- لقاء أنقرة وحدود الدور السوري في لبنان
- فصل مسار الشطب الأميركي عن تنفيذ اتفاق الجنوب
أسفر لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة، في ٨ تموز/يوليو ٢٠٢٦، عن قرار محدد: أبلغت الإدارة الأميركية الكونغرس نيتها شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فبدأت مهلة مراجعة مدتها ٤٥ يومًا. وبعد ستة أيام، انتقلت مفاوضات تنفيذ الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي إلى روما برعاية أميركية، من دون مشاركة سورية معلنة. هذه الوقائع تفصل بين مسارين جرى دمجهما في بعض القراءات: إعادة إدماج سوريا قانونيًا واقتصاديًا، وتنفيذ الترتيب الأمني في جنوب لبنان. 〔١〕〔٢〕〔٨〕
لا تسند الأدلة المنشورة تسليم واشنطن دمشق «ملف حزب الله»، ولا تبرر استبعاد النفوذ السوري نهائيًا. الأرجح أن إدارة ترامب منحت السلطة السورية مكسبًا قانونيًا مرتفع القيمة لاختبار قدرتها على الاستقرار والامتثال، وأبقت التنفيذ داخل قناة أميركية ـ لبنانية ـ إسرائيلية. ويظل الدور السوري القابل للتحقق، حتى تاريخ قطع المعلومات، محصورًا في ضبط الحدود والتهريب والتواصل المؤسسي؛ أما العمل الأمني داخل لبنان فيحتاج إلى طلب لبناني معلن، وإطار قانوني، وقدرة عسكرية لا تتوافر شواهدها الآن.
ماذا غيّر لقاء أنقرة؟
سبق اللقاء خطاب أميركي رفع احتمال إسناد مواجهة حزب الله إلى دمشق. قال ترامب إنه اقترح على إسرائيل أن تترك لسوريا «التعامل مع حزب الله»، ثم كرر الفكرة في أكثر من مناسبة. لكن التصريحات لم تحدد مهمة أو نطاقًا جغرافيًا أو قواعد اشتباك، ولم تقترن بطلب لبناني أو تفاهم سوري ـ إسرائيلي. لذلك لا يمثل تكرار الاقتراح دليلًا على قرار تنفيذي؛ إنه يثبت وجود أداة ضغط علنية، لا وجود تفويض عملياتي. 〔٣〕〔٤〕
القرار الذي خرج من أنقرة اتخذ اتجاهًا مختلفًا. إخطار الكونغرس يفتح مسار الشطب، لكنه لا يجعله نافذًا قبل انقضاء المراجعة، ولا يزيل تلقائيًا القيود المفروضة على أفراد وكيانات وملفات أمنية وحقوقية. وكان الأمر التنفيذي الصادر في ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٥ قد ألغى برنامج عقوبات على سوريا مع إبقاء قيود محددة. وتتوقف القيمة الاقتصادية للشطب الجديد على التعليمات التنفيذية، واستجابة المصارف وشركات التأمين، وقدرة المؤسسات السورية على حماية العقود وضبط التحويلات. فإذا استمر إحجام المؤسسات المالية، يزول قيد قانوني مهم من دون أن تنخفض مخاطر السوق بالقدر نفسه. 〔١〕〔٢〕〔١٠〕
حدود القدرة السورية
خفضت دمشق الدلالة العسكرية للخطاب الأميركي. نفى الشرع وجود نية لدخول لبنان، وحصر المقصود في وقف الحرب وتنشيط العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وخلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في ٢ تموز/يوليو، لم يُعلن بحث مهمة أمنية ضد حزب الله، بينما أبدت دمشق استعدادها للقاء الحزب «إذا اقتضت المصالح». يفصل هذا الموقف بين الحوار وبين استخدام القوة، وينسجم مع حاجة السلطة السورية إلى تثبيت مؤسساتها قبل تحمل صراع خارجي. 〔٤〕〔٥〕
تملك سوريا أدوات مؤثرة من خارج لبنان. فضبط المعابر وتفكيك شبكات تهريب محددة وتبادل المعلومات مع المؤسسات اللبنانية يمكن أن يغيّر البيئة اللوجستية التي يستفيد منها حزب الله. غير أن هذه الأدوات لا تساوي القدرة على نزع سلاح الحزب داخل بيئته الاجتماعية والسياسية، ولا تمنح دمشق شرعية العمل في الأراضي اللبنانية. ويقيد أي انتقال إلى الميدان ثلاثة عوامل متداخلة: السيادة اللبنانية التي تستلزم طلبًا رسميًا وإطارًا معلنًا؛ وذاكرة الوجود السوري بين ١٩٧٦ و٢٠٠٥ وما تولده من انقسام؛ وعدم اكتمال دمج القوات السورية وإعادة تنظيمها. ويضاف إلى ذلك تحفظ إسرائيلي محتمل على توسيع نفوذ دمشق المدعومة من تركيا.
