخفيف تهديد الملاحة، أو إلى عودة تفاوضية أقل غموضًا؟ أم يراكم عدم الثقة ويُبقي الضغط قائمًا من دون أفق إغلاق سياسي؟
يصبح الإلغاء، وفق هذا الاختبار، جزءًا من إدارة ضغط ناجحة إذا أنتج عرضًا إيرانيًا قابلًا للقياس، أو خفضًا ملموسًا في تهديد الملاحة، أو عودة إلى قناة تفاوض بشروط أكثر تحديدًا. أما إذا أنتج تراجعًا في الثقة، وارتفاعًا في الخطاب، وبقاءً للضغط الملاحي ـ العسكري من دون صيغة خروج، فإنه يتحول إلى علامة على أن واشنطن تعرف كيف ترفع الكلفة، لكنها لا تملك بعد آلية مستقرة لإغلاق الصفقة.
تطرح الأزمة كذلك مسألة «اقتصاد الإكراه». فالحرب هنا ليست تبادل ضربات أو رسائل سياسية فقط؛ إنها كلفة تأمين، وحركة ناقلات، وسلاسل إمداد، وتوقعات أسعار، وضغط على الحلفاء المستوردين للطاقة، وتوتر في حسابات الصين والهند وأوروبا. وكلما طال اضطراب هرمز، تحولت القوة الأميركية من أداة ضغط على طهران إلى اختبار لقدرة واشنطن على حماية الممرات الحيوية لا مجرد تهديد خصمها. لذلك لا يكون السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة ممارسة الضغط؟ بل: هل تستطيع ممارسته من دون نقل جزء معتبر من كلفته إلى حلفائها وأسواقها وسمعتها كضامن للنظام البحري العالمي؟
تتصل الفرضية أيضًا بتعدد تعريفات النصر. لا تملك واشنطن وحدها تعريفًا حرًا للنهاية المقبولة. إسرائيل قد تميل إلى إطالة الضغط ما دام يضعف القدرات الإيرانية، بينما تميل دول الخليج إلى تهدئة تضبط الملاحة وتمنع انتقال التصعيد إلى جوارها المباشر. أما أوروبا وآسيا فتقرآن الأزمة من زاوية الطاقة والتجارة والتأمين. هذا التعدد لا يلغي القرار الأميركي، لكنه يقيده؛ فكلما اتسعت دائرة المتضررين من استمرار التوتر، زاد الضغط على واشنطن كي تقدم ضمانة خروج لا مجرد خطاب تفوق.
لذلك يصبح معيار الحكم على المسار التالي مسألة مركزية. لا يكفي القول إن القناة الخلفية ستعود أو إن التفاهم الملاحي ممكن. المطلوب تحديد مؤشرات قابلة للرصد: هل ينخفض مستوى التفتيش البحري؟ هل تظهر صيغة تخفيف جزئي للعقوبات أو القيود؟ هل تعلن طهران التزامًا محددًا بعدم تهديد فئات معينة من السفن؟ هل تنتقل الوساطة من نقل المواقف إلى صياغة نصوص؟ هل تتراجع اللهجة الأميركية من مطالب مفتوحة إلى قائمة محددة قابلة للقياس؟ بهذه المؤشرات يتحول التحليل من قراءة انطباعية إلى أداة متابعة عملية.
ويبقى الفرق بين «إدارة الأزمة» و«حل الأزمة» حاسمًا. إدارة الأزمة تعني منع الانفجار وشراء الوقت وخفض الكلفة اليومية. أما الحل فيعني بناء ترتيب يسمح للأطراف بإعادة تعريف مصالحها من دون العودة السريعة إلى الضغط. بناءً على ذلك، فإن أي تفاهم حول هرمز لا يساوي حلًا إذا بقي منفصلًا عن الضمانات، وأي قناة وساطة لا تعني تفاوضًا إذا ظلت بلا صلاحية لصياغة التزامات متبادلة.
ثاني عشر: قابلية ترجمة القوة إلى نتيجة سياسية
تنتقل الحجة هنا من توصيف الحدث إلى بناء نموذج تفسير يقوم على ثلاث حلقات مترابطة. الحلقة الأولى هي «فائض القوة»؛ أي قدرة الولايات المتحدة على إنتاج ضغط عسكري واقتصادي وبحري يفوق قدرة إيران على الرد المتماثل. الحلقة الثانية هي «عجز التحويل»؛ أي صعوبة نقل هذا الفائض من المجال العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة. الحلقة الثالثة هي «شرط الخروج»؛ أي أن الطرف المضغوط لا يقبل التسوية إلا إذا استطاع تقديمها داخليًا بوصفها حماية للمصالح لا استسلامًا للقوة.
