- هرمز في التفاوض الأمريكي الإيراني: ثمن التهديد وحدود المقايضة
- اختبار الضمانات الأمريكية وحدود الضغط الإيراني على أمن الملاحة
- تستند هذه القراءة إلى المعطيات المتاحة حتى ٣٠ أيار/مايو ٢٠٢٦.
- تنبع قيمة هرمز في الحساب الإيراني من أثر التعطيل المحتمل. تملك طهران القدرة على رفع كلفة التأمين البحري، واضطراب أسعار الطاقة، وتوتير حسابات القوات الأمريكية في الخليج. تنشأ قوة الورقة من أثر التهديد، ومن القدرة على تعريض الثقة بالممر للاهتزاز.
زاوية التعليق
يضع التفاوض الأمريكي الإيراني مضيق هرمز في موقع مختلف عن صورته الإعلامية المعتادة. فالممر لا يُطرح كأصل تملك طهران حق التصرف فيه، وإنما كمساحة تستطيع إيران، بحكم الجغرافيا والقوة العسكرية، أن ترفع كلفة العبور فيها. هنا تتحدد المعادلة: الملاحة حق دولي واسع الحماية، والتهديد قدرة سياسية قابلة للمساومة. لذلك ينتقل النقاش من السيطرة على المضيق إلى مسألة أدق: بأي ثمن يمكن خفض قدرة إيران على إرباك الملاحة من غير منحها اعترافًا بإدارة الممر؟
هذه الزاوية تجعل هرمز ملفًا تفاوضيًا مزدوجًا. تريد واشنطن ضمانًا لا يطمئن السوق ليومين ثم يترك باب التعطيل مفتوحًا عند أول أزمة لاحقة. وتبحث طهران عن عائد مالي وسياسي يسمح لها بتخفيض التهديد من دون أن يظهر الخفض تنازلًا مجانيًا أمام الحرس الثوري والتيار المتشدد. التفاهم المحتمل، في صيغته الضيقة، أقرب إلى تسعير الخطر منه إلى تسوية كبرى في علاقة واشنطن بطهران.
المعطى القانوني: المرور لا الملكية
تبدأ القراءة القانونية من طبيعة المضيق. هرمز ممر ملاحي دولي بين إيران وسلطنة عُمان، وتتناوله قواعد المضائق المستخدمة للملاحة الدولية في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. تنص المادة ٣٨ على المرور العابر بوصفه حرية ملاحة وتحليق لغرض عبور سريع ومتصل، وتلزم المادة ٤٤ الدول المشاطئة بعدم عرقلة هذا المرور. ومع أن إيران والولايات المتحدة ليستا طرفين في الاتفاقية، فإن ذلك لا يمنح طهران حقًا منفردًا في إغلاق الممر أو فرض إدارة أحادية عليه؛ إذ تستند واشنطن وعدد من القراءات القانونية إلى اعتبار المرور العابر قاعدة عرفية، بينما تفضّل إيران قراءة أضيق تقوم على المرور البريء.
بناءً على ذلك، لا تنتج القيمة الإيرانية من سند قانوني يسمح بإغلاق هرمز، بل من قدرة على تعطيل الثقة حوله. تملك طهران ساحلًا، وقدرات بحرية وصاروخية، وخبرة في استخدام الإشارات العسكرية لرفع كلفة الخصوم. لكنها لا تملك تحويل المضيق إلى ملكية سياسية منفردة. الفارق بين الحق والقدرة هو جوهر التفاوض الحالي: الممر خارج البيع والمنح والمصادرة، أما التهديد حوله فيمكن تحويله إلى ورقة ضغط.
قيمة هرمز: كلفة الاضطراب قبل كلفة الإغلاق
لا تحتاج إيران إلى إغلاق كامل كي تنتج أثرًا واسعًا. يكفي أن يقتنع مالكو السفن، وشركات التأمين، ومشترو الطاقة بأن المرور صار أقل يقينًا. تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو عشرين مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية عبرت المضيق في ٢٠٢٥، بما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا. وتضع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية هرمز ضمن أهم اختناقات عبور النفط عالميًا. لهذا تعمل الإشارة العسكرية، أو التلويح بالرسوم، أو الحديث عن ترتيبات بديلة للممر، كأدوات ضغط قبل أن تتحول إلى إجراءات مكتملة.
تسعّر الأسواق الاحتمال كما تسعّر الواقعة. وكلما ارتفع احتمال التعطيل، زادت قابلية هرمز لأن يدخل ملفات لا تبدو بحرية في ظاهرها: العقوبات، الأموال المجمدة، النووي، والنفوذ الإقليمي. عند هذه النقطة يصبح المضيق أداة لرفع الكلفة السياسية والاقتصادية على الخصم، لا جغرافيا بحرية تضيق عند ممر محدد.