لماذا بقي اتفاق الجنوب خارج القناة السورية؟
وقع لبنان وإسرائيل، في ٢٦ حزيران/يونيو، إطارًا برعاية أميركية ينظم وقف الصراع، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وانتشار الجيش اللبناني، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا. بقي الخلاف في ترتيب الخطوات: تطالب بيروت بانسحاب يسبق انتشار الجيش أو يتزامن معه، بينما تربط إسرائيل الانسحاب بزوال تهديد حزب الله، ويرفض الحزب بدء نزع السلاح تحت الاحتلال. لذلك صار تزامن الانسحاب والانتشار وضبط السلاح جوهر النزاع، لا تفصيلًا إجرائيًا. 〔٦〕〔٧〕〔١١〕
أكدت محادثات روما في ١٤ تموز/يوليو هذه البنية. تناولت الجولة منطقتين تجريبيتين في جنوب لبنان، تتزامن فيهما ثلاثة أفعال: انسحاب القوات الإسرائيلية، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح الجماعات المسلحة. بقي التنسيق الفني بيد القيادة المركزية الأميركية مع لبنان وإسرائيل، ولم يصدر اتفاق نهائي أو جدول انسحاب معلن حتى لحظة قطع المعلومات. توزع هذه الآلية المسؤوليات بين واشنطن وتل أبيب وبيروت وحزب الله، وتبقي سوريا خارج غرفة التنفيذ، وإن أمكنها دعم المسار بضبط الحدود. 〔٨〕
أضاف تقرير «أكسيوس» المنشور في ١٤ تموز/يوليو قرينة على أن واشنطن تضغط على إسرائيل مباشرة؛ إذ أفاد بأن ترامب طلب من بنيامين نتنياهو بدء إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج سوريا والمضي في إعادة الانتشار في لبنان. امتنع البيت الأبيض عن التعليق من دون نفي الرواية، ولذلك يبقى الخبر منسوبًا إلى مسؤولين لا قرارًا رسميًا منشورًا. إذا تأكد هذا الاتجاه، فإنه يقوّي تفسير الفصل بين المسارين: الضغط على إسرائيل داخل قناة التفاوض، واستخدام الحوافز القانونية والاقتصادية لضبط السلوك السوري. 〔٩〕
اختبار التفسير البديل
تفترض فرضية التفويض أن تصريحات ترامب مهّدت لخطة تستخدم سوريا ضد حزب الله. ويحتاج هذا الافتراض إلى أثر تشغيلي واحد على الأقل: طلب لبناني، أو تفاهم سوري ـ إسرائيلي، أو دعم لوجستي، أو إدخال دمشق في آلية التنفيذ. لا يظهر أي من ذلك في المصادر المنشورة. أما تفسير التصريحات بوصفها أداة ضغط واختبارًا لاستعداد دمشق لدور إقليمي منضبط، فتدعمه طبيعة المكسب الممنوح للشرع واستمرار مسار الجنوب من دونه. لا يغلق هذا الترجيح احتمال توسيع الدور السوري لاحقًا، لكنه يحدد عتبة إثباته.
تتقاطع مصالح الفاعلين عند حدود الدور غير المباشر. تحتاج دمشق إلى تحويل الشطب إلى تدفقات مالية واستثمارية أكثر من حاجتها إلى استعراض القوة. وتحتاج بيروت إلى انسحاب إسرائيلي ملموس وغطاء سياسي للجيش، لا إلى منافس سوري يعيد سؤال الوصاية. ويسعى حزب الله إلى الفصل بين قناة سورية للحوار وبين قبول سوريا أداة لنزع سلاحه. أما إسرائيل فتريد إزالة التهديد المسلح من الجنوب من دون استبداله بنفوذ سوري ـ تركي لا تتحكم في شروطه. وتستفيد تركيا من تحسن موقع دمشق، لكنها لا تملك تفويضًا لإدارة الترتيب اللبناني.
المسار المرجح حتى نهاية صيف ٢٠٢٦
ستبقى إعادة إدماج سوريا منفصلة عن تنفيذ اتفاق لبنان، على الأرجح، حتى نهاية صيف ٢٠٢٦. وستتركز الأولوية السورية على اجتياز مراجعة الكونغرس وترتيب الامتثال المالي، بينما تختبر واشنطن المنطقتين التجريبيتين مع لبنان وإسرائيل. وقد تطلب من دمشق إجراءات حدودية قابلة للقياس، من دون إدخالها رسميًا في نزع السلاح داخل لبنان. يرتفع احتمال توسيع الدور فقط إذا ظهر طلب لبناني لمهمة محددة، أو أُدرج بند أمني واضح في أعمال اللجنة السورية ـ اللبنانية، أو شاركت دمشق في آلية فنية مرتبطة بالمناطق التجريبية.
الخطر الأرجح هو فشل التسلسل التنفيذي. إذا انتشر الجيش اللبناني من دون انسحاب إسرائيلي فعلي، تضعف شرعية الاتفاق ويستعيد حزب الله حجة الالتزامات الأحادية. وإذا انسحبت إسرائيل من منطقة تجريبية وتعذر تثبيت سلطة الدولة، فقد تجمد بقية الانسحاب. أما نجاح التجربة فيتطلب تزامنًا قابلًا للرصد بين الانسحاب والانتشار وضبط السلاح، مع حماية السكان ومنع الفراغ الأمني.