بهذا النموذج يمكن فهم تناقضات السلوك الأميركي من غير اختزالها في التردد الشخصي أو الارتجال وحدهما. فالبيت الأبيض يمتلك أدوات ضغط واسعة، لكنه يواجه معضلة في تعريف نقطة الاكتفاء. إذا اكتفى بتفاهم ملاحي محدود، فقد يقول خصومه إن الحرب لم تحقق أهدافها الأوسع. وإذا أصر على مطالب قصوى، فقد يطيل الأزمة ويجعل التفاوض أقل احتمالًا. وإذا فتح قناة علنية، فقد يظهر كمن يبحث عن مخرج. وإذا أغلق القناة، فقد يفقد فرصة تحويل الضغط إلى اتفاق. هذا هو جوهر المأزق: القوة متاحة، أما الترجمة السياسية فليست مضمونة.
في المقابل، لا ينبغي تصوير إيران كطرف يملك حرية مطلقة في التعطيل. صحيح أن هرمز يمنحها ورقة ضغط لا تملك واشنطن تجاهلها، لكن استخدام هذه الورقة طويلًا يرفع كلفة الأزمة على إيران أيضًا. فإغلاق الممر أو تهديده يضغط على خصومها، لكنه يوسع دائرة الدول المتضررة، وقد يحول التعاطف مع مطالب التهدئة إلى قبول أوسع بإجراءات مضادة. لذلك تبدو طهران محتاجة إلى مخرج لا يقل عن حاجة واشنطن، لكنها تحتاج إلى مخرج مختلف: مخرج يثبت أنها لم تفقد حقها في الردع، وأنها حصلت على مقابل ملموس، لا مجرد وعد قابل للنقض.
هنا تظهر أهمية الوساطة الباكستانية في حدودها الصحيحة. لا تصنع باكستان التسوية، لكنها قد تمنع موت القناة. قيمتها لا تكمن في قدرتها على فرض تنازل على واشنطن أو طهران، بل في قدرتها على إبقاء التواصل ممكنًا عندما يصبح اللقاء المباشر مكلفًا رمزيًا. غير أن هذه القيمة تتراجع إذا لم تتلقَّ الوساطة صيغة قابلة للنقل. فالوسيط لا يستطيع تحويل مطالب مفتوحة إلى اتفاق، ولا يستطيع ضمان ما لا تريد الأطراف ضمانه.
من هنا يكتسب مفهوم «قابلية الترجمة السياسية» أهميته. ليست كل ضربة قابلة للترجمة إلى مكسب، وليست كل هدنة قابلة للتحول إلى تسوية، وليست كل وساطة قناة تفاوض. تقاس هذه القابلية بثلاثة شروط: تحديد المطلوب بدقة، وربط كل خطوة متبادلة بمقابل واضح، وامتلاك الأطراف قدرة داخلية على تسويق النتيجة. إذا غاب أحد هذه الشروط، يصبح الضغط قادرًا على إنتاج صمت مؤقت أو قناة خلفية، لكنه لا ينتج اتفاقًا صلبًا.
من هذه الزاوية، لا يعود السؤال الأهم بعد إلغاء مسار إسلام آباد: هل ستعود المفاوضات؟ بل: بأي وظيفة ستعود؟ قد تعود بوصفها مسار نقل مواقف لمنع الانفجار، وقد تعود بوصفها منصة تفاوض محدودة حول هرمز، وقد تعود بوصفها مسرحًا لإثبات أن الطرف الآخر هو من عطل السلام. الفرق بين هذه الوظائف حاسم؛ لأن الشكل الواحد، أي وجود وسيط أو لقاء غير مباشر، قد يخفي مضامين سياسية متباينة تمامًا.
وعليه، يقوم معيار الترجيح على أن المسار الأكثر احتمالًا هو إدارة الأزمة لا حلها، لأن شروط الحل الثلاثة غير مكتملة بعد. المطلوب الأميركي لا يزال واسعًا، والضمان الإيراني غير محدد، والوسيط لا يملك تفويضًا كافيًا لصناعة صيغة نهائية. أما فرصة التفاهم الملاحي فتظل قائمة لأنها أقل كلفة من التسوية الشاملة، وأكثر قابلية للتسويق، ويمكن أن تمنح كل طرف ادعاءً جزئيًا بالنجاح: واشنطن تقول إنها فتحت الممر، وطهران تقول إنها انتزعت تخفيفًا أو ضمانة محدودة.