الهدف الأمريكي: تحييد وظيفة التعطيل
تسعى واشنطن إلى إخراج هرمز من دورة الابتزاز المتكرر. لذلك لا يكفيها إعلان إيراني يطمئن الملاحة، ولا تهدئة لفظية في خطاب طهران. المطلوب أمريكيًا آلية تمنع إعادة إنتاج التهديد عند كل تعثر تفاوضي. في هذا السياق يكتسب تصريح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، بشأن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الضربات إذا تعذر التوصل إلى اتفاق، دلالة تفاوضية واضحة: الدبلوماسية تعمل تحت سقف ردعي، لا في فراغ أمني.
يرتبط ذلك بمطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة فتح المضيق أمام الملاحة غير المقيدة. فواشنطن لا تفاوض على عبور سفينة واحدة أو قافلة مؤقتة، وإنما على تقليص قدرة إيران على تحويل أمن الملاحة إلى ورقة عائدة في كل دورة أزمة. أي ترتيب يفتح المضيق من دون آلية تمنع تهديده من جديد سيمنح الأسواق هدوءًا قصيرًا، ثم يترك أصل المشكلة في مكانه.
يقوم المسار الأمريكي ـ الإيراني حول مضيق هرمز على سؤال محدد: كيف تُخفض قدرة طهران على تهديد الملاحة من غير منحها اعترافًا سياسيًا بإدارة الممر؟ يضع هذا السؤال التفاوض في خانة المقايضة على وظيفة التهديد بدل خانة السيادة البحرية.
الحساب الإيراني: تحويل الخطر إلى عائد
تتحرك طهران من حساب مختلف. خفض التهديد في هرمز بلا عائد يضعف صورة الردع أمام الداخل الإيراني، ويجعل التهدئة أقرب إلى قبول مجاني بشروط الخصم. لذلك يتصل ملف الأموال المجمدة والعقوبات بالتهدئة البحرية. أشارت رويترز، في نيسان/أبريل ٢٠٢٦، إلى رواية إيرانية قالت إن واشنطن قبلت الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في قطر ومصارف أخرى، وربطت الرواية ذلك بضمان المرور الآمن في هرمز. في المقابل، نفى مسؤول أمريكي وجود هذا الاتفاق المالي.
يعطي التضارب نفسه مفتاحًا لقراءة الترتيب المطروح. تريد طهران تحويل الخطر إلى سيولة أو تخفيف عقابي، وتريد واشنطن تحويل أي سيولة محتملة إلى قيد على التهديد. المسألة العملية هنا ليست حجم المال وحده، وإنما شروط إطلاقه: هل يأتي العائد مقابل سلوك قابل للقياس، أم يتحول إلى مكافأة مبكرة تسمح لطهران بالاحتفاظ بورقة التعطيل لوقت لاحق؟
الخطاب الداخلي: رفع السقف قبل خفضه
يؤدي خطاب محسن رضائي وظيفة داخلية لا تقل أهمية عن وظيفته الخارجية. اتهامه ترامب بـ«خيانة الدبلوماسية» وحديثه عن الحصار والمطالب المفرطة يهيئان غطاء سياسيًا لأي خفض لاحق في سقف التهديد. يرفع المسؤول الإيراني السقف لفظيًا كي يظهر التراجع العملي، إن وقع، انتزاعًا للثمن لا نتيجة ضغط أمريكي مباشر.
هذا النمط مألوف في تفاوض الأزمات. يسبق التنازل خطاب تشدد، لأن القيادة تحتاج إلى حفظ صورة الصلابة قبل القبول بتسوية محدودة. لذلك لا ينبغي قراءة التصعيد اللفظي الإيراني بوصفه نقيضًا مؤكدًا للتفاهم؛ فقد يكون جزءًا من بناء شروطه الداخلية. غير أن الخطر يبقى قائمًا: كلما زادت حاجة طهران إلى إثبات القوة أمام جمهورها، ارتفع احتمال استخدام البحر نفسه لإنتاج مشهد ضغط قابل للتسويق.
إيران تساوم على تهديد هرمز بدل هرمز نفسه. التهديد ورقة ضغط قابلة للبيع، أما الممر فيقع خارج الملكية المنفردة التي تسمح لطهران بالتنازل عنه.
النووي والنفوذ الإقليمي: حدود الصفقة الضيقة
يتغير وزن هرمز عندما يُقرأ إلى جانب الملف النووي والشبكات الحليفة لطهران في الإقليم. النووي يمنح إيران ردعًا بعيد المدى، وهرمز يمنحها أداة ضغط سريعة، والنفوذ الإقليمي يوفر لها عمقًا عملياتيًا خارج حدودها. تعمل واشنطن على وصل هذه الملفات لأنها ترى أمن الملاحة جزءًا من السلوك الإيراني العام. وتعمل طهران على فصلها لأن جمعها في صفقة واحدة يحول التهدئة البحرية إلى مدخل لتقليص أوسع في أدوات نفوذها.
تقديريًا، ينشأ القلق لدى إسرائيل وحلفاء واشنطن الإقليميين من احتمال أن يتحول هدوء هرمز إلى مقابل مالي أو عقابي محدود، مع بقاء البنية النووية والإقليمية من غير معالجة حاسمة. في هذه الحالة تمر السفن، وتتحرك بعض الأموال، وتهدأ الأسواق مؤقتًا، بينما تبقى أدوات التصعيد الأساسية جاهزة. هشاشة التفاهم لا تكمن في فتح المضيق وحده، وإنما في حدود ما يربطه أو يفصله عن بقية أدوات القوة الإيرانية.