مؤشرات التحقق
١ ـ صدور قرار الشطب بعد انتهاء المراجعة، ونشر تعليمات تنفيذية تحدد القيود المرفوعة والباقية.
٢ ـ انسحاب إسرائيلي موثق من منطقة تجريبية، بالتزامن مع انتشار وحدات لبنانية وعودة السلطات والسكان.
٣ ـ إعلان ولاية اللجنة السورية ـ اللبنانية في الحدود والجمارك والمطلوبين، من دون قناة أمنية موازية.
٤ ـ ظهور طلب لبناني أو تنسيق معلن يربط دمشق مباشرة بتنفيذ اتفاق الجنوب.
٥ ـ انخفاض قابل للقياس في حوادث التهريب والاشتباك على الحدود السورية ـ اللبنانية.
دلالات تنفيذية
خلال اختبار المنطقتين التجريبيتين، تحصر الحكومة اللبنانية تعاونها مع دمشق في المعابر والجمارك وتبادل المطلوبين ومكافحة التهريب، وتربط كل خطوة أمنية بجدول انسحاب منشور وتقارير دورية عن الانتشار وحماية المدنيين. يحول ذلك دون نشوء قناة موازية أو التزام أحادي. وإذا تعثر التزامن، يتوقف التوسع إلى منطقة جديدة وتستمر المراقبة المشتركة. ويثبت النجاح تقدم الانسحاب والانتشار معًا، لا عدد الاجتماعات.
تمثل مهلة المراجعة الأميركية اختبارًا للحكومة السورية: تنشر سجلًا قابلًا للتدقيق عن ضبط الحدود والامتثال المالي وحماية العقود، وترفض أي وعد أمني يتجاوز القدرة أو يفتقر إلى طلب لبناني. وإذا طلبت واشنطن دورًا أوسع، يُحصر الرد في تعاون فني محدد المدة ومراقب بدل الانتشار داخل لبنان. وتظهر النتيجة في انخفاض التهريب وكلفة التحويلات وبدء استثمارات فعلية.
تتحمل الوساطة الأميركية مسؤولية نشر تسلسل يربط الانسحاب والانتشار وضبط السلاح بمواعيد ومسؤوليات محددة، مع فصل حوافز إدماج سوريا عن شروط اتفاق لبنان. وإذا تعذر تنفيذ منطقة تجريبية، يُجمّد التوسع وتُصحح آلية التحقق بدل نقل الكلفة إلى طرف واحد. ويُختبر المسار بخفض التدفقات غير المشروعة وتثبيت سلطة الدولة اللبنانية من دون تحويل سوريا إلى بديل منها.
لا تثبت الوظيفة التنفيذية لسوريا إلا باجتماع ثلاثة أدلة: طلب لبناني معلن، وآلية محددة، ومسؤوليات قابلة للمراجعة. قبل ذلك، يُعامل الحديث عنها بوصفه ضغطًا سياسيًا لا سياسة تشغيلية؛ ويحمي هذا الحد الفاصل بيروت ودمشق من بناء قرارات أمنية على تصريح لم يتحول إلى تفويض.
المصادر
١ ـ وزارة الخارجية الأميركية، «بدء عملية إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب»، ٨ تموز/يوليو ٢٠٢٦. الرابط
٢ ـ رويترز، «ترامب يقرر شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب»، ٨ تموز/يوليو ٢٠٢٦. الرابط
٣ ـ رويترز، «ترامب يقول إنه تحدث إلى الرئيس السوري بشأن مواجهة حزب الله»، ١٧ حزيران/يونيو ٢٠٢٦. الرابط
٤ ـ وكالة أسوشيتد برس، «ضغط ترامب على سوريا لمواجهة حزب الله يثير القلق في لبنان وإسرائيل»، ٢٨ حزيران/يونيو ٢٠٢٦. الرابط
٥ ـ رويترز، «وزير الخارجية السوري يقول إن دمشق منفتحة على لقاء حزب الله»، ٢ تموز/يوليو ٢٠٢٦. الرابط
٦ ـ رويترز، «لبنان وإسرائيل يوقعان اتفاق إطار برعاية أميركية»، ٢٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٦. الرابط
٧ ـ رويترز، «ما الذي يتضمنه الاتفاق بين إسرائيل ولبنان؟»، ٢٩ حزيران/يونيو ٢٠٢٦. الرابط
٨ ـ رويترز، «لبنان وإسرائيل يعقدان محادثات برعاية أميركية في روما لتنفيذ اتفاق الإطار»، ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٦. الرابط
٩ ـ أكسيوس، «ترامب يطلب من نتنياهو إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج سوريا ولبنان»، ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٦. الرابط
١٠ ـ البيت الأبيض، «النص التنفيذي المتعلق بإلغاء برنامج العقوبات على سوريا»، ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٥. الرابط
١١ ـ رويترز، «حزب الله يرفض الاتفاق الأمني الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل»، ٢٧ حزيران/يونيو ٢٠٢٦. الرابط




