الخريطة تختبر انتقال الأزمة من مجرد احتواء إلى مسار تفاوضي قابل للإغلاق.
| المؤشر | علامة التحقق | الدلالة |
|---|---|---|
| تحديد أميركي لنقطة الاكتفاء | انتقال الخطاب من مطالب مفتوحة إلى قائمة قصيرة قابلة للقياس | يرفع احتمال التسوية الجزئية |
| تدرج في تخفيف الضغط | إعلان أو تسريب عن تخفيف بحري أو عقابي مقابل خطوة إيرانية محددة | يحوّل القناة من تبادل مواقف إلى تفاوض |
| تعهد إيراني قابل للتحقق | إشارات واضحة إلى عدم استهداف فئات محددة من السفن أو قبول آلية رقابة | يفتح الباب لترتيب ملاحي |
| تفويض أوسع للوسيط | انتقال باكستان أو وسيط موازٍ من نقل المواقف إلى صياغة مقترحات مكتوبة | يزيد احتمال اختبار اتفاق محدود |
| خفض التصعيد الإعلامي | تراجع لغة الإذلال والتهديد المتبادل لصالح لغة الشروط والضمانات | يحسن قابلية التسويق الداخلي لدى الطرفين |
حصيلة النتائج التحليلية
- أظهر تعثّر مسار إسلام آباد أن قناة الاتصال لم تكن المشكلة بذاتها؛ المشكلة الأعمق هي وظيفة القناة: هل تُستخدم لبناء تسوية محددة، أم لإعادة توزيع كلفة الحرب سياسيًا وملاحيًا من دون إنهائها؟
- تكشف المقاربة الأميركية عن مفارقة القوة حين تمتلك أدوات الضغط ولا تمتلك تعريفًا مستقرًا لنقطة الاكتفاء. فالضغط يرفع كلفة الخصم، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى مكسب سياسي ما لم يُقرن بسقف مطالب واضح ومقابل قابل للتحقق.
- تتحرك إيران داخل معادلة دفاعية مزدوجة: تحتاج إلى خفض كلفة الأزمة، لكنها تخشى أن يتحول أي تنازل غير مضمون إلى سابقة تُستدعى لاحقًا في ملفات أوسع من الملاحة والنووي والصواريخ.
- يحمل مضيق هرمز ثقل الأزمة لأنه يحوّل التفاوض من سجال أميركي ـ إيراني إلى اختبار لأمن الطاقة والتأمين البحري وصدقية القوة الضامنة للنظام الملاحي العالمي.
- لا تكفي الوساطة الباكستانية لإنتاج اختراق إذا بقيت المطالب مفتوحة والضمانات غامضة. قيمتها الأساسية أنها تخفض كلفة الاتصال حين يصبح اللقاء المباشر عبئًا رمزيًا على الطرفين.
- المسار الأرجح هو استمرار إدارة الأزمة لا حلها: هدنة قابلة للتمديد، رسائل خلفية، ضغط ملاحي قائم، وتفاهم جزئي محتمل إذا استطاع الطرفان صياغته بلا صورة إذعان أو إعلان انتصار كامل.
توصيات للمتابعة السياسية والبحثية
ينبغي في متابعة الملف مراقبة التحولات العملية لا العبارات العامة. المؤشر الأهم ليس نبرة ترمب أو بيانات طهران وحدها، بل ما يحدث في البحر: حجم التفتيش، حركة السفن، قواعد الاشتباك، وإشارات تخفيف الضغط الملاحي أو تشديده.
ينبغي التمييز بين قناة تفاوض ومسار نقل مواقف. عودة باكستان إلى الصورة لا تعني تلقائيًا عودة المفاوضات؛ السؤال الأدق هو ما إذا كانت القناة تحمل صلاحية صياغة تفاهم، أم تكتفي بنقل مواقف متصلبة.
ينبغي التعامل مع أي ترتيب حول هرمز بوصفه اختبارًا سياسيًا قبل أن يكون إجراءً تقنيًا. إذا نجح الترتيب في خفض المخاطر من دون إذلال أي طرف، فقد يفتح بابًا لتسوية أوسع. وإذا صيغ كلغة انتصار لطرف واحد، فسيكون عمره قصيرًا.
ينبغي عدم تضخيم دور الوسيط مهما كانت أهميته. الوسيط ينجح عندما تكون لدى الأطراف مصلحة في استخدامه. أما إذا أرادت واشنطن إثبات التفوق فقط، أو أرادت طهران شراء الوقت فقط، فلن تنتج الوساطة أكثر من هدنة لفظية.
خاتمة تركيبية: حدود القوة حين تبحث عن صيغة خروج
لا تنتهي هذه الدراسة إلى حكم مبسط عن نجاح الدبلوماسية أو فشلها. قيمتها الأهم أنها تكشف فجوة أكثر عمقًا في إدارة الأزمات الكبرى: امتلاك القدرة على إطلاق الضغط لا يعني امتلاك القدرة على إغلاقه. الضربات، والعقوبات، والتهديدات البحرية، والقنوات الخلفية أدوات يمكن تحريكها سريعًا؛ أما تحويلها إلى ترتيب سياسي قابل للبقاء فيحتاج إلى تعريف دقيق لما يكفي، وما يُقابل ماذا، ومتى يستطيع كل طرف أن يتوقف من دون أن يبدو مهزومًا.