الضمانة العملية: السلوك قبل إعلان النيات
تحتاج أي صيغة تفاهم إلى نقل النقاش من التعهد السياسي إلى الاختبار اليومي. المشكلة لا تقف عند قدرة طهران على إصدار بيان يطمئن الملاحة، ولا عند قدرة واشنطن على إعلان نجاح دبلوماسي سريع، بل عند قابلية الضمان للقياس بعد التوقيع. الضمان الضعيف يترك لطهران مساحة واسعة لتفسير ما يُعد عرقلة، وما يُعد ردًا دفاعيًا، وما يُعد إجراءً سياديًا قرب سواحلها. أما الضمان الصلب فيربط خفض التصعيد بسلوك محدد: عدم اعتراض السفن، وعدم فرض وقائع إدارية على خط العبور، وعدم استخدام الزوارق أو الصواريخ أو الألغام أو التهديد بها لرفع كلفة التأمين.
بهذا المعنى، لا تكفي عبارة عامة عن «أمن الملاحة». المطلوب حزمة التزامات متدرجة، تبدأ بتثبيت حرية المرور، وتمر عبر قنوات اتصال تمنع سوء التقدير العسكري، وتنتهي بآلية مراجعة تكشف الخرق وتحدد كلفته. تقديريًا، يمكن لأي تفاهم أن يصمد إذا ارتبطت أي منفعة مالية أو عقابية بإيقاع التنفيذ، لا بإعلان التوقيع وحده. الإفراج المرحلي المشروط يحوّل المال من ثمن سياسي إلى أداة ضبط، ويمنح واشنطن قدرة على وقف العائد إذا عاد التهديد إلى البحر.
تظهر أهمية عُمان ودول الخليج في هذا المستوى تحديدًا. فالمضيق لا يقع داخل تفاوض ثنائي مغلق بين واشنطن وطهران. البيئة الإقليمية تتحمل الكلفة المباشرة للاضطراب: ارتفاع التأمين، توتر الموانئ، تذبذب إمدادات الطاقة، وتراجع ثقة الشركات بالممر. لذلك يحتاج أي ترتيب قابل للحياة إلى قناة إقليمية صامتة أو معلنة، تتيح نقل الرسائل، وتخفيف سوء الفهم، وتسجيل الخروق، ومنع تحويل حادث بحري محدود إلى اختبار شامل للاتفاق.
مؤشرات اختبار التفاهم
يمكن اختبار أي تفاهم محتمل عبر أربعة مؤشرات. الأول هو صيغة الضمان: هل تتضمن التزامات واضحة بشأن المرور، وعدم فرض رسوم أو إدارة أحادية، وعدم عرقلة السفن، أم تكتفي بتعهد سياسي عام؟ الثاني هو آلية المال: هل سيكون الإفراج عن الأموال، إن وقع، مشروطًا ومجزأً وقابلًا للتعليق، أم دفعة واسعة بلا مراجعة؟ الثالث هو موقع عُمان ودول الخليج: هل يثبت دورها كقناة ملاحة وتهدئة، أم تُترك بين ضغط واشنطن ومطالب طهران؟ الرابع هو علاقة هرمز بالنووي: هل يبقى المضيق ملفًا مستقلًا لتخفيف سريع، أم يصبح مدخلًا لتفاوض أوسع حول السلوك الإيراني؟
هذه المؤشرات أهم من عنوان الاتفاق. فالنصوص العامة تمنح الأطراف فرصة إعلان النجاح، لكنها لا تمنع عودة الأزمة. أما الآليات المحددة، ذات الكلفة الواضحة عند الخرق، فهي التي تحدد إن كان هرمز سيغادر دورة المقايضة أو سيعود إلى موقع الدفعة الأولى في أزمة لاحقة.
الخلاصة.
ينتج المسار المطروح ترتيبًا حول سعر التهديد أكثر مما ينتج اتفاقًا نهائيًا. ستخفض إيران مستوى الضغط على هرمز إذا حصلت على ثمن كاف يحفظ صورة الردع داخليًا. وستقبل واشنطن بثمن مالي أو عقابي محدود إذا حصلت على آلية تمنع إعادة فتح سوق الابتزاز البحري. معيار النجاح يقع في نتيجة واحدة: خروج هرمز من منطق المقايضة المتكررة، أو بقاؤه أداةً مؤجلةً لأول تعثر تفاوضي لاحق.
أقصر قراءة للمشهد أن إيران تساوم على التهديد المحيط بهرمز، لا على هرمز نفسه. التهديد قابل للتسعير السياسي، أما الممر فيبقى خارج الملكية المنفردة التي تسمح بالتنازل عنه أو منحه أو مصادرته.
المراجع






