بهذا المعنى، لا يمثل إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان نهاية لمسار دبلوماسي بقدر ما يمثل لحظة كشف. فقد ظهر أن الجسر بين فائض القوة ومحدودية النتيجة أضعف من أن يحمل تسوية مكتملة. تستطيع واشنطن رفع الكلفة على طهران، وتستطيع إيران رفع كلفة البيئة البحرية والسياسية على خصومها، لكن الطرفين يصطدمان بالسؤال نفسه: كيف تتحول المرونة إلى قرار سيادي لا إلى اعتراف بأن الضغط رسم حدود السلوك؟
تتجاوز عقدة هرمز معناها الجغرافي هنا. فالمضيق يصبح حقل اختبار أوليًا لأي تسوية، لا لأنه الملف الوحيد، بل لأنه أكثر الملفات قابلية للقياس: هل تنخفض المخاطر؟ هل تتحرك السفن؟ هل تتراجع إجراءات الاعتراض أو التفتيش؟ هل تُترجم الضمانات إلى سلوك يومي في البحر؟ لذلك قد يبدأ أي مسار قابل للحياة من الملاحة، لا لأنها أسهل سياسيًا، بل لأنها تمنح الأطراف نتيجة ملموسة قبل الانتقال إلى الملفات الأثقل.
وعليه، تبدو الأزمة مرشحة للبقاء في منطقة وسطى: انضباط محسوب يمنع الانفجار، وضغط متواصل يمنع الاستقرار، وقنوات خلفية تمنح السياسة وقتًا من دون أن تمنحها حلًا نهائيًا. تكمن خطورة هذه المنطقة في أنها تغري كل طرف باختبار جديد، وتكمن فرصتها في أن الكلفة المتراكمة قد تدفع الطرفين إلى قبول تفاهم محدود لا ينتصر فيه أحد بالكامل ولا يخسر فيه أحد صورته بالكامل.
الخلاصة المعرفية أن دبلوماسية الإكراه لا تُقاس بقدرتها على إجبار الخصم على الإصغاء فقط، بل بقدرتها على بناء ممر خروج مقبول للطرف المضغوط أيضًا. وحين تغيب هذه الصيغة، تستطيع القوة أن تدير الحرب، وتؤجل الانفجار، وتفتح قنوات اتصال؛ لكنها تبقى عاجزة عن إنتاج سلام سياسي مستقر.
مراجع وإحالات
(١) رويترز، «سفر ويتكوف وكوشنر إلى باكستان قريبًا لإجراء محادثات بشأن إيران، وفق مسؤول أميركي»، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، Reuters، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٢) رويترز، «ترمب يلغي رحلة مبعوثيه إلى باكستان في ضربة لآمال اختراق في حرب إيران»، ٢٥ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، Reuters، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٣) أسوشيتد برس، «ترمب يقول إنه ألغى إرسال مبعوثين أميركيين كبار إلى باكستان للتفاوض مع إيران»، تحديثات مباشرة، ٢٥ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، Associated Press، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٤) مكتبة مجلس العموم البريطاني، «وقف إطلاق النار الأميركي ـ الإيراني والمحادثات النووية في ٢٠٢٦»، موجز بحثي CBP-10637، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، House of Commons Library، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٥) مكتبة مجلس العموم البريطاني، «الصراع الإسرائيلي/الأميركي ـ الإيراني ٢٠٢٦: إعادة فتح مضيق هرمز»، موجز بحثي CBP-10636، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، House of Commons Library، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٦) ليزلي فينجاموري، «في إيران، يتخلى ترمب عن استراتيجية أميركية للدبلوماسية القسرية»، مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، ٢٧ شباط/فبراير ٢٠٢٦، Chicago Council on Global Affairs، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٧) مجموعة الأزمات الدولية، «راصد أزمة إيران رقم ٢»، ٢١ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، International Crisis Group، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٨) مجلس العلاقات الخارجية، «مع إغلاق هرمز، تعيد الصين توصيل مستقبل الطاقة النظيفة عالميًا»، ١٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، Council on Foreign Relations، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(٩) معهد الحكومة، «إدارة التداعيات الاقتصادية لحرب إيران»، ٨ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، Institute for Government، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
(١٠) مجلس الاتحاد الأوروبي، «بيان الرئيس أنطونيو كوستا عقب الاجتماع مع الشركاء الإقليميين»، ٢٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، Council of the European Union، تاريخ الاطلاع: ٢٦ نيسان/أبريل ٢٠٢٦.
